← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13786

التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين

أبو البقاء العكبري

Полный текст (348 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قالَ الشيخُ الإسلام وحُجّة الأَنام، العَلاَّمة، نَسيجُ وَحده، تُرجُمان الأَدَب واللِّسان، أبو البقاء عبد الله بن الحُسين العُكَبرِيُّ، أدامَ الله تأييدَه وتسديدَه.

стр. 2

١ - مسألة: [الكلام والكلمة] الكلامُ عبارةُ عن الجُملة المُفيدة فائدةً تامةً، كقولك: ((زيدُ منطلقُ))، و ((إن تأتني أكرِمْك))، و ((قُمْ))، و ((صَهْ))،وما كان نحو ذلك. فأمَّا اللّفظةُ المفردة نحو ((زَيد)) وحده و ((مَن)) ونحو ذلك فلا يُسمَى كلامًا بل كلمةً، هذا قولُ الجُمهور. وذهبَتْ شِرْذِمَةُ من النّحويين إلى أنّ الكلامَ يُطلق على المُفيد

стр. 3

وغيرِ المُفيد إطلاقًا حَقيقيًّا. والدّليلُ على القولِ الأَوَّلِ: أنَّه لفظُ يُعبَّر بإطلاقه من الجُملة المُفيدةِ، فكان حَقيقةً فيها، كالشَّرطِ وجوابِهِ، والدّليلُ على أنَّه يعبر به عنها لا إشكال فيه، إذ هو مُتَّفَقُ عليه، وإنَّما الخلاف في تَخصيصه بذلك دونَ غَيره، وبيان اختصاصه بها من ستّة أوجه: أحدها: أنه يطلق بإزائها فيُقال: هذه الجُملة كلامُ، والأصلُ في الإطلاقِ الحقيقةُ. الثاني: أنَّ الكلامَ تؤكّدُ به الجُملة كقولك: تَكلّمتُ كلامًا، وكلمتُهُ كلامًا والمصدَرُ المؤكَّدُ به نائبُ عن إعادةِ الجُملة، ألا تَرى أنَّ قولَكَ: قمتُ قيامًا وتكلّمتُ، تقديره: قمتُ قمتُ؛ لأنَّ الأصلَ في التَّوكيد إعادة الجُملة بعينِها، ولكنّهم آثروا أَلا يُعيدوا الجُملة بعينها، فجاءوا بمفردٍ في معناها، والنائبُ عن الشيءِ يؤدّي عن معناه. والثالث: أنَّ قولَك كلمتُه عبارة عن أنَّك أفهمتَهُ معنى بلفظٍ، والمعنى المُستفادُ بالإِفهامِ تامُّ فكانت العبارة عنه موضوعه له، لا منبئة عنه، والكلامُ هو معنى كلمتُهُ. والرابع: أن مصدَرَ تكلَّمتُ التَّكَلُّم، وهو مشدّد العَين في الفعلِ

стр. 4

والمصدَرِ، والتَّشديدُ للتَّكثير، وأَدنى التَّكثير الجُملةُ المفيدةُ. وأمَّا كلَّمتُ فمشدَّدُ أيضاً، وهو دليلُ الكثرةِ، ومصدَرُهُ التَّكليم، التاء والياء فيه عوض عن التَّشديد. والخامس: أنَّ الأحكامَ المُتَعَلّقة بالكلام لا تَتَحقّق إلاّ بالجملة المُفيدة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وإِنْ أَحَدُ من المُشرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَهِ﴾. ومعلومُ أنَّ الاستجارة لا تَحصُلُ إلاّ بعدَ سماعِ الكلامِ التامِّ المَعنى، والكلمةُ الواحدةُ لا يَحصُلُ بها ذلك. وكذلك قولُه تَعالَى: ﴿يُرِيدُون أَنْ يُبَدِّلُوا كلامَ اللَهِ﴾ والتَّبديلُ صرفُ مايَدُل عليه اللّفظ إلى غيرِ معناه، ولا يَحصُلُ ذلك بتَبديلِ الكلمةِ الواحدةِ، لأنَّ الكلمةَ الواحدةَ إذا بُدّلت بغيرها كان ذلك لغةٍ إلى لغةٍ أُخرى وقالَ تَعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيْقُ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوْهُ﴾،وإنَّما عَقلوا المَعنى التَّامّ ثُمَّ حرَّفوه عن جهته، ومثله قوله تعالى: ﴿يُحرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، ومن ذلك تعليقُ اليَمِينِ بسَمَاعِ الكلامِ، فإنَّه لو قال: والله لا سمعتُ كلامَك فَنَطَقَ بلفظةٍ واحدةٍ ليس فيهَا معنى تَامُّ لم يَحنَث.

стр. 5

السادس: أن العربَ قد تَتَجَوَّزُ بالقول عن العجماوات كقول الشاعر: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِيْ ... سَلا رُويْدًا قَدْ مَلَاتَ بَطْنِي وهو كثيرُ في استعمالهم، ولا يُنسب الكلامُ إلى مثل ذلك، فلا يقالُ تكلَّم الحَوْضُ ولا الحائطُ، ولا سبَبَ لذلك إلاّ أن الكلامَ حقيقةُ في الفَائِدةِ التَّامةِ، والقولُ لا يُشترطُ فيه ذلك. ((وإذا ثَبَتَ ما ذكرناه بانَ أنه حقيقةُ في الدِّلالة على الجُملة التّامة المعنى. فإن قيل يتَوجّه عليه أسئلةُ: أحدها: أنَّ إطلاقَ اللّفظِ على الشيءِ لا يلزمُ منه الحقيقةُ، فإنَّ المجازَ يطلقُ على الشيءِ كما يُقالُ للعالم بَحْرُ، وللشّجاع أسدُ، وقال تعالى: ﴿جدارًا يريدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾، ﴿واسأل القرية﴾، وكلُّ مجازُ، وقد أُطلق

