← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13786

التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين

أبو البقاء العكبري

Полный текст (348 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واحتجَّ الآخرون من ثَلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أنَّ المصدَرَ مفْعَل وبابه أن يكون صادِرًا عن غيرِه، وأمَّا أن يَصدُرَ عنه غيرُه فكلاّ. والثاني: أنّ المصدَرَ يعتلّ لاعتلالِ الفعلِ، والاعتلالُ حكمٌ تسبقه علّته، فإذا كان الاعتلالُ في الفعلِ أولاً وجبَ أن يكون أصلاً، ومثالُ ذلك قولُكَ صامَ صِيامًا، وقامَ قِيامًا، فالواو في قام: أصلٌ اعتُلّت في الفِعل فاعتُلّت في القِيام، وأنتَ لا تقولُ اعتُلّ ((قامَ)) لاعتلالِ القيامِ. والوجهُ الثالث: أنّ الفعلَ يَعملُ في المَصدرِ كقولك: ((ضَربته ضربًا)). ف ((ضربًا)) منصوب ب ((ضربت))، والعاملُ مؤثِّرٌ في المَعْمُولِ، والمُؤَثِّرُ أَقوى من المُؤَثَّرِ فيه، والقُوّةُ تَجْعَلُ القَوِيَّ أصلاً لِغيره. والجواب: أمّا الوجهُ الأول فليس بشيء؛ وذلك أنّ المصدرَ مشتقٌّ من صدرت عن الشيء إذا وليتَه صدرَكَ وجعلتَه وراءَك ومن ذلك قولهم: ((المَورِد والمَصدَرُ)) يشارُ به إلى الماء الذي ترد عليه الإبل ثمّ تَصدر عنه ولا معنى لهذا إلاّ أنّ الإِبل تتولّى عن الماء، وتصرِفُ عنه صدورَها فيقالُ قد

стр. 37

صَدَرَتْ عن الماءِ وقد شاعَ في الكلام قولُ القائل: فلانٌ موفّقٌ فيما يُورده ويُصدره، وفي مَوارده ومَصادره، وكلٌّ ذلك بالمعنى الذي ذَكرناه، وبهذا يتحقّق كون الفعل مُشتقّاً من المَصدر؛ لأنّه بمنزلةِ المكانِ الذي يَصدُرُ عنه. أمّا الوجهُ الثّاني: فغير دالٍّ على دَعواهم؛ وذلك أنّ الاعتلالَ شيءُ يُوجبه التَّصريفُ وثِقَلُ الحُروف، وبابُ ذلك الأَفعال؛ لأنّ صيغَها تَختلف لاختلاف معانيها، فقامَ مثلاً أصله قَوَمَ، فأُبدلت الواوُ ألفًا، لتحرُّكها، فإذا ذَكرت المَصدر من ذلك كانَت العِلّةُ المُوجبة للتغييرِ قائمةً في المَصدَرِ وهو الثِّقَل. وجواب آخر: وهو أنّ المصدرَ الأصليَّ هو ((قَوْم)) كقولك ((صَوْم)) ثمّ اشتَققت منه فعلاً وأعللته لما ذكرنا، فعدلت عن قومٍ إلى قيام؛ لتناسب بين اللّفظين للمعنيين المشتركين في الأصل، يَدلّ على ذلك أنَّ المصدرَ قد يأتي صَحيحًا معتلٌّ، والفعلُ يجبُ فيه الإعلال، مثل الصّوم والقّول والبَيع، فإذا اشتققتَ منها أفعالاً أعلَلْتَها فقلت: صامَ وقامَ وباعَ. فقد رأيتَ كيفَ جاءَ الإعلالُ في الفعلِ دونَ المصدَرِ؟ فاختلَّت الثّقةُ بما عُلّل به. وأمَّا الوجهُ الثالثُ فهو في غايةِ السُّقوط، وبيانُه من أوجهٍ ثلاثة:

стр. 38

أحدُها: أنَّ العاملَ والمَعمولَ من قبيلِ الأَلفاظِ، والاشتقاقَ من قبيلِ المَعاني، ولا يدلُّ أحدُهما على الآخرِ اشتقاقاً. والثاني: أنَّ المصادِرَ قد تَعمل عَمَلَ الفِعلِ كقولك: يُعجِبني ضربُ زيدٍ عمرًا، ولا يدلُّ ذلك على أنّه أَصلٌ. والثالث: أنّ الحُروفَ تَعملُ في الأسماءِ والأفعالِ ولا يَدُلُّ ذلك على أنَّها مشتقّةٌ أصلاً، فضلاً على أن تكونَ مُشتقّةً عن أن تكونَ مُشتقّةَ من الأسماءِ والأفعال: والله أعلمُ بالصواب.

стр. 39

باب المعرب ٧ - [مسألة المضاف إلى ياء المتكلّم] ليس في الكلام كلمة لا معرفة ولا مبنيّة، وذهبَ قومٌ إلى ذلك، فقالوا: في المُضافِ إلى ياءِ المْتكلّم نحو: غُلامي ودَاري هو لا معربٌ ولا مبنيُّ. وحجّة الأولين: أنّ القِسمةَ العَقليّة تقضي بانحصارِ هذا المعنى في القِسمين المَذكورين، المُعرب والمَبني؛ لأنّ المعربَ هو الذي يَختلف آخره لاختلافِ العاملِ فيه لفظًا أو تقديرًا، والمبني ما لَزِمَ آخره حركة أو سكونًا، وهذان ضِدّان لا واسطةَ بينهما ؛ لأنَ الاختِلافَ وعدمَ الاختلافِ يقتسمان قسمي النّفي والإثبات، وليس بينهما ما ليس بُمثبتٍ، ولا

стр. 40

مَنفيَّ، يدلُّ عليه أنَّ الأضدادَ قد تكثر مثل البَياض والحُمرة والسّواد لكن لكلِّ واحدٍ منها حقيقةٌ في نفسه، والنَّفيُ والإِثبات ليس بينهما واسطةُ هي ضدُّ ينبئُ عن حقيقةٍ كالحركة والسكون. واحتجَّ الآخرون: بأنَّ المضافَ إلى ياءِ المُتكلِّمِ ليس بمعربٍ، إذ لو كان مُعربًا لظهرت فيه حركةُ الإعراب، لأنّه يقبلُ الحركة، وليس بمبنيٍّ، إذ لا عِلّة للبناءِ هُنا، فلزمَ أن ينتَفي الوصفان عنه، ويَجِبُ أن يعرفَ باسمٍ يَخصُّهُ، وتَلقيبه بالخَصيّ موافقٌ لمعناه؛ لأنّ الخصيَّ معدومُ فائدةِ الذُّكوريّة، ولم يثبت له صفةُ الأنوثيّة، فهو في المعنى كالمضافِ إلى الياءِ المتكلّمِ، فإنّه كان قبلَ الإِضافةِ معربًا، فلمّا عَرَضَتْ له الإِضافة زالَ عنه الإِعرابُ، ولم يَثُبت له صِفة البِناء، كما أنَّ السَّليم الذَّكر والخِصيتين عرضَ له إزالتُها ولم يَصر بذلِكَ أنثى والجواب عمّا ذَكروه من وَجهين: أحدُهما: أنّا نقولُ هو معربُ تارةً لكنّ ظهورَ الحركةِ فيه مستثقلةٌ كما تُستَثْقَلُ على الياءِ في المنقوص، وكما تمتنع على الألف ولم يمنع ذلك من كونه مُعربًا، وتارةً نقول: هو مبني، وعلَّة بنائه أنّ حركتَه صارت تابعةً للياءِ، فتعذَّر أن تكونَ دالّة على الإِعراب ولذلك أشبه الحَرف، لأنّه أصلُ قبلَ الإِضافةِ، وصارَ بعدَ الإِضافةِ تابعًا للمُضمر الذي هو فَرع، كما أنّك تُحرِّك الساكنَ لالتقاء الساكنين، وحركةُ التقاءِ الساكنين

стр. 41

حركةُ بناءٍ، ولذلك إذا وَجَدت في المُعرب كانت بناءً كقولك: ((لَم يسدَّ)) ولم يَصرْ هذا الفعلُ معربًا، وضمُّه، أو فَتحُهُ، أو كسرُهُ بناءٌ. والوجه الثاني: أنّ تَسمية خَصِيّاً خَطأٌ؛ لأنّ الخَصي ذكرُ على التَّحقيق، وإنَّما زالَ عنه بعض أَعضائه، وحقيقةُ الذُّكوريّة وحُكمها باقيان ولا يَجوز أن يقالَ ليس بذكرٍ ولا أُنثى، (وإنَّما الأَشبه بما أرادوه أن يُسمّى خُنثى مُشكِلاً، لأنَّ الخُنثى لَيس بذكرٍ ولا أُنثى. والله أعلم بالصواب.

стр. 42

٨ - مسألة [الإعراب أصل في الأسماء] المعربُ بحقّ الأَصل هو الاسمُ. والفعلُ المضارعُ محمولُ عليه. وقالَ بعضُ الكوفيين: المضارعُ أصلٌ في الإعراب أيضًا. وحجّة الأولين: أنّ الإِعرابَ أُتِيَ به لمعنى لا يَصحّ إلاّ في الاسمِ،

стр. 43

فاختُصّ بالاسم كالتّصغير وغيره من خَواص الاسمِ، والدَّلِيلُ على ذلك أنّ الأَصلَ عدمُ الإِعراب؛ لأنَّ الأصلَ دلالةُ الكلمةِ على المعنى اللازِمِ لها، والزّيادةُ على ذلك خارجةٌ عن هذه الدِّلالة وإنّما يؤتى بها لِتَدُلَّ على معنى عارضٍ، يكون تارةً ويفقد تارةً والمعنى الذي يدلُّ عليه الإِعرابُ كونُ الاسم فاعلاً، أو مفعولاً، أو مضافًا إليه، لأنّه يفرِّق بين هذه المعاني، وهذه المعاني وهذه المعاني تَصِحٌ في الأسماء ولا تَصحُّ في الأفعال، فعُلم أنّها ليست أصلاً، بل هي فرعُ محمول على الأسماءِ في ذلك. واحتجَّ الآخرون بأنّ إعرابَ الفعلِ يفرِّق بين المعاني فكانَ أصلاً كإعراب الأسماء؛ وبيانه قولك: ((أُريد أن أَزوركَ فيمنعني البَوّابُ)) إذا رَفَعتَ كان له معنى، وإذا نَصَبْتَ كان له معنى آخر وكذلك [قولك]: لا يسعني شيءٌ ويَعجَزُ عنك ((إذا نَصَبْتَ كان له معنى وإذا رَفَعْتَ كان له معنى آخر، وكذلك باب الجَواب بالفاءِ والواو نحو ((لاَ تَاكُلِ السَّمكَ وتَشْرب اللَّبن)) وهو في ذلك كالاسمِ إذا رفعت كان له معنى إذا نصبتَ أو جَزمت كان له معنى آخر، والجوابُ: أمّا إعرابُ الفعلِ فلا يتوقَّف عليه فهم المعنى، بل المعنى يُدرَك بالقرائن المُختصّة به، والإِشكال يحصُلُ فيه بالحَركة التي لا يقتضيها المعنى، لا بعدَمِ الحَركة، ألا تَرى أنّ قوله: ((أُريد أن أَزورك فيمنعني البوابُ)) لو سَكَّنْتَ العين لفهم المعنى وإنَّما يُشكل إِذا نَصَبْتَها، وإنّما جاءَ الإِشكالُ من جهةِ العطفِ لا بالنظرِ إلى نفسِ الفِعلِ، إذ لا فرقَ بين قولِكَ: يضرب زيدُ في الضَمّ والفَتح والكَسر

стр. 44

والسُّكون فإنّه في كلِّ حالٍ يَدلُّ على الحدثِ والزَّمان وكذلك إذا قلت: لم يَضرب ولن يضرب فإنّ الفعل مَنفيُّ ضَمَمْتَ أو فتحت أو سكّنت، وكذلك لا يسعني شيء ويَعجز عنك، إذا فتحت أردت الجواب، وإذا ضممت عطفت، ولو أهملت لَفَهمْتَ المعنى، وكذلك لا تأكل السّمكَ وتشرب اللَّبن، والحاصِلُ من ذَلِكَ كلِّه [أنه] أمرٌ عَرَضَ بالعَطفِ وحرفُ العَطفِ يقعُ على معانٍ فلا بدَّ من تَخْلِيص بعضِها من بعضٍ فبالحركة يفرّق بين معاني حرف العَطف ولا يفرّق بين معنى الفعلِ ومعنى له آخر، والله أعلمُ بالصوابِ.

