Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[و] صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والآلاء العظام، والإفضال والإنعام، والعفو والانتقام. خالق الأعراض والأجرام، ومخترع الأشباح والأجسام. الموجود الذي لا أول لوجوده، إذ لو كان محدثا، لافتقر إلى
стр. 2
محدث إلى غير أول، وذلك لا يتصور في الأوهام. فهو الباقي إلى غير نهاية، إذ ما يثبت له القدم، استحال عليه الانعدام. نبه العقول على قدرته باختراعه المخترعات على غير مثال وإمام. وأرشدها إلى علمه بعجائب مصنوعاته، بما فيه من الإتقان والإحكام، ودلها على إرادته المتعلقة بجميع المتجددات، من جهة تخصيصها مع تساويها بالتقدم والتأخر، والإيجاد
стр. 3
والإعدام، المنزه عن كل ما قام بالحوادث، فدل على حدثها، فلا تجوز عليه المماسة، والمباينة، والمجاوزة، والمكان والزمان، ولا الساعات والأيام. فهو الواحد في ذاته، فلا يقبل الانقسام. المخصوص بصفاته،
стр. 4
ليس كمثله شيء، وهو السميع العلام. المنفرد بخلق الخلائق وأعمالهم، فلا شريك له عند أهل الإسلام. خلق القدرة لعباده على بعض الأفعال التي اخترعها، فهي مقدورة لهم من غير تأثير له في خلقها، إذ يستحيل أن
стр. 5
يتطرق إلى المتحد الانقسام. فلا يتصور خلق بين خالقين عند ذوي الأفهام. البصير الذي يتعلق بصره بجميع الموجودات، فلا يخفى عليه شيء
стр. 6
في الأرض ولا في السموات، وإن غلظ الحجاب، واشتد الظلام. السميع بسمع، محيط بالموجودات، فيسمع دبيب النمل على الصخرة في قعر البحر على الدوام. المتكلم بكلام قديم أزلي، قائم به، ليس بأصوات تتقطع، وحروف تتوالى، موصوفة بالتقدم والانصرام.
стр. 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 8
بل كلامه واحد، [أمر] بالمأمورات، ونهي عن المنهيات، وخبر عن المخبرات، لا تتصور فيه حقيقة الاستفهام، إذ هو العالم بالمعلومات غير المتناهيات، فمن المحال من العالم الاستعلام. وخبره صدق، لا يتصور فيه كب، إذ يستحيل الكذب في كلام النفس على من يستحيل عليه الجهل والأوهام. وهذه الصفات قديمة، أزلية قائمة به، بدليل اتصافه بأحكامها على الدوام.
стр. 9
ويستحيل أن يكون محلا للحوادث، ثبت ذلك بواضح الأعلام. وهو المريد لجميع المتجددات، وأعمال العباد خيرها وشرها نفعها وضرها. فلا مانع له مما أراد، ولا معارض له فيما فعل من صحة وإسقام.
لا جائز في صفاته، ولا واجب في أفعاله. فإن عفا فبفضله، وإن عذب
стр. 10
فبعدله، لا للتشفي والانتقام.
رحم عباده بإسقاط التكليف عنهم قبل ورود الأنبياء، وبعثة الرسل الكرام. ثم أرسل الرسل، وأيدهم بالمعجزات الظاهرة، دلالة على صدقهم فيما يبلغونه عن الملك العلام. بعث محمدا ﷺ ، بشيرا ونذيرا إلى الأحمر
стр. 11
والأسود، مبينا للأحكام، وموضحا للحلال والحرام، داعيا إلى الله بإذنه، بأوضح الدلائل والأعلام- وهو القرآن المجيد- فلا يشبهه شيء من الكلام.
