← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقوله: (إن الناقلين الذين نقلوا أن أبا الحسن يستمر على القول بالوقف على فرض قرائن الأحوال). فإذا اقترنت باللفظ المجمل أو الملتبس يظهر أثرها، باعتبار غرض المتكلم. فأما اللفظ، فباق على إجماله أو التباسه، باعتبار وضع اللغة. وأبو الحسن وأصحابه إنما تكلموا باعتبار وضع اللغة. فإذا استقر فيه ظهور أو [نصوصية]، تمسك به على حسب ما يقتضيه الكلام، من طلب قطع، أو اكتفاء بغلبة ظن، أو يثبت إجمال، فلا يتمسك بمطلقه على حال. فمصير الإمام إلى أن قرائن الحال توضح اللفظ، حيد عن المسألة،

стр. 387

وذهاب عن المقصود، وغير مفيد باعتبار الأصول. وليس ينكر أحد أن لفظ الماء يصلح للعذب والأجاج. [والجالسين] على المائدة إذا استدعي الماء [عند الغص] بلقمة، فهم منه طلب العذب، ولا يوجب خروج اللفظ عن اشتراكه في الأصل. وقوله أيضا: (إن أبا الحسن لا ينكر صيغة مشعرة بالوجوب القائم بالنفس، نحو قول القائل: أوجبت). هذا أيضا حيد عن المقصود، وليس الكلام إلا في الصيغة التي يقال فيها إنها صيغة الجزاء، ولا أحد منهم يذهب

стр. 388

إلى أن قول القائل: أمرتك، أن هذا فعل أمر. ثم رجع إلى أنه لا يتوقف في هذه الصورة أصلا. وهذا [الذي] قاله لا ينكره أحد. فلا وجه لكونه رأى ذلك رأيا عن أبي الحسن، منفردا به. فإنه لا يتصور أن يتوقف في غرض المتكلم بلفظه عند قرائن (٤٧/أ) أحواله، أوت صريح عبارته. والوقف لازم باعتبار أصل الوضع. وهذا الذي يبنى عليه قواعد الأصول. وقوله: (قد يتردد المتردد في الألفاظ التي ذكرناها إذا اقترنت بقول القائل) إلى آخره. هذا عندي لا يصح أن يتردد فيه، وكيف يتأتى ذلك، وقول القائل حتما تفسير لقوله (افعل)، لإزالة ما فيه من الإيهام والالتباس؟ فكيف يصير العمدة على المفسر دون المفسر؟ فلا وجه لحمل تردد المتردد على هذا أبدا.

стр. 389

وقوله: (وهذا عندي- إن صح- محمول على قرائن المقال على ما فيها من الخبط). كلام ضعيف، وكيف يدعي الخبط في قرائن المقال على الإطلاق، وقد قال هو: إنها واضحة جلية، كقول القائل: افعل حتما أو واجبا؟ (١٥/أ) قال الإمام: فأما المعتزلة، فلم يقف على حقيقة مذهبهم إلا خواص الأصوليين) إلى قوله (وإنما معناه الإرادة، [والوجوب] متلقى من الوعيد

стр. 390

المقترن به). قال الشيخ: إنما بعد القول الأول عن مذهب المعتزلة، من جهة أن الأمر الحقيقي: هو قول القائل لمن دونه: افعل، وهو يرجع إلى [الإلزام] والتسخير. وإذا كان كذلك، فالإباحة لا إلزام فيها، ولا تسخير، ولا [اقتضاء]. فكيف يصح أن يكون قول القائل: (افعل) للإباحة بالإضافة؟ ثم يلزم منه إذا استعمل في الأمر خروج عن حقيقته ولا يبقى أمر حقيقي بحال. وليس عند القوم كلام نفس، حتى يكتفي بهن ويعبر عنه باللفظ المجازي، فيفوت الأمر باعتبار الكلام النفسي، ولا وجود له باعتبار الوضع الحقيقي. فهذا بعيد جدا عن مذاهبهم، إلا أن ينبني الأمر على ما قاله الكعبي، من كون المباح حسنا، ويجوز أن يطلبه الطالب، باعتبار كونه حسنا، ولهذا قال: المباح مأمور به، فهذا ربما يمشي على هذا المذهب، وهو رديء جدا عند المعتزلة. وسيأتي الكلام عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى.