стр. 45

بابُ الإِعراب ٩ - مسألة [علّة الإِعراب] الإِعراب دخل الكلام ليفرّق بين المعاني، من الفاعليّة والمفعوليّة والإِضافة ونحو ذلك. وقال قُطرب-واسمه محمّد بن المُستنير-: لم يَدخل لعلّه وإنَّما دخلَ تخفيفًا على اللّسان. وحجّةُ الأوّلين: أنَّ الكلامَ لو لم يُعرب لالتَبست المعاني، ألا تَرى

стр. 46

أنّك إذا قلتَ: ضربَ زَيدْ عَمْرُو، كلَّم أَخوك أَبوك، لم يُعلم الفاعل من المفعول، وكذلك قولهم، ما أَحسن زيد لو أهملته عن حركةٍ مخصوصةٍ لم يُعلم معناه؛ لأنَّ الصيغةَ تَحتَمِلُ التّعجّبَ والاستفهامَ والنّفيَ، والفارقُ بينهما هو الحركات، فإن قيلَ: الفرقُ يحصلُ بلزومِ الرُّتبةِ، وهو تقديمُ الفاعلِ على المفعولِ، ثمُّ هو باطلٌ فإنّ كثيراٌ من المواضع لا يَلتبس ومع هذا أُلزم الإِعراب كقولك: قامَ زيدُ، ولم يقم عمرُو، وركبَ زيدُ الحمارَ، فإنّ مثلَ هذا لا يَلتَبِسُ وكذلك كَسَرَ موسى العَصا. فالجوابُ: أمّا لُزوم الرُّتبة فلا يَصِحُّ لثلاثةِ أوجهٍ: أحدهما: أنّ في ذلك تَضيّقًا على المُتكلّم: وإخلالاً بمقصودِ النَّظمِ والسَّجعِ مع مَسيسِ الحاجَةِ إليه، والإِعراب لا يلزم فيه ذلك فإنّ أمرَ الحركةِ لا يختلفُ بالتّقديمِ والتأخيرِ. والثاني: أنّ التقديم والتأخير قد لا يصحّ في كثيرٍ من المواضع، ألا ترى أنّك لو قلت: ضربَ غلامُه زيدًا لم يصحُ تقديم الفاعل هنا، لئلاّ يلزم منه الإضمار قبل الذّكر لفظًا وتقديراً، فتدعو الحاجة إلى تقديم المفعول، وكذلك قولك: ما أحسن زيدًا، و ((ما)) في الأصلِ فاعلُ، ولا يصحّ تقديمُ الفعلِ عليه، فأمًا ما لا يَلتَبِسُ فإنّه بالنّسبة إلى ما يلتبس قليلٌ جدّاً، فحمل على الأصلِ المعلّل ليطّرد الباب، كما طردوا الحذف في

стр. 47

أعدّ ونعدّ وتعدّ، حملاً على يعدّ، وله نظائر كثيرة؛ ولأنّ الذي لا يلتبس في موضع قد يلتبس بعينه في موضع آخر، فإذا جعلت الحركة فارقة طردت في الملتبس وغيره. والوجه الثالث: أنَّ غايةَ ما ذكروا أنّ الفرق يَحصُلُ بطريق آخر غير الإِعرابِ، وهذا لا يمنع أن يحصُل الفرق بالإِعرابِ، وتعيّن الطرق لا سبيلَ إليه، بل إذا وُجِدَ عن العربِ طريقٌ معلّل وجبَ إثباتُه، وإن صّحُ أن يحصلَ المعنى بغيرهِ، ومثل ذلك قد وَقع في الأسماءِ المختلفةِ الألفاظِ والمعانيِ، فإنّ كلَّ واحدٍ منها وُضع على معنى يَخصّه ليُفهَمَ المعنى على التَّعيين، ولا يقال هلاّ وضعوا له اسماً واحداً على معانٍ متعدّدة، ويَقِفُ الفرقُ على قرينةٍ أخرى كما وقعَ في الأسماء المشتركة، بل قيلَ إنَّ الاشتراك على خِلافِ الأصلِ. ومثل ذلك قد وقع في الشَّريعة، فإنَّ الأخ من الأبوين يسقط الأخ من الأب وهو أحد المعاني التي يحتملها هذا الفصل وذلك أنّ القياس لا يمنع أن يشترك الجميع في الميراث، من غير تخصيص لاشتراكهما في الانتساب إلى الأب والانتساب إلى الأمّ في هذا المعنى ساقط ويجوزُ أن يكون للأخِ من الأبوين الثُّلثان وللأخِ من الأبِ الثُّلث عملاً بالقرابتين، ويجوزُ إسقاط الأخ من الأب بالأخِ من الأبوين لرُجحان النّسب إلى الأبِ والأمِّ، وهذا الذي تقرّر في الشّرع وهو عمل

стр. 48

بأحد المعاني كذلك ها هنا. واحتجَّ الآخرون من وجهين: أحدهما: أنّ الفعل المضارع معربٌ ولا يحصل بإعرابه فرقُ فكذلك الأسماء. والثاني: أنّ الفاعليّة والمفعوليّةَ تدركُ بالمعنى ألا تَرى أنّ الأسماءَ المقصورةَ لا يظهرُ فيها إعرابٌ، ومعانيها مدركةٌ، وإنّما أَعربت العرب الكلامَ لما يلزم المتكلّم من ثِقَل السُّكون، لأنّ الحرفَ يقطعُ عن جريانِه فيشقُّ على اللّسان، قالوا ويدلُّ على صحّة ما ذكرناه أنّ الإعراب يتّفق مع اختلاف المعنى، ويختلف مع اتّفاقِ المعنى، ألا ترَى أنّ قولَك هل زيدٌ قائمٌ؟ مثل قولك زيدٌ قائمٌ في اللّفظ مع اختلافِ المعنى، وقولك زيدٌ قائمٌ، مثل قولك إنَّ زيدًا قائمٌ، في المعنى، إذ كلاهما إثباتٌ والإعرابُ مختلفٌ. والجوابُ: أمّا إعرابُ الفعلِ المضارعِ فعَنهُ جوابان: أَحَدُهُمَا: أنّ إعرابه يفرق بينَ المعاني أيضاً كما ذكرنا في المسألة قبلها. والثاني: أنّ إعراب الفعل استحسانٌ لشبهه بالأسماء على ما ذكرناه

стр. 49

هناك، وأمّا اختلافُ الإِعرابِ واتّفاقُ المعنى وعكس ذلك فلا يَلزم، لأنَّ هذه الأشياء فُروعٌ عارضةٌ على الأُصول المعلّلة لضرب من الشّبه، وذلك لا يَمْنَعُ ثُبوت الإِعرابِ لمعنى، قولهم: إِنّهم أَعربوا لما يلزم من ثقلَ السُّكون لا يصحُّ لوجهين: أحدهما: أنّ السكون أَخفُّ من الحركة هذا ممّا لا ريبَ فيه ولذلك كان المَبني والمَجزوم ساكنين. والوجه الثاني: لو كان ذلك من أجلِ الثِّقل لفوّض زِمام الخبرة إلى المُتكلّم يسكّن إذا شاء ويحرّك إذا شاء، فلمّا اتّفقوا على أنّ تَسكين المُتحرّك وتحريكَ السّاكن بأيّ حركة شاء المُتكلّم لَحْنٌ، دلَّ على فسادِ ما ذَهبوا إليه. والله أعلمُ بالصَّواب.