بل لو اجتمعت الإنس على أن يأتوا بسورة من مثله لعجزوا، مدى الدهور والأعوام، مشتمل على الفصاحة والجزالة، (٢/ب) والبلاغة، قد تحيرت فيه عقول ذوي الأفهام. فيه نبأ من كان قبلنا من الأمم الخالية، والقرون البالية، على أكمل تفسير وأحسن نظام، عما سيكون من الأمور، فصودفت على حسب ما أخبر، من غير انقسام. والمخمن والمنجم لا تتفق له الإصابة في كل الأحكام، لا جرم انقادت العرب العاربة، وهم اللد الفصحاء، واللسن
стр. 12
البلغاء، واعترفت بالعجز، مع استبدادهم بفصيح الكلام. فأوضح الحجة، وأظهر المحجة، ودعا إلى شريعة الإسلام. وأمر بالصلاة والصدقة الصيام، وحث على الجهاد والحج وصلة الأرحام. وجاهد في الله حق جهاده حتى أمات الكفر وأبطل عبادة الأصنام. ونهى عن الظلم، والبغي والفواحش، وجميع الآثام. حتى انقاد الناس لحكم الله ، وترك التحاكم إلى الأزلام. وزهد في الدنيا قولا وفعلا، فإنها أشبه شيء بالأحلام. ورغب في الآخرة التي هي دار الدوام. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأصهاره وأنصاره البررة الكرام.
أما بعد، فإنه لا أهم بعد العلم بالله ، وصفاته ورسله، من أحكامه ليحصل الامتثال لأمره، والانكفاف عما نهى عنه. قال الله تعالى: ﴿وما خلقت [الجن والإنس] إلا ليعبدون﴾. وقال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾. وقال: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. فلا نجاة إلا بسلوك طريق الله . والعلم هو الدليل على الطريق، وهو الميراث الذي ورثه الأنبياء، قال ﷺ : (إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم).
стр. 13
ولا تصح معرفة الفروع دون تحصيل علم الأصول.
وقد رأيت كتاب الشيخ الإمام، إمام الحرمين رحمة الله عليه الملقب (بالبرهان)، من أحل ما صنف في أصول الفقه، لمكان مصنفه من العلم، وحرصه على التحقيق، ميله عن التقليد، وإضرابه عن التطويل والتكرير، وانصرافه عن الاستدلال عن الخيالات البعيدة، والاستدلالات الركيكة، مع فصاحة في اللفظ واختصار، واعتناء بالمعنى وعدم انتشار. فاستخرت الله تعالى في الاعتناء بشرحه، وحل ما أشكل من ألفاظه، وعسر من معانيه، مع الحرص على إيضاح الحق، والانحراف عن التعصب، مستعينا بالله ، متبرئا من الحول والقوة إلا بالله، وهو الموفق للصواب.
قال الإمام رحمة الله عليه: (الحمد لله رب العالمين والصلاة) [على محمد خاتم النبيين]). قال الشيخ [﵁]: الحمد: لفظة يراد بها الثناء
стр. 14
بصفات الكمال ومحاسن الأمور والأفعال والأقوال. فقد يحمد الإنسان على الشجاعة والعلم والمعرفة، وإن كانت هذه الصفات مختصة به، قاصرة عليه. والشكر للمنعم بآلائه ونعمه، إنما يشكر على ما أولى من إحسانه. فالحمد أعم والشكر أخص. هذا هو الأمر المشهور عند أهل اللسان. وقد يوضع الحمد موضع الشكر، فيقال: حمدتك على ما صنعت إلي من خير، ولا يوضع الشكر موضع الحمد، فلا يقال: شكرتك على شجاعتك وغيرها. وعند أهل التصوف: يرجع الشكر إلى العمل، ويرجع الحمد إلى الثناء الجميل. وقد قال الله تعالى: ﴿وقل الحمد لله﴾. وقال: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾. (٣/أ) وقال: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾. فالشكر عندهم: صرف النعم إلى جهات يرضى بها المشكور المنعم.
وقوله: (الله)، قد اختلف في أصل هذه الكلمة ومعناها. فذهب
стр. 15
[البصريون] إلى أن أصلها (لاه)، فزيدت (اللام) للتعريف ساكنة، فأدغمت اللام في اللام، فإن [ابتدئ] بها، اجتلبت همزة الوصل لها، وإن كان في حال التدرج سقطت.
وقال أهل الكوفة: أصلها (إله) ثم ادخلت الألف واللام، فصار (الإلاه)، ثم حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، ثم أدغمت (اللام) في (اللام) فقيل: (الله). والقول الأول أصح لوجهين:
أحدهما- لزوم [التمسك] [بهاء] الاسم عليه. وما ذكروه دعوى من غير دليل.