стр. 6

على هذا المعنى، فلا يلزمُ من الإطلاقِ على ما ذكرتُم الحقيقةُ. والسؤال الثاني: أنَّ الإطلاقَ يَكونُ حَقيقةً مشتركةً، أو جِنْسًا تحتَه مفردات، فالمشتركُ كلفظ العين والجنسُ مثل الحيوان، فإنَّ الحيوانَ حقيقةُ في الجنس، والواحدُ منه حقيقة أيضًا، فَلِمَ لا يكونُ الكلام والكلمة من هاتين الحقيقتين؟. والسؤال الثالث: أنَّ الكلامَ مشتقُ من الكَلْمِ وهو الجَرْحُ، والجامع بينهما التّأثيروالكلمةُ كذلك، لأنَّ الحروفَ الأصولَ موجودةُ فيها، وهي مؤثرة أيضًا إذ كانت تدلُّ على معنى، وهي جزءُ الجُملةِ التَّامة الفائدة، والجزءُ شارك الكلَّ في حقيقةِ وَضْعِهِ، أَلا تَرى أنَّ الحقَّ يثبتُ بشاهدين مثلاً، وكلُّ واحد منهما شاهدُ حقيقة، وإثبات الحقِّ بهما لا ينفي كونَ كلِّ واحدٍ منهما شاهدًا، كذلك ها هنا، ألا ترى أنَّ قولَكَ قامَ زيدُ يشتملُ على جزئين كلّ واحدٍ منهما يُسمى كلمةً، لدلالته على معنى، وتوقُّف الفائدة التَّامَّة على حكمِ يترتَّبُ على المجموع، ولا يَنفي ذلك اشتراك الجُزئين في الحقيقةِ، وعلى هذا ترتب التَّبديل والتحريف إذ كان ذلك كلُّه حكمًا يُستفاد

стр. 7

بالجُملة، ولا يَنفي حقيقة الوَضع، ثمّ ما ذكرتُمُوه معارضُ بقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، وبقوله: ﴿كَلِمَةُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ هِيَ الْعُلْيَا﴾، و ﴿تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ ومعلومُ أنه أَرَادَ بالكلمةِ المُفيدة. وإذا وَقَعَت الكلمةُ على الجُملةِ، جازَ أن يقعَ الكلامُ على المُفردِ. فالجواب: أمَّا الإطلاقُ فدليلُ الحقيقةِ؛ إذ كان المجازُ على خلافِ الأصلِ، وإنَّما يُصارُ إليه بقرينة صارفة عن الأصلِ، والأصلُ عدمُ القرائن، ثم إنّ البحثَ عن الكلامِ الدّال على الجملة المفيدةِ لا توجد له قرينة، بل يسارع إلى هذا المعنى من غيرِ توقُّفٍ على وجودِ قرينةٍ، وهذا مثلُ لفظِ العُموم إذا أُطلق حُمل على العُموم من غيرِ يَحتاج إلى قرينةٍ تصرفُهُ إليه، بل إن وُجِدَ تخصيص إلى قرينةٍ. أمَّا السُّؤال الثّاني، فلا يَصِحُّ على الوَجهين المَذكورين، أمَّا الاشتراكُ فعنه جوابان: أحدهما: أنّه على خِلافِ الأصلِ؛ إذْ كان يُخِلّ بالتَّفاهُمِ، أَلا تَرى أنّه إذا أُطلق لَفظة (العين) لم يُفهم منه ما يَصحُّ بِناء الحُكم عليه، والكلامُ إنما وُضع للتَّفاهُمِ، وإنّما عَرَضَ الإِشتراك من اختلاف اللُّغات.

стр. 8

والثاني: أنّ الاشتراكَ هُنا لا يَتَحَقَّقُ؛ لأنَّ الكلامَ والكلامةَ من حقيقةٍ واحدةٍ، ولكنَّ الكلامَ مجموع شيئين فصاعدًا، اللّفظةُ المفردةُ ولا اشتراكَ بَينهما، وإنما الكلامُ مُستفادُ بالأوصافِ والاجتماعِ، وليس كذلك المشتركُ بلْ كلُّ من ألفاظه كالأخرى في كونِها مفردَةً. وأمّا الجنس فغيرُ موجودٍ هُنا؛ لأنَّ الجنسَ يفرَّق بين واحدة وبينه بتاء التَّأنيث نحو: تَمرةٍ وتَمْرٍ، وهذا غيرُ موجودٍ في الكلامِ والكلمةِ بل جنس الكلمةِ كَلِمُ وليس واحدُ الكلامِ كلامةُ، فبانَ أنَّه ليس بجنسٍ. وأما السؤال الثالث: فخارجُ عمّا نَحنُ فيه، وبيانه: أنَّ اشتقاقَ الكلمةِ من الكَلْم، وهو التَّأثير، والكلامُ تأثيرُ مخصوصً، لا مطلقُ التأثير، والخاصُّ غيرُ المُطلق، يَدُلُّ عليه أنَّ الكَلْمَ الذي هو الجَرْحُ مؤثرُ في النَّفس معنى تامّاً وهو الأَلَمُ مثلاً، والكلامُ أشبَه بذلك؛ ولأنَّه يؤثِّرُ تأثيرًا تامّاً، وأمَّا الكلمةُ المفردةُ فتأثيرها قاصرُ، لا يتمُّ منه معنى إلاّ بانضمامِ تأثيرٍ آخرَ إليه، فهما مشتركان في أصلِ التأثير، لا في مِقداره. وأمَّا المُعارضةُ بقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ فلا تتوجهُ؛ لأنَّ أكثرَ ما فيه أنَّه عَبَّرَ بالجُزء عن الكلِّ، وهذا مَجازُ ظاهرُ؛ إذ كان الواحدُ ليس بجمعٍ ولا جنسٍ، بل يعبَّر به عن الجَمعِ والجِنسِ مَجازًا ووجهُ المَجَاز أن الجُملةَ يتألَّفُ بعضُ أجزائِها إلى بعضٍ، كما تَتَأَلَّف حروفُ الكلمةِ المفردةِ بعضُها إلى بعضٍ، فلمّا اشتركا في ذلك جازَ المَجَازُ، وليس كذلك التَّعبيرُ عن الكلمةِ؛ لأنَّ ذلك نقضُ معناها، ودليلُ المجازِ في الكلمةِ ظاهرُ، وهو قوله: ﴿تَخْرُجُ من أَفْواهِهِمْ إنْ يَقُوْلُونَ إلاّ كَذِبًا﴾

стр. 9

والكذبُ لا يتحقّقُ في الكلمةِ المفردةِ، وإنّما يُتَصَوَّرُ فيما هو خبرُ، والخبرُ لا يكونُ مفردًا في المعنى. واحتَجَّ الآخرون بأنّ الاشتقاقَ موجودُ في الكلمةِ والكلامِ بمعنى واحدٍ، وهو التّأثيرُ، فكان اللّفظ شاملاً لهما، يَدُلُّ عليه أنّكَ تقولُ: تكلّم كلمةً وما تكلمَّ بكلمةٍ فيؤكّد باللّفظةِ المفردةِ الفعلُ كما يؤكّد بالكلامِ فيلزمُ من ذلك إطلاق العِبارتين على شَيءٍ واحدٍ. والجوابُ عن هذا ما تقدّم في جوابِ السُّؤال. والله أعلمُ بالصَّواب.

стр. 10

٢ - مسألة: [حد الاسم] اختلفت عبارات النحويين في حدّ الاسم، وسيبويه لم يصرح له بحدِّ. فقالَ بعضُهم: الاسم ما استحقّ الإعراب في أول وضعه. وقالَ آخرون: ما استحقَّ التنوين في أصلِ وضعه.

