Полный текст (2 928 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وأنشد أبو عمرو الشيباني:
إذا ما أتيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل
стр. 352
فضم [أيهم]، وهذا شاعر. وأكثر النحويين على خلاف سيبويه في ذلك. والوجه في ذلك عنده: أنه إذا كان موصولا تنزل من صلته منزلة الاسم الواحد، فإذا حذفت بعض الصلة، نقص الاسم، فأشبه الحروف. ونظير ذلك (قبل) و (بعد)، فإنه إذا نطق بما يضافان إليه، وجب إعرابهما، وإذا حذف ما يضافان إليه، فإن كان المحذوف مقصودا، وجب البناء، وإن أعرض عنه، والتفت إلى الباقي، لزم الإعراب. قال الله تعالى: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾. وقد قرئ: (من قبل [ومن] بعد). فتكون (أي) مع صلتها كذلك. وهذا كلام واضح، والسماع يعضده.
قال الإمام: ([لما] قسم أهل العربية الكلام إلى الاسم والفعل والحرف) إلى قوله (يجوز فرض السكوت عليه). قال الشيخ: القول عندي
стр. 353
في النداء أنه من أبواب الخير، فإن التقدير: أنادي زيدا، [أو ناديت زيدا]. ولو صرح بذلك، لكان مخبرا. ولكنه لا يجري على مقصود الخبر، والمراد به الإنشاء، كقول القائل: بعت واشتريت. وأما (يا) فحرف، كأنه يرجع إلى التنبيه، فكأنه يقول: (يا) لتنبيه من يقصد نداءه، ثم يقول: أنادي زيدا. واستغنى عن إظهار الفعل، لدلالة الحرف عليه، ولكثرة دوره في الكلام. وهذا الفعل التزمت العرب إضماره. قال الإمام: (١١/أ) (وقال الأستاذ: التلهف والترجي والتني من أقسام الخبر) إلى آخر الفصل. (٤٣/ب)
стр. 354
قال الإمام: (كتاب الأوامر) . قال الشيخ [وفقه الله]: ينبغي أن ينظر، هذا جمع ماذا؟ والذي عليه الأصوليون أن الأوامر جمع أمر. وأهل العربية الذين وقفنا على أقوالهم كسيبويه وأبي علي والمتأخرين، لا يرو هذا الجمع أصلا. ويقولون: لا يصح أن يجمع فعل على فواعل، وقد ذكروا [أمثلة] جمعه، وليس منها هذا البناء. إلا أن الجوهري صاحب (الصحاح) قد قال: ويقول: (أمرته بكذا أمرا، والجمع الأوامر). وهذا شاذ غير معروف عند أئمة العربية.
стр. 355
وقال بعض الناس: إن هذا جمع أمر، وفواعل لا يخلو: إما أن يكون [اسما] أو صفة لمذكر. فإن كان اسما، صح جمعه على فواعل، تقول: خاتم وخواتم، وتابل وتوابل. وإن كان صفة لمذكر، لم يجمع على فواعل. وقد شذ فارس وفوارس وهالك في الهوالك. فأما فارس وفوارس، فلعدم اللبس، إذ لا يكون هذا صفة للمؤنث. وأما هالك في الهوالك، فكأنهم نحوا به ناحية النفس، [إذا] قصد تأنيثها.
وقال بعض الناس: المراد الصيغة، فإنه قد تسمى الصيغة آمرة تجوزا. وإذا كان المراد (فاعلة) صح الجمع على فواعل، اسما كان المفرد، كفاطمة وفواطم، أو صفة، ككاتبة وكواتب. وهذا بعيد في التجوز، وليس هو المقصود ههنا، إذ الكلام في الأمر الحقيقي.
وأما الألفاظ، فلم يأت الكلام فيها إلى الآن، إلا أن يكون قصد الكلمة باعتبار كونها قائمة بالنفس، ويسمى الأمر آمرا. والظاهر عند أنه [إنما] قصد ما ذكره صاحب (الصحاح) من جمع الأمر على أوامر.