الثاني- أنه قد سمع (لاه أبوك) بمعنى الله أبوك، فتحرك حرف الجر، وبقيت الكلمة على ما هي عليه.
واختلف الناس في هذا الاسم، هل هو مشتق أو جامد؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه مشتق. ثم اختلفوا في اشتقاقه، فقال النضر بن شميل: هو من
стр. 16
التأله، وهو التعبد [والتنسك]. وقيل: هو من (الإلاه)، وهو الاعتماد، إذ الخلق معتمدون عليه. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو من ألهت إلى الشيء، إذا تحيرت فيه. وقال المبرد: هو من قول العرب: ألهت إلى الشيء، إذا سكنت إليه. وقيل: هو من (الوله)، وهو فقدان العقل لفوات المحبوب، فأبدلت من (الواو) (همزة)، كما يقال: إشاح ووشاح. وقيل معناه: المحتجب، لأن العرب تقول: لاهت العروس، إذا احتجبت. وقيل: معناه المتعالي، ومنه قيل للشمس: [إلهة]. وقد قيل غير هذا. وهذه الأقاويل أجودها.
стр. 17
وقوله: (رب العالمين)، أي خالق الخلق، وسيدهم، ومالكهم، والقائم بأمورهم. العالمين: جمع عالم، ولا واحد له من لفظه، كالرهط والناس، وقيل: إنه اسم للجمع. قاله النضر بن شميل. واختلفوا في مدلوله، فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم [بنو] آدم، وقيل: هم الإنس والجن، وقيل: الروحانيون. قاله أبو عمرو بن العلاء. وهو معنى قول ابن عباس: كل ذي روح. وقال سفيان بن عيينة: هم الخلق أجمعون. وهذا قول أهل الكلام. وسبب الاختلاف أنه: هل أخذ من العلم أو العلامة؟
وقوله: (الصلاة على محمد)، الصلاة من الله الرحمة. ومحمد: اسم
стр. 18
دال على كثرة المحامد، ومذمم بخلافه. وخاتم النبيين: بعموم المعنى.
قال الإمام: (حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم) إلى قوله (حظ من العلم الجملي). قال الشيخ ﵁: الحق: خلاف الباطل. والحق بمعنى الثبوت، يقال: استحق عليه حقا، أي ثبت له ولزمه. أي لازم لكل من يحاول الخوض، يقال: حاولت الأمر، أي أردته. فعلى مريد علم من العلوم هذه الوظائف الثلاث، وهي: الإحاطة بالمقصود الذي يراد له الفن، لتجر الداعية إلى الطلب، غذ صرف الهمة لما لا يتعلق به غرض، لا يتأتى للعقلاء اعتيادا. عن، الباري سبحانه لا يقصد إلى الأمور، ولا يريدها لغرض، لاستحالة الغرض عليه.
وقوله: (بالمواد التي منها يستمد ذلك الفن). المادة: زيادة متصلة.
стр. 19
قال الله تعالى: ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر .. ﴾.
وقوله: (وبحقيقته وحده)، الحقيقة: لفظ مشترك، وقد يراد بها الذات، فيقال: حقيقة الشيء ونفسه وعينه بمعنى واحد. وقد يراد بها خلاف المجاز، وهي من أقسام الألفاظ، فيقال: اللفظ ينقسم (٣/ب) إلى الحقيقة والمجاز. والمراد هنا بالحقيقة: الذات دون اللفظ. والضمير عائد على الفن، أي بحقيقة الفن، وليست هذه الإضافة إضافة الشيء إلى نفسه، فإن تلك ممنوعة، وهي كإضافة الأسماء إلى الكنى، والكنى إلى الأسماء، وذلك لا يسوغ عند أهل اللسان. نعم، الإضافة على وجهين: لفظية ومعنوية. فاللفظية في اللفظ دون المعنى، كالحسن الوجه، فلا تفيد تخصيصا ولا تعريفا. والإضافة المعنوية: [ما أفادت]
стр. 20
أحدهما، ثم هي على وجهين: إضافة الشيء لغيره، كغلام زيد، وسرج الدابة. وقد تكون كإضافة النوع إلى الجنس، كخاتم حديد، ونفس زيد، إذ لفظ الخاتم لا يختص بالحديد، ولا النفس بزيد، فأفادت الإضافة التخصيص.
