← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

السلوك. ولكن لابد من تصور الأدلة في النفوس حتى تتقرر دلالتها، ومن أي جهة دلت. وإذا تصورت من جهة دلالتها، تصور مدلولها، وهذا القدر مكتفى به. ولما حكم بأن من مواد الأصول: الفقه، افتقر إلى حد الفقه فقال: (فإن قيل: فما الفقه؟ قلنا: هو في اصطلاح علماء الشريعة: العلم بأحكام التكليف). اعلم أن الفقه في اللغة: هو العلم مطلقا. يقال: فقهت الشيء وعلمته بمعنى واحد. قال الله تعالى: ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾. وقال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾. فسمى ذلك علما، ولكن صار بعرف العلماء- علم الشريعة- مخصوصا بعلم الأحكام الشرعية، حتى لا يطلق بحكم العادة اسم [الفقيه] على متكلم ونحوي ومفسر. وأما قول الإمام: (إنه العلم بأحكام التكليف)، فليس ذلك وضع

стр. 37

اللغة، ولا عرف الاستعمال. أما وضع اللغة، فقد بينا عمومه، وأما عرف الاستعمال، فلا يوافقه هذا من وجهين مختلفين: أحدهما: أن الإباحة ليست من التكليف عند المحقيين، ولا الندب والكراهة عند الإمام. والعلم بها من الفقه، فلم يجمع الحد. الثاني أن إضافة الإحكام إلى التكليف، ليست من قبيل إضافة الشيء إلى غيره، كغلام زيد، ولا من إضافة النوع إلى جنسه، كباب ساج، بل إضافة الجنس إلى نوعه، وليس ذلك بمعروف عند أهل اللغة، إلا أن يكون أطلق هذا على رأي الأستاذ الذي عد الإباحة من التكليف، فيكون لهذا وجه، والإمام ينكر هذا أشد الإنكار

стр. 38

ثم قال: (فإن قيل: فمعظم متضمن مسائل الشريعة ظنون. قلنا: ليست الظنون فقها، وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون. ولذلك قال المحققون: أخبار الآحاد والأقسية لا توجب عملا، وإنما يجب العمل بما يجب به العلم بالعمل، وهي الأدلة القاطعة). في الكلام اختصار، ومقصد مورده الاعتراض على حد الفقه بالعلم بالأحكام الشرعية في العرف، فقال: كيف يقول ذلك، وأكثر مسائل الفقه مظنونة، وسموا فقهاء بسببها؟ فقال: إنما سموا فقهاء باعتبار (٦/أ) ما عملوا، وإنما الظنون أمارات على حصول العلم بالأدلة القاطعة، وهو الإجماع المنعقد على وجوب العمل عند أخبار الآحاد وإجراء الأقيسة. فأقول: هذا كلام غامض، وموضع ملتبس، فلابد فيه من فضل تحقيق

стр. 39

فاعلم أن ظن الشيء والعلم به ضدان، فلا يتصور أن يكون الشيء مظنونا معلوما في وقت واحد، على وجه واحد. والمجتهد إذا ظن الحكم مستندا إلى خبر الواحد والقياس، كيف يصح أن ينتهض ظنه علامة على علم الحكم؟ وإنما يستديم الحكم، ما دام الظن قائما حتى لو زال ظنه بالصدق والإلحاق، لامتنع الحكم عليه. فلا يصح أن يكون استمرار ظن الحكم شرط دوام العلم به، فإن ذلك محال. نعم، يجوز أن يحصل ظن الاستواء في الجامع في باب القياس، أو ظن صدق العدل شرطا في العلم بالحكم ابتداء، ويرتبط استمراره باستمراره، ويجوز خلافه. فيكون ما ذكره الإمام في هذا المقام على القول بتصويب المجتهدين.

стр. 40

وأما على القول بان المصيب واحد، فلا يصح أن تجعل الظنون على الوجه المذكور شرطا في انتصاب الأدلة القاطعة. إذ لو كان كذلك، لقطع بتصويب المجتهدين. والذي نختاره خلاف ذلك. على ما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. فالصحيح عندنا في إطلاق اسم الفقيه في العرف على: من تجوز له الفتوى، إما لكونه مجتهدا، أو لمن يجوز له الفتوى من المقلدين. ثم قال: (فإن قيل: فما أصول الفقه؟ قلنا: هي أدلته، وأدلة الفقه هي

стр. 41

القواطع السمعية. وأقسامها: نص الكتاب، ونص السنة المتواترة، والإجماع، ومستند جميعها قول الله ، ومن هذه الجهة تستمد أصول الفقه من الكلام). قال الشيخ ﵁: قد ذكرت أن أصول الفقه قد تطلق لقبا، وقد تطلق مضافا. والإمام ﵀ إنما أطلقه مضافا. وإذا كان كذلك، فلا يصح أن يكون الفقه مدلول القواطع السمعية لوجهين: أحدهما: أن الأدلة إنما باشرت الأحكام، فالأحكام هي المدلولات على الحقيقة. ومن أحاط بالدليل علم مدلوله. وقد اختلف المتكلمون في مسألة، وهي أنا إذا أقمنا دليلا على حدث العالم، فهل المدلول حدث العالم، أو العلم بحدث العالم؟ والصحيح أن المدلول الحدث، بدليل أن حدث الأكوان دال على حدث الجواهر، سواء نظر الناظرون أو لم ينظروا، لأن حد الدليل: هو الذي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم ما لا يعلم في مستقر العادة اضطرارا. والنظر