стр. 50

١٠ - مسألة [علّة جعل الإِعراب آخر الكلمة] اختلفوا في علّةِ جملِ [؟ جعل] الإِعرابِ في آخرِ الكلمةِ، فقالَ بعضهم: إنّما كانَ لأنّ الإِعرابَ دالٌّ على معنى عارض في الكلمة فيجبُ أن يستوفي الصّيغة الموضوعة لمعناها للازم، ثمّ يؤتي بعد ذلك بالعارض كتاء التأنيثِ وحرفِ النّسبِ. وقال آخرون: إنّما جُعل أخيراً لأنّ الإِعرابَ يثبت في الوصلِ دونَ الوقفِ، فكان في موضعٍ يتأتّى الوقفُ عليه، وهو الأَخير. وقالَ قُطرب: إنّما جعل أخيراً لتعذّر جعله وسطاً، إذ لو كان وسطاً لاختلطت الأبنية، وربّما أَفضى إلى الجَمع بين ساكنين، أو الابتداء بالسَّاكن وكلُّ ذلك خطأُ لا يوجد مثله فيما إذا جعل أخيراً. قال قُطرب: والمَذهب الأوّل لأنَّ كثيراً من المعاني العارضة تَدخل

стр. 51

في أوّل الكلمة ووسطها قبلَ استيفاءِ الصّيغة نحو الجمع والتّصغير وهو معنى عارض. والجوابُ: أنّ العِلَلَ المذكورة كلّها صحيحة. وأمتنها عند النَّظر الصَّحيح هو الأوّل، وأمّا ما نُقض به من التّصغير والجمعِ فلا يَصحّ لوجهين: أحدُهما: أنّ التصغيرَ والجمعَ معنيان يحدثان في نفسِ المسمّى وهو التّكثيرُ والتّحقيرُ، فلذلك كانت علامتهما في نفسِ الكلمةِ، لأنَّ التكثيرَ معناه ضمُّ اسمٍ إلى اسمٍ هو مساوٍ له في الدّلالة على المَعنى، فكان الدّالّ على الكثرة داخلاً في الصّيغة، كما أنّ إضافة أحدهما إلى الآخر داخلٌ في المعنى، وليس كذلك المعنى الذي يدلُّ عليه الإِعراب، فإنّ كونَه فاعلاً لا يُحدث في المسمّى معنى في ذاتِه، بل هو معنى عارضٌ أوجبه عاملٌ عارضٌ. والوجه الثاني: أنّ التّصغيرَ والجمعَ من قبيلِ المعاني التي يُقصد إثباتها في نفس السّامِع فيجب أن يبدأ بها، أو تُقرن بالصّيغة ليثبت في نفس السّامع معناها قبل تمامِ المعنى الأَصلي بدونها، وهذا كما جُعل الاستفهامُ والنَّفيُ في أوّل الكلامِ، ليستقرّ معناه في النّفس، ولو أُخّر

стр. 52

لثبتَ في النَّفس معنى ثمَّ أُزيل، وليس كذلك الإِعرابُ، لأنَّ الصِيغةَ المجرّدةَ عن الإِعراب لا تَنفي كونِ المسمّى فاعِلاً ولا مفعولاً، حتّى إذا جاءَ الإِعرابُ بعد ذلك أَزال المعنى الأول، وكذلك الألف واللام جعلت أولاً ليثبت التّخصيص في المسمّى، ولا يُؤتى بها أخيراً لئلاّ يحدث التّخصيص بعد الشياع. واحتجّ من قالَ إنّ الإِعرابَ لا ينبغي أن يكون موضعه أخيراً، لأنه دالُّ على معنى في الكلمة فوجبَ أن يكون في أَصلها، كالتَّصغير والجَمع والتَّعريف والنَّفي والاستفهام وغير ذلك، وإنّما عُدِلَ إلى الأخير لما ذكرناه من اختلاطِ الأبنيةِ، والجوابُ عن هذا قد سبق. والله أعلمُ بالصّواب.

стр. 53

١١ - مسألة [حقيقة الصرف] الصّرفُ: هو التّنوينُ وحدَه. وقال آخرون: هو التّنوينُ والجرُّ. وحجّة الأوّلين من ثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أنّه معنى يُنبأ عنه الاشتقاق فلم يَدخل فيه ما يَدلّ عليه الاشتقاق كسائر أمثاله، وبيانه أنّ الصّرفَ في اللّغةِ هو الصّوتُ الضّعيفُ كقوله: ((صَرَفَ نابُ البَعير))، و ((صَرَفت البَكرةُ))،ومن ((صَريف القلم))، والنُّون الساكنة في آخر الكلمة صوتُ ضَعيف فيه غُنّة كغُنّة الأَشياء التي ذكرنا، وأمّا الجرُّ فليس صوته مشبهًا لما ذكرنا؛ لأنّه حركةٌ، فلم يكن صرفًا كسائر الحركات أَلا تَرى أنّ الضَّمّةَ والفتحةَ في آخر الكلمةِ حركةُ، ولا تُسمّى صرفًا.

стр. 54

والوجهُ الثاني: أنَّ الشاعرَ إذا اضطُرّ إلى صرفِ ما لا ينصرف جَرّه في موضع الجرّ، ولو كان الجرّ من الصّرف لما أُتيَ به من غيرِ ضرورةٍ إليه، وذلك أنَّ التَّنوين دعت الضّرورة إليه لإِقامة الوزن، والوزن يقوم به سواء كَسر ما قبله، أو فَتحه، فلّما كَسر حين نوّن عُلم أنَّه لَيس من الصَّرفِ؛ لأنَّ المانع من الصَّرف، قائمٌ، وموضع المخالف لهذا المانع الحاجةُ إلى إقامةِ الوزنِ، فيجب أن يختص به. والوجهُ الثالثُ: أنّ ما فيه الألف واللاّم أو أُضيف يكسر في موضع الجرّ مع وجود المانع من الصّرف، وذلك يَدلُّ على أنَّ الجرَّ يَسقُطُ تبعاً لسقوط التَّنوين، بسبب مُشابهة الاسمِ للفعلِ، والتَّنوينُ سَقَطَ هنا لعلّة أُخرى، فينبغي أن يظهرَ الكسر الذي هو تبعٌ لزوال ما كانَ سقوطه تابعاً له. واحتجَّ الآخرون من وجهين: أحدُهما: أنّ الصّرف من التَّصَرُّفِ، وهو التَّقَلُّب في الجهات وبالجرِّ يزداد تَقَلُّب الاسم في الإِعراب، فكانَ من الصَّرْفِ. والثاني: أنّه اشتهر في عرف النّحويين أنّ غير المنصرف ما لا يدخله الجرّ مع التّنوين، وبهذا حدُّ فيجب أن يكون الحدّ داخلاً في المحدود. والجوابُ عن الأوّل من وجهين:

стр. 55

أحدُهما: أنّ اشتقاقَ الصَّرف ممّا ذكرنا لا ممّا ذكروا، وهو أقربُ إلى الاشتقاقِ. والثّاني: أنّ تقلُّبَ الكلمةِ في الإِعرابِ لو كان من الصَّرف لوجب أن يكون الرَّفعُ والنَّصبُ صرفًا، وكذلك تقلّب الفعل بالاشتقاق والإِعراب لا يُسمّى صرفًا، وإنّما تصرُّفًا وتَصريفًا. وأمّا ما اشتُهِرَ في عُرفِ النّحويين فليس بتحديدِ للصّرفِ، بل هو حكمُ ما لا ينصرف، فأمّا ما هو حقيقةُ الصّرفِ فغيرُ ذلك، ثمّ هو باطلٌ بالمضاف، وما فيه الألفِ والّلام فإنّ تقلّبه أكثر، ولا يسمّى مُنصرفًا. والله أعلمُ بالصّواب.