стр. 11

وقالَ آخرون: حدّ الاسم ما سَما بِمُسَمَّاةُ، فأوضحه وكشف معناه. وقالَ آخرون: الاسمُ كلُّ لفظٍ دلّ على معنى مُفرد في نَفسِهِ. وقالَ آخرون: هو كلُّ لفظٍ دلّ على معنى في نَفْسِهِ ولم يدل على زمان ذلك المعنى. وقالَ ابنُ السّراج: هو كلّ لفظٍ دلَّ على معنى في نفسِه غير مقترنٍ بزمانٍ مُحصّل، وزادَ بعضهُم في هذا الحدِّ دلالةَ الوضعِ. وقبل الخوض في الصّحيح في هذه العبارات نُبيّن حدَّ الحدّ،

стр. 12

والعبارات الصحيحة فيه مُختلفة الألفاظ مُتفقة المعاني. فمنها اللَّفظُ على كمالِ ماهيَّة الشَّيءِ، وهذا حدُّ صَحيحُ؛ لأنَّ الحدَّ هو الكاشفُ عن حَقيقةِ المَحدودِ، ويُرادُ بالماهية ما يُقالُ في جوابِ ما هو؟ واحتَرزوا بقولهم: ((كمالُ الماهِيّة)) من أنّ بعضَ ما يدلُّ على الحقيقة قد يَحصلُ من طريقِ الملازمةِ لا من طريقِ المطابقة، مثالُه: أن تَقولَ: حدُّ الإنسان هو الناطقُ فلفظُ الحدّ يكشف عن حقيقة النُّطق، ولا يَدُلّ على جنس المحدود، وإن كان لا ناطق إلاّ الإنسان، ولكن ذلك معلوم من جهة الملازمة، لا من جهة دلالة اللَّفظ، ومثالُه من النَّحو قولهم: المَصدرُ يدلُّ على زمانٍ مَجهولٍ، ولَيس كذلك، فإن لفظَ المَصدَرِ لا يَدُلُّ على زمانٍ البَتَّة وإنَّما الزّمان من ملازماته، فلا يَدخلُ في حدّه، ولو دَخَل ذلك في الحدّ لوجَب أن يُقالَ: الرَّجل والفَرسُ يدلان على الزَّمان والمكان، إذْ يُتَصَوَّر انفكاكه عنهما. ولكنْ لمّا لم يَكُن اللَّفظُ دالاً عليهما يَدخلا في حدّه، وقالَ قومّ: حدُّ الحدّ: هو عبارةُ عن جُملة ما فرّقه التَّفصيلُ.

стр. 13

وقالَ آخرون: حدُّ الحدِّ: ((ما اطّرد وانعكس))، وهذا صحيحُ؛ لأنَّ الحدَّ كاشفُ عن حقيقة الشَّيءِ فاطّرادُهُ يُثبِتُ حقيقتَه أينما وُجِدَتْ وانعكاسُهُ يَنفيها حَيثُما فُقِدت وهذا هو التَّحقيقُ، بخلاف العلامة، فإِنّ العلامة تَطّردُ ولا تنعكسُ، ألا تَرى أنّ كلَّ اسمٍ دخلَ عليه حرفُ الجرّ والتَّنوين وما أشبههما أَنَّى وُجِدَ حُكِمَ بكون اللّفظ اسمًا، ولا ينفي كونه اسمًا بامتناع حرف الجرّ، ولا بامتناع التَّنوين ونحوهما؛ وإذْ قد بانت حقيقةُ الحدّ فنشرعُ في تحقيق ما ذكر من الحُدود وإفساد الفاسد منها. أما قولهم: الاسمُ كلُّ لفظٍ دلَّ على معنى مفردٍ في نفسه، فحدُّ صحيح إذ الحدُّ ما جمع الجنس والفصل واستوعبه جنسُ المحدود، وهو كذلك هاهُنا، ألا ترى أنّ الفعل يدلُّ على معنيين حدث وزمان، ((وأمس)) وما أشبهه يدلُّ على الزَّمان وحده، فكان الأول فعلاً والثاني اسمًا، والحرفُ لا يدلُّ على معنى في نفسِهِ، فقد تَحقّق فيما ذكرناه الجنس، والفصل، والاستيعاب، وأمَّا قولُ ابنِ السّراج فصحيحُ أيضًا، فإنّ الاسم يدل على معنى في نفسِهِ، فيفه احترازُ من الحرف وقوله ((غير مقترن بزمانٍ محصّل)) يخرج منه الفعل فإنه يدلُّ على الزمان المقترن به، وأما المَصادر فلا دلالة لها على الزمان، المَجهول ولا المُعَيّن على ما ذكرنا، ومن قالَ منهم: يدلُّ على الزَّمان المجهول فقد احترز عنه بقوله ((مُحَصّل)) فإن

стр. 14

المصدر لا يدلُّ على زمان معيّنٍ، وأمَّا من زاد فيه ((دلالة الوضع)) فإنّه قَصَدَ بذلك دفع النَّقض بقولهم: ((أتيتكُ مَقدم الحاجّ)) و ((خفوق النَّجم)) وأتت الناقة على منتَجِها فإن هذه مَصادر، وقد دلَّت على زمانٍ محصّلٍ، فعندَ ذلك تخرج عن الحدِّ، وإذا قالَ دلالة الوَضع لم يَنتقض الحدّ بها، لأنها دالةُ على الزَّمان لا من طريقِ الوضعِ، وذلك أن مَقدم الحاجّ يتفقُ في أزمنَةٍ معلومة بينَ النّاس، لا أنّها معلومةُ من لفظِ المَقدم، والدّليلُ على ذلك أنّك لو قلتَ: أتيتُكَ وقت مقدم الحاج صحّ الكلامُ، وظهرَ فيه ما كان مقدّرًا قبله، والتّحقيقُ فيه أن الحُدود تكشف عن حقيقة الشيء الموضوع أولاً، فإذا جاء منها شيءُ على خلاف ذلك لعارضٍ لم ينتقص الحد به وسَيَاتي نظائر ذلك فيما يمر بك من المسائل. فأمَّا من قال: هو ما استحق الإعرابُ في أولِ وضعِهِ، أو ما استحقَّ التَّنوين، فكلامُ ساقطُ جدّاً وذلك أنّ استحقاق الشيءٍ لحكمٍ ينبغي أن يَسبِقَ العلم بحقيقته، حتى يرتب عليه الحُكْمُ، ألا ترى أنّه لو قالَ في لفظة ((ضَرَبَ)) هذا الاسم لأنه يستحق الإعراب في أولِ وضعه لاحتَجتَ أن تُبيّنَ أنه ليس باسمٍ، ولا يُعترض في ذلك بالإعرابِ وعدمه، ولو قال قائلُ: أنا أعربه أو أحكم باستحقاقه الإعراب؟ لقيلَ له: ما الدَّليلُ على ذلك؟ فقال: لأنّه اسمُ فيقال له: ما الدّليل على أنه اسم؟ فإن قال بعدَ ذلك: لأنّه