стр. 42

الصحيح يتضمن العلم بالمدلول. الثاني: أن الناظر لو أخطأ جهة النظر في الدليل، لم يعلم الحكم، ولا يخرج الدليل عن كونه دليلا. فثبت بهذا أنها أدلة الأحكام، لا أدلة العلم بالأحكام. ومعنى قولنا أدلة الأحكام: أي أدلة نسبة الأحكام إلى أفعال المكلفين، إما على جهة إثبات أو نفي. إذ نفس الحكم باعتبار كونه مفردا لا يقبل الدليل. كما قررناه في امتناع إقامة الدليل على المفردات. نعم، إذا حصل النسبة، أمكن الصدق والكذب، فافتقر إلى دليل.

стр. 43

فأما إحدى النسبتين، وهي نسبة الإناث، فلا تتلقى إلا من الأدلة السمعية. فأما النسبة الأخرى، وهي نسبة النفي، فتتلقى من الأدلة السمعية، ولا تقتصر عليها. فإنا نعلم انتفاء الأحكام قبل ورود الشرع. كما سنقرره، إن شاء الله تعالى. وقوله: (وأقسامها: نص الكتاب، (٦/ب) ونص السنة المتواترة، والإجماع). وقد اختلفت عبارات الأصوليين في هذا، فمنهم من لا يقيد هذا التقييد، ويذكر الكتاب والسنة والإجماع. وإذا قيل لهم: فالظواهر وأخبار الآحاد؟ فيقولون: إنما أردنا بذلك ما تحقق اشتمال الكتاب عليه، ولم نتحقق اشتمال الكتاب على الصورة المعينة من صور العموم. وكذلك يقولون في أخبار الآحاد: لم نتحقق كونه سنة. ومنهم من يقيد لإزالة هذا اللبس. ومنهم من يقول: ما دل على الحكم، ولو كان بوجه مظنون، ولو كان بوجه مظنون، فهو دليل. فهذا لا يفتقر إلى التقييد، فيعد من جملة الأدلة الظواهر وأخبار الآحاد. ويرى

стр. 44

أن الحكم استند إليهما. وهذا هو واللائق بمذهب من يقول المصيب واحد، ويظن الإصابة بناء على ظن الدليل. والإمام ﵀ قيد في الدليلين الأولين، ولم يقيد في الإجماع، ويمكن أن يكون ترك التقييد فيه لأمرين: أحدهما- أن يكون جعل (الألف) و (اللام) في الإجماع للعهد، يعني والإجماع الذي هو حجة في عرف الأصوليين على شرطه. والعهد في الكتاب والسنة مفقود. الثاني- أن الشروط المعتبرة في كون الإجماع حجة كثيرة، لا يمكن ضبطها إلا بتفريغ المسائل وتمهيد الأبواب. والكلام يجمل في غير مقصوده، لاسيما إذا كان التفصيل يطول. وإنما قصر الأدلة على ثلاثة، لإخراجه (شرع من قبلنا) عن كونه حجة. وأما من يرى ذلك حجة، فلا تقتصر الأدلة عنده على ذلك. وهذا هو المختار عندنا. وقوله: (ومستمد جميعها قول الله ، ومن هذه الجهة تستمد أصول الفقه في الكلام). اعلم أنه لا حاكم إلا الله تعالى، وأما النبي والزوج والسيد والوالد وغيرهم، إذا أمروا أو أوجبوا، لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله

стр. 45

تعالى طاعتهم، فلا حكم ولا أمر إلا الله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾. وقول الرسول تستند إلى الأحكام، لأنه ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى﴾. والإجماع إنما استند إلى قوله، إما لكونه يدل على نص بلغهم، أو بناء على أن الله عصمهم عن الخطأ في الأحكام، فيرجع الإجماع إلى قول الرسول، ويرجع وجوب ابتاع قول الرسول إلى قول الله ، فافتقر بذلك إلى إثبات قول الله ، وإثبات صدق الرسول بالمعجزة. وقد بينا أن الذي يستمد من ذلك ليس الأدلة، وإنما افتقر العالم بالأدلة إلى تقديم هذه المعرفة، ليصح كونه عالما بالأحكام على الحقيقة. وقد اختلف الأصوليون في هذه المادة، هل هي شرط في نيل درجة الاجتهاد، أو لا تشترط؟ فذهب أبو حامد الغزالي إلى أنها غير مشروطة في الأصل. ولكنها مشروطة في الإحاطة بالعلوم الدينية، وإلا فيتصور عنده أن يكون مجتهدا، وإن كان مقلدا في العقائد.