وقوله: (وحده). اعلم أن لفظ الحد ينطلق في اللغة على جهات: إذ يطلق على الحاجز بين شيئين. فيقال: بيني وبينه حد. وقد يطلق على منتهى الشيء، فحدود الدار منتهاها. ويطلق أيضا على المنع، ومنه تسمى المرأة حادا، لامتناعها من الزينة والأزواج. وحدود الشرع موانع من المحرمات. وسمي الحديد حديدا، لامتناعه لشدته. وسمي السجان حدادا، لمنعه من في السجن من الخروج.
وهو في عرف العلماء: مشترك بين اللذات واللفظ، فيقال فيه على الوجه الأول: حد الشيء نفسه. وعلى الثاني: حد الشيء هو اللفظ المفسر لمعناه. ثم إنه أيضا على هذا الوجه مشترك بين [ثلاثة] أمور:
فيطلق على اللفظ الحد، باعتبار دلالته على الأوصاف النفسية عند
стр. 21
مثبتي الأحوال، ولابد أن يكون دالا على جميع الأوصاف، وإن كانت ألفا، ولا [تبال] بالتطويل، حتى يكون السامع للحد متصور للمحدود، بحيث إذا رآه، لم يستفد معلوما جديدا، بل لا يتجدد له سوى الرؤية، ولكن يحترز من التكرار. وإذا كان اللفظ يدل على الشيء بطريق الضمن، فلا يذكر أولا صريحا، ثم يذكر ثانيا ضمنا، فيحصل التكرار.
ومثاله: أن يقول في حد الشراب: إنه مسكر معتصر من العنب. ولا يقول: إنه جسم مائع. والأحسن أن يبدأ بالأعم ويختم بالأخص. فلا يقول: مسكر معتصر من العنب، بل العكس. والسبب فيه أنه لا يمكن معرفة الأخص مع الغفلة عن الأعم، فإذا ذكر الأخص أولا، تعذر الفهم حتى يذكر الأعم، ثم يفهم الأخص، [فيتراخى] الفهم عن الذكر، وليس كذلك إذا ذكر الأعم
стр. 22
أولا، فإن الفهم يساوق الذكرن فكان [أولى].
واعلم أن المقصود بالحد: الإرشاد إلى المحدود وإيضاحه، فلا يصح أن يأتي بالألفاظ المجملة من غير قرينة، لتعذر البيان، فأما إذا اقترنت قرينة معرفة، ففيه خلاف. والصحيح القبول، والأحسن الترك. ولا حاجة في الحد النفسي إلى ذكر الاطراد والانعكاس، والجمع والمنع، فإنه إذا [أتى] به على شرطه، لا يكون إلا كذلك.
الاصطلاح الثاني: للحد باعتبار اللفظ: الحد الرسمي، والمقصود منه بيان من حيث الجملة، إما بذكر بعض صفات النفس المختصة، أو بذكر اللوازم والتوابع المشهورة، بحيث تكون مختصة به، ولا تثبت لغيره. والفرق بينه وبين الأول: أن هذا لا تتصور به الحقيقة في النفس، ولكن إذا صودفت عرف (٤/أ) عندها المحدود. ولابد في هذا من شرط الجمع والمنع، والاطراد
стр. 23
والانعكاس. ونعني بالجمع: أنه لا يخرج من المحدود عن الحد شيء. وبالمنع: انه لا يدخل فيه غيره. ونعني بالاطراد: وجود كل واحد منهما مع وجود صاحبه. وبالانعكاس: انتفاؤه مع انتفائه.
وهل الطر والعكس شرط في الحصة أو دليلها؟ فإن كان شرطا، لم يلزم من وجوده صحة الحد، ويلزم من الانتفاء الفساد. وإن كان دليل الصحة، لزم من الوجود الصحة، ولم يلزم من الانتفاء الفساد. والصحيح أنه شرط لا دليل. لأنا نجد حدودا مطردة منعكسة، ولا يحصل منها مقصد صحيح.