стр. 56

١٢ - مسألة [حقيقة الإِعراب] ذهبَ أكثرُ النحويين إلى أنّ الإِعرابَ معنى يدلُّ اللّفظ عليه، وقالَ آخرون هو لفظُ دالٌ على الفاعل والمفعول مثلاً، وهذا هو المُختار عندي. واحتجّ الأوّلون من أوجه: أحدُهما: أنَّ الإِعرابَ اختلافُ آخرِ الكلمةِ لاختلافِ العاملِ فيها، والاختلافُ معنى لا لفظٌ كمخالفةِ الأحمر للأبيض. والثاني: أنّ الإِعرابَ يدلُّ عليه تارة الحركة، وتارةً الحرف، كحروف المدِّ في الأسماءِ الستّة والتّثنية والجمع، وما هذا سبيله لا يكونُ معنى واحدًا، بل هو دليلُ على المعنى، والدّليلُ قد يتعدّد والمدلول عليه واحد.

стр. 57

الثالث: أنّ الحركات تضاف إلى الإِعراب فيقالُ: حركات الإِعراب وهذه ضمّة إعراب، وإضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة، وكذلك الحركات توجد في المثنّى وليست إعرابًا. واحتجّ الآخرون: بأنّ الأصلَ في الإِعرابِ الحركةُ؛ لأنَّها ناشئةٌ عن العامِلِ كقولك قامَ زَيدٌ، فالضمّة حادثة عن الفعل، والفعلُ عاملٌ، والعملُ نتيجة العملِ، والعمل هو الحركة، فأمّا كون الاسم فاعلاً أو مفعولاً فهو معنى مجرّدٌ عن علامةٍ لفظيّةِ يجوزُ أن تُدرك بغير لفظٍ، كما يُدرك الفرق بين المبنيّات بالمعنى مع حكمِ بالبناء، كقولك: ضَرَبَ هذا هذا، وكذلك [قولُك] في المعرب نحو كلّم موسى عيسى، فعلم أنّ الإٍعراب هو الحركة المخصوصة، وهذا هو حجّة هؤلاء. والّذي أُحرره هنا أن أقول: الإِعراب فارقٌ بين المعاني العارضة، كالفاعليّة، والمفعوليّة والتَّعجّب والنّفي والاستفهام، نحو ما أحسن زيدًا، وما أحسن زيدٌ وما أحسن زيدٍ، نفس الحركات هنا فارقٌ بين المعاني، وإذا ثبتت أنّ الإِعراب فارق بين المعاني فالفرق الحاصل عن الفارق يعرف تارةً بالعقلِ، كالمعرفة أنّ الاثنين أكثر من الواحد، وأقلّ من الثلاثة، هذا معلوم بالعقل من غير لفظٍ يدلُّ عليه، وتارةً يعرف بالحسّ من السَّمعِ والبصرِ واللّمسِ والذوقِ، والشمِّ، فأنت تفرق بين زيدٍ وعمروٍ بالتّسميَة بما تَسمعه

стр. 58

من اللّفظين، وتفرّقُ بين الأَحمر والأبيض بحاسَّة البصرِ، وبين الحارِّ والباردِ والناعمِ والخشنِ باللّمسِ، وبين الحلوِ والمرِّ بالذَّوق، وبين الريحة الطَّيبةِ والخَبِيثةِ بالشمِّ، والإِعرابُ من قبيلِ ما يعرفُ بحاسّة السَّمع، ألا تَرى أنّك إذا قلت لإِنسان: افرقْ لي بين الفاعلِ والمفعولِ والمضافِ إليه في نحو قولك: ((ضربَ زيدٌ غلامَ عمروٍ)) فإنّه إذا ضمّ واحدًا وفتحَ ثانيًا وكسرَ ثالثًا حصلَ لك الفَرقُ بألفاظه، لا من طريق المعنى، فإنّك أنت قد تُدرك هذا المعنى بغيرِ لفظٍ، فدلّ أنّ الإِعرابَ هو لفظُ الحركة. وأمّا ما أُعرب بالحروفِ فهو حاصل من اللّفظ أيضًا، لأنّ الحرفَ لفظٌ، كما أنّ الحركةَ لفظٌ. وأمّا كونُ الحركةِ في المبنى فلا يمنع أن يكون إعرابًا في المُعرب، ويكون الفَرقُ بينهما أنَّ حركةَ الإِعراب ناشئةٌ عن عامل فهي حركةٌ مخصوصةٌ وحركةُ المبني ليست مخصوصة بعامل، وأمّا إضافة الحركة إلى الإِعراب فلا يدلّ على أنَّهما غَيْرَانِ، بل هو من قبيلِ إضافة النّوع إلى الجنس وهذا كما تقول رفعُ الإِعراب ونصبه وجرّه، فتضيف الرفع إلى الإِعراب وهو نوع منه يدلّ على ذلك أنّ الرّفع إعراب بلا خلاف، وكذلك النّصب والجرّ، معلوم أنّ حقيقةَ الرَّفعِ هو الضَّمَّةُ الناشئةُ عن عامل قد لزم أن يكون الإِعراب لفظًا. والله أعلم بالصوّاب.

стр. 59

١٣ - مسألة [أيّهما أسبق حركات الإِعراب أم حركات البناء ؟] اختلفوا في حركاتِ الإِعرابِ هل هي سابقة على حركات البناءِ أو بالعكس؟ أو هما مُتطبقان من غير ترتيبٍ. فذهبَ قومٌ إلى الأوّل وهو الأقوى، والدّليل عليه من وجهين: أحدُهما: أنّ الإِعرابَ تابعٌ لفائدة الكلامِ، والكلامُ موضوعٌ للتفاهم، فيجب أن يكون مقارنًا للكلامِ كمقارنة المفردِ لمعناه، وبيان ذلك أنّ المفرد في نحو قولك فرسٌ وغلامٌ وجبلٌ، متى ذكر واحد من هذه الأَلفاظ كان معناه مصاحباً له، فإذا انتهى اللَّفظ فهم معناه عند انتهائه، وكذلك الكلام المقصود منه ما يحصّل من الفائدة عن التَّخاطب، والتَّخاطب لا يكونُ إلاّ بالمرّكب، فالمفرداتُ تُصوّر المعاني، والمُركّبات تفيدُ التَّصديقَ، وهو