ثم لفظة الأمر مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، إلا أن تختلف أنواعه. وقد بينا أنه لا التفات عند أهل اللسان إلى تعدد المحال، كما قلنا: إن سيبويه منع جمع العلم، ولم يلتفت إلى [تعدد] متعلقاته. فلا يصح
стр. 356
جمع الأمر إلا إذا تحقق اختلاف لا يرجع إلى تعدد المحال. وهذا ثابت في الأمر، إذ أمر الوجوب يباين أمر الندب، باعتبار الذات، لا المتعلق، فصح جمعه لذلك. فإذا تقرر هذا، فلفظ الأمر يدل على ثلاثة أمور:
أحدها- إطلاق الأمر على الشأن والحال، كما يقول القائل: أمر فلا مستقيم، أي حاله مرضية. وق تقول عكس ذلك، قال الله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾.
[الثاني]- وينطلق الأمر على اللفظ الدال على الطلب القائم بالنفس، عند مثبتي كلام النفس. وعند نفاته، اللفظ: هو الأمر نفسه. أما مثبتوه، فيطلقون الاسم عليه، من جهة أنه دليل الطلب. وأما نفاته، فيقولون: إنه الأمر لاعتبار نسبة الدلالة. ولا يطلق عند هؤلاء على المعنى القائم بالنفس.
стр. 357
قال الإمام: (مسألة: الأمر: قسم من أقسام الكلام. والقول فيه (١١/ب) وفيما بعده من معاني الصيغ واللفاظ، يستدعي [قولا] في إثبات كلام النفس) إلى قوله (مما يتفق التواطؤ [عليه] علما [لحله] محل [العبارة]). قال الشيخ [﵁]: قد قدمت (٤٤/أ) أن لفظ الأمر ينطلق على ثلاث معان على حسب ما مر. وإنما تكلم الإمام هاهنا على أمرين:
стр. 358
أحدهما- اللفظ. والثاني- المعنى القائم بالنفس.
فإذا أطلق اللفظ على المعنيين قيل: هل هو فيهما حقيقة، وفي الآخر مجاز؟ فيه ثلاثة مذاهب: قول بالاشتراك، وقولان متقابلانفي النفي والإثبات
فالمسألة لغوية محضة، والقطع بأحدهما، لم يثبت عندي. وأهل العربية مطبقون على إطلاق [الكلام] على الألفاظ. وقد سمى الله تعالى ما في النفس قولا، فقال: ﴿ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله﴾. وقال الله تعال والفقهاء لا يكتفون في القراءة في الصلاة
стр. 359
بكلام النفس. ولكن يمكن أن يكون ذلك لتعبد في اللفظ، وهو السبب، إذ باللفظ يتحقق الإعجاز.
وقال الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فقد أثبت الكلام قائما بالنفس، وجعل اللفظ دليلا عليه.
وأما ما ذهب إليه الإمام [من] أن الكلام الحقيقي هو القائم بالنفس، فحيد عن المقصود، فإن النزاع ليس في كون المعنى القائم بالنفس على حقيقة لا يختلف، وأن الألفاظ اصطلاحية وضعية، فإن هذه أمور معقولة لا تتعلق باللغات والتسميات، وإنما النظر في إطلاق اللفظ حقيقة أو مجازا. وهذا البحث لا يرشد إلى ذلك.
قال الإمام: (وأما المعتزلة وكل من خالف عصبة أهل الحق) إلى قوله
стр. 360
(ولا علما بكيفية الصيغة، فلم يبق إلا ما حاولناه). قال الشيخ: قول الإمام: ولا نجد بدا من ذكر ما يقع الاستقلال به إلى آخره. كلام فيه إشكال، وذلك أنه لم يبين في أول الكلام إلا ادعاء الضرورة، وعليه سؤلان:
أحدهما- أن الضروري لا يقبل الاستدلال.