стр. 15

يستحق الإعراب أدى إلى الدَّور؛ لأنه لا يثبتُ كونه اسمًا إلا باستحقاق الإِعراب، ولا يَستحق الإِعراب إلا بكونِهِ اسمًا، وهكذا سبيلُ التّنوين وغيره. وأمَّا قول الآخر ((ما سَما بِسُمّاه)) فحدُّ مدخولُ أيضًا؛ وذلك أنَّه أرادَ ما سمّي مُسَمَّاه، ولهذا قال: فأوضحه، فجعلَ في الحدِّ لفظَ المَحدودِ، وإذا كُنَّا لا نَعلمُ معنى الاسم فكيفَ يُجعل فيما يُوضحه لفظًا مشتَقًا منه؟ وذلك أنّ الاشتقاق يَستدعي فهم المُشتق منه أولاً، ثم يؤخذ منه لفظ آخر يدلُ على معنى زائد، قالَ عبدُ القاهر: في ((شرح جملة)): حدّ الاسم: ما جازَ الإخبارُ عنه قال: والدّليلُ على ذلك من وجهين: أحدهما: أنه مُطّرد ومُنعكس، وهذا إمارة صحّة الحد. والثاني: أنّ الفعلَ لا يصحُّ الإخبار عنه، والحرفُ لا حظَّ له في

стр. 16

الإخبار، فعنى أن يكون الاسمُ هو المخبر عنه، إذ لا يجوز أن تخلو الكلمة من إسنادِ الخبرِ إليها، [كان] الفعلُ والحرفُ والاسمُ لا يُسند إليه خبر ارتفعَ الأخبارُ عن جملةِ الكلامِ، والدَّليلُ على أنه ليس بحدٍّ وإنّما هو علامةُ، وقد اختارَ ذلك عبد القاهر في ((شرح الإِيضاح)) أنَّ هذا اللّفظ يطرد ولا ينعكس. والدَّليل عليه قولك ((إذ)) و ((إذا)) و ((أيّان)) و ((أَين)) وغير ذلك، وأنها أسماء ولا يصحّ الإخبار عنها، فعندَ ذلك يَبطل كونها حدّاً. والوَجهُ الثّالِثُ: أنَّ قولَكَ: ما جازَ الإخبار عنه لا يُنبئ عن حَقيقةِ وَضعه، وإنّما هو من أحكامِه، ولذلك لو ادَّعى مُدَّعٍ أنّ لفظةُ ((ضَرَبَ)) يصحُّ الإخبار عنها بأن يقول: ضَرَبَ اشتدّ كما تقول: الضَّربُ مشتدّ، لم يصح معارضته بالمنع المُجرَّدِ حتّى يُبيّن وجه الامتناع، والحدُّ لا يَحتاجُ إلى دليلٍ يُقام عليه، لأنَّه لفظُ موضوعُ على المَعنى، ودلالةُ الأَلفاظِ على المَعاني لا تَثُبتُ بالمناسبة والقياس. فإن قيلَ: ((إذ)) و ((إذا)) ونحوهما يَصحُّ الإخبارُ عنهما من حيثُ إِنَّهما أوقاتُ وأمكنةُ وكلاهما يَصحُ الإخبار عنه وإنما عَرض لها أنّها لا تَقَعُ إلا ظُروفًا فمن حيثُ هي ظروفُ لا يخبرُ عنها، ومن حيثُ هي أوقاتُ وأمكنةُ يصح الإخبار عنها، ألا ترى أنَّك لو قلتَ: طابَ وقتُنا، واتّسع مكانُنا كان خبراً صحيحًا.

стр. 17

فالجواب: أن كونها ظروفًا أو صفات انضمّت إلى كونها وقتًا أو مكانًا لم تستعمل إلا بهذه الصفة، فهي كالخصوص من العُموم والخُصوص، لا يحدُّ بحدِّ العُموم، ألا ترى أن الإنسان حيوان مخصوص، ولا يحدُّ بحدٍّ الحيوان العام؛ لأنَّ ذلك يسقط الفصل الذي يميّز به من بقيّة أنواع الحيوان والحدُّ ما جَمَعَ الجنسَ والفصلَ، فالوقت الذي يدلُ عليه إذاً هو الجنس، وكونه ظرفًا بمنزلة الفصل، كالنطق في الإنسان وبهذا يحصل جواب قوله يطّرد وينعكس، لأنا قد بيّنا أنه لا ينعكس والله أعلم بالصواب.

стр. 18

٣ - مسألة: [اسميّة كيف] كيف اسم بلا خلافٍ، وإنَّما ذكرناها هنا لخفاء الدَّليل على كونها اسمًا، والدَّليل على كونِها اسمًا من خمسة أشياء: أحدها: أنَّها داخلةُ تحت حدِّ الاسمِ، وذلك أنّها تدلُ على معنى

стр. 19

في نفسها ولا تَدُلُّ على زمانِ ذلك المعنى. والثاني: أنَّها تجابُ بالاسم والجوابُ على وفق السُّؤال وذلك قولهم: كيفَ زيدُ؟ فيقالُ: صحيحُ أو مريضُ أو غنيُ أو فقيرُ، وذلك أنها سؤالُ عن الحالِ، فجاوابها ما يكون حالاً. والثالث: أنك تُبدل منها الاسمَ فتقول: كيفَ زيدُ؟ أصحيحُ أم مريضُ، والبدل ها هنا مع همزة الاستفهام نائب عن قولك أصحيح زيدُ أم مريضُ؟، والبدلُ يساوي المبدل منه في جنسه. والرابع: أنّ من العرب من يدخلُ عليها حرف الجَرُ، قالوا: على كيفَ تبيعُ الأحمرين؟ وقالَ بعضهم: أنظر إلى كيفَ يصنع؟ وهذا

стр. 20

شاذ في الاستعمال، ولكنّه يدلُّ على الاسمية. والخامس: أنّ دليلَ السّبْرِ والتَّقسيم أوجَبَ كونها اسمًا، وذلك أن يقال: لا تخلو ((كيف)) من أن تكون اسمًا أو فعلاً أو حرفًا، فكونها حرفًا باطلُ؛ لأنها تفيد مع الاسمِ الواحدِ فائدةً تامة كقولك: ((كيفَ زيدُ)). والحرفُ لا تنعقد به الاسم جملة مفيدة، فأما ((يا)) في النّداء ففيها كلامُ يذكر في موضعه، وكونها فعلاً باطلُ أيضًا لوجهين: أحدُهما: أنها لا تدلُّ على حدثٍ وزمان ولا على الزَّمان وحدَه. والثاني: أنَّ الفعلَ يليها بلا فَصل كقولك: كيفَ صَنَعتَ، ولا يكون ذلك في الأفعالِ إلاّ أن يكونَ في الفعلِ الأولِ ضميرُ كقولك: أقبلَ يسرعُ: أي أقبلَ زيدُ أو رَجُلُ، وإِذا بَطَلَ القسمان ثَبت كونها اسمًا؛ لأنَّ الأسماءَ هي الأصولُ، وإذا بطلت الفُروعُ حُكِمَ بالأصلِ، والله أعلمُ بالصَّواب.

