Полный текст (471 стр.). Показаны 456–471 · переход к 461.
стр. 456
٤٤٨ - وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ , وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى , قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ثنا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ , ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ , عَنِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ»
هَكَذَا وَجَدْنَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ , وَخَالَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ: عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ⦗٢١١⦘ عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ , عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَرَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ , عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ , عَنْ زَيْدٍ , لَمْ يَذْكُرْ أَبَاهُ فِي إِسْنَادِهِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لِهَذَا الْإِسْنَادِ سَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ , وَلَا يَصِحُّ مِثْلُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: وَالصَّحِيحُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رِوَايَةُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَالَ: لَا قِرَاءَةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ وَهُوَ مَحْمُودٌ عِنْدَنَا عَلَى الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ مَعَ الْإِمَامِ , وَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ قَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ إِلَّا وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ تَرْكُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَتَرْكُ قِرَاءَةٍ عَلَى الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُسْنَدَةِ مَا عَسَى يَصِحُّ مِنْهَا , فَإِنَّا قَدْ رَوَيْنَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَأَمَّا قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي أَنْفُسِهِمْ فَقَدْ أَمَرَ بِهَا الْمُصْطَفَى ﷺ وَاسْتَثْنَاهَا مِمَّا نَهَى عَنْهُ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَلَمَّا احْتَمَلَ التَّأْوِيلَ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَصًّا فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ , فَدَعْوَى مِنِ ادَّعَى النَّصَّ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ أَصْلًا خَلْفَ الْإِمَامِ بَاطِلَةٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ: قَوْلُهُ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» وَإِنْ ثَبَتَ جُمْلَةً فَقَوْلُهُ: «إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» مُسْتَثْنًى مِنَ الْجُمْلَةِ , وَالْمُسْتَثْنَى خَارِجٌ مِنَ الْجُمْلَةِ كَذَلِكَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ خَارِجَةٌ مِنْ قَوْلِهِ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» مَعَ انْقِطَاعِهِ يَعْنِي مَعَ انْقِطَاعِ حَدِيثِ «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ» قَاَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي التَّشْدِيدِ عَلَى مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَكُلُّ ذَلِكَ إِنْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْهُ يَرْجِعُ إِلَى الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ
стр. 457
٤٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ , وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ حَسَّانٍ الْمَدَائِنِيُّ , ثنا الْحَسَنُ ⦗٢١٢⦘ بْنُ قُتَيْبَةَ , ثنا يُونُسُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَلَطْتُمْ عَلِيَّ الْقُرْآنَ»
стр. 458
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ وَدِدْتُ أَنَّ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ تُرَابًا
أَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ شَيْئًا , فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإِنَّمَا أَرَادَ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ أَلَا تَرَى مَا حكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْهُ عُقَيْبَ الْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِي جَهْرِ بَعْضِ مَنْ كَانَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَلَطْتُمْ عَلِيَّ الْقُرْآنَ» وَالتَّخْلِيطُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِجَهْرِ الْمَأْمُومِ , وَنَحْنُ نَكْرَهُ جَهْرَهُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَوْ سَكَتَ عَلْقَمَةُ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِهِ إِنْ صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ , فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: «خَلَطْتُمْ عَلِيَّ الْقُرْآنَ» أَوْ مَا مَعْنَاهُ , وَلَمْ يَقُلْ: وَدِدْتُ أَنَّ أَفْوَاهَكُمْ مُلِئَتْ تُرَابًا أَوْ جَمْرَةً أَوْ نَتْنًا , كَمَا يَرْوُونَ عَنْهُ وَعَنْ أَمْثَالِهِ ثُمَّ قَدْ أَجَابَ الْبُخَارِيُّ ﵀ عَنْ أَكْثَرِ مَا وَرَدَ فِيهِ فَقَالَ: وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنِ ابْنِ بِجَادٍ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ ﵁: وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي فِيهِ جَمْرَةٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهَذَا مُرْسَلٌ , وَابْنُ بِجَادٍ لَمْ يُعْرَفْ وَلَا سُمِّيَ , وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي فِيِّ الْقَارِئِ خَلْفَ الْإِمَامِ جَمْرَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَمْرَةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ , وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» , وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَهَّمَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدٍ مَعَ إِرْسَالِهِ وَضَعْفِهِ قَالَ: وَرَوَى ابْنُ حُبَابٍ , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ نَتْنًا وَهَذَا مُرْسَلٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ , وَخَالَفَهُ ابْنُ عَوْنٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنِ الْأَسْوَدِ وَقَالَ: رَضْفًا , وَقِيلَ عَنِ الْأَسْوَدِ: تُرَابًا قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِوُجُوهٍ:
стр. 459
أَمَا أَحَدُهَا: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا بِالنَّارِ وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَمْلَأَ أَفْوَاهُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ , وَحُذَيْفَةَ ﵃ وَمَنْ ذَكَرْنَا رَضْفًا وَلَا نَتْنًا وَلَا تُرَابًا وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِذَا ثَبَتَ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فَلَيْسَ فِي الْأَسْوَدِ وَنَحْوِهِ حُجَّةٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: «لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيَتْرَكُ إِلَّا النَّبِيِّ ﷺ » وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: «وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ سَكَرًا» قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقَالَ لَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ: ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ حُذَيْفَةُ ﵁ يَقْرَأُ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ , وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: وَفِي الْجُمْلَةِ بَلْ مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ عَلْمِ الْحَدِيثِ وَوَقَفَ عَلَى مَا يَصِحُّ بِهِ طُرُقُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ وَعَلِمَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنَ الْأَسَانِيدِ مِمَّا هُوَ أَضْعَفُ ثُمَّ خَشِيَ اللَّهَ تَعَالَى فَأَنْصَفَ اعْتَرَفَ بِأَنْ لَيْسَ فِي
стр. 460
هَذِهِ الْأَحَادِيثِ حَدِيثٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ثُمَّ حَدِيثِ أَبِي السَّائِبِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُنَا لَهُ ثُمَّ حَدِيثِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَلَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ غَيْرُ رَفْعِ الرَّجُلِ صَوْتَهُ بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَكَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ جَهْرَهُ بِقِرَاءَتِهِ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ وُجِدَ مِنْهُ عَلَى أَصْلِ الْقِرَاءَةِ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ وَنَحْنُ نَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ رَفْعِ الرَّجُلِ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ , فَأَمَّا قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَجُمْلَةُ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ سَوَاءَ كَانَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا مَعَ ثُبُوتِ الدَّلَالَةِ فِيهِ عَنْ مِنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَهُوَ بِالْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ تَفْسِيرَهُمَا وَأَخَذَ بِتَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ الَّذِي وُلِدَ بَعْدَهُمَا بِسِنِينَ وَلَمْ يُشَاهِدْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاهَدَا حيْثُ قَالَ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ هَذَا لِمَنْ يصَلِّي وَحْدَهُ , أَوْ أَخَذَ بِتَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى غَيْرِ مَا تَأَوَّلَا مِنَ الْفُقَهَاءِ كَانَ تَارِكًا لِسَبِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ وَرَدِّهَا , فَنَحْنُ إِنَّمَا صِرْنَا إِلَى تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي حَمَلَ الْحَدِيثَ لِفَضْلِ عِلْمِهِ بِسَمَاعِ الْمَقَالِ وَمُشَاهَدَةِ الْحَالِ عَلَى غَيْرِهِ فَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَى تَأْوِيلِ الْفُقَهَاءِ فَلَا تَجْعَلْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ , وَلَوْ صَارَ تَأْوِيلُ سُفْيَانَ حُجَّةً لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي وَحْدَهُ إِنَّمَا يُصَلِّي بِالْجَمَاعَةِ