стр. 60

المَقصود الكلّي من وضع الكلام، وإذا كان الإِعراب مقارنًا للكلامِ فُهم معنى المركّب عند انتهاء أَلفاظه، كقولك: أعطى زيدٌ عمراً درهماً، فإنَّك لا تُدرك معنى هذه الجُملة إلاّ أن تعلم الفاعِلَ والمفعولَ، حتّى يَسْتقرّ عندك معنى ما قُصد بالجملة، فأمَّا حركاتُ البناءِ فلا تُفيد معنى في المرّكب، وإنّما هي شيءُ أَوجبه شبهُ الحرفِ الذي لم يُوضع لتُفيد حركته معنى. والوجهُ الثاني: أنّ واضعَ اللّغةِ حكيمٌ، ومن حكمتِه أن يضعَ الكلامَ للتفاهمِ، ولا يتمُّ التَّفاهم إلاّ بالإِعرابِ، أن يكونَ مقارنًا للكلام لتَحصلَ فائدة الوضع. وأمّا البناءُ فلا يعرف المعنى فيه من اللَّفظ، وإنّما يعرف بجهة أُخرى، ألا ترى أنّك إذا قُلتَ ضَرَبَ موسى عيسى لم يفهم من اللّفظ الفاعل من المفعول، وإنّما ميّزوا بينهما بأن ألزموا الفاعل التقديم، وهذا أمر خارج عن اللّفظ والإِعراب، إِمَّا هو اللّفظ، أو مدلول اللّفظ، ولو قال: كسر موسى العصا فهم الفاعل من المفعول من المعنى، إذ قد ثبت أنّ المراد بموسى الكاسر وبالعصا المكسور، وهذا أيضًا خارج عن أدلّة الأَلفاظ، إلاّ أنّه مع خروجه عن دليل اللَّفظ يقدّر الإِعرابُ عليه تقديراً، والتقديرُ إعطاء المَعدومِ حكمَ المَوجودِ، وإنّما كان كذلك لقيامِ الدّليلِ على أنّ هذه الأسماء غيرُ مَبنيّة، فلزم أن تكون مُعربة. واحتجّ من قالَ حركات البناء أصلٌ: بأنّ حركة البناء لازمة وحركة

стр. 61

الإِعراب مُنتقلة، والَّلازمُ أصلٌ للمنتقلِ، وسابقٌ عليه. واحتجّ من قال: ((لا يسبق بعضها على بعضٍ))، أنّ واضعَ اللّغةِ حَكِيمٌ في فيُعلم من الابتِداء ما يحرَّكُ للإعراب، وما يُحرَّك لغيره، فيَجب أن تَتَساوق ولا تَتَسابق. والجوابُ عن شبهة المذهب الثاني: أنّ الأصلَ والفرعَ لا يُؤْخَذُ من اللّزومِ والانتقالِ، بل يُؤخَذُ من جهةِ إفادةِ المعانِي، وقد ثبتَ أنّ الأسماء هي التي يقع فيها اللَّبس، وأنّها محالّ الفاعليّة والمفعوليّة، فكان الإِعراب مقارنًا لها، لئلاّ يقع اللّبس، ثمّ يحتاج إلى إزالته بعد وُقوعه، والبناء أجنبي عن ذلك. والجوابُ عن شبهة المذهب الثالث: أنّا لا نريد بالسّبقِ هنا السَّبق بالزّمان، بل السَّبق بالرتبة، ولا شكّ أنّ الإِعراب سابق بالرّتبة. وأمّا البناءُ فيجوز أن يكون متأخّراً عن الإِعراب، وأن يكون مقارناً له في الوضع. والله أعلم بالصوّاب.

стр. 62

١٤ - مسألة [علّة زيادة تنوين الصّرف] العلّة في زيادةِ تَنوين الصّرف على الاسم أنّه أُريد بذلك بيانٌ خِفّة الاسم وثِقل الفعلِ. وقال الفرّاءُ: المرادُ به الفرقُ بينَ المُنصرف وغير المنصرفِ. وقال آخرون: المرادُ بع الفَرق بين الاسمِ والفعلِ. وقال قومٌ: المرادُ به الفرقُ بينَ المفردِ والمضافِ. والدّلالة على المذهب الأوّل: أنّ في الكلمات ما هو خفيفٌ وما هو ثقيلٌ، والخِفّة والثِقل تعرفان من طريق المعنى لا من طريق اللَّفظ

стр. 63

فالخفيفُ ما قلَّت مدلولاته ولوازِمُه، والثَّقل ما كثُر ذلك فيه. فخفّة الاسم أنّه يدلّ على مُسمّى واحدٍ، ولا يلزمه غيره في تحقّق معناه، كلفظة رجل فإنّ معناها ومُسمّاها الذّكر من بني آدم، والفَرس هو الحَيوان الصَهّال، ولا يقترن بذلك زمانٌ ولا غيره، ومعنى ثقل الفعل أنّ مدلولاته ولوازمه كثيرة، فمدلولاته الحَدث والزَّمان، ولوازمه الفاعل والمفعول والتَّصرُّف وغير ذلك. وإذا تقرّر هذا فالفرق بينهما غير معلوم من لفظهما، فوجب أن يكون على ذلك دليلٌ من جهة اللّفظ والتّنوين صالحٌ لذلك، لأنّه زيادةٌ على اللّفظ والزّيادة ثِقَلٌ في المزيد عليه والاسمُ يَحتمل الثّقل؛ لأنّه في نفسه خَفيف في نَفسه ثقيلٌ، فلا يحتمل التَّثقيل، وهذا معنى ظاهرٌ فكان هو الحكمة في الزيادة. وقولُ الفرّاء إن حُمل على معنى صَحيحٍ فمراده ما ذكرناه ولكنّ العبارة رَكيكةٌ، وإن حمل على ظاهر اللّفظ كانت تعليلَ الشّيءِ بنفسه؛ لأنّه يَصيرُ إلى قولك التَّنوين يفرق به بين ما ينوّن وبين ما لا ينوّن وذا تعليل الشيء بنفسه. وأمّا مَن قالَ: فرق به بين الاسم والفعل فلا يصحّ لأوجه:

стр. 64

أحدهما: أنّ الفرق بينهما من طَريق المعنى وذلك أنّ الاسمَ يدلُّ على معنى واحدٍ والفعل على معنيين وقد ذكرنا في حَدّيهما. والثاني: أنّ العلامات المفرّقة اللَّفظية بينهما كثيرةٌ مثل ((قد))، و ((السين)) و ((سوف))، ((التَّصرف)) مثل كونه ماضيًا ومستقبلاً وأمراً، والاسمُ يعرّف بالأَلف واللاّم وغيرهما. والثالثُ: أنّ الاسمَ الذي لا ينصرف لا تنوين فيه، وهو مباينٌ للفعل، وأمّا مَن قالَ يفرّق بين المُفرد والمُضاف، فقوله باطلٌ أيضًا من جهةِ أنّ المفردَ مطلقٌ يصحُّ السُّكوتُ عليه، والمضافُ مخصوصٌ مُحتاجٌ إلى ما بَعده، وأنَّ الاسمَ الذي يَنصرف قَد يُضافُ وإضافتُهُ غيرُ لازمةٍ فيكون مفردًا مع أنّه لا ينوّن، فلو كان المُفرد لا يفصل بينه وبين المُضاف إلاّ بالتَّنوين لزم ألاّ يكون المفردُ إلاّ منصرفًا، والله أعلَمُ بالصَّواب.