стр. 46

وذهب غيره من الأصوليين إلى الاشتراط، وهو الصحيح عندنا في حصول العلم بالحكم، فإنه لا سبيل إلى حصول العلم مترتبا على دليل لم يعلم بعض مقدماته. وإذا كان المستدل غير عالم ببعض مقدمات الدليل، أو غير عالم بما يترتب عليه، لم يتصور أن يكون عالما بالحكم. نعم، يصح أن يكون عالما بنسبة (٧/أ) الفعل إلى الخطاب، وإن لم يعلم المخاطب. وإذا سمعنا نحن شعرا، علمنا مدلوله، وإن لم نعلم قائله. وهذا هو الذي أراده من نفى الاشتراط. والمشترط قصد أن تكون الأحكام معلومة، فلابد من تحصيل [علم] ما يترتب عليه. ثم قال: (فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا تلفى إلا في أصول الفقه، وليست قواطع. قلنا: حظ [الأصولي] إبانة القاطع في العمل عندها،

стр. 47

ولكن لابد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط الدليل به). وجه ورود السؤال أنه لما فسر أصول الفقه: بأنها القواطع في عرف الأصوليين، قيل له: هذه مذكورة في الأصول، وليست قواطع. فإن كانت من الأدلة، فلم يجمع الحد، فيكون مختلا، وإن لم تكن من الأدلة، فأي حاجة إلى ذكرها؟ فأجاب: بأنها ليست من الأدلة، ولكن الأصولي مفتقر إلى إقامة الدليل على وجوب العمل عندها، فإن لم يتصور حقائقها، تعذر الاستدلال عليها، فذكرت من هذه الجهة، لا لكونها أدلة. ثم قال: (فصل- قد ذكرنا أن الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية، ونحن الآن نذكر معنى الأحكام ذكرا [كليا]، ثم نفصلها بعد ذلك) إلى قوله (وليس لما يتعلق به قول قائل على جهة صفة حقيقية من ذلك القول.

стр. 48

وهو كتسميتنا الشيء معلوما، مع القطع بأنه ليس له من تعلق العلم به صفة حقيقية). أما قوله: ليس الحكم المضاف إلى متعلقه صفة، فالأمر على ذلك، ولكن لا يتبين بهذا الحكم، لا من جهة الجملة، ولا من جهة التفصيل، فإنا قد بينا أن سلب شيء عن شيء لا يبين حقيقته بوجه. وإذا لم يكن الحكم صفة في المحكوم فيه ثابتة، وج أن تبقى الذات التي [هي] متعلق الحكم بعد التعلق على ما كانت عليه من قبل. ولكن قصد بهذا الكلام بيان مخالفتنا للمعتزلة في رد الأحكام إلى صفات الأعيان. على ما سيأتي بيان

стр. 49

مذهبهم، إن شاء الله تعالى. نعم، قوله: إن الحكم يرجع إلى القول، هو بيان الحكم من أعم الوجوه، ولا يتحصل من ذلك ضبط جنس الحكم. ولم يذكر الإمام حد الجنس، لا في هذا المكان، ولا في غيره، مما سيأتي. وإنما تعرض بعد ذلك لحد التفاصيل. ولكن قد يؤخذ من حد التفصيل ضمنا حد الجنس، على ما سنبين، إن شاء الله تعالى. وقد اختلفت عبارات الأصوليين في حد الحكم، فقال قائلون: هو خطاب الشارع إذا تعلق بأفعال المكلفين. وفي ظاهر هذا الكلام ما يدل على تجدد التعلق، وهذا يلائم قول من يقول: إن الله تعالى ليس [آمرا] في الأزل،

стр. 50

وهو القلانسي، وأبو الحسن يأباه. وقال قائلون: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين. وهذا لا يظهر فيه ما ظهر من الأول، لكن يلزم منه أن يكون قول الله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ - إذا خوطبنا به- حكما. وقال قائلون: الحكم يرجع إلى تعلق الخطاب. ويرد عليه ما يرد على الأول. ولكن الفرق بين القولين: أن الأول رد الحكم إلى الخطاب المنسوب، والثاني رد الحكم إلى النسبة. والأول أصح. لأن الحكم يرجع إلى الأمر

стр. 51

والنهي (٧/ب)، وهو القول على جهة مخصوصة. وسيأتي حده بعد ذلك. والصحيح في حده أنه: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين على جهة ترجيح أو تخيير. وقولنا: بأفعال المكلفين، تجوز، فإنه لا يتعلق التكليف إلا بمعدوم يمكن حدوث. والمعدوم ليس بفعل على الحقيقة. وهذا التجوز مشهور عند أهل اللسان. وإن أردنا الاحتراز عن هذا، قلنا: هو خطاب الشارع للمخاطبين المتعلق بما يصح أن يكون فعلا على طريق ترجيح أو تخيير. فإن قيل: فقد عد الأصوليون من جملة الأحكام: وضع الأسباب والشروط، وليست متعلقة بما يصح أن يكون فعلا للمكلفين، كزوال الشمس