стр. 461
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهَ يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا مُوسَى الرَّازِيَّ الْحَافِظُ عَنِ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» فَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ فِيهِ عِنْدَنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ إِنَّمَا اعْتَمَدَ مَشَايِخُنَا فِيهِ عَلَى الرِّوَايَاتِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالصَّحَابَةِ ﵃ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵀: أَعْجَبَنِي هَذَا سَمِعْتُهُ فَإِنَّ أَبَا مُوسَى أَحْفَظُ مَنْ رَأَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمَا ﵃ قِرَاءَتَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِهَا خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِرَاقِيُّونَ يُخَالِفُونَهُمْ فِي ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ يُخَالِفُونِ قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ إِلَى تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ وَوُجُوبِهَا فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ , وَذَاكَ أَنَّ الْوِفَاقَ بَيْنَهُمْ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ وَبَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ وَرَكْعَةٍ مِنَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ , فَالْوِفَاقُ فِي سِتِّ رَكَعَاتٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْخِلَافُ فِي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ , فَقَوْلُنَا أَقْرَبُ إِلَى أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ , وَالَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْحِجَازِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ لِلْقُرْآنِ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرِ أَقْرَبُ إِلَى أَقَاوِيلِنَا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ مَعَ تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ ظَاهِرَهُ فِي الْقَدِيمِ فَاسْتَبَيْنَا الْعِرَاقِيِّينَ بِحُجَجِ غَيْرِهِ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ
стр. 462
مِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ لِنَفْسِهِ خَطَأٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى عَالِمٍ , وَمَنْ طَعَنَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِرَاءَتِهِمْ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةٍ يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَقَوْلِهِ: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِهَا» مَعَ مَا يَشْهَدُ لِرِوَايَتِهِ بِالصِّحَّةِ وَاحْتَجَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَحَكَمَ لَهَا بِالصِّحَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ كَثِيرَ مَعْرِفَةٍ وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيلِ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ بِرِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ حرَامِ بْنِ حَكِيمٍ وَمَكْحُولٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنِ الْأَبِ وَالِابْنِ جَمِيعًا , وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقَاوِيلَ الْحُفَّاظِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي شَوَاهِدِ حَدِيثِهِمَا عَنْ عُبَادَةَ حَدِيثَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: أَلَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي نَفْسِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا حَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ لَكَانَتْ فِيهِ الْحُجَّةُ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَقُوَّةِ رِجَالِهِ وَشُهْرَةِ حَدِيثِهِ , وَالرَّجُلُ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا ثِقَةٌ , وَفِي حَدِيثِهِ وَحَدِيثِ مَنْ تَابَعَهُ بَيَانُ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا لَا يَقْرَؤُهُ الْمَأْمُومُ وَلِمَا يَقْرَؤُهُ وَنَهْيُهُ عَنْ قِرَاءَتِهِ لِمَا لَا يَقْرَؤُهُ فَقَضَى بِهِ عَلَى كُلِّ عُمُومٍ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَقَدْ حَكَى بَعْضُ النَّاسِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِثْلَ مَذْهَبِ نَفْسِهِ , وَمَذْهَبُهُمْ فِي كُتُبِ مَنْ جَمَعَ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَرَوْيَنَا نَحْنُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ كَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ التَّابِعِينَ , وَكَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ نَحْوَ مَذْهَبِنَا وَعَنْ بَعْضِهِمْ نَحْوَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ فَلَا أَدْرِي كَيْفَ اسْتَجَازَ هَذَا الرَّجُلُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ لِنَفْسِهِ فِيمَا هُوَ فِي غَيْرِ رِوَايَتِهِ بِخِلَافِ مَا فِي رِوَايَتِهِ؟ أَوْ كَيْفَ اسْتَحلَّ تَرْكَ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ بِمَا رُوِيَ فِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ وَهُوَ يَدَّعِي بِالْأَخْبَارِ مَعْرِفَةً؟ أَوْ كَيْفَ حَمَلَ جُمْلَةَ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِتَأْوِيلِ
стр. 463
سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَهُوَ لَا يُوجِبُ تَعْيِينَ الْقِرَاءَةِ بِالْفَاتِحَةِ لَا عَلَى الْمُنْفَرِدِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُوجِبُهُ وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ كُلُّهَا تُوجِبُهُ؟ فَاعْتَذَرَ لِتَرْكِ التَّعْيِينِ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ , فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ يَمْنَعُ التَّعْيِينَ , وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِغَيْرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ , وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ بِأُصُولِ الْعِلْمِ , فَالْآيَةُ وَرَدَتْ فِي نَسْخِ وُجُوبِ قِيَامِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بِقِيَامِ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ , وَهَذَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَذَكَرْنَا مَا فِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ
стр. 464
٤٥٠ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ , أَنْبَأَ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ , أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ , ثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ , ثنا سَهْلُ بْنُ عَامِرٍ الْبَجَلِيُّ , ثنا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ , عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ , قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ فَقَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَأَوَّلِ آيَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ , ثُمَّ قَامَ فِي الثَّانِيَةِ فَقَرَأَ الْحمْدُ لِلَّهِ وَالْآيَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ , فَلَمَّا انْصَرَفَ اقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ "
قَالَ: عَلِيٌّ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ ,
وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يقُولُ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] جُمْلَةً يَقَعُ عَلَى الْآيَةِ وَمَا فَوْقَهَا , فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُبِيِّنُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْنَى مَا أَرَادَ بِكِتَابِهِ يَقُولُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فَقَالَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى تَفْسِيرِهِ كَمَا قَالَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَاسْمُ الصِّيَامِ يَقَعُ عَلَى الْيَوْمِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَبَيَّنَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ ثَلَاثَ أَيَّامٍ , وَاسْمُ الصَّدَقَةِ قَدْ يَقَعُ عَلَى تَمْرَةٍ وَمَا فَوْقَهَا عَلَى مِسْكِينٍ فَأَعْلَمَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أُصُعٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ , وَاسْمُ النُّسُكِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ دَمٍ أَوْ عَلَى كُلِّ مَا يُتَبَرَّرُ بِهِ , فَأَخْبَرَ صَاحِبُ الشَّرْعِ أَنَّهُ ذَبْحُ شَاةٍ , وَقَالَ فِي دَمِ
стр. 465
التَّمَتُّعِ وَالْإِحْصَارِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَاسْمُ الْهَدْيِ يَقَعُ عَلَى الدَّجَاجَةِ وَعَلَى الْبَيْضَةِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْجُمُعَةِ وَبِدَلِيلِ اشْتِقَاقَهِ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْهَدِيَّةِ فَبَيَّنَ مِنْ فِي قَوْلِهِ حُجَّةٌ أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيٌ شَاةٌ , فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى بَيَانِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَسْخُ الْكِتَابِ بِغَيْرِهِ وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْثَالِ هَذَا مَا يَطُوُلُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ وَفِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا لِمَنْ لَهُ عَقْلٌ كِفَايَةٌ , وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ , فَنَحْنُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعِصْمَتِهِ نَقُولُ بِكُلِّ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَنَقُولُ: يَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي صَلَاتِهِ بِدَلِيلِ الْكِتَابِ وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سُنَّتِهِ: ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا بَعْدَ أَمْرِهِ فِي جُمْلَةِ مَا بِهِ أَمَرَ بِقِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَنَقُولِ بِتَعْيِينِ الْقِرَاءَةِ بِالْفَاتِحَةِ بِدَلِيلِ بَيَانِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ وَتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ الْمُصْطَفَى ﷺ الْفَاتِحَةَ صَلَاةً لِكَوْنِ قِرَاءَتِهَا فِيهَا مِنْ أَرْكَانِهَا , وَنَقُولُ بِوُجُوبِ قِرَاءَتِهَا عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ بِدَلِيلِ جُمْلَةِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ وَجُمْلَةِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ , ثُمَّ تَخْصِيصِهِ الْمَأْمُومَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ , وَنَقُولُ بِالِاسْتِمَاعِ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَالْإِنْصَاتِ لَهُ بِالْكِتَابِ ثُمَّ بِمَا عَسَى يَصِحُّ فِيهِ مِنَ السُّنَّةِ بِأَنْ يُمْسِكَ عَنِ الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَعَنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ أَوْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي سَكْتَةِ الْإِمَامِ لِيَكُونَ اسْتِمَاعُهُ لِقِرَاءَتِهِ أَوْقَرَ وَذَلِكَ يَقُولُ بِمَا عَسَى أَنْ يَصِحَّ مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ فَنَقُولُ: قِرَاءَةُ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ قِرَاءَةٌ أَوْ جَهْرُ الْإِمَامِ بِالْقِرَاءَةِ لِلْمَأْمُومِ جَهْرٌ بِهَا , فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْجَهْرِ بِهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةٍ يَجْهَرُ بِهَا فِيهَا , أَوْ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ قِرَاءَةٌ إِذَا أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ وَلَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الْقِيَامَ , وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْآيَاتِ وَالرِّوَايَاتِ يَكُونُ أَوْلَى مِمَّنْ تَرَكَ بَعْضَهَا وَأَخَذَ بَعْضَهَا , وَالْحمْدُ لِلَّهِ عَلَى حُسْنِ التَّوْفِيقِ حَمْدًا كَثِيرًا وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى مُتَابَعَةِ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ شُكْرًا وَافِرًا
стр. 466
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ فِي التَّارِيخِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْحَاتِمِيَّ الْفَقِيهَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا زَيْدٍ الْفَقِيهَ الْمَرْوَزِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ بِأَسْفَلِ الْمَاجَانِ كَأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى جِدَارِ الْقِبْلَةِ وَأَنَا وَأَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ» أَحقٌّ مَا قِيلَ عَنْكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَقُلْتُ لِأَبِي الْفَضْلِ الْحَدَّادِيِّ: احْذَرِ الْآنَ , فَإِنَّكَ إِنْ خَالَفْتَ كَفَرْتَ , فَإِنَّكَ كُنْتَ تَقُولُ: الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ , وَقَدْ شَافَهَكَ بِهِ الْآنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "
стр. 467
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْأَقْيِسَةِ " حكَى لَنَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ نَاصرُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعُمَرِيُّ ﵀ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِ عَنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي الطِّيبِ سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ فِي جُمْلَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَقْيِسَةِ: مَا يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ إِذَا خَلَفَهُ إِمَامُهُ يَلْزَمُهُ إِذَا كَانَ خَلْفَ إِمَامِهِ كَأَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَمَا يَكُونُ فَرْضُهُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ لَمْ يَسْقُطْ جَمِيعُهُ عَنِ الْمُقْتَدِي بِالْإِمَامِ كَأَعْمَالِ الصَّلَاةِ , وَلِأَنَّ مَا يَلْزَمُ الْمَسْبُوقَ مِنْ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي يَلْحَقُ فِيهَا إِمَامَهُ رَاكِعًا يَلْزَمُهُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا قِيَاسًا لِمَنْ أَدْرَكَ إِمَامَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِمَنْ أَدْرَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْهَا وَلِأَنَّ إِصَابَةَ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَدَرْكَ مَوْقِعِهَا لَا تَسْقِطُ فَرِيضَةَ الْقِرَاءَةِ فِي مَوْضِعَهَا بِدَلِيلِ الْمَسْبُوقِ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ , وَلِأَنَّ فَرِيضَةَ الْقِرَاءَةِ لَا تَسْقُطُ عَنْ رُكْنِ الْجَمَاعَةِ وَعَنْ رُكْنِ الْجُمُعَةِ جُمْلَةً بِدَلِيلِ الْإِمَامِ , وَلِلْعِرَاقِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْرُفٌ مِنْهَا: إِنْ قَالُوا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَدْرَكَ مَحِلَّهُ مَعَ الْإِمَامِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ فَرَضُهُ بِالِائْتِمَامِ كَالُّرُكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَلِأَنَّ كُلَّ