والثاني- أنه لا يتصور فيه من العقلاء النزاع. وأكثر الخلق على جحد كلام النفس، فكيف يتصور دعوى الضروري فيه؟ لكن يجاب عن هذا: بأنه لم يقصد الاستدلال على ما ادعى الضرورة فيه، فإنه يقول: أصل المعنى الذي نحن [نثبته]، لا ينفيه خصومنا، ولكنهم يردونه إلى الإرادة تارة، وإلى العلم أخرى. وربما أثبت ابن الجبائي كلام النفس، وسماه الهواجس. والكلام
стр. 361
على هذا الوجه صحيح. وإذا رده المعتزلة إلى الإرادة، وحققنا أمرا غير مريد، ثبت العدد.
وما ذكره الأئمة من الصورة المفروضة، وكون السيد لا يريد الامتثال، فكلام صحيح، لا نزاع فيه، وإنما النزاع في أنه آمر أو لا؟ فالمعتزلة منعت كونه آمرا، لتحقيق أنه غير مريد. وعند أصحابنا أنه آمر على الحقيقة. ولكن هذه دعوى برهانها (١٢/أ) عندهم علم العبد والحاضرين بحقيقة الأمر، مستندين إلى قرائن الأحوال, وهذا يمنعه الخصم، ويقول: بل الحاضرون يعلمون خلاف ذلك. وأما العبد، فمعتقد يمكن تشكيكه عند اطلاعه على باطن الأمر.
стр. 362
فتنتهي المسألة إلى هذا الحد، ولا يثبت بذلك استدلال على (٤٤/ب) الحقيقة.
وقد التزمنا في هذا الكتاب الإنصاف، وترك التعصب، بحسب الإمكان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لكن الصواب عندي في المسألة بناؤها على ما يتعلق بعموم الخلق وشمول الإرادة للكائنات جميعا. وإذا تقرر ذلك، بنينا عليه غرضنا، وقلنا: لو كان الله تعالى أمر بالإيمان عموما، ولا يريد الإيمان ممن كفر، وقد قال تعالى: ﴿ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها﴾.
стр. 363
﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾. ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾.
ومما اجتمعت [الأمة عليه] كلمة متلقاة بالقبول غير معدودة من محتملات الألفاظ، وهي قولهم: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن).
ومعنى قول الإمام في الرد عليه: (الصيغة المنبئة عن العلم بالصيغة ليست هذه). يريد بذلك أنه لو اتحد المعنى، لم تختلف دلالة الألفاظ. والمفهوم
стр. 364
من قول الإمام: قم، ليس هو المفهوم من قوله: صيغة (قاف) و (ميم) محذوفة العين، منقولة من (قوم) إلى (قوم)، لسكون آخر الفعل، فيحذف العين ويرد الفعل إلى بناء آخر. هذا طريق معرفة الصيغة، وليس مدلول (قم) هذا قطعا. وكلامه في هذا حسن جدا.
قال الإمام: (ثم أثبت المعتزلة النظر طلبا زائدا على الإرادة) إلى قوله (ونحن نذكر بعد ذلك القول في حقيقة الأمر). قال الشيخ: قصد الإمام بهذا أنهم أثبتوا الطلب الذي هو النظر، والنظر هو الفكر، وأنكروا فكر النفس، [فكأنه] نسبهم إلى [إثبات] شيء وجحد ما يضاهيه في الوضوح والقيام به. بل يظهر من كلامه أن الفكر الذي هو كلام النفس أجلى من النظر، إذ يتأتى للإنسان أن يبقى مدة هو غافل لا يتظر في دليل، ولا يتصور أن يكون عريا
стр. 365
من كلام النفس. ولهذا قال: وجدان المرء [جولان] الفكر الذي هو كلام النفس من قبيل الضروريات.
وما ذكره ثانيا من (أن كل أمر جرى عليه كلام النفس، فالإنسان يخبر عنه بأنه يخبر عن كونه عالما بكيفية نظم الصيغة). هذا معنى كلامه.