стр. 21

٤ - مسألة [اشتقاق الاسم] الاسم المشتق من السموّ عندنا، وقال الكوفيون هو من الوَسمِ،

стр. 22

فالمحذوفُ عندنا لامهُ وعندهم فاؤُهُ. لنا فيه ثلاثةُ مسالِكٍ: المعتمد منها أنّ المحذوفَ يعودُ في التَّصريف إلى موضع اللاّم، فكانَ المحذوفُ هو اللام، كالمحذوفِ من ((أينَ))، والدَّليلُ على عوده إلى موضِع اللاّم أنَّك تقولُ سمَّيتُ وأَسميت، وفي التّصغير ((سُمَيُّ)) وفي الجمع أسماءُ وأسامٍ وفي فَعيل منه سَمِيُّ أي: اسمك مثلُ اسمه، ولو كان المحذوف من أوّله لعادَ في التَّصريف إلى أوله، فكانَ يُقال: أَوَسَمْتُ، وَوَسَمْتُ، وَوَسِيْمُ، وأَوسام، وهذا التَّصريفُ قاطعُ على أنَّ المحذوفَ هو اللاَّمُ. فإن قيل: هذا لِثبات اللُّغة بالقياس، وهي لا تَثُبتُ به. والثَّاني أنّ عودةَ المحذوف إلى الأخير، لا يلزم منه أن يكون المَحذوف من الأخير، بل يَجوز أن يكونَ مقلوبًا، وقد جاءَ القلبُ عنهم كثيرًا كما قالوا: ((لَهي أبوك)) فأخَّروا العَين إلى موضع اللام، وقالوا: ((الجاه))

стр. 23

وأصله الوجه، وقالوا: ((أَيْنُقُ)) وأصله أَنْوُقُ، وقالوا: ((قِسِيُّ)) وأصله قُووس، وقالُوا في ((الفُوق: فُقيً)) والأَصلُ فوقُ وإذا كَثُر ذلك في كلامِهم جازَ أن يُحمَلَ ما نحنُ فيه عليه. فالجوابُ: أمَّا الأوّلُ فغيرُ صَحيحٍ، فإنَّا لا نُثبت اللُّغة بالقياس، بل يُستَدَلُ بالظَّاهِرِ على الخَفِيّ خُصوصًا في الاشتقاق، فإنّ ثبوت الأَصلِ والزّائد والمَحذوف لا طريقَ له على التَّحقيق إلاّ الاشتقاق، ويَدُلُّ عليه لفظةُ ((ابن)) فإنَّهم لمّا قالوا بني وأَبناء وتبنّيت والبنوّة، علم أنَّ المحذوفَ لامُهُ، وأمّا دعوى القلب فلا سبيلَ إليه؛ لأن القَلبَ مخالفُ للأصل، فلا يُصار إليه ما وجدت عنه مَندُوحة، ولا ضَرورَة هُنا تدعو إلى دَعوى القَلب. ويدلُّ

стр. 24

على ذلك أنَّ القلبَ لا يَطَّردُ هذا الاطّراد، ألا تَرى أنَّ جميع ما ذكر من المقلوب يجوزُ إخراجُه على الأصل. المسلك الثاني: أنَّا أجمعنا على أنَّ المحذوفَ قد عُوّض منه في أوّله، فوجب أن يكونَ المحذوفُ من آخره كما ذكرنا في ((ابن)) وإنّما قُلنا ذلك لوجهين: أحدهما: أنّا عرّفنا من طريقةِ العربِ أنَّهم إذا حذفوا من الأَوّلِ، عوَّضُوا أخيرًا مثل عِدة وزِنَة، وإذا حذفوا من آخره عوّضوا أوَّله مثل ابن، وهُنا قد عوَّضوا في أوله فكان المَحذوف من آخره. والثاني: أنّ العوضَ مخالفُ للبَدَلِ، فبدل الشيءِ يكونُ في موضعه والعِوَضُ يكون في غيرِ المعوضِ منه، فلو كانت الهمزةُ عوضًا من الواو في أوّلِهِ لكانت بَدَلاً من الواو، ولا يجوز ذلك إذ لو كانت كذلك لكانت هَمزةً مقطوعةَ، ولمّا كانت ألفّ وصلٍ حكم بأنّها عوض، فإن قيل:

стр. 25

التَّعويضُ موضعُ لا يوثق بأن المعوَّض عنه في غيره لأنَّ القصد منه تَكميلُ الكلمةِ فأين كَمُلَتْ حَصَلَ غرضُ التَّعويض، أَلا ترى أنَّ همزة الوصل في ((اضرب)) وبابه عوضُ من حركةِ أوَّل الكَلِمَةِ وقد وَقَعَتْ في موضعِ الحَركة. فالجوابُ: إنّ التَّعويضَ على ما ذكرنا يغلبُ على الظَنُ أنّ موضعَه مخالفُ لموضعِ المعوَّضِ منه، لِمَا ذكرنا من الوَجهين قولُهم الغرضُ تكميلُ الكلمةِ، ليسَ كذلك، وإنّما الغرض العدول عن أصلٍ ما هو أخفُّ منه، والخفّةُ تحصلُ لمخالفة الموضعِ. فأمّا تعويضُه في موضع محذوف فلا تحصل منه خفة، لأنّ الحرف قد يثقل بموضعه فإذا أزيل عنه حصل التخفيف. المسلك الثالث: أنّ اشتقاق الاسم من السمو مطابق للمعنى فكان المحذوف الواو كسائر المواضع، وبيانه أنّ الاسم أحد أقسام الكلم وهو أعلى من صاحبيه، إذ كان يخبر به وعنه، وليس كذلك صاحباه فقد سما

стр. 26

عليهما، ولأنّ الاسم ينوّه بلمسمّى ويرفعه للأذهان بعد خفائه وهذا معنى السموّ. فإن قيل هذا معارض باشتقاقه من الوسم فإنّ المعنى فيه صحيح كما أنّ المعنى فيما ذكرتموه صحيح فبماذا يثبت الترجيح؟. قيل: الترجيح معنا لوجهين: أحدهما: أنّ تسمية هذا اللّفظ اسمًا اصطلاحُ من أرباب هذه الصناعة، وقد ثَبَتَ من صناعتهم علوّ هذا اللّفظ على الآخَرَين ومثل هذا لا يُوجد في اشتقاقه من الوسم. والثاني: أنّه يترجّح بما ذكرناه من المسالك المتقدّمة. أمّا حجتهم فقد قالوا: الاسم علامة على المسمّى، والعلامة تؤذن بأنّه من الوسم وهو العلامة، فيجب أن يكون مشتقّاَ منها. والجواب عنه ما تقدّم من الأوجه الثلاثة على أنّ اتّفاق الأصلين في المعنى وهو العلامة، لا يوجب أن يكون أحدهما مُشتقّاً من الآخر، ألا ترى

стр. 27

أنّ ((دمث)) و ((دمثر)) سواء في معنى، وليس أحدُهما مشتقّاً من الآخر، وكذلك سَبَطَ وسَبْطَرَ وأبعد من ذلك الأَسد واللَّيثُ بمعنى واحد ولا يجمعهما الاشتقاق والله أعلم بالصواب.

стр. 28

٥ - مسألة [حدّ الفعل] اختلفت عباراتُ النحويين في حدّ الفعل. فقال ابن السّراج وغيره: حَدّه كلُّ لفظٍ دلّ على معنى في نفسه مقترن بزمانٍ محصّل. وهذا هو حدّ الاسم، إلاّ أنّهم أضافوا إليه لفظة ((غير)) ليدخلَ فيه المصدر، وإذا حذفتَ ((غير)) لم يدخل فيه المصدر؛ لأنّ الفعل يدلُّ على زمانٍ محصّلٍ، ولأنّ المصدر لا يدلّ على تعيين الزّمان. وإن شئت أضفت إلى ذلك دلالة الوضع، كما قيّدت حدّ الاسم بذلك،

стр. 29

وإنّما زادوا هذه الزيادة لئلاّ ينتقض ب ((ليس)) و ((كان)) الناقصة. وقال أبو على: الفعل ما أسند إلى غيره ولم يسند غيره إليه. وهذا يقرب من قولهم في حدّ الاسم: ما جاز الإخبار عنه؛ لأنّ الإسنادَ والإخبارَ متقاربان في هذا المعنى، وهذا الحدُّ رسميُّ؛ إذْ هو علامةُ، وليس بحقيقي؛ لأنّه غيرُ كاشفٍ عن مدلول الفعل لفظًا، وإنّما هو تمييز له بحكمٍ من أحكامه، والذي قال سيبويه في الباب الأول: وأمّا الفعل فأمثلهُ أُخذت من لفظِ أحداثِ الأسماء، وبُنيت لما مضى ولما سيكونُ وما هو كائنُ لم يَنقطع. وقد أتى في هذا بالغاية؛ لأنّه جَمع فيه قوله: ((أمثلة))، والأمثلة بالأفعال أحقُّ منها بالأسماء والحروف، وبيّن أنّها مشتقّة من المصادِر، وقوله: ((من لَفظ أحداث الأسماء)) ربّما أُخذ عليه أنّه أضافَ الأحداثَ إلى الأسماءِ، والأحداثُ للمُسمّيات لا للأسماءِ، وهذا الأخذُ غيرُ واردٍ عليه لوجهين: أحدُهما: أنّ المراد بأحداث الأسماء ما كان منها عبارةُ عن

стр. 30

الحدث وهو المَصدر؛ لأنّه من بين الأسماء عبارةُ عن الحَدَثِ، وهو من بابِ إضافةِ النوعِ إلى الجِنسِ. والثاني: أنَّه أراد بالأسماء المُسمّيات، كما قالَ تعالى: ﴿ما تَعبدون من دُونه إلاّ أسماءً سمّيتموها أنتم وآباؤُكم﴾ والأسماء ليست معبودةً، وإنّما المعبودُ مُسمَّياتها. وقوله ((بُنيت لما مضى)) الفَصل إشارةُ إلى دلالتها على أقسام الزَّمان، الماضي والحاضِر والمستقبل. فإن قيل: يَرِدُ على الحُدودِ كلِّها ((لَيس)) و ((كانَ)) النَّاقصة وأَخواتها فإنّها أفعالُ، ولا تَدلّ على الحدثِ، وينعكسُ بأسماء الفعل نحو ((صه)) و ((مه)) ونزال فإنّها وقد دلّت على الزمان. فالجواب: أمّا ((ليس)) فقد ذهب قومُ إلى أنَّها حرف، وذلك ظاهرُ فيها؛ لأنّها تنفي ما في الحال، مثل ((ما)) النافية، ولا تدلُّ على حدثٍ ولا زمانٍ، ولا تدخل عليها ((قد)) ولا يكون منها مُستقبل. وقال الأكثرون: هي فعلُ لفظيُّ، بدليل اتّصال علامات الأفعال بها كتاء التأنيث نحو ليست، وضمائر المرفوع نحو ليسا وليسوا ولسنَ ولستُ ولستَ، وإنّما اقتُصر بها على بناءٍ واحدٍ؛ لأنّها تنفي ما في الحال لا غير

стр. 31

فهي كفعل التَّعجّب ((وحبّذا)). وأمّا ((كان)) الناقص فأصلها التمام كقولك: قد كانَ الأَمرُ، أي قد حَدَثَ، ولكنَّهم خلعوا دِلالتها على الحَدث وبقيت دِلالتها على الزّمان، وهذا أمرُ عارضُ لا تُنقَضُ به الحُدود العامّة، وأمّا ((صَهْ)) وأخواتها فواقعةُ موقعَ الجُملِ ف ((صه)) نائبُ عن اسكت، و ((مه)) عن اكفف، و ((نَزالِ)) عن انزل، وغيرُ ممتنعٍ أن يوضَع الاسمُ أو الحرفُ موضعَ غيرِه، ألا تَرى أنّ قولَك ((بَلى)) و ((نَعم)) و ((لاَ)) حروف موضوعة موضع الجمل، ألا ترى أنّك إذا قلتَ: ما قام زيدُ كان ذلك جملةً، وإذا قال المُجيب: بَلى، كانَ حرفًا نائبًا عن إعادة الجُملة فكأنّه قالَ قامَ زَيدُ والله أعلمُ بالصواب.

стр. 32

٦ - مسألة [أصلُ الاشتقاق] الفعلُ مشتقُّ من المَصدر. وقالَ الكوفِيُّون المصدرُ مشتقُّ من الفعل. ولمّا كان الخِلافُ واقعًا في اشتقاقِ أحدِهما من الآخرِ لزمَ في ذلك بيانُ شيئين: أحدُهما: حدُّ الاشتقاق. والثاني: أنَّ المُشتقَّ فرعُ على المشتقّ منه.