وأما قول الأصوليين في المناظرة: عرفت صحته باطراده وانعكاسه، فهو
стр. 24
كلام متجوز به. وإنما اكتفى بذلك في المناظرة، من جهة أنه لا يمكن سواه، إذ الحدود لا تقتنص بالبرهان، إذ البرهان إنما يقام على الجملة الخبرية بعد معرفة مفرداتها، ثم تق النسبة القابلة للصدق والكذب، فتطلب البرهان.
وأما الحد، فإنه وإن كان على صورة الجملة، فهو في التحقيق مفرد. مثاله: أنا إذا قلنا: الخمر شراب مسكر، فالشراب المسكر هو الخمر بعينه، ولم يعقل أولا خمرا ثم وصفناه بكونه شرابا مسكرا، بخلاف قولنا: زيد عالم، فإنا لما عقلنا زيدا، قضينا عليه بكونه عالما، فأمكن الصدق والكذب في
стр. 25
النسبة، فافتقر إلى البرهان. فلما لم تتصور إقامة الدليل على الحد، وأمكن أيضا من الحاد العبد الكثير، كان أقرب الطرق البيان بالاطراد والانعكاس، ويفوض إلى الخصم الاعتراض.
الاصطلاح الثالث: لإطلاق الحد على اللفظ باعتبار كونه شارحا للفظ: وهو بمثابة قولنا: العلم معرفة. وهذا لا يتحصل منه بيان الحقيقة بأوصاف النفوس، ولا باللوازم، بل يكون المتكلم فهم عن السائل أنه فهم الحقيقة، وإنما جهل نسبة اللفظ إليها، فيبين له بلفظ واضح النسبة عند السائل، أن اللفظ المسؤول عن بيانه [وينسب] إلى ما ينسب إليه الآخر.
стр. 26
وشرطه: أن يكون اللفظ الثاني أوضح عند السائل من الأول. وقد يجوز باعتبار سائل غيره أن ينعكس الأمر في حقه، فيبين له بما سأل عن بيانه غيره.
فإذا ثبت هذا، فقول الإمام: (بحقيقته وحده)، لم يرد بالحد الحقيقة لقوله: (إن أمكنت عبارة سديدة)، بل إنما أراد اللفظ باعتبار كونه يدل على الذات. وهذا أمر لا يحتاج إليه مريد الفن، لتصور المطلوب عند الإحاطة بالحقيقة، وإن لم يدر الطالب التحديد. ثم إنه هل يحد لنفسه، أو يطلب من غيره التحديد؟ فإن كان يحد لنفسه ليبين، فذلك محال، وإن طلب من غيره الحد ليتبين بعد درك الحقيقة، فهو أيضا باطل، إذ الحاصل لا
стр. 27
[يبتغي]. والظاهر أن هذا خلل في العبارة. والمراد- والله أعلم- وبحقيقته بحده، ملتمسا ذلك من غيره. فلم يرد الحد لعينه، وإنما أريد ليتصور السائل المحدود ليمكنه طلبه.
ثم قال: (وإن [عسرت]، حاول المدرك بمسلك التقاسيم). والمدرك ههنا: اسم مصدر، كمالضرب، والمراد: حاول الدرك. وهذا الكلام قد تكرر من الإمام مرارا في غير موضع. ورأي أن التقسيم يتوصل به إلى درك الحقيقة. وهذا الكلام (٤/ب) فيه نظر. فإن الشيء على ما ذكرناه، إنما
стр. 28
تتبين حقيقته بالوقوف على أوصافه النفسية. وسلب أمر عن أمر لا يبينه بوجه، إذ نفي الضد ليس بصفة لضده نفسية، ولا معنوية. ولو تصور إنسان لا يعرف البياض مثلا، ولا تصوره، وعرف كل لون سواه، لم يكن نفي الألوان في حقه كافيا في تصور البياض. نعم، إن انضبط المطلوب في النفس مع معان سواه، وحصلت الإحاطة بالجميع، والتبست نسبة الاسم إلى معين منها، وعرف الإنسان اسم ما سواه، كان التقسيم في هذه الصورة يفيد في معرفة التسمية. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في مسألة حد العلم، إن شاء الله.