стр. 391

وأما من ذهب إلى أنه للندب، فهو أقرب من جهة ما في الندب من الاقتضاء، ولكن يلزم منه أن يكون طلب جازم معقول، على حسب ما مر في كونه للإباحة، إلا أن ينبني الأمر على أن الندب طلب جازم. وهذا الذي يختاره القاضي. وسيأتي أيضا الكلام عليه. ولكن مع هذا إذا جعل الندب، باعتبار خصوصيته، خرج الوجوب عن قسم الطلب، وليس الأمر كذلك. لا جرم أن عبد الجبار من هذه الإلزامات فر، وقال: الصيغة تدل على إرادة مطلقها الامتثال، فهذا مقتضاها فحسب. وهذا الكلام أيضا غير صحيح، فإن إرادة الامتثال ليس مدلول الصيغة، وإنما إرادة الامتثال شرط في كون اللفظ أمرا، فكيف يصح أن تكون مدلول اللفظ؟ ولو كان هذا مدلول الصيغة، لم يكن معنى إلا الإرادة من غير طلبن فيخرج الطلب عن حقيقته. ولا يلزم أن يقال: كل مراد مأمور به. وكل هذا إنما هو

стр. 392

تحير، وتغير لنفي كلام النفس. ويطلبون معقول الأمر، ويعرفون أن الألفاظ لا تدل لأعيانها، فتحيروا هذا التحير. وقوله: (بيد أن المراد لا يكون إلا طاعة). ليس كما قال، بل إنما يكون طاعة على تقدير تعلق الأمر به، حتى يكون طاعة مرادا؟ وقصد عبد الجبار بما قاله أن يشمل حقيقة الأمر الوجوب والندب جميعا (٤٧/ب)، لا من جهة خصوصيتهما، بل من جهة اشتراكهما في كونهما مطلوبين مرادين، ثم يقع الافتراق من وجه توجه الذم وانتفائه. فهذا هو مقصوده، والاعتراض عليه ما (١٥/ب) سبق.

стр. 393

قال الإمام: (وأما الفقهاء، فالمشهور من مذهب الجمهور أن الصيغة التي فيها الكلام للإيجاب، إذا تجردت عن القرائن. وهذا مذهب الشافعي. والمتكلمون من أصحابنا مجمعون على اتباع أبي الحسن في الوقف، ولم يساعد الشافعي غير الأستاذ أبي إسحاق). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام حكاية عن الشافعي، قد نقل أبو حامد عن الشافعي خلافه. فقال: صيغة الأمر مترددة بين الندب والوجوب، وصيغة النهي للتحريم. ووجه على نفسه اعتراضا، فقال: إنما أوجبنا تزويج الأمة، بقوله: ﴿[فلا] تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾. ولم نوجب تزويج العبد، لأنه لم يرد فيه إلا قوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾. فيمكن أن يكون له في المسألة قولان.

стр. 394

قال الإمام: (والذي يقتضيه الترتيب المفضي إلى درك الحق) إلى قوله (وقد يستحق بدون ذلك التأديب). قال الشيخ: الصحيح من مذهب القاضي التوقف في اللفظ، وامتناع القضاء عليه بجهة، وطريقته لا تقتضي إلا ذلك. وحاصله أنه مطالبة بالدليل، إن من لم يحكم لا يستدل، وهو لم يحكم على اللفظ بجهة حتى يدل عليها. وإنما غايته أنه يقول: الطرق التي يعرف بها الوضع مفقودة، إن أراد أنه لم يقف على شيء منها، فذلك مسلم له، لأنه أعلم

стр. 395

بحاله، وإن أراد أنه لا سبيل لأحد إلى عملها، فهذا تحكم، فمن أين القضاء على الناس كلهم بذلك؟ وقوله: إن (النقل إما أن يعرف صريحا، أو استنباط، تواترا أو آحادا). هذا تقسيم من جهة النقل بلا ريب، ونحن نعلم من اللغة ضرورة أن لفظ البحر وضع للماء، وإن كان يطلق على الكريم، فلا يمنعنا وجدان اللفظ دالا على معنيين، إلا بعلم الحقيقة من المجاز.