стр. 33

أمّا الحدُّ: فأقربُ عبارةٍ فيه ما ذكره الرُّماني وهو قوله: الاشتقاق: اقتطاع فرع من أصلٍ يدور في تصاريفه [على] الأَصل، فقد تضمَّن هذا الحدّ معنى الاشتقاق، ولزمَ منه التَّعرّض للفرع والأصل. وأمّا الفرعُ والأصلُ: فهما في هذه الصِّناعة غيرُهما في صناعةِ الأَقِيسَةِ الفِقْهِيّةِ، فالأصل هاهُنا يُراد به الحُروف المَوضوعة على المَعنى وَضْعًا أوّليًا، والفَرعُ لَفظُ توجدُ فيه تِلكَ الحُروف مع نوعِ تغييرٍ ينظمُّ إليه مَعنى زائدٌ على الأصلِ، والمثالُ في ذلك ((الضَّربُ)) مثلاً فَإنّه اسم موضوعٌ على الحَركةِ المَعلومة المُسمّاة ضَربًا، ولا يَدلُّ لَفظُ الضَّرب على أكثرِ من ذلك، فأمَّا ضَرَبَ، ويضرب، وضارب، ومضروب ففيها حروف الأصل وهي الضاد والراء والباء، وزيادات لفظيّة لزم من مجموعها الدّلالةُ على معنى الضرب ومعنى آخر، وإذا تقرّر هذا المعنى جئنا إلى مسألة المصدر. وقد نصّ سيبويه على اشتقاق الفعل من المصدر، وهو قوله في الباب الأول: وأمّا الأفعال أُخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما

стр. 34

مضى ولما هو كائن لم ينقطع ولما سيكون. وأخذت بمعنى اشتقّت وأحداث الأسماء ما كان منها عبارة عن الحدث وهو المصدر، والدليل على أنّ الفعل مشتق من المصدر طرق منها: وجود حدّ الاشتقاق في الفعل، وذلك أنّ الفعل يدلُّ على حدث وزمان مخصوص فكان مشتقّاً وفرعاً على المصدر، كلفظ ضارب ومضروب، وتحقيق هذه الطَّريقة أنّ الاشتقاق يراد لتكثير المعاني، وهذا المعنى لا يتحقّق إلاّ في الفرع الذي هو الفعل، وذاك أنّ المصدر له معنى واحد وهو دلالته على الحدث فقط، ولا يدلّ على الزَّمان بلفظه، والفعل يدلّ على الحدث والزمان المخصوص، فهو بمنزلة اللفظ المركّب، فإنّه يدلّ عليه المفرد، ولا تركيبَ إلاّ بعدَ الإِفرادِ، كما أنّه لا دِلالةَ وعلى الحَدثِ والزَّمان المَخصوص إلاّ بعدَ الدِّلالةِ على الحَدَثِ وَحده، وقد مُثّل ذلك بالنَّقرة من الفِضّة، فإنَّها كالمادّة المُجرّدة عن الصُّورة، فالفِضّة من حيث هي فضّة لا صورةَ لها، فإذا صِيغ منها جامٌ، أو مِرآةٌ أو قارورةٌ كانت تِلك الصُّورة مادةً مخصوصةً،

стр. 35

فهي فَرعٌ على المّادةِ المُجرّدة، كذلك الفعل هو دليلُ الحَدث وغيره، والمَصدر دليلُ الحَدث وحدَه، فبهذا يَتَحَقّق كونُ الفعلِ فرعًا لهذا الأَصلِ. طريقةٌ أخرى: هي أنّا نقولُ: الفعلُ يشتمِلُ لفظُهُ على حروفٍ زائدةٍ على حروفِ المَصدَرِ، تدلُّ تِلك الزّيادةُ على معانٍ زائدةٍ، على معنى المَصدر فكانَ مشتقّاً من المصدَر كاسمِ الفاعلِ والمفعولِ والمكانِ والزّمانِ، كضاربٍ وضَرْبٍ ومَضروبٍ، وبيانه: أنَّك تَقولُ في الفعلِ ضَرَبَ فتحرّك الراء فيختلفُ معنى المَصدر، ثمّ تقول استضْرَب فتدلّ هذه الصّيغة على معنى آخر، ثمّ تقول اِضرب ونَضرب وتَضرب ويَضرِب، فتأتي هذه الزّوائد على حروفِ الأصلِ وهي الضّاد والرّاء والباء مع وجودها في تلك الأمثِلة، ومعلومٌ أنَّ ما لا زيادةَ فيه أَصلٌ لما فيه الزّيادة. طريقةُ أُخرى: هي أنَّ المصدَر لو كان مُشتقّاً من الفعلِ لأدَّى ذلك إلى نَقضِ المعاني الأُوَل، وذلك يخلّ بالأصول، بيانه: أنّ لفظَ الفعل يَشتملُ على حروفٍ زائدةٍ ومعانٍ زائدةٍ وهي دِلالته على الزَّمان المَخصوص، وعلى الفاعل الواحدِ، والجماعةِ والمؤنّثِ والحاضرِ والغائبِ، والمصدَرِ يذهبُ ذلك كلُّه، إلاّ الدّلالة على الحَدث، وهذا نقضٌ للأَوضاعِ الأُوَل، والاشتقاقُ يَنبغي أن يُفيد تَشييدَ الأصولِ وتَوسعة المَعاني، وهذا عَكسُ اشتقاقِ المَصدر من الفِعل.

стр. 36

واحتجَّ الآخرون من ثَلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أنَّ المصدَرَ مفْعَل وبابه أن يكون صادِرًا عن غيرِه، وأمَّا أن يَصدُرَ عنه غيرُه فكلاّ. والثاني: أنّ المصدَرَ يعتلّ لاعتلالِ الفعلِ، والاعتلالُ حكمٌ تسبقه علّته، فإذا كان الاعتلالُ في الفعلِ أولاً وجبَ أن يكون أصلاً، ومثالُ ذلك قولُكَ صامَ صِيامًا، وقامَ قِيامًا، فالواو في قام: أصلٌ اعتُلّت في الفِعل فاعتُلّت في القِيام، وأنتَ لا تقولُ اعتُلّ ((قامَ)) لاعتلالِ القيامِ. والوجهُ الثالث: أنّ الفعلَ يَعملُ في المَصدرِ كقولك: ((ضَربته ضربًا)). ف ((ضربًا)) منصوب ب ((ضربت))، والعاملُ مؤثِّرٌ في المَعْمُولِ، والمُؤَثِّرُ أَقوى من المُؤَثَّرِ فيه، والقُوّةُ تَجْعَلُ القَوِيَّ أصلاً لِغيره. والجواب: أمّا الوجهُ الأول فليس بشيء؛ وذلك أنّ المصدرَ مشتقٌّ من صدرت عن الشيء إذا وليتَه صدرَكَ وجعلتَه وراءَك ومن ذلك قولهم: ((المَورِد والمَصدَرُ)) يشارُ به إلى الماء الذي ترد عليه الإبل ثمّ تَصدر عنه ولا معنى لهذا إلاّ أنّ الإِبل تتولّى عن الماء، وتصرِفُ عنه صدورَها فيقالُ قد