وقد بينا أن الإحاطة بالمقصود لابد منها ليتأتى الطل اعتيادا. وأما تصور المطلوب في النفس، فشرط تصور الطلب عقلا. وأما تحصيل المواد، فقد يكون الاستمداد عقليا، وقد يكون عاديا، وسنتكلم على ذلك عند ذكر أصول الفقه.
قال: (والغرض من ذلك أن يكون الإقدام على تعلمه مع حظ من العلم). قد بينا توقف الطلب على تصور المطلوب. فإن قيل: فإذا علمه، فكيف يتصور الطلب مع حصول العلم؟ قلنا: علم الجملة لا يمنع من علم
стр. 29
التفصيل، فإن من علم أن الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية، لم يصر بذلك فقيها، وكذلك من علم أن النحو: معرفة جهات كلام العرب، لم يكن بذلك نحويا، وكذلك من علم أن أصول الفقه: أدلته، لم يكن بذلك أصوليا.
ثم قال: (والعلم الذي يحاول الخوض فيه) إلى قوله (وهو مستمد من الكلام والعربية والفقه). اعلم أن أصول الفقه يطلق لقبا، ويطلق مضافا على حد الإضافة. فإذا أطلق لقبا، كان عبارة عن فن من الفنون، مشتمل على جملة معلومات، وهي الأحكام الشرعية، وحقائقها وأقسامها، والمثمر لها، وهي أدلتها، وبيان أقسامها، وشرائط دلالتها، وهي كيفية الاستثمار من الأدلة، من جهة المنظوم والمفهوم، والمعنى المعقول، وعلى من له استنباط الأحكام من الأدلة. فهذا هو العلم المعبر عنه بأصول الفقه.
وإذا أطلق مضافا، كان عبارة عن الأدلة خاصة. وهذا هو الذي أراده
стр. 30
الإمام [ههنا]. وإذا كان هذا هو المراد، فلا يصح أن يكون الكلام مادة لأدلة الأحكام، فإنه قد فسر الكلام بأنه (معرفة العالم) إلى آخره. ولا يصح أن تكون هذه المعرفة مادة لأنفس هذه الأدلة، لصحة ثبوت الكتاب والسنة والإجماع في أنفسها، وإن لم يحصل [إلباس] بعلم الكلام. وكذلك العربية، كيف تكون مادة، والمادة زيادة متصلة، والكتاب والسنة من جملة العربية؟ والفقه أيضا لا يصح أن يكون مادة للأصول، إذ العلم بالأحكام إنما يتلقى منها.
فلابد من تأويل في اللفظ. فالمراد: أن العلم بهذه الأدلة لا يحصل دون تقديم هذه المواد، على ما سنبين وجه ذلك.
ثم قال: (فالكلام نعني به معرفة العالم، وأقسامه، [وحقيقته]،
стр. 31
[وحدثه]، والعلم بمحدثه، وما يجب له من الصفات، وما يستحيل عليه، وما يجوز في [حقه] والعلم بالنبوات، وتمييزها بالمعجزات عن دعاوى (٥/أ) المبطلين، وأحكام النبوات، والقول فيما يجوز ويمتنع من كليات الشرائع). الفصل واضح، وفيه العلم بما يجب له من الصفات. يعني بالواجب [ههنا]: ما لو قدر عدمه لزم منه محال. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الواجب، واختلاف معانيه.
وصفاته لا جائز فيها، إذ الجائز لا وجود له بنفسه، وهو مفتقر إلى من يوجده، فتحقق فيه حقيقة الحدث. والقديم سبحانه يستحيل أن
стр. 32
يكون محلا للحوادث، إذ لو قامت به لم يخل عنها، وما لا يعرى عن الحوادث حادث. ويستحيل عليه كل ما [يناقض] وصف القدم. وجميع أفعاله مما يجوز في حكمه، فلا تجب ولا تستحيل، ومن ذلك جواز بعثة الأنبياء وتأييدهم بالمعجزات. فإن ذلك يدرك من علم الكلام.