стр. 396

والذي يظهر من كلام القاضي أنه أراد نفي الطرق، بالإضافة إلى [أهل] الزمان بجملتهم، ولذلك تعرض لضبطها ونفيها. وقوله: (فإن النقل المتواتر يحصل العلم الضروري، ويتضمن استواء طبقات جميع العقلاء فيه). [هو] كما قال، إذا وقع الاشتراك في

стр. 397

السبب، وأما إذا لم يطلع بعض العقلاء على النقل، أو على كماله، لم يلزم أن يحصل العلم، ولا يتبين بذلك غلط المحيط عند حصول العلم له. وأما رد الإمام على القاضي عندما [مال] إلى دعوى التشارك، فصحيح لا شك فيه، لأن تلك الطرق تفضي إلى اللبس، لا إلى تعيين جهة. فمن عين الاشتراك، كمن عين غيره. والإمام إنما أورد هذا الكلام، لاعتقاده أن يصلح لإبطال (١٦/أ) الاشتراك، فإنه يلزمه أن لا يعين جهة من الجهات. وإن

стр. 398

أورده [على المعارضة المحضة، ومقابلة الفاسد بالفاسد، صلح للجدل دون التحقيق. وأما رد عليه عندما ذهب إلى] التوقف بقوله: (لم يترك والركون إلى هذه العماية العمياء، والجهالة والجهلاء) إلى آخره. فكلام ضعيف. وقول: (إن اللفظ التداور مع الجواز). أمر لا يفيد، وإن قدرنا أن اللفظ معروف الدلالة عند أهل اللغة وغيرهم، فما الذي يعين (٤٨/أ) ذلك في

стр. 399

حق من جهل مدلول، والتبست عليه طرقه، والقاضي ما أحال علم هذا على الخلق، وإنما منع من معرفته في عصر، لما قرره من الطرق المنحسمة التي يرجع النقل إليها. وقوله: (وتنسل بفرض هذا دعوى القطع من يده). نعم، إن قطع القاضي بأنه لا يعلم ذلك أحد، فهذا غير سديد. وكيف يمكن دعوى ذلك،

стр. 400

وأهل اللغة يعرون مرادهم بألفاظهم من اشتراك أو غيره؟ وما ذكره القاضي من الاشتراك على الإيهام بالاستفهام، فغير مفيد، فإنه وإن اتفق أن يكون السامع بفهم المدلول على وجه مظنون، فقد يقصد قطع الاحتمال وإزالة الإشكال. ويمكن أيضا أن يكون المستفهم ممن يرى له إجمالا، فلا يكون- في رأيي- احتجاجا، إلا أن يثبت أنه من أهل اللسان، [وينفي] تعارض قرائن الأحوال، ويكون ممن يكتفي بالظن في فهم المقال، ولم يقصد الارتقاء إلى حد الاستيقان، فحينئذ يكون في ذلك متعلق. [واجتماع] هذه الشروط

стр. 401

[عسير]، وقد يستحق التأديب على وجه الاستفصال من غير حاجة إليه. قال الإمام: (وأما المعتزلة فقد بنوا حقيقة أصلهم في ذلك) إلى قوله (وكل ما كان كذلك لا يكون واجبا. فهذا منتهى المسألة). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذا الموضع من التقسيم، قد نقضه على نفسه في صيغة

стр. 402

(افعل) بعد الحظر، فإنه ذهب فيها إلى الوقف. ويمكن سلوك هذا الطريق نفسه. فيقال: من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل: إذا حللت فاصطد، وبين قوله: إذا حللت، فلا حرج عليك، اصطدت أو تركت؟ فليس من التحقيق على شيء. فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك، وهلم جرا إلى بقية الأقسام. والإمام قد توقف فيها، والتقسيم بعينه جار فيها. ثم قوله: (من أنكر أن العرب ما فصلت). عبارة فيها وهم، وذلك أن من أنكر عدم الفصل، فقد اعترف بالفصل، وهو الذي يريده الإمام. وإنما المراد: من قال أو من زعم أن العرب ما فصلت؟ هذا مراده. وقصاراه فيما قال ادعاء الضرورة.

стр. 403

وأما الفصل الذي ذكره، فمعترف به، ولن لا يحصل منه مقصود، وذلك أنه قابل بين المجمل وبين اللفظ النص، فظهر التفاوت بلا إشكال. ولا يوجب إدراك (١٦/ب) الفصل أن يكون اللفظ المجمل لا يحتمل تلك الجهة، وهو بمثابة ما لو قال القائل: لفظ العين لا يتناول الذهب. وقال: من زعم أن العرب ما فصلت بين قول القائل: العين، وبين قوله: الذهب، فليس من التحقيق على شيء، لكان مصيبا، ولم يلزم منه أن يكون لفظ العين لا يتناول الذهب مع غيره. كذلك الإمام قابل بين لفظ (افعل) المحتمل لجهات، وبين نص الإباحة ونص الندب، فظهر التفاوت، ولا يمتنع ذلك التناول.