стр. 37

صَدَرَتْ عن الماءِ وقد شاعَ في الكلام قولُ القائل: فلانٌ موفّقٌ فيما يُورده ويُصدره، وفي مَوارده ومَصادره، وكلٌّ ذلك بالمعنى الذي ذَكرناه، وبهذا يتحقّق كون الفعل مُشتقّاً من المَصدر؛ لأنّه بمنزلةِ المكانِ الذي يَصدُرُ عنه. أمّا الوجهُ الثّاني: فغير دالٍّ على دَعواهم؛ وذلك أنّ الاعتلالَ شيءُ يُوجبه التَّصريفُ وثِقَلُ الحُروف، وبابُ ذلك الأَفعال؛ لأنّ صيغَها تَختلف لاختلاف معانيها، فقامَ مثلاً أصله قَوَمَ، فأُبدلت الواوُ ألفًا، لتحرُّكها، فإذا ذَكرت المَصدر من ذلك كانَت العِلّةُ المُوجبة للتغييرِ قائمةً في المَصدَرِ وهو الثِّقَل. وجواب آخر: وهو أنّ المصدرَ الأصليَّ هو ((قَوْم)) كقولك ((صَوْم)) ثمّ اشتَققت منه فعلاً وأعللته لما ذكرنا، فعدلت عن قومٍ إلى قيام؛ لتناسب بين اللّفظين للمعنيين المشتركين في الأصل، يَدلّ على ذلك أنَّ المصدرَ قد يأتي صَحيحًا معتلٌّ، والفعلُ يجبُ فيه الإعلال، مثل الصّوم والقّول والبَيع، فإذا اشتققتَ منها أفعالاً أعلَلْتَها فقلت: صامَ وقامَ وباعَ. فقد رأيتَ كيفَ جاءَ الإعلالُ في الفعلِ دونَ المصدَرِ؟ فاختلَّت الثّقةُ بما عُلّل به. وأمَّا الوجهُ الثالثُ فهو في غايةِ السُّقوط، وبيانُه من أوجهٍ ثلاثة:

стр. 38

أحدُها: أنَّ العاملَ والمَعمولَ من قبيلِ الأَلفاظِ، والاشتقاقَ من قبيلِ المَعاني، ولا يدلُّ أحدُهما على الآخرِ اشتقاقاً. والثاني: أنَّ المصادِرَ قد تَعمل عَمَلَ الفِعلِ كقولك: يُعجِبني ضربُ زيدٍ عمرًا، ولا يدلُّ ذلك على أنّه أَصلٌ. والثالث: أنّ الحُروفَ تَعملُ في الأسماءِ والأفعالِ ولا يَدُلُّ ذلك على أنَّها مشتقّةٌ أصلاً، فضلاً على أن تكونَ مُشتقّةً عن أن تكونَ مُشتقّةَ من الأسماءِ والأفعال: والله أعلمُ بالصواب.

стр. 39

باب المعرب ٧ - [مسألة المضاف إلى ياء المتكلّم] ليس في الكلام كلمة لا معرفة ولا مبنيّة، وذهبَ قومٌ إلى ذلك، فقالوا: في المُضافِ إلى ياءِ المْتكلّم نحو: غُلامي ودَاري هو لا معربٌ ولا مبنيُّ. وحجّة الأولين: أنّ القِسمةَ العَقليّة تقضي بانحصارِ هذا المعنى في القِسمين المَذكورين، المُعرب والمَبني؛ لأنّ المعربَ هو الذي يَختلف آخره لاختلافِ العاملِ فيه لفظًا أو تقديرًا، والمبني ما لَزِمَ آخره حركة أو سكونًا، وهذان ضِدّان لا واسطةَ بينهما ؛ لأنَ الاختِلافَ وعدمَ الاختلافِ يقتسمان قسمي النّفي والإثبات، وليس بينهما ما ليس بُمثبتٍ، ولا

стр. 40

مَنفيَّ، يدلُّ عليه أنَّ الأضدادَ قد تكثر مثل البَياض والحُمرة والسّواد لكن لكلِّ واحدٍ منها حقيقةٌ في نفسه، والنَّفيُ والإِثبات ليس بينهما واسطةُ هي ضدُّ ينبئُ عن حقيقةٍ كالحركة والسكون. واحتجَّ الآخرون: بأنَّ المضافَ إلى ياءِ المُتكلِّمِ ليس بمعربٍ، إذ لو كان مُعربًا لظهرت فيه حركةُ الإعراب، لأنّه يقبلُ الحركة، وليس بمبنيٍّ، إذ لا عِلّة للبناءِ هُنا، فلزمَ أن ينتَفي الوصفان عنه، ويَجِبُ أن يعرفَ باسمٍ يَخصُّهُ، وتَلقيبه بالخَصيّ موافقٌ لمعناه؛ لأنّ الخصيَّ معدومُ فائدةِ الذُّكوريّة، ولم يثبت له صفةُ الأنوثيّة، فهو في المعنى كالمضافِ إلى الياءِ المتكلّمِ، فإنّه كان قبلَ الإِضافةِ معربًا، فلمّا عَرَضَتْ له الإِضافة زالَ عنه الإِعرابُ، ولم يَثُبت له صِفة البِناء، كما أنَّ السَّليم الذَّكر والخِصيتين عرضَ له إزالتُها ولم يَصر بذلِكَ أنثى والجواب عمّا ذَكروه من وَجهين: أحدُهما: أنّا نقولُ هو معربُ تارةً لكنّ ظهورَ الحركةِ فيه مستثقلةٌ كما تُستَثْقَلُ على الياءِ في المنقوص، وكما تمتنع على الألف ولم يمنع ذلك من كونه مُعربًا، وتارةً نقول: هو مبني، وعلَّة بنائه أنّ حركتَه صارت تابعةً للياءِ، فتعذَّر أن تكونَ دالّة على الإِعراب ولذلك أشبه الحَرف، لأنّه أصلُ قبلَ الإِضافةِ، وصارَ بعدَ الإِضافةِ تابعًا للمُضمر الذي هو فَرع، كما أنّك تُحرِّك الساكنَ لالتقاء الساكنين، وحركةُ التقاءِ الساكنين
следующие страницы →