وقوله: ([فيما] يجوز ويمتنع من كليات الشرائع). يمكن أن يريد به ما يتعلق بالتحسن والتقبيح، ونفي الواجبات عقلا، وما يتعلق بجواز نسخ الأحكام، وجواز تكليف المحال.
وقوله: (ولا يندرج المطلوب من الكلام تحت حد). يعني بذلك المطلوب: الحد النفسي والرسمي دون اللفظي. فإن هذا الفن قد اشتمل على ذكر القديم والحادث، والصفة والموصوف، والنفي والإثبات، والعلم والاعتقاد، والبرهان والشبهة. وهذه الأمور لا يتصور أن تدخل تحت حقيقة.
стр. 33
جنس، ولا خاصة نوع، ولا يتصور أيضا أن تشترك في لوازم جامعة مانعة، لتنافيها وتنافي كثير منها، وتضاد بعضها. وأما الحد اللفظي، فلا يمتنع، إذ هو يرجع إلى تبديل الأسامي، وتعدد الألفاظ، كعلم الكلام، وأصول الدين، وقواعد العقائد، وغير ذلك من الألفاظ. وسيأتي الكلام على بقية الفصل، إن شاء الله تعالى.
وأما المادة الثانية: وهي العربية، والعربية في العرف: عبارة عن معرفة النطق بالكلمات العربية، وإن لم يدر مدلولاتها. وهذا وإن كان يحتاج إليه، إلا أن الحاجة إليه قليلة، والحاجة إلى معرفة مدلولات الألفاظ في اللغة أهم من ذلك.
وقد ذكره الإمام بعد ذلك فقال: ([ولن] يكون المرء على ثقة من هذا
стр. 34
الطرف حتى يكون محققا [في اللغة] والعربية]. وهذا التعداد أيضا إنما هو من جهة الاستعمال، وإلا باللغة تشتمل على معرفة المدلولات وكيفية النطق. وقد تقدم الكلام أن اللغة ليست مادة للأدلة، وإنما العلم على ثقة من هذا الطرف حتى بكون متحققا، مستقلا في [اللغة] العربية).
ثم قال ﵀: (ومن مواد أصول الفقه؛ الفقه، فإنه مدلول الأصول، ولا يتصور درك الدليل دون درك المدلول). وقد بينا أيضا أن الفقه لا يصح أن يكون مادة للأدلة، إذ الفقه في غرضنا: هو العلم بالأحكام الشرعية، وذلك لا يتلقى إلا من الأدلة، فيكف يتصور أن يكون مادة لها؟ نعم، العلم بكونها أصول فقه، لا يتصور إلا إذا تصور الفقه. ويدل على ذلك أمران:
стр. 35
أحدهما- بالنظر إلى صناعة العربية. والثاني- بالنظر إلى البحث العقلي. (٥/ب)
فأما الأمر الأول: فهو أن المضاف إلى معرفة إضافة حقيقية، لابد أن [يتعرف] بها، وكذلك يشترط سلبه للتعريف إن كان معرفة، لتعذر أن يتعرف الاسم من وجهين مختلفين. فإذا اشترط في صحة الإضافة التنكير، لم تتعرف إلا على تقدير المضاف إليه. فغن لم يكن المضاف إليه معرفة، لم يتعرف المضاف، إلا أن النحوي يكتفي في التعريف بكون الفقه معرفة، وإن كان لا يدري معناه، والأصولي ينقل هذا الكلام بعينه إلى المعنى، ويقول: إن لم يكن الفقه متصورا عندنا، لم ندر خصوصية الدليل المرتبط به. وأما حصول العلم بثبوت الأحكام الشرعية، فلا يثمره إلا الأدلة، فلا يصح أن يكون مادة لها.
قال: (ثم يكتفي الأصولي بأمثلة من الفقه يتمثل بها [في كليات من] أصول الفقه). أما الأمثلة، فغير محتاج إليها، وإن كان ذكرها معينا على
стр. 36
السلوك. ولكن لابد من تصور الأدلة في النفوس حتى تتقرر دلالتها، ومن أي جهة دلت. وإذا تصورت من جهة دلالتها، تصور مدلولها، وهذا القدر مكتفى به.