стр. 404

وقوله: (إن من ضرورة الندب تخيير في الترك). غير صحيح، وقد مر الكلام عليه في حد التكليف. والندب عندنا أمر محقق، والمندوب مأمور به. وسيأتي تحقيقه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. وقوله في الجواب عن سؤال: (إن هذا مذهب الشافعي: بأن الوجوب لا يعقل دون التقييد بالوعيد على الترك). فقد مر الكلام عليه. وهو نقض هذا بعينه (٤٨/ب)، وأفسد حد من حد الواجب: بأنه المتوعد بالعقاب على تركه. على ما سيأتي. فإذا انتهى الكلام إلى هذا الحد، فلننبه على أصل كلي، لا بد من التنبه

стр. 405

له، وذلك أنه إنما احتاج الأصوليون إلى معرفة الأوضاع اللغوية، لتفهم الأحكام الشرعية، وإلا فلا حاجة بالأصولي إلى معرفة ما لا يتعلق بالأحكام من الألفاظ. وإذا كان كذلك، افتقر إلى تقديم أمر آخر، وهو أن الشرع، هل تصرف في اللغة أم لا؟ فإن ثبت عدم التصرف، اكتفى الأصولي بمعرفة وضع الشرع في الاسم، ولا يحتاج معه إلى معرفة اللغة في ذلك اللفظ. وإن عرف وضع اللغة، والتبس عليه، هل الشرع تصرف في الاسم أو لا؟ لم يجز له الحكم بوضع اللغة، حتى يستقر عنده وضع الشرع فيه، ولهذا إن الفقهاء أول ما يتكلمون على الألفاظ باعتبار وضع اللغة، لأنهم يرون تصرف الشرع في الأسماء، فترام يجنحون إلى الإجماع وغيره، وهم في ذلك على بصيرة، إذ عرف الشرع مكتفى به، مصار إليه. وعرف اللغة على هذا التقدير عند احتمال التغيير لا يفيد. والذي نراه في هذه المسألة أن (افعل) عند الإطلاق يقتضي طلبا لا محالة، وذلك ثابت عند أئمة العربية أجمعين، فإنهم فرقوا بين باب الأمر وباب النهي، فقالوا: باب الأمر (افعل) وباب النهي (لا تفعل). لا يبدي أحد

стр. 406

في ذلك خلافا. وإنما اختلفوا في أن مبني عند عدم الزوائد أو معرب؟ فأما جحد كونه أمرا، فلا ذاهب إليه، [وإن] كان قد يستعمل اللفظ في الإباحة طويلا. نعم، يؤخذ من هذا أنه ليس نصبا في الطلب، وإنما هو ظاهر. وكذلك الفقهاء مجمعون على أن هذا مقتضاه في الشريعة، لكنهم يترددون في الوجوب أو الندب. ولعمري إنها مسألة غامضة. (١٧/أ) والظاهر عندي أنه متردد بينهما، وإنما تبين القرائن، فإنها صيغة طلب، والطلب محقق في الندب، كما هو في الوجوب، فلا سبيل إلى تعيين أحدهما بالتحكم. وكذلك القول في قول القائل (لا تفعل). وبالله أستعين. قال الإمام: (فصل- الصيغة التي تكلمنا على أصلها تفرض مطلقة ومقيدة) إلى قوله (والسبب في ذلك أن ما يقع ضمنا، فإنه يتبع المتضمن في

стр. 407

مقتضاه لا محالة). قال الشيخ [أيده الله]: أما إذا اعترف القوم بالتعدد، وسلكوا مسلك القياس، فهو ضعيف، وقد تقدم الكلام على القياس في

стр. 408

اللغة. وإن سلك الناظر مسلكا آخر، وقال: إن لفظ الأمر بالشيء، يرادف لفظ النهي عن ضده، والألفاظ المترادفة لا يمكن اختلافها. وتقرير ذلك: أن القائل: (تحرك) مطلوبه عين مطلوب من قال: (لا تسكن)، فإن نفي السكون لا يصح أن يكون مطلوبا. على ما سيأتي الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده؟