وقوله: (إن العلم الحق لا يدركه الإنسان من نفسه إدراكه آلامه ولذاته). كلام مشكل، إن أراد أن العلم لا يعلم، فذلك محال، وقد بينا استحالته. وإن أراد أن إدراك الآلام [واللذات] يستمر، والعلم النظري لا يستمر، فهذا صحيح. ولكن العلم الضروري يضاهي الآلام واللذات، باعتبار
стр. 366
الاستمرار وامتناع الغفلة. وإن أراد أن مدرك الآلام يتألم، والعالم ليس كذلك، ولكن لا يحصل منه مقصوده. وغرضه بهذا أن الإرادة كالعلم، وكلام (١٢/ب) النفس كالآلام، ليثبت التعدد والتغاير. وجنح في هذا الاستدلال
стр. 367
بإدراك الأوائل في كونهم فرقوا بين الإرادة التي هي توقان وشهوة، [وبين] العلم، [و] بين الآلام واللذات، حتى جعلوا العلم والإرادة على [النفس والعقل] المباينين لعوالم الأفلاك، وليس الآلام واللذات كذلك. وهذا لعمري كلام ضعيف. وكيف (٤٥/أ) يتمسك بقول قوم نحن نعلم أنهم على ضلال؟ ولكنه يزعم أنهم على بصيرة في إدراك الفرق. والخصم لا يساعد على ذلك. فلا وجه لهذا الكلام على حال.
قال الإمام: (مسألة: الأمر: هو [القول] المقتضي بنفسه طاعة المأمور) إلى قوله (جزم في طلب الطاعة). قال الشيخ: قوله: الأمر هو القول، فعدل
стр. 368
عن لفظ الكلام. وهذا عدول إلى القول الذي هو أعم. وقد كنا بينا أن الحاد يجتنب اللفظ البعيد إذا وجد القريب، بما فيه مقنع. ولكن قد قدمنا أن لفظ الكلام، هل يرادف لفظ القول، أمر لا ينطلق إلا على المفيد؟ فإذا قلنا لا ينطلق إلا على المفيد، وهو الظاهر، فهل نقول: الأمر جملة، حتى يكون كلاما؟ أو مفردا، حتى يطلق عليه قول دون كلام؟ والصحيح أنه مفرد. فإن الأمر هو الكلمة الواحدة، ولكنها متعلق بمأمور، فيكون من الأمر. والضمير كلام، وإنما أراد هاهنا حد الأمر على انفراده، وهو بمثابة ما لو سئلنا عن حد الفعل، لم يصح أن يقال: هو كلام يشعر بالزمان مقترنا بالحدث. بل يقول: هو لفظ، فيعدل عن الكلام إلى اللفظ. فهذا- والعلم عند الله- هو الذي قصد.
стр. 369
قوله: (المقتضي). لفظ الاقتضاء فيه نظر وإلباس. فإنه قد يقال: اقتضى فلان حقه من فلان، ولا يكون مقتضيا على هذه الصفة. فمعنى قوله: المقتضي أنه [لا يعقل] إلا منسوبا إلى متعلقه.
وقوله: بنفسه، قد بين الغرض من ذلك.
وقوله: طاعة المأمور بفعل المأمور به. فقد بين أيضا أنه أراد بذكر الطاعة أن ينفصل الأمر عن الدعاء والرغبة. وهل يسمى الدعاء أمرا؟ أما النحويون فيأبونه، ويقولون: إنه يشاركه في الإعراب والبناء، وكذلك أكثر الأصوليين.
ومنهم من يقول: يصح أن يأمر الأدنى الأعلى. وهذا غير محقق في الجزم والإيجاب. ولكن يعترض على الحد عندي بأنه تعرض لبيان الأمر بأمور لا تعرف إلا بعد بيان الأمر، فإن الفعل إنما يكون طاعة على تقدير تعلق
стр. 370
الأمر به، وكذلك [المأمور] إنما يكون مأمورا على تقدير تعلق الأمر بفعله وتوجهه عليه. فمن جهل الأمر، فهو جاهل بكل أمر يتلقى منه.