стр. 65

١٥ - مسألة [فعل الأمر بين البناء والإِعراب] فعل الأمر للمواجه مبينيٌّ نحو ((قم)) و ((اضرب)). وقالَ الكوفيون: هو معرب بالجزم. لنا أنّه لفظ لا يفرَّق بإعرابه بين معنى ومعنى وقد يشبه الاسم فلم يكن معرباً كالحرف، والدّليل على هذه الجملة أنّ الإِعراب معنى زائد على

стр. 66

الكلمة فلا ينبغي أن يُثبت إذا دَل على معنى، وفعلُ الأمر لا يحتمل معاني يفرّق الإِعراب بينها، فلم يحتج إلى الإِعراب، وقد ذكرنا ذلك في إعراب الفعل هل هو استحسان أم أَصلٌ؟ فيما تقدّم، ولأنّ الإِعراب إمّا أن يثبت أصلاً، أو استحساناً، وكلاهما معدوم. أمّا الأصلُ فلأنّه لا يحتمل معانيَ يفرق الإِعراب بينهما، وأمّا الاستحسان فهو أنّ فعلَ الأمرِ لا يُشابه الاسم حتّى يحمل عليه في الإِعراب، بخلاف المضارع فإنّه يشبه الاسم بوجود حرفِ المضارعة، وليس في لفظ الأمر هنا حرفُ مضارعةٍ يشبّه به الاسم، فعند ذلك يجب أن يكونَ مَبنيّاً. واحتجّ الكوفيون بأنّه فعلُ أمرٍ، فكان معرباً بالجزمِ، كما لو كان في حرف المضارعة كقولك: لتضرب يا زيد، وليضرب عمرو، ولا إشكال في أنّ كلَّ واحدٍ منهما أمر، فإذا كان أحد الأمرين معرباً، كان الآخر كذلك، قالوا: فإن قيلَ هناك حرف المضارعة وهو المقتضي للشّبه، قيل: فعلُ الأمر للمواجه إن لم يكن فيه حرفُ المضارعةِ لَفظاً فهو مقدَّرٌ مرادٌ، وحُذِفَ لفظاً للعلم به، فالتَّقدير في قولك قُم، لتقم ويَدُلُّ على ذلك أنّ حذف اللام قد جاء صريحاً كقول الشاعر:

стр. 67

مُحمّد تَفْدِ نَفْسَكَ كلُّ نَفْسٍ ... إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيْءٍ تَبَالاَ أي لِتَفْدِ. وقالَ الآخر:

стр. 68

على مِثْلِ أَصْحَابِ البَعُوضَةِ فاخْمُشِيْ ... لَكِ الوَيْلُ حُرَّ الوَجْهِ أَو يَبْكِ مَنْ بَكَا أي وليَبْكِ؟. فالجوابُ أنّ هذا الفعل لم يوجد فيه علّة الإِعراب؛ لأنّ علّة إعرابه إمّا أصلٌ، أو شبه، وكلاهما لم يوجد على ما تقدّم، وكونه أمراً لم يوجب إعرابه بل الموجب لإِعراب الفعل الشّبه بالاسم، والشّبه بالاسم كان بحرف المضارعة والفعل بنفسه هناك ليس بأمرٍ، بل الأمرُ حاصلٌ بالّلام، وفي ((قُم)) و ((بع))، هو أمر بنفسه، فالحاصلُ أنّا مَنعنا علّة الأصل، وهو أنّ قولك لِيَضرب زيدٌ لم يُعرب لكونِ الفعلِ أمراً، وفي ((خُذْ)) و ((كُلْ)) الفِعلُ أمرٌ فلا جامع إذاً بينهما، قولهم إنّ حرفَ المضارعة محذوفٌ، كلامٌ في غايةِ السُّقُوط وذلك أنّ الحذفَ لا يُوجِبُ تَغيير الصِّيغة بل يُحذف ما يحذف، ويَبقى ما يبقى على حاله، كقولك: ((ارمِ)) فإنّ الأصلَ الياء، ولمّا حُذفت بقي ما كان على ما كانَ عليه، وليس كذلك ها هُنا، فإنّك إذا قلتَ: ((يَضرب زيد)) وحذفت الياء لم تقل ضَرب زيدٌ، بل تأتي بصيغةٍ أُخرى وهي اضرب، ولأنّ الجزم هناك باللام، وإذا حذف الجازم لا يبقى

стр. 69

عمله، كما إذا حذف الجار لا يبقى الجرّ وكذلك ها هنا، لو حَذفت اللام لم يبقَ عملها، هذا لو كان الحذفُ للاّم وحدَها فكيف إذا حذفت اللاَّم وحرفَ المضارعة وتغيَّرت الصيغة؟. وأمّا الشّعر فهو على الخَبر لا على الأمر، إلاّ أنّه حذف الياء من آخر الفعل ضرورةً، والأصل ((تَفدي)) و ((يَبكي)). وجوابُ آخر: وهو أنّه حذفَ اللاّم وبقي حرف المضارعة ولم تتغيّر صيغةُ الفعل بخلاف مسألتنا. والله أعلم بالصّواب.

стр. 70

١٦ - مسألة [حدّ الاسم الصحيح] حدُّ الاسمِ الصّحيحِ: ما تعاقبَ على حرفِ إعرابه حركاتُ الإِعرابِ. وقال بعضهم: حدّه: ما لم يكن حرفُ إعرابه ألفًا، ولا ياءً قبلها كسرة. وجه القول الأول: أنّ الحدَّ ما أنبأ عن حقيقةِ المَحدودِ، وحقيقتُهُ أمرٌ وجودي، وهذا اللّفظ ينبئُ عن أمر وجودي، فكان حدّاً له، ولأنّه يطَّرد ويَنعكس، فاطِّرادُهُ ظاهرٌ، والعَكسُ أنَّه ما لم تَتَعَاقبْ عليه حركاتُ الإِعراب، فليس بصحيحٍ. فإن قيلَ: يتوجّه عليه إشكالان: أحدُهما: الاسمُ الذي قبل يائِه أو واوِه ساكنٌ نحو ((ظَبي))، و ((غَزو)) فإنّه تَتَعاقبُ عليه حركات الإِعراب وليس بصحيح. والثاني: الاسمُ الذي لا يَنصرف فإِنَّ حركات الإِعرابِ لا تتعاقبُ عليه كلُّها وهو صحيحٌ.