стр. 52

وغيره. قلنا: هذا متجوز به، ولكن الأحكام ترتبط بما يصح أن يكون فعلا عند حصول هذه الشروط، فسمي نصبها حكما، من جهة ثبوت الأحكام عندها. وأما قوله: (وليس لما يتعلق به قول قائل على جهة مخصوصة صفة حقيقية من ذلك القول). فكلام واضح، غير مفتقر إلى شرح وإيضاح، ولذلك تعلق القول بما لا يقبل التأثير، كالواجب والمستحيل، فتعلق القول به كتعلق العلم. ثم قال: (ومن الأحكام: التحسين والتقبيح، وهما راجعان إلى الأمر والنهي، فلا يحسن شيء في علم الله تعالى لعينه، ولا يقبح شيء لعينه). اعلم أن هذه النسبة لا يرجع عندهم التحسين والتقبيح إلى صفات الأفعال بوجه. وإنما يرجع ذلك إلى النسب والإضافات. فقد يحسن شيء بالإضافة إلى زيد، وهو بعينه قبيح بالإضافة إلى عمرو. والاصطلاح في ذلك يختلف بحسب الإضافة، وهي على ثلاثة أوجه:

стр. 53

الأول: وهو المشهور العام: إطلاقه بإزاء الأغراض، وميل الطباع ونفرتها، فيقال على ما يميل الطبع إليه وتستريح إليه النفس: إنه حسن، وعلى عكسه: غنه قبيح. وقد تميل نفس زيد إلى ما تنفر عنه نفس عمرو، كالألوان والأشكال، فمن مال طبعه إلى صورة أو صوت استحسنه، وقضى بحسنه، ومن نفر طبعه عنه استقبحه. وليس ذلك راجعا إلى الذات، بل إلى الإضافة. ولو قيل: هل هذا عند الله حسن أو قبيح؟ قلنا: هو عند الله حسن باعتبار زيد، وقبيح باعتبار عمرو. ومن أطلق لفظ الحسن والقبيح بهذا الاعتبار، لم يمنع الإطلاق. الثاني: إطلاق لفظ الحسن على ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، فيكون فعل الله تعالى، حسنا، وافق الغرض أو خالف، لثنائه على فاعله، ويكن المأمور به من الشرع جسنا، سواء كان واجبا أو ندبا، ولا يكون المباح حسنا. الثالث: إطلاق الحسن على: ما لفاعله أن يفعله، وإن لم يكن مطلوبا، فيكون فعل الله تعالى حسنا، ويكون المباح على هذا حسنا، ولا يكون المنهي عنه حسنا. والإمام إنما اختار هذا الثالث، وهو المشهور عند العلماء، ولا سبيل إلى منع القسمين الآخرين.

стр. 54

وقد قال الكعبي: إن المباح حسن بالاعتبار الثالث، وهو غلط، على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.

стр. 55

ثم قال: (وقسمت المعتزلة الأفعال قسمين: فقالوا: يثبت حكم القبح (٨/أ) والحسن في أحدهما، مستدركا بالعقول، غير متوقف على ورود الأمر والنهي، ثم قسموا هذا القسم قسمين) إلى قوله (فإنا ندرك بمبادئ العقول أنه لا يجوز في استمرار العرف مخالفة الجم الغفير فيه). قال الشيخ أيده الله: نقل المذاهب صحيح. والفرق بين ما يدرك ضرورة ونظرا، أن ما ظهرت مصلحته، ولم تقابله مفسدة، علم حسنه ضرورة، وما علمت مفسدته، ولم تقابله مصلحة، علم قبحه ضرورة. وإنما ينشأ النظر عند اختلاف الجهتين في المعارضة، كالكذب المفيد والصدق المضر.

стр. 56

وأما اختلاف النقلة في الحسن والقبح، هل هما وصفان نفسيان أم لا؟ فيفتقر إلى بيان أقسام الصفات عند المعتزلة. فالصفات التي لا ترجع إلى السلب تنقسم إلى: معللة وإلى غير معللة. وما ليست بمعللة تنقسم إلى:

стр. 57

ما يقال إنها صفة النفس، وإلى ما ليست كذلك. والتي ليست كذلك تنقسم إلى: ما يقتضي مقتضيا تستند إليه، وإلى ما لا يقتضي ذلك. وهذا الأخير قد سمي التابع للحدوث. وهذا التقسيم إنما يصح عند إطلاق الصفة على الحكم، وفي ذلك تنازع. فمن الأصوليين من يطلق الصفات على الأحكام، ومنهم من يطلق الصفات على المعاني. والتقسيم إنما يصح على هذا التفسير. فمثال الصفات المعللة: الأحكام الثابتة للذوات بمعاني قائمة بها.