стр. 468
مَنْ لَزِمَتْهُ الْقِرَاءَةُ إِذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا جَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ إِذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ أَوْ لَزِمَتْهُ إِذَا صَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْإِمَامِ , وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَعَرَّتْ صَلَاتُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا قِيَاسًا عَلَى الْمُنْفَرِدِ إِذَا صَلَّى بِلَا قِرَاءَةٍ , وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمْكَانِ كَالتَّكْبِيرِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ذِكْرٌ مِنْ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ الْمَأْمُومُ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ وَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ﵀ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قِيلَ لَهُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَأَنْتُمْ أَنْ لَا يَتَحمَّلَ الْإِمَامُ فَرْضًا عَنِ الْقَوْمِ , ثُمَّ قُلْتُمُ: الْقِرَاءَةُ فَرِيضَةٌ وَيَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ هَذَا الْفَرْضَ عَنِ الْقَوْمِ فِيمَا جَهَرَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ , وَلَا يَتَحمَّلُ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنَ السُّنَنِ نَحْوَ الثَّنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحِيَّةِ , فَجَعَلْتُمُ الْفَرْضَ أَهْوَنَ مِنَ التَّطَوُّعِ , وَالْقِيَاسُ عِنْدَكَ أَنْ لَا يُقَاسَ الْفَرْضُ بِالتَّطَوُّعِ وَأَنْ لَا يُجْعَلَ الْفَرْضُ أَهْوَنَ مِنَ التَّطَوُّعِ وَأَنْ يُقَاسَ الْفَرْضُ أَوِ الْفَرَعُ بِالْفَرْضِ إِذَا كَانَ مِنْ نَحْوِهِ , فَلَوْ قِسَتَ الْقِرَاءَةَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ إِذْ كَانَ كُلُّهَا فَرْضًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي فَرْضٍ مِنْهَما كَانَ أَوْلَى عِنْدَ مَنْ يرَى الْقِيَاسَ أَنْ يَقِيسَ الْفَرْضَ أَوِ الْفَرَعَ بِالْفَرْضِ قَاَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: وَلَا يَدْخُلُ عَلَى قَوْلِهِ: إِذَا أَدْرَكَ إِمَامَهُ رَاكِعًا فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يَصِيرُ بِإِدْرَاكِهِ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ حتَّى يُدْرِكَ الْقِيَامَ وَيَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يُجْزِئُهُ حتَّى يُدْرِكَ الْإِمَامَ قَائِمًا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ رُكُوعًا لَمْ تَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ: لَا يَرْكَعْ أَحَدُكُمْ حتَّى يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ , وَأَنَسٌ , وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» , قَالَ: فَمَنْ فَاتَهُ فَرَضُ
стр. 469
الْقِرَاءَةِ وَالْقِيَامِ فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهُ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَّفَّ الْبُخَارِيُّ ﵀ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ فِي إِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ﵀ يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ الضُّبَعِيَّ ﵀ يُفْتِي فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ﵀ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ , وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , وَابْنِ مَسْعُودٍ , وَابْنِ عُمَرَ , وَابْنِ الزُّبَيْرِ مَعَ مَا رَوَيْنَا فِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَرَوَيْنَا فِيهِ مِنَ الْمُرْسَلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا يَدْخُلُ سُقُوطُ الْقِرَاءَةِ عَنِ الْمَأْمُومِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ عَلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ وَرَدَ بِهَا الشَّرْعُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا , وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ﵀ , وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعٌ لَكَانَ هَذَا الْمُدْرِكُ لِلرُّكُوعِ مُسْتَثْنًى مِنَ الْجُمْلَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ فِيهِ , وَلَأَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ وَالْقَدَرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ مِنَ الْقِيَامِ لِلتَّكْبِيرِ لَيْسَ هُوَ بِالْقِيَامِ الَّذِي هُوَ مَحِلُّ الْقِرَاءَةِ , ثُمَّ الْإِمَامُ لَا يَتَحمَّلُ عَنْهُ الْقِيَامَ عِنْدَ إِدْرَاكِهِ وَكَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ وَلَا يَتَحمَّلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ إِدْرَاكِهَا وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِذَا أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعُ فَلَمْ يُدْرِكْ مَحِلَّ الْقِرَاءَةِ فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْقِرَاءَةُ , وَإِذَا أَدْرَكَهُ فِي الْقِيَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ مَحِلَّ الْقِرَاءَةِ فَلَزِمْتُهُ الْقِرَاءَةُ وَقَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَقَاءَ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُصَلِّينَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ كَلَامُ مَنْ لَا يَعْقِلُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ صَارَ مُدْرِكًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَعَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَمَنَ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ فَأَحْرَمَ وَنَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَقَعَدَ مَعَهُ ثُمَّ حِينَ سَلَّمَ قَامَ لِقَضَاءِ صَلَاتِهِ فَفَرْضُ الْقِرَاءَةِ بَاقٍ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ وَهُوَ مُدْرِكٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ ﷺ , ثُمَّ الْجَمَاعَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ سَنَةً أَوْ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ , وَالْقِرَاءَةُ فَرْضُ عَيْنٍ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِمَا هُوَ دُونَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ , ثُمَّ إِنَّ الْمَأْمُومَ يُشَارِكُ الْإِمَامَ فِي سَائِرِ أَذْكَارِ
стр. 470
الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا وَالْجَمَاعَةُ لَا تُؤْثَرُ فِيهَا كَذَلِكَ يُشَارِكُهُ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَالْجَمَاعَةُ لَا تُؤْثَرُ فِي أَصْلِهَا عِنْدَ إِدْرَاكَ مَحِلِّهَا , وَقَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ حَالَةَ الْجَمَاعَةِ وَالِانْفِرَادِ إِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ بِسُقُوطِ الْقِرَاءَةِ عَنِ الْمَأْمُومِ فَقَطْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ بِنِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ ثُمَّ بِائْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالْإِمَامِ وَمُرَاعَاةِ تَرْتِيبِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَسَائِرِ أَذْكَارِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا , ثُمَّ بِتَرْكِ الْمَأْمُومِ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ وَقِرَاءَةَ السُّورَةِ وَالْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ إِذَا أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ وَسُجُودِ السَّهْوِ وَحِفْظِ عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ إِذَا أَثَّرَ اقْتِدَاءً بِالْإِمَامِ فِي صِفَةِ الْقِرَاءَةِ وَلَا يُؤَثِّرَانِ فِي أَصْلَهَا , وَلِأَنَّ عِنْدَهُمْ سَنَةَ الْمُنْفَرِدِ فِي الْقِرَاءَةِ الْإِسْرُارُ بِهَا فَالْجَمَاعَةِ لَمْ تُؤَثِّرْ وَإِنَّمَا أَثَّرَتْ عِنْدَنَا فِي صِفَتِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّي جَهْرُهُ بِهَا إِلَى مُنَازَعَةِ الْإِمَامِ وَمُخَالَجَتِهَ , وَلَيْسَ كالْإِمَامِ مَعَ الْمَأْمُومِ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَاحِدٌ وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي الْمَأْمُومِينَ كَثْرَةٌ فَجَهْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ يُؤَدِّي إِلَى مُنَازَعَةِ الْإِمَامِ وَمنَازَعَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا , ثُمَّ الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ سَنَةٌ وَهَيْئَةٌ وَلَيْسَ بِفَرِيضَةٍ فَجَازَ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا الْإِمَامُ عَنْهُ دُونَ الْفَرِيضَةِ كَمَا يَتَحمَّلُ عَنْهُ سُجُودَ السَّهْوِ الَّذِي هُوَ سَنَةٌ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ , فَإِنْ قَاسُوا عَلَى سُجُودِ السَّهْوِ قُلْنَا: سُجُودُ السَّهْوِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَمُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فَرْضٌ وَالْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا عِنْدَ الْإِمْكَانِ كَمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَكَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ , ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ يَلْزَمُهُ سُجُودُ سَهْوِ نَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَتَحمَّلَ عَنْهُ سُجُودَ سَهْوِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قِرَاءَةٌ لَا يَلْزَمُهُ حتَّى يَتَحَمَّلَ عَنْهُ قِرَاءَةٌ يَلْزَمُهُ وَإِنْ قَاسُوا عَلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ , قُلْنَا: الْمَأْمُومُ يَقْرَأُ السُّورَةَ خَلْفَ إِمَامِهِ فِي أَحَدِ الْجَوَابَيْنِ , وَإِنْ قُلْنَا لَا يَقْرَأُ فَلِأَنَّ الْإِمَامةَ تُؤَثِّرُ فِي سُنَّةِ الِانْفِرَادِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِي فَرِيضَةِ الِانْفِرَادِ كَمَا تُؤَثِّرُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِي سُجُودِ الْأَصْلِ وَإِمَامَةُ الْأُمِّيِّ لِلْقَارِئِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهَا فَلِنَقْصِهِ لَا لِعَدَمِ تَحَمُّلِهِ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ , فَهُوَ كَنَقْصِ الْأُنُوثَةِ , وَكَمَا قَالُوا فِي اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْمُومِي , وَاللَّابِسِ بِالْعَارِي , وَإِنْ كَانَا لَا يَتَحَمَّلَانِ عَنِ الْمَأْمُومِ قِيَامًا وَلَا لِبَاسًا , وَلَأَنَّ الْقَارِئَ إِذَا اقْتَدَى بِالْأُمِّيِّ فَإِنَّ صَلَاةَ الْأُمِّيِّ أَيْضًا عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانَ
стр. 471
لَا يُتَصَوَّرُ تَحَمُّلُ الْمَأْمُومِ عَنِ الْإِمَامِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنْ قَالُوا: الْقِرَاءَةُ ذِكْرٌ مُمْتَدٌّ جُعِلَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَأْمُومِ كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ , قِيلَ: الْقِرَاءَةُ عِنْدَكُمْ لَيْسَتْ بِذِكْرٍ مُمْتَدٍّ لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مِنْهَا آيَةٌ وَكَذَلِكَ الْخُطْبَةُ غَيْرُ مُمْتَدَّةٍ عِنْدَكُمْ لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مِنْهَا تَسْبِيحٌ أَوْ تَحْمِيدٌ فَالْوَصْفُ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَمِيعًا وَإِنْ تَرَكُوهُ بَطُلَتِ الْعِلَّةُ بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ , ثُمَّ الْخُطْبَةُ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْمَأْمُومِ , وَالْقِرَاءَةُ تَجِبُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ فَوَجَبَتْ عَلَى الْمَأْمُومِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَلَأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يُشَارِكُ الْإِمَامَ فِي أَفْعَالِ الْخُطْبَةِ فَلَمْ يُشَارِكْهُ فِي أَذْكَارِهَا , وَالصَّلَاةُ يُشَارِكُ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي أَفْعَالِهَا مِنَ الْقِيَامِ وَغَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي أَذْكَارِهَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَإِنْ قَالُوا: الْوَفْدُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى السُّلْطَانِ تَكَلَّمَ أَحَدُهُمْ , قِيلَ: بَاطِلٌ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ وَسَائِرِ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ , ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ وَالْآدَمِيُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَالِاحْتِيَاطُ لِأَمْرِ الصَّلَاةِ مَعَ مَنْ يُوجِبُ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَوْجَبَهَا أَوْجَبَ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا إِعَادَةَ الصَّلَاةِ , وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا لَا يُوجِبُ عَلَى مَنْ قَرَأَ إِعَادَتِهَا , وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقِرَاءَةِ الْوُجُوبُ فَمَنْ قَالَ بِوُجُوبِها عَلَى الْمَأْمُومِ بَنَى عَلَى الْأَصْلِ , وَمَنْ قَالَ بِسُقُوطِهَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ , وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ لِلنِّيَابَةِ وَالتَّحَمُّلِ فَمَنْ قَالَ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا أَنَّهُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ خَالَفَ بِهِ أَصْلَ الصَّلَاةِ وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ , وَالْآخَرُ يَقْبَلُهَا كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ فَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ أَشْبَهُ لِأَنَّهَا إِلَيْهِمَا أَقْرَبُ وَلِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْمَالِ فِيهَا بِخِلَافِ مَا لِلنِّيَابَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ لِدُخُولِ الْمَالِ فِيهِ , ثُمَّ الْعِبَادَةُ الَّتِي لِلنِّيَابَةِ فِيهَا مَدْخَلٌ يَفْعَلُهَا الْغِيَرُ فَتَكُونُ الْعِبَادَةُ عَنِ الْمَفْعَولِ عَنْهُ لَا عَنِ الْفَاعِلِ وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ الْقِرَاءَةَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْقَارِئ وَالْمَأْمُومِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأُصُولِ , وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