ولما حكم بأن من مواد الأصول: الفقه، افتقر إلى حد الفقه فقال: (فإن قيل: فما الفقه؟ قلنا: هو في اصطلاح علماء الشريعة: العلم بأحكام التكليف). اعلم أن الفقه في اللغة: هو العلم مطلقا. يقال: فقهت الشيء وعلمته بمعنى واحد. قال الله تعالى: ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾. وقال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾. فسمى ذلك علما، ولكن صار بعرف العلماء- علم الشريعة- مخصوصا بعلم الأحكام الشرعية، حتى لا يطلق بحكم العادة اسم [الفقيه] على متكلم ونحوي ومفسر.
وأما قول الإمام: (إنه العلم بأحكام التكليف)، فليس ذلك وضع
стр. 37
اللغة، ولا عرف الاستعمال. أما وضع اللغة، فقد بينا عمومه، وأما عرف الاستعمال، فلا يوافقه هذا من وجهين مختلفين:
أحدهما: أن الإباحة ليست من التكليف عند المحقيين، ولا الندب والكراهة عند الإمام. والعلم بها من الفقه، فلم يجمع الحد.
الثاني أن إضافة الإحكام إلى التكليف، ليست من قبيل إضافة الشيء إلى غيره، كغلام زيد، ولا من إضافة النوع إلى جنسه، كباب ساج، بل إضافة الجنس إلى نوعه، وليس ذلك بمعروف عند أهل اللغة، إلا أن يكون أطلق هذا على رأي الأستاذ الذي عد الإباحة من التكليف، فيكون لهذا وجه، والإمام ينكر هذا أشد الإنكار
стр. 38
ثم قال: (فإن قيل: فمعظم متضمن مسائل الشريعة ظنون. قلنا: ليست الظنون فقها، وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون. ولذلك قال المحققون: أخبار الآحاد والأقسية لا توجب عملا، وإنما يجب العمل بما يجب به العلم بالعمل، وهي الأدلة القاطعة). في الكلام اختصار، ومقصد مورده الاعتراض على حد الفقه بالعلم بالأحكام الشرعية في العرف، فقال: كيف يقول ذلك، وأكثر مسائل الفقه مظنونة، وسموا فقهاء بسببها؟ فقال: إنما سموا فقهاء باعتبار (٦/أ) ما عملوا، وإنما الظنون أمارات على حصول العلم بالأدلة القاطعة، وهو الإجماع المنعقد على وجوب العمل عند أخبار الآحاد وإجراء الأقيسة. فأقول: هذا كلام غامض، وموضع ملتبس، فلابد فيه من فضل تحقيق
стр. 39
فاعلم أن ظن الشيء والعلم به ضدان، فلا يتصور أن يكون الشيء مظنونا معلوما في وقت واحد، على وجه واحد. والمجتهد إذا ظن الحكم مستندا إلى خبر الواحد والقياس، كيف يصح أن ينتهض ظنه علامة على علم الحكم؟ وإنما يستديم الحكم، ما دام الظن قائما حتى لو زال ظنه بالصدق والإلحاق، لامتنع الحكم عليه. فلا يصح أن يكون استمرار ظن الحكم شرط دوام العلم به، فإن ذلك محال.
نعم، يجوز أن يحصل ظن الاستواء في الجامع في باب القياس، أو ظن صدق العدل شرطا في العلم بالحكم ابتداء، ويرتبط استمراره باستمراره، ويجوز خلافه. فيكون ما ذكره الإمام في هذا المقام على القول بتصويب المجتهدين.
стр. 40
وأما على القول بان المصيب واحد، فلا يصح أن تجعل الظنون على الوجه المذكور شرطا في انتصاب الأدلة القاطعة. إذ لو كان كذلك، لقطع بتصويب المجتهدين. والذي نختاره خلاف ذلك. على ما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. فالصحيح عندنا في إطلاق اسم الفقيه في العرف على: من تجوز له الفتوى، إما لكونه مجتهدا، أو لمن يجوز له الفتوى من المقلدين.
ثم قال: (فإن قيل: فما أصول الفقه؟ قلنا: هي أدلته، وأدلة الفقه هي
следующие страницы →