стр. 71

فالجوابُ: أمّا النَّقضُ فعنه جوابان: أحدُهما: أنّ ((ظبياً))، و ((غزواً)) صحيح في حكم النّحوِ معتلُّ في حكمِ التَّصريف، وبينهما فرقٌ، ألا تَرى أنّ المُعتلّ في حكم التّصريف يكون فاءً وعيناً، ولاماً نحو: ((وعد)) و ((يُسر)) و ((ثَوب)) و ((بَيع)) و ((غَزو)) و ((رَمى)) وهو في النَّحو غيرُ ذلك. والثّاني: أنَّ هذه الأسماء وإن لم تكن صَحيحة من جهة الحرف، ولكنّ حكمها حكم الصَّحيح في الإِعراب، والحدّ يجمع الحقيقةَ، وما كان حكمه حكمَ الحقيقة، وأمّا الذي لا ينصرف فالحدُّ موجودٌ فيه ألا تَرى أنّك إذا أدخلتَ عليه الألف واللاّم أو أضفته تعاقبت عليه حركات الإِعراب الثّلاث، فأمّا إذا تجرَّد عن الإِضافة، والألَف واللاَّم، فإنّ حركتين منها تَظهر لفظاً، و [في] الثالثة وجهان: أحدُهما: أنّ الفتحةَ قد نابت عنها فهي من جهةِ المعنى كسرةٌ، ومن جهة اللّفظ فتحةٌ، وغير ممتنع أن يكون للشّيءِ جِهتان مُختلفتان في التَّقديرِ وإن اتّفقنا في اللَّفظِ، مثل الألف في العَصا، فإنّ اللّفظَ في الأَلف واحدٌ في كلِّ حالٍ، والتّقدير مختلفٌ. والوجهُ الثَّاني: أنَّ الكسرة مستحقَّةً، ولكن منع ظهورها مانع، فهي في حكم الملفوظ به. أمّا الحدُّ الذي ذكروه فهو نفيٌ محضٌ، والنّفيُ لا يدلّ على الحقيقة، وإنّما يحصل العلمُ به من طريقِ الملازمةِ، كقولك في الأَعمى ما ليس ببصيرٍ أو هو غيرُ البّصير وهذا ليس بحدٍّ إجماعاً. والله أعلم بالصّواب.

стр. 72

١٧ - مسألة [إعراب الاسم المنقوص] الاسمُ المنقوصُ في حالِ الرّفعِ والجرِّ إعرابه مقدّرٌ. وقال بعضُ النّحويين: ليس بمقدّرٍ، بل سكون اليّاء رفعٌ أو جرُّ. ووجهُ القول الأوّل: أنّ الإِعرابَ والحركات الحادثة عن العامل والسُّكون في الأسماءِ غيرُ حادثٍ عن عامل، فلم يكن إعراباً وإنّما الإِعرابُ الحركةُ، ولكن منع من ظهورها مانع، وهو ثِقَلُ اللَّفظِ بها على الواو والياءِ بعد الكسرةِ، لما كان حذفُها لمانعٍ وَجَبَ أن تقدَّرَ كما في ألفِ المقصورِ. فإن قيل: الفرقُ بينهما أنّ ضمّةَ الواوِ وكسرتهما بعدَ الضمّةِ والكسرةِ ممكنٌ، وحركةُ الألفِ في العَصا مُستحيلٌ، والممكنُ لا يقدَّرُ تقديرَ المستحيلِ، فعندَ ذلك يُجعَلُ سكونُه في الممكن كحقيقةِ الحركةِ، إذ كانت الحركةُ ممكنةٌ بخلافِ الألفِ، فإنَّ حركتَها في اللّفظِ مستحيلةٌ، فلا تُجعَلُ نفسُها قائمة مقامَ الحركةِ. قيل: لا فرقَ بينَ الموضعين، لأنَّ ما يُستثقلُ عندهم في حكمِ المُستحيل، والله أعلم بالصَّواب.

стр. 73

١٨ - مسألة [الوقف على المنقوص] اختلف العربُ في الوقفِ على المنقوصِ رفعاً وجرّاً، هل يوقفُ عليه بالياءِ أو بحذفِها؟ ولهم فيه مذهبان: أحدُهما الحذفُ والآخرُ: الإِثباتُ. ووجهُ الحذفِ أنّ الياء قد وجبَ حذفها في الوصلِ من أجلِ التَّنوين، وإذا حذفت في الوصل، وجب أن تحذف في الوقف، لأنّ الوقف عارض، والعارض لا يغّير حكمَ الأصلِ، ألا تَرى أنَّ قولَك: ((قم)) و ((خف)) و (([بع])) ألفاتُها محذوفةٌ، لسكونِها، وسكونِ ما بعدها، ولو حرّكت السّاكن الثاني لم تَعدِ الألف، كقولك: ((قمِ اللّيلَ)) و ((خفِ الله)) و ((بع الثّوبَ))، لمّا كانت حركتُه عارضةً، كذلك ها هنا، على هذا تقول:

стр. 74

هذا قاضٍ، ومررت بقاضٍ كما تقول: هذا زيدٌ، ومررت يدلُّ عليه أنَّ الحذفَ في الوقفِ يُنبّه على الحذفِ في الوصلِ، والوصلُ أصلٌ يُحتاجُ إلى التنبيهِ عليه. واحتجَّ الآخرون بأنَّ الموجِبَ للحذفِ قد زالَ فيزولُ حكمه، وبيانهُ أنَّ الموجبَ للحذفِ التقاءُ الياء مع التَّنوين، وهما ساكنان فَحُذِفَ الأوّل لئلاَّ يجتمعَ ساكنان، وهذا قد أُمن في الوقف، فتعودُ الياءُ إلى حقِّها، كما أنَّ الجازمَ إذا دخلَ حذفَ الألفَ من ((يخَافُ، يقَومُ، ويَبيعُ)) فلو فقد الجازم ثبتت هذه الحروف، لزوالِ موجبِ حَذفها. والجوابُ عن هذا ما تقدّم من أنَّ الوقفَ عارضٌ، والعارضُ لا يغيِّرُ حكمَ الأصلِ. والله أعلم بالصّواب.

стр. 75

١٩ - مسألة [الوقف على المقصور المنوّن] إذا وقفتَ على المقصورِ وقفتَ بالألفِ إجماعاً كقولك هذه العصا، ورأيت عصا، ومررت بعصا، واختلفوا في أصلِ هذه الألف على ثلاثةِ مذاهبٍ: فمذهبُ سيبويهِ: أنّ الألفَ في الرّفعِ والجرِّ لامُ الكلمة، لا بَدَلٌ، وفي النَّصبِ هي بَدَلٌ من التَّنوينِ. والمذهب الثاني: أنّ الألفَ في الأحوالِ الثلاثِ لامُ الكلمةِ، لا بدلٌ، وهو قولُ السيّرافي وجماعة.
следующие страницы →