стр. 409

ولو قال له: (لا تسكن) تضمن ذلك أمرا بالحركة مطلقا، فكذلك إذا قال له: (تحرك)، إذ قد تحقق بهذا التقدير ترادف اللفظين واتحاد المعنى. وهذا كلام مخيل، تحقيقه بعد هذا يأتي إن شاء الله. ولكن القدر الذي ننبه عليه ههنا أقوله: (لا تسكن)، وإن رجع إلى طلب الحركة (٤٩/أ) -[ولا يمكن] الافتراق بحرف النهي الذي يضارع النفي- يكون قرينة [منضمة] إلى الطلب، يفهم منها عموم استرسال طلب الحركة. وإنما تكلمنا ههنا في الطلب المطلق دون المقيد.

стр. 410

وإن لم يسلك الاتحاد، وسلك مسلك التضمن، لصح الجواب، وبطل الإلزام، [وظهر] ما قاله الإمام، فإن المتضمن يتبع المتضمن. والأمر كما قدره، مع أنه لو وقع التقييد في الأمر بالمرة الواحدة، لتضمن ذلك- على هذا الرأي المسلم جدلا- تباين الأضداد من غير استيعاب. قال الإمام: (ومما تمسك به أصحاب التكرار) إلى قوله (وأما العزم فسأذكر فيه فصلا مقنعا في المسألة التي [تلي] هذه، إن شاء الله تعالى). قال الشيخ [وفقه الله]: ما قاله الإمام في هذا الموضع، كلام صحيح، لا يفتقر إلى أكثر من هذا. ولكن خيال القوم من حيث الجملة، أن الأمور

стр. 411

[الثلاثة] [وهي]: الامتثال والعزم واعتقاد الوجوب، استندت إلى اللفظ استنادا واحدا، فلا يصح تفاوتها بحال. وقد سلم عدم اختصاص الوجوب والعزم بالمرة الواحدة، فليكن كذلك الامتثال. [ومعنى] الإمام أن اعتقاد دوام [الوجوب] لا يرجع إلى أنا نعتقد أن الفعل دائم وجوبه، فهذا محال، وإنما أريد أن ما أوجبه الله تعالى، فهو واجب على الحقيقة، فهو كذلك، ولا يتلقى من هذا (١٧/ب) وجوب الامتثال. وكذلك معتقدنا في الأمر المقيد بالمرة الواحدة.

стр. 412

قال الإمام: (فأما الصائرون إلى أن الصيغة المطلقة تقتضى امتثال المأمور به مرة واحدة) إلى قوله (سيما مع العلم بتفاوت صيغ الأفعال، واختلاف مقتضياتها). قال الشيخ: أما إذا سلك أصحاب هذا المذهب مسلك القياس، فالأمر على ما قاله الإمام. وأما إذا سلكوا مسلكا آخر، وهو أن الفعل [إذا]

стр. 413

تلقي من المصدر كان مطلوبا أو مخيرا. فمطلق المصدر لا يتعرض للأعداد بحال. فهذا الكلام له أوضح. وسنذكره في آخر المسألة قال الإمام: (المسلك الثاني للقوم- أنهم قالوا: من امتثل الأمر مرة واحدة) إلى قوله (والنفي لا اختصاص له، فكان الجنس كالشخص في حقه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من أن الأمر استدعاء المصدر، والمصدر لا يتضمن استغراقا، ولا يشعر بالمرة الواحدة اقتصارا عليها. هو كما قال. وأما الوقف في الزائد على المرة الواحدة، من غير نفي ولا إثبات، فغير مستقيم،

стр. 414

فإن المصدر لا يتعرض للأعداد بحال، لا من جهة الوضع، ولا من جهة التهيؤ والصلاح للدلالة. وإنما هو مطلق في الحدوث. وهو بمثابة الدلالة على (رقبة) عند الطلب. ولو قال له: اعتق رقبة، وقع الاكتفاء بكل ما يسمى (رقبة). فكذلك يجب أن يقع الاكتفاء بكل ما يسمى

стр. 415

صلاة عند الأمر بمطلق صلاة، ولا يتوقف في الزيادة عليها على حال. فالوقف غير صحيح مع المصير إلى أن المصدر لا تعرض له للعدد بحال. فإن قيل: فهذا مذهب من قال إنه يتضمن الامتثال مرة واحدة. قلنا: هو في [الحكم] كذلك، ولكن إن قال صاحب هذه لمقالة: إن اللفظ له إشعار بالمرة، من جهة كونها مرة، فليس كذلك. وإنما حكمنا بثبوتها ضرورة. فإنه

стр. 416

إذا أمر بإعتاق عبد، فأعتق [أسود]، حكمنا بإجزاء عتق الأسود (٤٩/ب). لا من جهة [كونه أسود، بل من جهة] كونه عبدا. كذلك إذا أمر بصلاة، فصلى صلاة واحدة، حكمنا بكونه مطيعا، من جهة كونه مصليا، لا من جهة كونه صلى صلاة واحدة. وكذلك الأمثلة التي ذكرت في الحالف [والمخبر]، [يبر] الحالف، ويصدق المخبر. من جهة حصول أصل المصدر. لا من جهة إفراده وجمعه. وهذا واضح للتأمل. وبالله التوفيق. قال الإمام: (مسألة الصيغة التي فيها الكلام، إن قيل: إنها تقتضي

стр. 417

استغراق الأوقات بالامتثال) إلى قوله (ونحرر بعد المباحثة ما اخترناه. فلتقع البداية بأصحاب الفور). قال الشيخ: المذاهب كما نقلها بينة، والمؤاخذة على من قال إنها على التراخي متوجهة. ولكنه لم يوجه الاعتراض على من قال إنها على الفور. فإن مقتضى هذا (١٨/أ) النقل إذا وقع التأخير لا

стр. 418

يجدي. وهو ينكر أن يكون هذا مذهبهم، فلا تختص المؤاخذة بمن قال إنها على التراخي. نعم، قد [ذهب بعض الأصوليين] إلى أن من أخر، لا يعتد منه بما فعل مؤخرا. والترجمة على هذا المذهب لا مؤاخذة عليها. وما قال أيضا من أن (مصير القاضي إلى الامتثال، من غير نظر إلى زمان ولا [وقت] على حال. [وهذا بعيد] من قياس مذهبه، مع [استمكانه] بالوقف، وتجهيله من لا يراه). فقد غفل الإمام عن كلام القاضي ووجهه، وألزمه ما لا يلزمه، فإنه لا خلاف في تعدد محامل الصيغة للجهات التي

стр. 419

ذكرها القاضي، وإنما النظر في أن اللفظة حقيقة في الجمع، أو حقيقة في الجمع، أو حقيقة في بعضها، مجازا في البعض؟ والقاضي لم يثبت عنده التفاوت في الإطلاق، ولا التساوي، و [لا] الاشتراط، فلم يكن بد من الوقف، بخلاف تعرض لفظ الفعل والمصدر للأعداد، فإنه لم يوضع لها، ولا يصلح للدلالة عليها. فإن أراد مريد أن يكون المصدر يدل على الأعداد، صرفه عن حكم إطلاقه، وزاد (هاء) فأحد وثنى وجمع. فمن أين يلزم من الوقف عند تعدد

стр. 420

المدلولات، الوقف مع نفي التعرض لهذه الجهات- أعني الأعداد والمبادرة والتأخير؟ وقد سلك القاضي مسلكا واحدا في المسألتين. وكذلك فعل الإمام فيهما. قال الإمام: (فما اعتمده [أصحاب الفور] أن الصيغة إذا وردت واقتضت إيجابا) إلى قوله (فاز بالأجر، وإن أخلى العمر منه، تعرض للمعصية، فلا استحالة فيه). قال الشيخ: الكلام في المسألة من وجهين: أحدهما- بالنظر إلى المعقول في تصور الوجوب مع المهلة، أو منع ذلك. الثاني- فيما يقتضيه وضع اللغة وإشعار اللسان، وهو الذي ابتدأ به الإمام على المسألة، باعتبار معقول الوجوب. وما ذكره الإمام على الطريقة من النقض بجوار تأخير قضاء الصلوات التي فاتت بأعذار، مستدلا بالإجماع. وقوله: ثم العمر وقتها على الفسحة. أما القضاء، فمجمع عليه، وأما الفسحة في

стр. 421

القضاء، فلا إجماع فيها، وقضاء المنسيات عندنا على الفور. وأما المسلك الثاني- وهو تقدير عقلية الوجوب مع القسمة، فهذا محز الكلام. وما ذكره من: أن العقل لا يحيل اقتضاء وجوب شيء، ثم يكون العمر مهلة. فهذا ينازع فيه أصحاب أبي حنيفة (٥٠/أ) أشد نزاع. فكيف قال: ولا يخالف في ذلك مخالفة فنثبته؟ ولأجل استحالة هذا عند القوم، ذهبوا إلى أن المأمور به، إن ضبط آخر وقته، فإنما يتحقق الوجوب آخر الوقت، وإن أطلق مع تحقيق الوجوب، فلا بد من الفور. فمن العجب كونه ادعى الاتفاق على المعقول، والقوم ينكرون ذلك أشد إنكار. فلم يحصل برهان ولا إجماع.