стр. 58

ككونه قادرا وعالما ومريدا، إلى ما يضاهي ذلك. وأما صفات النفس عند المعتزلة الثابتة للذوات عدما ووجودا، فككون الجوهر جوهرا، والعرض عرضا. وكذلك القول في جميع الأوصاف التي قضوا بثبوتها في العدم. وأما الصفات المتعلقة بالمقتضيات، كالحدوث والتخصيص والإحكام، فالذي يقتضي الحدوث القدرة، والذي يقتضي الإحكام العلم، والذي يقتضي التخصيص الإرادة. وأما الصفات التابعة للحدوث، فكتحيز الجوهر، وقيام العرض بالمحل. إلى ما يضاهي ذلك. فمن النقلة من جعله من قبيل كون الجوهر جوهرا، ومنهم من جعله من قبيل تحيز الجواهر. ولا ذاهب يذهب إلى تنزيل الصفات من الحسن والقبح منزلة التخصيص والإحكام والحدوث.

стр. 59

والصحيح أن الحسن والقبح لا يكون وصفا نفسيا، لأنه لا يقضى على الفعل بالحسن والقبح في الأزل، فامتنع لذلك أن يكون من الأوصاف النفسية. وقول الإمام: (كل ذلك جهدا بمذهبهم، فمعنى قولهم: يقبح الشيء أو يحسن لعينه، فإن ذلك يدرك منه عقلا من غير إخبار مخبر). ليس في هذا الكلام مذهب من المذاهب، و [لا] الإرشاد إلى جهة مخصوصة، إلا أن يكون المراد بذلك التعرض لإظهار الخلاف بيننا وبينهم، فإنا نقول: يفتقر في التحسين والتقبيح إلى ورود الشرع، والمعتزلة [تقول: ] لا تفتقر إلى ذلك

стр. 60

في بعض الصفات. فأما تعميم القول بأن المعنى أنه يدرك عقلا من غير إخبار مخبر، فلا يصح، لقضاء المعتزلة بأن بعض هذه الأوصاف لا تدرك (٨/ب) إلا شرعا، إلا أن يريد أنه إذا ورد الشرع بذلك كان مخبرا لا مبتدأ لشر الحكم. والعبارة لا تحتمل ذلك. ورد القاضي ﵀ في مسلكه الأول صحيح. والأمر الذي يدرك

стр. 61

بمبادئ العقول، لا يجوز في مطرد العرف مخالفة الجم الغفير فيه. أما الضروري المحض الذي نفس العقل كاف في الإدراك فيه، فلا يصح أن يجهله بعض العقلاء. وهل تعذر جهله عقلي أو عادي؟ أما من ذهب إلى أن العقل علوم ضرورية، فيحيل أن يجهل العاقل هذه العلوم عقلا، لأنها نفس العقل، فكيف يكون عاقلا من لا عقل له؟ وأما من ذهب إلى أن العقل صفة يتأتى بها درك العلوم، وليست منها، فيجوز أن يخلق الله لشخص تلك الصفة، وإن لم يخلق له العلوم الضرورية، لأن تلك الصفة واقعة في باب الشروط دون العلل، فيصح وجدان الشرط دون المشروط، وإن لم يتصور وجدان المشروط دون الشرط.

стр. 62

وإذا ثبت أنه لابد من اشتراك جميع العقلاء في العلوم، إما عقلا وإما اعتياديا، فالمخالفة من العقلاء إنما تكون باللسان دون القلب، فيكون ذلك [تواطؤ] على الكذب، والكثرة تحيل التواطؤ اعتيادا. على ما سنبينه في أبواب التواتر. وإن تصور كذب وتواطؤ في الأخبار المتواترة، فذلك عند حامل يحمل عليه، وملجئ يلجئ إليه، ولكن لابد من ظهور القضية بعد زوال الحامل. والأشعريون زائدون على عدد التواتر أضعافا مضاعفة، وهم مصرون على المخالفة، مستمرون عليها على مر الآباد من غير نكر وعناد، فبطل بذلك ادعاء العلم الضروري. فإن فيل: فكما استحال أن يتواطأ العقلاء الجم الغفير على الكتمان، فكذلك يستحيل أن يخبروا بخلاف ما يضمرون. ونحن أيضا الجم الغفير، والعدد الكثير، وقد أخبرنا عن العلم الضروري أنه قام بنا بحسن بعض الأشياء وقبح بعضها، ولم يستند على نظر حتى يصح الغلط فيه، فلنكن صادقين فيما أخبرنا به عن أنفسنا من العلم الضروري. قلنا: قد بينا استحالة كونه ضروريا بما فيه مقنع وكفاية.