بل الصحيح في حده أن يقال: هو القول المقتضي تحصيل ما نسب إليه من المخاطب به [على وجه يكون به] الفاعل ممتثلا.
قال الإمام: (وأما المعتزلة فقد أوضحنا من مذهبهم أن الكلام ليس جنسا) إلى قوله (وأما في وقوع اللفظ أمرا، فصفة تلزم [اللفظ]، ولا حاجة في (١٣/أ) تحصيلها إلى الإرادة). قال الشيخ [أيده الله]: قوله: قول المعتزلة: الأمر: قول القائل لمن دونه: افعل، إنه منقوض بما إذا قال لمن في درجته: افعل، فإنه يكون أمرا. وهم لا يسلمون ذلك، بل يقولون: ذلك رغبة وسؤال. أما تحقيق الأمر، فليس كذلك.
стр. 371
وقوله: وليست هذه اللفظة بعينها كل الأمر. هو كذلك، وإنما هذه أمثلة وضعها النحويون كالموازين توزن بها الصيغ، نحو قولهم: (يفعلان) وما ضاهى ذلك.
[وقوله]: (ولو [اهتدوا] لبناء الأمر على حقيقة أصلهم، لما التزموا تحديد الأمر، وهو قسم (٤٥/ب) لا حقيقة لأصله). إن أراد بذلك الحد النفسي، فهو صحيح. وإن أراد امتناع الحدود اللفظية، فليس كذلك. فإن الحدود اللفظية تتطرق إلى الألفاظ اللغوية. وإنما لم تتأت الحدود النفسية في الأمر على مذهب المعتزلة، لأنه أمر يرجع إلى الأوضاع، وليس [أمرا
стр. 372
لنفسه]. ولذلك اشترط فيه الإرادات.
نعم، إنما يستقيم هذا على أصل البلخي الذي ذهب إلى [أن] قول القائل: افعل، أمر لنفسه من غير محال. فقيل له: فهذه الصيغة قد ترد للتهديد أو الإباحة. فقال: هذا جنس وذلك جنس. وهذه مناكرة حس، ومدافعة ضرورة. ولذلك أضرب بقية المعتزلة عن هذه المقالة، لركاكتها وفساد عقل موردها.
وقال بعض المعتزلة: تكفي إرادة واحدة، وهي إرادة الامتثال. وذهب إلى هذا المذهب أبو هاشم، [فقيل] له: فيلزم أن يكون الله تعالى آمرا لأهل
стр. 373
الجنة بقوله: ﴿كلوا واشربوا﴾ و ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾. فالتزم ذلك، وقد خرق إجماع المسلمين. فإن الآخرة ليست دار تكليف. وقد قال: إن الله تعالى يريد دخولهم الجنة ويكره امتناعهم، إذ لو لم يدخلوها، لما وجدوا ثواب أعمالهم، وذلك ظلم، والله تعالى يكره الظلم.
والأكثر شرطوا [ثلاث] إرادات، كما ذكره. وطائفة شرطوا إرادتين.
قال الإمام: (ولا يتبين مذهبهم إلا بذكر قواعدهم في الصفات) إلى قوله
стр. 374
(ومن ظن أنه يتمكن من فصل بين مذهبهم وبين معتقد أصحاب الهيولي، فقد ظن محالاً). قال الشيخ: الأمر على ما قرر الإمام في هذا. وذلك أنه
стр. 375
إذا حكم القوم بأن صفات النفوس ثابتة أزلية، فمن أنكر الحال، فلا يخفى أن المصير [إلى] قدم الذوات تصريح بنفي على الإطلاق. وأما إذا
стр. 376
سلمت الحال، فهي عند أبي هاشم غير معلومة ولا مجهولة، فكيف يصح أن تتعلق بها القدرة؟ والوجود على هذا الرأي حال.