стр. 422

وأما الوجه الثاني الذي عينه وهو: (١٨/ب) أن المكلف إذا مات، ولم يكن امتثل، لقي الله عاصيا. فقد اقتصر على الدعوى من غير برهان. ولكن طريق التقريب أن نقول: إذا قال السيد لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب في أول النهار أو آخره أو وسطهن فلا يخلو: إما أن يقال: إنه لم يوجب شيئا أصلا، وهو باطل، لأنه صرح بالإيجاب، أو يقال: أوجب مضيقا، وهو باطل، لأنه صرح [بالتوسيع]، فلم يبق إلا أن يقال: أوجب موسعا. ونحن نجد هذا من أنفسنا، فيطلب الطالب من غيره تحصيل أمر في يومه، ولا يرتبط غرضه بساعة من ساعاته، بل [متى] حصل [العمل] في ذلك اليوم، حصل المقصود. هذا مما لا شك فيه. ويدل [عليه] أيضا الإجماع على وجوب الصلاة في أول الوقت، وأنه

стр. 423

[مهما] فعل، كان ممتثلا مؤديا فرض الله، كما نواه [وأداه]، ولا تضييق. هذا ما درج عليه الأولون قطعا. فإن قيل: ليس حكم العمل بالإضافة إلى آخر الوقت وأوله حكم واحد، بل الفعل في أول الوقت- إن أوقع- كان مندوبا إليه، إذ المندوب: ما

стр. 424

يكون فعله خيرا من تركه، بالإضافة إلى مقصود الطالب، من غير ذم يلحق بالترك. والصلاة مثلا في أول الوقت كذلك، وإن أضيف إلى آخر الوقت، كانت واجبة. إذ يلحق الذم [تاركها] الآن. فهما فعلان في وقتين يختلف حكمهما، باختلاف الإضافة إلى الأوقات، كما يختلف حكم الصوم بالإضافة إلى الأزمنة، كصوم رمضان ويوم العيد. فنقول: التحقيق في ذلك أن نبين الحقائق، ثم نجعل الألفاظ تابعة لها. فإن حق الأمور المختلفة، أن تختلف العبارات الدالة عليها، فهو أبعد عن الإيهام، وأجلب للأفهام. فنقوم: الفعل المطلوب قد يلحق الذم بتركه عند أول الخطاب وإمكان الامتثال، وهو الواجب المضيق. ومعنى التضييق فيه: أن المكلف لم يجعل له فسحة في التأخير من زمان إلى زمان آخر. وفعل مطلوب يلحق الذم بتركه، بالإضافة إلى مجموع الوقت، [ولا] يلحق بالإضافة إلى إخلاء بعض الأوقات. وما جاز تركه مطلقان يخالف ما لا يجوز

стр. 425

تأخيره، وما يجوز تأخيره دون تركه، أو الواجب الموسع. والعبارة الثاية أولى من وجهين: لأن الندب مع امتناع الترك، متناقض بالإضافة إلى [عرفهم]. والوجوب: [التحتيم] في تحصيل الفعل، دون التعرض لأزمنة الإيقاع. والإجماع أيضا منعقد على كون الصلاة واجبة عند دخول الوقت، (١٩/أ) وإن لم تجب المبادرة، والتضييق منتف. ويحقق ذلك أن المصلي في أول الوقت ينوي فرض الصلاة، ويثاب ثواب الفرض لا ثواب النفل. فقد تبين تعدد الأقسام عقلا وشرعا، نية ولفظا. (٥٠/ب) وقوله: (والمختار تعيين قسم من الأقسام التي [ذكروها]، وهو التعصية إذا مات ولم يفعل). والكلام ههنا مفروض في الواجب الذي ضبط آخر وقته بغير العمر. واقتصر الإمام في هذا المكان على الدعوى من غير برهان ولم يزد على قوله: (ولا [مبالاة] بقول من يقول من الفقهاء: إنه مات غير
следующие страницы →