стр. 63

وأما ما ذكرتموه، فوهم وخيال، وذلك أنا لم ننسب المعتزلة إلى التواطؤ على الكذب والكتمان، وإظهار خلاف ما أضمروا، فإن ذلك هو الذي قررنا استحالته. وإنما جاءهم الغلط من جهة كون الاعتقاد علما. والعادة لا تؤمن من الغلط في ذلك. وهذه الوهميات قد تصادف في النفس كالأوليات، ولا يشعر الإنسان بوقت حصولها، ولا يشعر باكتسابها، فتنغرس في النفس حكمها، ويفتقر العاقل إلى التصديق بها مطلقا. فلا تفارق الأوليات العقلية، إلا أن الأوليات لا يتصور التشكك فيها، وإن حصل إصغاء، وهذه يمكن التشكك فيها. فإن الصغير يلقى إليه منذ الصبا تقبيح بعض هذه الصور وتحسين بعضها، ويستمر عليه دهرا، فيجد التصديق به، فيعتقده ضروريا، وهو وهمي. فهذا سبب الغلط. وأما تعمد الكذب فمحال، مع الكثرة وطول الزمان وانتفاء الإيالات الحاملة. (٩/أ). ثم قال القاضي ﵁: (وإنما منشأ الخلاف في النظريات) إلى قوله (بطل النظر المستند إليه). قال الشيخ ﵁: قد اختلف الناس في جواز الاتفاق على النظري العقلي في الاعتياد، هل وقع ذلك أم لا؟ وأما التجويز العقلي، فلا

стр. 64

ذاهب إلى منعه، إذ هو من قبيل الممكنات، والقدرة الأولية ليست قاصرة عنه. وقد وضح ذلك من بعض العقلاء مع الاستواء في قبول خلق العلم، وما جاز على أحد المثلين، جاز على مثله. أما الوقوع، فقد قال أبو حامد الغزالي: (يجوز الاتفاق على ما ليس بضروري- يعني في العادة- قال: وقد اتفق العلماء على إثبات الصانع وجواز بعثة الأنبياء، ولم يخالف إلا الشواذ). فهذه منه غفلة عظيمة، وقد رد على نفسه بقوله: (لم يخالف إلا الشواذ). فقد صرح بامتناع الاتفاق من الجميع وقوعا، والقاضي لم يحل اتفاق الكثير، وإنما منع اتفاق الكافة، والأمر على ما قاله ﵀. ونقل [مصنفو] المقالات اتفاق العقلاء [على] استحالة عدم القديم. وجعل ذلك حجة على الاتفاق على النظري. وهذا أيضا غلط. والذين اتفقوا على هاذ إنما هم أرباب النظر. وفي الخلق من لم يخطر بباله هذا، وليس من أهل النظر، وإنما حصل الاتفاق من البعض. وقول الإمام: (ثم إذا ظهر النزاع في الأصل، وظهر بطلان دعوى الضرورة، بطل النظر المستند إليه). وهذا الكلام مقنع في الجدال، وأما في

стр. 65

التحقيق، فغير مفيد إلا على تقدير، وهو أن لا يكون للتقبيح والتحسين مستند إلا هذا الطريق. وأما إذا أمكن غيره، لم يحصل العلم بالنفي بإبطال طريق معين. ولكن نحن قد بينا أنهما لا يرجعان إلى الصفات على التحقيق، وإنما يغني الجواب عن شبه الخصوم. وهذا الكلام مقنع في الجواب. قال الإمام ﵀: (فإن قالوا: أنتم [توافقوننا] في التقبيح ما نقبحه وتحسين ما نحسنه) إلى قوله (بضرورة العقل). قال الشيخ: غرض المعتزلة بهذا الكلام أنه قد يقع الاتفاق على الحكم، وإن وقع الخلاف في الطريق، ولم تمكنهم المنازعة في أن الضروري يمتنع الخلاف فيه من الجم الغفير، ولم تمكنهم المنازعة في مخالفتنا إياهم مع الكثرة، أن هذه القضية إذا ثبتت، منعت

стр. 66

من دعوى الضرورة، فقصدوا دفعا لسؤال بصرف الخلاف إلى المأخذ. قالوا: والذي يقدح في دعوى الضرورة المخالفة في العلم، لا في الطريق. واحتجوا على ذلك: بأن أهل النظر متفقون على أن الخرم التواتر يحصل العلم، ثم تنازعوا، هل هو ضروري أو نظري، ولم يقدح في حصول العلم؟ فقدر القاضي عليهم: أنا خالفنا في نفس المعرفة. وبيان ذلك: أن القبيح عند المعتزلة ينقسم إلى ما يقبح من غير شرط، كالظلم والكذب والكفران والجهل، وإلى ما يقبح مشروطا كالإيلام. وإنما حملهم على ذلك أمران: أحدهما- أنهم مطبقون على أن الله تعالى لا يفعل قبيحا، ولم يمكنهم أن يناكروا في أن الله تعالى [آلم] بعض الخلق، بل كلهم بالموت. فقالوا: بعض الألم حسن. الثاني- أنهم إنما يستروحون إلى ما يحكمون به من التحسين والتقبيح