وتمام التحقيق فيه أن الذوات إذا دخلت الوجود، وقيل للمعتزلة: هذا الموجود بصفاته النفسية، هل تعلقت [بذاته] قدر القادر، أو أثر فيه كونه قادرا؟ فيلزم أن [يقولوا]: لا، بل قد [اعترفوا] به، فنفس (١٣/ب) العرض والجوهر قديمان. نعم، إنما تجدد عند القوم التسمية والإطلاق، دون الحقائق والمعقولات.
قال الإمام: (فأما الصفات التابعة للحدوث، فقولهم مختبط فيها) إلى قوله (فقد كفى هذا القدر، وأغنى عن التطويلات). قال الشيخ: الصفات
стр. 377
التابعة للحدوث عند المعتزلة يبني أمرها على الأصل من اعتقاد صفات النفوس في الأزل. وإذا تبين بطلان ذلك، فإن العدم ليس على صفة من صفات الإثبات، والله تعالى مخترع الموصوف بجميع صفاته، إن سلم الحال، فإن منع، فليس إلا مفرد هو متعلق القدرة، فلا تبقى صفة قديمة وأخرى متجددة ليست من أثر القدرة. ولو صير إلى تعدد الصفات، فالمصير إلى وجوب بعضها وجواز الآخر، تحكم محض بعارضه عكسه.
قال الإمام: (فأما المصير إلى أن الحدوث من أثر القدرة، فباطل) (٤٦/أ) إلى قوله (نعم، الآمر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد). قال
стр. 378
الشيخ: [أيده الله]: مذهب المعتزلة أن الأمر عندهم هو اللفظ إذا اقترنت به الإرادة المتقدمة. وإذا كان كذلك، لم يتصور عندهم إلا أن يكون أمرا، ولا يرجع إلى الأدلة الوضعية التي يتصور تغيرها وتبديلها. ويتنزل عندهم منزلة أدلة
стр. 379
العقول، ولذلك التزموا تجديد الأمر. فنقول للقوم: إذا بطل الاعتماد على مجرد الصيغة عند الأكثر، ولم يكن بد من إرادة جعل اللفظ أمرا، فما الأمر؟ وما حقيقته حتى يقصد أن يجعل اللفظ أمرا؟ وهل للأمر معنى سوى الصيغة حتى يقصد إلى ذلك المعنى؟ فلا يبقى على التحقيق إلا أن يقصد التعبير باللفظ عما في النفس، وهو عين ما صرنا إليه.
ثم كيف يتصور القطع بتساوي الحروف والأصوات مع ادعاء الافتراق في
стр. 380
صفات؟ وهذا تناقض بين، ومكابرة حسن. نعم، الأمر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد، للتعبير باللفظ عما في نفسه.
قال الإمام: (ثم التطم البصريون والبغداديون) إلى قوله (فلا فرق في أصل الصفة). قال الشيخ: معنى ذلك أن البصريين قالوا للكعبي: أنت إذا جعلت كون اللفظ أمرا من قبيل الصفات التابعة للحدوث، المستغنية عن الإرادة، فالصفة التابعة للحدوث [تتبع حقيقة] وجود الذات، ولا يتصور أن يمتاز بها بعض الذوات المتماثلات. ألا ترى أن التحيز لما كان عند القوم من الصفات التابعة للحدوث، لم يتصور أن يمتاز بذلك بعض الجواهر عن بعض؟ فلو كان كونه أمرا يتبع حقيقة اللفظ، وهو [قول القائل]: (١٤/أ) (افعل)، للزم أن يتبع كل قول على هذا الوجه، لاشتراكها في حقيقة الحروف والأصوات. والفرق بينهما مكابرة وجحد لإدراك حاسة السمع.