стр. 67

(٩/ب) إلى العادات، والعقلاء يستحسنون بعض الآلام ويأمرون بها، وجاءت الشرائع بالحدود والتعزيزات، فلما ثبتت هذه الأمور، قضوا بتحسين بعض الآلام، وقبحوا بعضها، كالآلام التي يتجنبها العقلاء. والذي قضى المعتزلة بتحسينه من الآلام، ما تقدمته جناية، فيسوغ الألم في حقه، عقوبة وزجرا له ولغيره في مستقبل الزمان، أو ما يرجو بسببه نفعا، كالفصد والحجامة، أو ليثاب عليه، كما يتألم الأجير، ويستحسن ذلك لما يرجو من العوض. ويرون أن البهائم إنما جسن إيلامها، لأنها تثاب في الدار الآخرة، ولو عريت عن الثواب، لكان إيلامها قبيحا. وقد حسنا نحن الألم، ولا نعتقد لها جريمة سابقة، ولا ثوابا لاحقا. والألم إذا عري عن هذين الوجهين كان قبيحا بضرورة العقل عندهم. قال الإمام: (والمسلك الثاني للقاضي- أنه قال: نرى كذبة تنجي أمما) إلى قوله (فتبلد ولم [يجد] جوابا). قال الشيخ أيده الله: قد تقدم الكلام

стр. 68

أن المعتزلة ينقسم القبيح عندهم إلى قبيح مطلقا، وإلى قبيح مشروط. والمشروط عندهم هو الألم. وإنما حملهم على ذلك ما قررناه من الوجهين السابقين. فلما صادفوا الله تعالى يؤلم، مع استحالة فعل القبيح منه، تعذر عليهم القضاء بالتعميم، ولم يصادفوا في قول الله تعالى كذبا، فعمموا التقبيح. هذا هو سبب الفرق عند القوم. ونحن نساعد على استحالة الكذب على الله تعالى، وليس ذلك لما اعتقدوه من التقبيح، وإنما ذلك لاستحالة الكذب في كلام النفس على من يستحيل عليه الجهل. على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. وإذا كان الألم إنما حسن في بعض الأحوال، لترتب المنافع المبرة عليه، تصور مثل ذلك في الكذب الذي ينجي الأمم من الأنبياء والأولياء والمسلمين، والإلزام صحيح. وقد أجاب بعض الناس بأن قال: يتصور الإنجاء من الله تعالى من غير حاجة إلى الكذب، بصرف الظالم ومنعه، فلا حاجة تدعو إلى الكذب. قلنا: وهذا بعينه مطرد في الألم، فإن الله سبحانه قادر على أن ينعم عباده بلا ضرر سابق، فإن الثواب تفضل من الله تعالى، كيف وهو لا يتصور أن يستفيد

стр. 69

بإيلامهم غرضا حتى يترتب عليه عوض؟ وأما الإيلام الذي هو جزاء الأعمال السيئة السابقة، فباطل لوجهين: أحدهما- أن الله تعالى قادر على منعهم من ذلك. فلئن قالوا: القدرة على الطاعة قدرة على المعصية. فعنه جوابان: أحدهما- أنا لا نسلم ذلك، والقدرة مقارنة للمقدور، ولا يصح تقدمها عليه. على ما سيأتي بيانه. الثاني- أن الله تعالى قادر على منعهم جبرا، فليمنعهم قهرا. فكم من ممنوع من الفواحش لعجز أو عنة، فذلك [أولى] مما ذكروه. والذي شبب به بعض متأخريهم هو اللازم على أصولهم. والإلزام الذي ألزمه صحيح، لأنه إذا انقسم الكذب إلى الحسن والقبيح، والله تعالى لا يمتنع عليه فعل الحسن، فليجز أن يخلق الله تعالى كذبا نافعا (١٠/أ) يكون كاذبا به.

стр. 70

ومعنى قوله: (والكذب عندهم من صفات الفعل، إذ هو من أقسام الكلام). فالكلام عند المعتزلة: فعل المتكلم. والمتكلم عندنا: من قام به الكلام، كما أن المتحرك من قامت به الحركة، لا من فعلها. ولو كانت المعتزلة تقول ذلك وتعترف بقيام الكلام بالقديم، لما تصور منه الكذب، لأن الصفة القائمة لابد أن تكون قديمة، والصدق يضاد الكذب. وإذا ثبت له الصدق، استحال عليه الكذب، فلذلك كان الإلزام على قواعدهم أشد. قال الإمام ﵀: (والمسلك الحق عندي في ذلك، الجامع لمحاسن المذاهب) إلى قوله (ولا يجب عليه أن يعاقب أو يثيب). قال الشيخ وفقه

стр. 71

الله: قوله: والمسلك الحق عندي في ذلك الجامع لمحاسن المذاهب، الناقض لمساوئها. كلام موهم، وذلك أن المتقدم مذهبان: مذهب قوم يقولون: إن الحسن والقبح يرجع إلى وضع الشرع، مفتقر إلى وروده. وقوم يقولون: إن ذلك مدرك عقلا في شيء، ويتوقف إدراك شيء على ورود الشرع، ولكن ليس على الوجه الذي نريده نحن من الإثبات، ولكن يكون العقل قد قصر عن الإدراك، فنبه الشرع على ذلك. قوله: (محاسن المذاهب)، في ظاهره يدل على أن كل واحد من المذهبين يشتمل على حسن. وكذلك قوله: الناقض لمساوئها. هذا هو ظاهر

стр. 72

الكلام. ويحتمل أن [يريد] محاسن المذاهب، مذاهب الأشعرية، أي كلها حسنة. الناقض لمساوئها: يعني مذاهب خصومهم بجملتها. ولكن الأول أظهر، ويدل عليه قوله: (أن نقول: لسنا ننكر أن العقل يقضي من أربابه اجتناب المهالك وابتدار المصالح). وهذا أولا تجوز في اللفظ، ومسامحة عظيمة، وذلك أن العقول لا يتصور أن تكون مقتضية، لأن العقل، إما العلم

стр. 73

على قول، وإما صفة تشترط في حصول العلم على قول. ولا يصح على المذهبين جميعا أن تكون العقول مقتضية، وإنما المقتضي دواعي النفوس وصوارفها. والذي يدل على ذلك أن المريض يعلم أن الغذاء والدواء نافع له، ولكن لا يجد من نفسه داعية إلى تناوله، بل نفرة عنه. وإن كان العقل قد كشف له أنه نافع، وكذلك عكسه. فتبين بهذا أن إطلاق الداعي والمقتضي على العقل تجوز أو غلط. على أن هذا ليس مسألة نزاع، فإنا قد قدمنا أن إطلاق الحسن والقبح باعتبار الأغراض والمنافع والمضار مما لا ينكره أحد. فلا معنى لقول الإمام: لسنا ننكر ذلك. فإن ذلك مما لم يتلكم العلماء فيه فيما بيننا وبين القوم، وإنما الكلام مدار على ما يتعلق بالصفات الثابتة، إما نفسيه، وإما تابعة للحدوث. ولما استقر ذلك عند المعتزلة قضوا مطلقا بالإضافة إلى الخالق والمخلوق. والإمام إنما أدار الأمر بينهم على المنافع والمضار. وإذا امتنع العقلاء من إطلاق الحسن والقبح فيما بينهم على ما لا ينفع ولا يضر، لخلوه من الأغراض، امتنع إطلاق الحكمين على الله تعالى، لاستحالة الأغراض عليه.

стр. 74

ولا يمتنع إجراء هذين الوصفين فينا إذا [تنجز] ضرر أو أمكن نفع، بشرط أن يكون (١٠/) ذلك إضافيا لا وصفا ثابتا. ولكن هذا بشرط ألا يضاف إلى الله ، لأنه لا يتضرر بنفعنا وضرنا. وتكون نسبة الأفعال بجملتها إليه نسبة الفعل الذي لا يضر ولا ينفع بالإضافة إلينا. فإن العقلاء في هذا لا يطلقون عليه حسنا ولا قبحا، والله تعالى لا يتأثر بنفعنا ولا ضرنا، فيستحيل أن يوجب عليه العقل إثابة أو عقابا. قال الإمام ﵀: (وتتمة القول فيه أنه لو فرض ورود الأمر الجازم) إلى قوله (ولا يغمض معه في النفي والإثبات شيء على المتأمل في هذا الباب). قال الشيخ ﵁: قوله: لو فرض ورود الأمر الجازم من الله تعالى من غير وعيد على تركه، لما كان للحكم بالوجوب معنى معقول في حقوقنا. هذا موضع اختلف الناس فيه. فذهب القاضي أبو بكر إلى أن الله تعالى لو أوجب

стр. 75

شيئا لوجب، وإن لم يتوعد بالعقاب على تركه. وقد رجع الإمام إلى هذا فيما بعد، وذلك أنه لما تكلم على حد الواجب قال في حد قوم: قالوا: الواجب هو الذي توعد بالعقاب على تركه، هو فاسد، فإنه لو توعد، لوجب تحقيق الوعيد، فإن كلام الله مستحيل أن يكون فيه الخلف، ويتصور أن يعفو ولا يعاقب. فقد اعترف الإمام أن الواجب لا يتوقف على الوعيد، وذلك الكلام صحيح. فإن أراد الإمام في هذا المكان أن الوجوب لا يعقل إلا بنوع من الترجيح، إما ذما أو غيره، فهذا موضع يجب التثبت فيه. فاعلم أن الوجوب هو قسم من أقسام الحكم، وله نسبة خاصة إلى المكلفين، على ما مر في بيان معنى الحكم. وهذه النسبة تثبت وإن لم تقترن بوعيد ولا عقاب. فلا يكون اقتران الوعيد من نفس الحكم، ولا يجب اقترانه به اقترانا عقليا، وسنبين في مسألة الواجب الموسع تحقق الوجوب في أول الوقت، وسقوط الذم والعقاب والوعيد [عمن] مات في وسط الوقت.
следующие страницы →