стр. 381
وأجاب الكعبي بأن قال: قد استوينا في التحكم وادعاء ما لا دليل عليه، وألتزم الفرق بين ما قطع بتماثل، باعتبار إدراك السمع، إلا أني جعلت الصفة المتحكم بها من قبيل الصفات التابعة للحدوث. وإنما حمله على ذلك، السؤال الذي قدمناه، وهو المطالبة بمعقول الأمر حتى يقصد بجعل اللفظ أمرا. قال: وأنتم أثبتم الصفة من أثر الإرادة، مع القطع باستواء الصيغتين، فلا فرق على الحقيقة بين المذهبين في التحكم على نقيض الحس.
قال الإمام: (فإن قيل: ما أنكرتموه منهم يلزمكم مثله) إلى قوله (فهو [ملتحق] [بقرائن] الأحوال). قال الشيخ: تقرير هذا السؤال: أن
стр. 382
المتماثلين لا سبيل إلى امتياز أحدهما بحكم عن مماثله.
قالوا: وقد حكمتم باستواء الحروف والأصوات من الحاكي والآمر، وإذا تحقق الاستواء من كل وجه، امتنع الاستدلال على المختلفين بأمرين متماثلين، إذا حاصله راجع إلى إثبات التماثل والاختلاف معا. وهذا إنما يلزم أن لو صرنا إلى نفس الاكتفاء بمجرد اللفظ. فأما إذا اشترطنا انضمام القرائن إلى اللفظ، فلا يتحقق التماثل، إذا القرائن التي تقترن بلفظ الحاكي، ليست كالقرائن المقترنة بلفظ (٤٦/ب) الطالب، فتحقق الاختلاف لهذا، فأمكن لذلك الاستدلال على المختلفات.
стр. 383
قال الإمام: (مسألة: في صيغة الأمر) إلى قوله (فهذا هو التنبيه على سر مذهب أبي الحسن وطبقة الواقفية). قال الشيخ: قوله: الصيغة هي العبارة، هذا هو عرف الأصوليين. وأما أهل النحو، فعبارتهم غير هذا، وهو أن الصيغة ترجع إلى كيفية نظم اللفظ. ولذلك قالوا: إن الفعل يدل على الزمان بصيغته، وعلى المكان بضرورته، وعلى المصدر بلفظه. وكأنهم ردوا الصيغة
стр. 384
إذا أضيفت إلى الأمر- على مذهب المعتزلة- لم تكن حقيقة، إذا الصيغة هي الأمر، وهي في مذهب قول القائل: نفس الشيء وذاته.
أما كون الصيغة هي الأمر مطلقا، فقد بينا أن هذا مذهب البلخي خاصة. وبعضهم يضيف إليه الشروط، على حسب ما تقدم.
وقوله: (إن الإضافة على هذا الوجه غير [حقيقة]). ليس الأمر كذلك عند أئمة العربية. فإن الإضافة غير الحقيقية هي التي يعني بها الانفصال، كإضافة اسم الفاعل إذا كان بمعنى الاستقبال. ولذلك لا يتعرف وإن أضيف
стр. 385
إلى معرفة، كقوله: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾. فقد جرى (ممطرنا) نعتا لعارض، فلو لم يكن نكرة، لم ينعت به (١٤/ب) النكرة. وكذلك قول جرير:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم .... لاقى [مباعدة منكم] وحرمانا
فقال: (رب غابطنا)، و (رب) لا تدخل إلا على النكرات. وأما قولنا: (نفس زيد)، فقد أفادنا تعريفا باتفاق أهل اللسان، ولا أحد يقضي على النفس عند الإضافة إلى زيد بكونها نكرة. والإضافة الحقيقية هي التي تفيد تعريفا، كنفس زيد، أو تخصصا، كخاتم حديد.
стр. 386
وقوله: (إن الناقلين الذين نقلوا أن أبا الحسن يستمر على القول بالوقف على فرض قرائن الأحوال). فإذا اقترنت باللفظ المجمل أو الملتبس يظهر أثرها، باعتبار غرض المتكلم. فأما اللفظ، فباق على إجماله أو التباسه، باعتبار وضع اللغة. وأبو الحسن وأصحابه إنما تكلموا باعتبار وضع اللغة. فإذا استقر فيه ظهور أو [نصوصية]، تمسك به على حسب ما يقتضيه الكلام، من طلب قطع، أو اكتفاء بغلبة ظن، أو يثبت إجمال، فلا يتمسك بمطلقه على حال.
فمصير الإمام إلى أن قرائن الحال توضح اللفظ، حيد عن المسألة،
стр. 387
وذهاب عن المقصود، وغير مفيد باعتبار الأصول. وليس ينكر أحد أن لفظ الماء يصلح للعذب والأجاج. [والجالسين] على المائدة إذا استدعي الماء [عند الغص] بلقمة، فهم منه طلب العذب، ولا يوجب خروج اللفظ عن اشتراكه في الأصل.
وقوله أيضا: (إن أبا الحسن لا ينكر صيغة مشعرة بالوجوب القائم بالنفس، نحو قول القائل: أوجبت). هذا أيضا حيد عن المقصود، وليس الكلام إلا في الصيغة التي يقال فيها إنها صيغة الجزاء، ولا أحد منهم يذهب
стр. 388
إلى أن قول القائل: أمرتك، أن هذا فعل أمر. ثم رجع إلى أنه لا يتوقف في هذه الصورة أصلا. وهذا [الذي] قاله لا ينكره أحد. فلا وجه لكونه رأى ذلك رأيا عن أبي الحسن، منفردا به. فإنه لا يتصور أن يتوقف في غرض المتكلم بلفظه عند قرائن (٤٧/أ) أحواله، أوت صريح عبارته. والوقف لازم باعتبار أصل الوضع. وهذا الذي يبنى عليه قواعد الأصول.
وقوله: (قد يتردد المتردد في الألفاظ التي ذكرناها إذا اقترنت بقول القائل) إلى آخره. هذا عندي لا يصح أن يتردد فيه، وكيف يتأتى ذلك، وقول القائل حتما تفسير لقوله (افعل)، لإزالة ما فيه من الإيهام والالتباس؟ فكيف يصير العمدة على المفسر دون المفسر؟ فلا وجه لحمل تردد المتردد على هذا أبدا.
стр. 389
وقوله: (وهذا عندي- إن صح- محمول على قرائن المقال على ما فيها من الخبط). كلام ضعيف، وكيف يدعي الخبط في قرائن المقال على الإطلاق، وقد قال هو: إنها واضحة جلية، كقول القائل: افعل حتما أو واجبا؟ (١٥/أ)
قال الإمام: فأما المعتزلة، فلم يقف على حقيقة مذهبهم إلا خواص الأصوليين) إلى قوله (وإنما معناه الإرادة، [والوجوب] متلقى من الوعيد
стр. 390
المقترن به). قال الشيخ: إنما بعد القول الأول عن مذهب المعتزلة، من جهة أن الأمر الحقيقي: هو قول القائل لمن دونه: افعل، وهو يرجع إلى [الإلزام] والتسخير. وإذا كان كذلك، فالإباحة لا إلزام فيها، ولا تسخير، ولا [اقتضاء]. فكيف يصح أن يكون قول القائل:
(افعل) للإباحة بالإضافة؟ ثم يلزم منه إذا استعمل في الأمر خروج عن حقيقته ولا يبقى أمر حقيقي بحال.
وليس عند القوم كلام نفس، حتى يكتفي بهن ويعبر عنه باللفظ المجازي، فيفوت الأمر باعتبار الكلام النفسي، ولا وجود له باعتبار الوضع الحقيقي. فهذا بعيد جدا عن مذاهبهم، إلا أن ينبني الأمر على ما قاله الكعبي، من كون المباح حسنا، ويجوز أن يطلبه الطالب، باعتبار كونه حسنا، ولهذا قال: المباح مأمور به، فهذا ربما يمشي على هذا المذهب، وهو رديء جدا عند المعتزلة. وسيأتي الكلام عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →