Полный текст (2 928 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الله: قوله: والمسلك الحق عندي في ذلك الجامع لمحاسن المذاهب، الناقض لمساوئها. كلام موهم، وذلك أن المتقدم مذهبان: مذهب قوم يقولون: إن الحسن والقبح يرجع إلى وضع الشرع، مفتقر إلى وروده. وقوم يقولون: إن ذلك مدرك عقلا في شيء، ويتوقف إدراك شيء على ورود الشرع، ولكن ليس على الوجه الذي نريده نحن من الإثبات، ولكن يكون العقل قد قصر عن الإدراك، فنبه الشرع على ذلك.
قوله: (محاسن المذاهب)، في ظاهره يدل على أن كل واحد من المذهبين يشتمل على حسن. وكذلك قوله: الناقض لمساوئها. هذا هو ظاهر
стр. 72
الكلام. ويحتمل أن [يريد] محاسن المذاهب، مذاهب الأشعرية، أي كلها حسنة. الناقض لمساوئها: يعني مذاهب خصومهم بجملتها. ولكن الأول أظهر، ويدل عليه قوله: (أن نقول: لسنا ننكر أن العقل يقضي من أربابه اجتناب المهالك وابتدار المصالح). وهذا أولا تجوز في اللفظ، ومسامحة عظيمة، وذلك أن العقول لا يتصور أن تكون مقتضية، لأن العقل، إما العلم
стр. 73
على قول، وإما صفة تشترط في حصول العلم على قول. ولا يصح على المذهبين جميعا أن تكون العقول مقتضية، وإنما المقتضي دواعي النفوس وصوارفها.
والذي يدل على ذلك أن المريض يعلم أن الغذاء والدواء نافع له، ولكن لا يجد من نفسه داعية إلى تناوله، بل نفرة عنه. وإن كان العقل قد كشف له أنه نافع، وكذلك عكسه. فتبين بهذا أن إطلاق الداعي والمقتضي على العقل تجوز أو غلط.
على أن هذا ليس مسألة نزاع، فإنا قد قدمنا أن إطلاق الحسن والقبح باعتبار الأغراض والمنافع والمضار مما لا ينكره أحد. فلا معنى لقول الإمام: لسنا ننكر ذلك. فإن ذلك مما لم يتلكم العلماء فيه فيما بيننا وبين القوم، وإنما الكلام مدار على ما يتعلق بالصفات الثابتة، إما نفسيه، وإما تابعة للحدوث. ولما استقر ذلك عند المعتزلة قضوا مطلقا بالإضافة إلى الخالق والمخلوق.
والإمام إنما أدار الأمر بينهم على المنافع والمضار. وإذا امتنع العقلاء من إطلاق الحسن والقبح فيما بينهم على ما لا ينفع ولا يضر، لخلوه من الأغراض، امتنع إطلاق الحكمين على الله تعالى، لاستحالة الأغراض عليه.
стр. 74
ولا يمتنع إجراء هذين الوصفين فينا إذا [تنجز] ضرر أو أمكن نفع، بشرط أن يكون (١٠/) ذلك إضافيا لا وصفا ثابتا. ولكن هذا بشرط ألا يضاف إلى الله ، لأنه لا يتضرر بنفعنا وضرنا. وتكون نسبة الأفعال بجملتها إليه نسبة الفعل الذي لا يضر ولا ينفع بالإضافة إلينا. فإن العقلاء في هذا لا يطلقون عليه حسنا ولا قبحا، والله تعالى لا يتأثر بنفعنا ولا ضرنا، فيستحيل أن يوجب عليه العقل إثابة أو عقابا.
قال الإمام ﵀: (وتتمة القول فيه أنه لو فرض ورود الأمر الجازم) إلى قوله (ولا يغمض معه في النفي والإثبات شيء على المتأمل في هذا الباب). قال الشيخ ﵁: قوله: لو فرض ورود الأمر الجازم من الله تعالى من غير وعيد على تركه، لما كان للحكم بالوجوب معنى معقول في حقوقنا. هذا موضع اختلف الناس فيه. فذهب القاضي أبو بكر إلى أن الله تعالى لو أوجب
стр. 75
شيئا لوجب، وإن لم يتوعد بالعقاب على تركه.
وقد رجع الإمام إلى هذا فيما بعد، وذلك أنه لما تكلم على حد الواجب قال في حد قوم: قالوا: الواجب هو الذي توعد بالعقاب على تركه، هو فاسد، فإنه لو توعد، لوجب تحقيق الوعيد، فإن كلام الله مستحيل أن يكون فيه الخلف، ويتصور أن يعفو ولا يعاقب. فقد اعترف الإمام أن الواجب لا يتوقف على الوعيد، وذلك الكلام صحيح. فإن أراد الإمام في هذا المكان أن الوجوب لا يعقل إلا بنوع من الترجيح، إما ذما أو غيره، فهذا موضع يجب التثبت فيه.
فاعلم أن الوجوب هو قسم من أقسام الحكم، وله نسبة خاصة إلى المكلفين، على ما مر في بيان معنى الحكم. وهذه النسبة تثبت وإن لم تقترن بوعيد ولا عقاب. فلا يكون اقتران الوعيد من نفس الحكم، ولا يجب اقترانه به اقترانا عقليا، وسنبين في مسألة الواجب الموسع تحقق الوجوب في أول الوقت، وسقوط الذم والعقاب والوعيد [عمن] مات في وسط الوقت.
стр. 76
على أن الوعيد خبر، والوجوب طلب. فكيف تتوقف عقلية الطلب للشيء على الخبر عن غيره؟
فالصحيح أن عقلية الوجوب لا تتوقف على الاقتران بالوعيد ولا العقاب ولا الذم. نعم، يفتقر إلى أمر يبين الوجوب من الندب، وذلك قد يكون بقرائن الأحوال، وهي الغالبة، وقد يكون بصريح المقال، كقوله: أوجبت
стр. 77
وحتمت وألزمت، فهذه الأمور تطلب لتعريف المكلفين خصوصيات الطلب، لا أنها مأخوذة في معقول الطلب.
قال الإمام: (شبه المعتزلة: قال أبو هاشم: من تصدى له أمر مرغوب فيه، وهو يناله بالصدق ويناله بالكذب) إلى قوله (فإن انتهى في التصوير إلى حقيقة الاستواء، لم يسلم له قضاء العقل بتعين الصدق). قال الشيخ أيده الله: اعلم أن المعتزلة حاولوا إثبات كون الحسن والقبح أوصافا ثابتة على الاستمرار، من غير التفات إلى الأغراض بطرق:
قالوا: نحن نعلم قطعا أن من استوى عنده (١١/أ) الصدق والكذب من العقلاء آثر الصدق ومال إليه، وإن لم يطمع بفائدة من أحدهما، ولا خشي من الآخر مضرة، ببل الملك يميل إلى إنقاذ [الغرقى] هلكى، وإن كان يناله في ذلك جهد وتعب به. وإن كان كافرا لا [يرجو] ثوابا في الآخرة، ولا نفعا في
стр. 78
الدنيا، بل لو كان المشرف على الهلاك صغيرا لا يعقل، أو بهيمة لا تميز، لفعل ذلك، لكونه من مكارم الأخلاق، ولا [يرجو] فائدة عاجلة ولا آجل، ولا [يرجو] مدحا ولا ثناء. فلما آثر الإنقاذ على الإهمال من غير غرض على حال، دل على كونه حسنا.
وشبههم كلها ترجع إلى هذا المعنى. وهو محاولة إثبات هذه الأحكام مع انتفاء جميع الأغراض. وهذا الذي ذكره المعتزلة باطل من أوجه:
أقربها- أنه استدلال في مواضع الضرورات، والضروري غير قابل للاستدلال، واستحسان هذه الأمور عندهم واقعة في أقسام الضرورات.
الثاني- أنا لا نسلم استواء الأغراض مطلقا، بل ما انفك قسم من هذه الأقسام عن غرض، ولكن الأغراض قد تدق وتخفى.
وللغلط في هذه الأمور أسباب:
أحدها: أن الإنسان في غالب أمره إنما ينظر لنفسه في حالته الراهنة، ويغفل عن غيره، ولا يتلفت إليه من جهة أن كل طبع مشغوف بنفسه، غير
стр. 79
ملتفت لغيره، بل يغفل عن غير حالته الراهنة من أحواله، فإذا وافقه شيء، قضى بحسنه مطلقا، وأضاف الحسن إلى ذاته، فيقول هو في نفسه حسن، ويغفل عن قبحه لموافقته غرضه، فيكون قد قضى بثلاثة أمور: أحدها- كونه حسنا. والثاني- إضافة الحسن إلى نفسه. والثالث- قضاؤه بذلك على العموم. وهو مصيب في واحد منها، وهو أصل الاستحسان. ومخطئ في اثنين وهما: الإضافة إلى النفس، والقضاء على العموم. فإنه قد يستقبح عين ما استحسن إذا اختلف الغرض.
السبب الثاني للغلط: إن ما هو مخالف للغرض في كثير من الأحوال إلا في حالة نادرة، لا يلتفت الذهن إلى تلك الحالة النادرة، بل لا يخطر بالبال، فيراه مخالفا للغرض في كثير من الأحوال، فيقضي بقبح الكذب مطلقا. فإنه [ألقي] ليه منذ الصبا على سبيل التأديب، أن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه أحد، ولم ينبه على حسنه في بعض الأحوال، خيفة من أن لا تستحكم نفرته عنه فيقدم عليه. فتقرر تقبيحه عنده مطلقا، فإن لم يكن على ذكره إلا أكثر الأحوال، وهو بالإضافة إليه كل الأحوال، فينفر عنه ويجد التصديق به مطلقا. فإذا عرضت عليه تلك الحال الخاصة، وجد في نفسه نفرة عنها، ويغلبه الوهم على القضاء به على العموم.
السبب الثالث للغلط: أن المقرون بالشيء في بعض الأحوال، قد يسبق الوهم إلى الاقتران على العموم، لاسيما إذا كان الاقتران كثيرا. ومن هذا الوجه (١١/ب) غلط الطاردون في ربط الأحكام بمجرد اقترانها بالأوصاف. على ما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. وذلك عمل الوهم.
стр. 80
ومما يشاهد في الاعتياد أنه إذا حضر طعام في إناء يثق العاقل بكونه لم يصادف نجاسة ولا قذرا، ولكنه على شكل الأواني [المعدة] لذلك، فينفر عنه ويتقذر الأكل. وكذلك يسمع الثناء الحسن إن كان قاطعا بأنه [معرى] عن تلك المعاني، فيجد لذلك انشرحا وميلا. وذلك عمل الوهم.
فكذلك لما كانت هذه الأمور في أغلب الأحوال ترتبط بها [الأغراض] نفعا وضرا، إلا في نادر الأحوال، لم تنتبه النفس لتلك الأحوال النادرة، بل لو التفتت إليها، لم تنفر لمقتضى العلم فيها، [واستولى] الوهم عليها. والأمثلة في ذلك كثيرة. بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان، فإذا انتهى إليه، أحس من نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره. وذكر الشعر والأوطان والآثار والمنازل، كله من هذا القبيل.
فنرجع إلى الكلام على المثال فنقول: إنما يترجح الإنقاذ على الإهلاك، إما من متشرع [يرجو] الثواب، وإما ممن يقصد أن يعرف بالإنعام والإفضال، وإما أن يتألم برؤية العذاب بغيره، فيزيل الألم عن نفسه، وإما أن يقدر نفسه في تلك البلية، ويقدر غيره قادرا على إنقاذه، وهو معرض عنه، فيستقبح ذلك منه، ثم يعود ويقدر ذلك الاستقباح عائدا عليه، فيزيله عن نفسه. وهذا طبع بني آدم، وهو طبع يتعذر الانكفاف عنه. فإن قدر فقدان هذا كله، فقد وجد الإنقاذ مقرونا بالثناء، فيحسب أنه يقترن به على الإطلاق.
стр. 81
فإن فرض شخص لم يستول عليه شيء من هذه الأوهام، لم يسلم أن عقله يرشده إلى الترجيح على حال.
(شبهة أخرى- فإن قالوا: البراهمة مع [إنكارها] الشرائع قبحت وحسنت) إلى قوله (وقد اشتمل كلامنا على تسليم ذلك). قال الشيخ ﵁: هذا الكلام واضح، لا يفتقر إلى زيادة، وبسطه المسلك السابق.
قال الإمام: (مسألة: ترسم بشكر المنعم: لا يدرك وجوب شكر المنعم
стр. 82
بالعقل عندنا) إلى قوله (فكيف يقضي العقل بوجوب؟ ). قال الشيخ وفقه الله: قد تقدم [الكلام] على الشكر، وأنه يرجع إلى الثناء على المنعم بذكر آلاء المنعم وإحسانه. وقد قضى المعتزلة بوجوب ذلك عقلا، وجعلوه من مواقع الاستدلال.
وفي الشكر مسألتان: إحداهما-[حسنه]. وهذا عند القوم واقع في قسم الضروريات المدركة بضرورات العقل. والثانية- وجوبه عقلا، وهو الذي يتوصل إليه بالنظر العقلي. وإنما منعهم من القضاء بالوجوب ضرورة، تعذر كل حسن، فإن ذلك مناقض لأحكام العقلاء في العادات، وهو مستند القوم فيما يحسنون ويقبحون، فلذلك قضوا بأنه لا يدرك إلا نظرا.
وقد أشار الإمام إلى أصل الاستدلال، ولكن لم يأت بالكلام على وجه مضبوط.
стр. 83
وتحريره أن نقول: لا [يخلو]، إما أن يوجب الشكر لفائدة، أو لا لفائدة، (١٢/أ) ومحال أن يوجبه لا لفائدة، فإن ذلك عبث وسفه. وإن كان لفائدة، فلا [يخلو]، إما أ، ترجع إلى الشاكر أو إلى المشكور. ومحال أن ترجع إلى المشكور، فإنه يتعالى ويتقدس عن الأغراض، وقبول المنافع والمضار، فلم يبق إلا أن ترجع إلى الشاكر، ومنفعة الشاكر إما نفع أو دفع، إما في العاجل وإما في الآجل، فلا منفعة له في الدنيا، بل يتعب نفسه، ويتعرض إلى الآلام والأسقام، ولا منفعة له في [الآجل] باعتبار العقول، لأن الثواب تفضل من الله تعالى يعرف بوعده، فإذا لم يخبر عنه، من أين يعلم أنه يثيبه؟
قال المعتزلة: نسلم أنه لا فائدة له في الدنيا، بل فائدته في الآخرة، فإنه يفيد الشاكر الثواب الجزيل في [الآجل]، والعقل قاض باحتمال التعب
стр. 84
العاجل لارتقاب النفع [الآجل] المربي على التعب المحتمل.
أجاب الإمام بأن قال: (كيف يدرك [العاقل] ذلك بالعقل؟ ومن أين يعرف العاقل هذا؟ والمشكور يقول: لا يجب على نفعك ابتداء، وما نفعتني فأعوضك. فإن قيل: يدرأ الشاكر بالشكر العقاب المرتقب على ترك الشكر. قلنا: كيف يعلم ذلك؟ والكفر والشكر سيان في حق المشكور.
فإن قيل: إن لم يقطع بالعقاب، لم يأمنه. قلنا: إذا تحقق استواء الأمرين، فارتقاب العقاب على ترك الشكر كارتقابه على فعله، ولا يبقى بعد ذلك [مضطرب].
ومما ذكره الأستاذ في مفاوضة له [أن] قال: الشاكر متعب نفسه،
стр. 85
وهو ملك خالقه، فقد يتوقع على تنقيص ملك المالك من غير إذنه فيما لا ينتفع [به] المالك عقابا). هذا من الأستاذ ﵀ إلزام عظيم على أصول المعتزلة، فإنهم يبنون أمرهم على التحسين والتقبيح. والتصرف في ملك الغير قبيح، والله تعالى هو المالك، ولم يأذن في الشكر، فتعاطيه قبل الأمر به، تصرف في الملك من غير إذن المالك.
فلئن استروحوا إلى الشاهد في استحسان الشكر وقبح الكفر، فذلك مسلم، لأنهم يهتزون للشكر ويغتمون للكفران، والله تعالى يستوي في حقه الأمران، فالمعصية والطاعة في حقه سيان، بل يصح أن يكون الرب يمنع مما يرتاح به عباده، إجلالا وتعظيما.
وعبادة العباد لا يتأثر بها الباري على حال، فهو بمثابة من أراد التقرب إلى السلطان بتحريك أنملته في زاوية حجرته، فإنه مستهين بنفسه،
стр. 86
مزر على عقله. وعبادة [الخلق] أجمعين كذلك بالإضافة إلى الله تعالى.
الثاني: أن شكر العباد بأجمعهم ناقص بالإضافة إلى جلال الله تعالى وعظمته وكبريائه، قال الله سبحانه: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. ومع هذا، فكل من أثنى على الله، فثناؤه قاصر. قال رسول الله ﷺ : (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). لاسيما وقد منه في الشرع من إطلاق بعض كلمات المدح، كالعقل والشجاعة، وإن وصف بالعلم والكرم والقدرة.
قال الإمام: (وللخصوم مسلكان: أحدهما- التعلق بتعاقل العقلاء شاهدا) إلى قوله (والرب سبحانه [يتعالى] عن قبول النفع والضر كما سبق). قال
стр. 87
الشيخ أيده الله: (١٢/ب) ما تمسك به المعتزلة في هذه المسائل هو قياس في المعقولات. وقد اختلف الناس، هل يجري القياس في المعقولات؟ على ما سيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
والمعتزلة ينكرون ذلك، ثم يتمسكون في المعقولات بأقيسة، مع عروها عما يعتبر في القياس العقلي من الجوامع العقلية. على ما سنبينه بعد ذلك، إن شاء الله تعالى. والذي يختص بهذا المكان أنه يرد عليه أوجه من الاعتراض:
أحدها- منع حكم الأصل. فإنا لا نسلم اتفاق العقلاء على وجوب الشكر لكل منعم، لا قبل ورود الشرع ولا بعد وروده.
الثاني- فساد وضع القياس. فإن هذا النوع من القياس لا يجير في المعقولات.
стр. 88
الثالث- الفرق بما ذكره الإمام. وقد فرق بفرق صحيح وكلام بالغ.
الرابع-[النقض]، فإن الله تعالى قد تحسن منه أمور لا تحسن من الخلق لو فعلوها. وذلك أن السيد لو ترك عبيده [وإماءه] يزنون ويرتكبون الفواحش، وهو مطلع عليهم، عالم بهم، قادر على منعم، ولم يمنعهم، لعد ذلك قبحا. وقد فعل الله بعبيده، ولم يقبح منه.
فإن قيل: تركهم لينزجروا بأنفسهم، فيستحقون الثواب. قلنا: قد علم أنهم لا ينزجرون، فليمنعهم كرها، فكم من ممنوع من الفواحش بعنة وعجز، فذلك [أولى] من تمكينهم مع العلم بأنهم لا ينزجرون.
قال الإمام: (والمسلك الثاني- في توقع العقاب) إلى قوله (مع قيام البرهان القاطع الذي أقمناه على مخالفتهم). قال الشيخ ﵁: وجه تقرير
стр. 89
الشبهة على أصولهم أنهم قالوا: ما أفضى إلى المحال، فهو محال. وهذا كلام صحيح.
ثم قالوا: حجج الأنبياء متوجهة على الخلق، وهي حق، وما أفضى إلى إبطالها وامتناع توجيهها، فهو باطل. وهذا أيضا كلام صحيح.
قالوا: والقصر في تلقي الوجوب على الشرع يفضي إلى إبطاله ورفعه بعد ثبوته، للزوم الدور، وتوقف وجوب النظر على تقدير الشرع، وتوقف تقدير الشرع على نظر الناظر، وتوقف نظر الناظر على وجوب النظر.
وأما قول الإمام: (وهذا أولا ليس برهانا [على] وجوب النظر عقلا).
стр. 90
يعني أن هذا الكلام غنما يفيد مع من اعترف باستقرار الشرائع، وأما من جحد ذلك، فإن هذا الكلام لا ينتج له وجوب النظر عقلا.
وهذه الشبهة أجاب عنها بوجهين: أحدهما- قوله: (ثم نفس العقل لا يدرك به وجوب النظر). اعلم أنا قد قدمنا أن ما يدرك بالعقل من المعقولات ينقسم إلى أولي، وهو الذي يصادف في أنفس العقلاء، غير مفتقر لسبب، ولا مقيد بشرط، وهذا هو الذي يجب اشتراك العقلاء فيه. وليس وجوب النظر عند المعتزلة من هذا القبيل. إذ لو كان كذلك، لما خلا عاقل في مضطرب
стр. 91
أحواله عن العلم بوجوب النظر.
فلابد- والحالة هذه- أن يكون من القسم الثاني الذي يفتقر إلى سبق نظر. وإذا افتقر إلى سبق نظر، تأتى للعاقل التوقف حتى يعلم وجوب النظر، كما (١٣/أ) تأتى له ذلك عند دعاء الرسول، فيقول: لا أنظر حتى أعلم وجوب النظر، ولا أعلم وجوب النظر حتى أنظر، فيؤدي أيضا إلى الدور. فما لزمنا في السمع المنقول، ينعكس عليهم في قضيات العقول.
فإذا رجعوا إلى دعوى الضرورة، لم يستقم لهم ذلك مع مخالفتنا لهم.
стр. 92
أم كيف ينقدح ما قالوه مع قيام البرهان القاطع الذي أقمناه على مخالفتهم، فيرجعون إلى النظر؟
قال الإمام: (فإن قالوا: يبعث الله إلى كل مدعو ملكا) إلى قوله (عما هذوا به). قال الشيخ ﵁: وهذا كلام واضح، ولئن وقع الاكتفاء في الإقدام على فعل النظر بخطور الخواطر حتى يكون ذلك قاطعا للدور، فخطور هذه الخواطر عند بعثة النبي أولى. فليقع الاكتفاء بذلك.
стр. 93
قال الإمام: (ثم التحقيق [في ذلك] أن النظر ممكن) إلى آخر المسألة. قال الشيخ وفقه الله: قوله: ثم التحقيق [في ذلك] أن النظر ممكن إلى آخره. اعلم أن هذا الخيال إنما يلزم على القول باستحالة تكليف ما لا يطاق عقلا. والصحيح عندنا جواز ذلك عقلا. وسنبينه في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فإذا صح ذلك، لم يكن للإلزام ورود على حال. فإن تنزلنا على
стр. 94
امتناعه، فليس بشرط في التكليف بالاتفاق علم المكلف به. إذ لو كان كذلك، لما تصورت معصية ممن يجهل الحكم، ولم يكن الكفار عصاة بتكذيب الشرائع واعتقاد نفي النبوات. وفي قواطع السمع ما يدل على خلاف ذلك والشرائع مستقرة ببعثة الأنبياء، وتأييدهم بالمعجزات، وحصول العقول، والتمكن من الاستدلال.
وقوله: لا أنظر حتى أعلم [وجوب] النظر، ولا أعلم وجوب النظر حتى أنظر، كلام صحيح، ولكن لا تتوجه له به حجة، إذ لا حجة للخلق بعد إرسال الرسل. ويحمل ذلك من المدعو على الجدال والعناد.
ومثاله: ما لو قال الأب لولده: التفت فإن رواءك سبعا عاديا يهجم عليك. فيقول: لا ألتفت حتى أعلم وجوب الالتفات، ولا أعلم وجوب الالتفات ما لم أعلم السبع، ولا أعلم السبع حتى ألتفت. فيقال له: لا جرم تهلك وأنت غير معذور.
стр. 95
وكذلك النبي إذا بعث، وأيد بالمعجزة، ودعا الخلق وقال: تعلمون ذلك بأدنى نظر في معجزتي، إذ العقول حاضرة، والأدلة منصوبة، والبراهين موجودة، والشواهد مشهودة. فهذا كلام واضح، لا تناقض فيه، ولا مانع يمنع من التحصيل.
وأصل الشبهة غلط الخصوم واعتقادهم عنا أنا نقول: لا يستقر الشرع إلا بعد النظر. ولو كنا نقول ذلك، للزم السؤال. ولكنا نقول: الشرع مستقر ببعثة الرسل وتأييدهم بالمعجزات، نظر الناظر أو لم ينظر.
وقول الإمام: (ولا يشترط في وجوب الشيء علم المخاطب بوجوبه عليه، بل يشترط تمكنه من العلم [به]). يجب النظر فيما يرجع عليه هذا الضمير، وهو (الهاء)، في (به): والصحيح أنه يرجع على الشيء، لا على الوجوب. فمعنى الكلام: لا يشترط في وجوب الشيء علم المكلف بوجوب ذلك عليه، بل يشترط تمكنه من العلم بالشيء. وإنما قلنا (١٣/ب) ذلك، لأن العلم بوجوب النظر مستحيل قبل انتهائه نهايته، فإذا كان العلم مستحيلا،
стр. 96
فكيف يكون إمكانه شرطا في الوجوب، وإمكان المستحيل مستحيل؟
ولو كان الممكن منه شرطا، لصح أن يكون حصوله شرطا، فلذلك حكمنا بأن الضمير إنما يعود على النظر، لا على العلم بوجوب النظر. ومعنى الكلام: صحة الوجوب على من يتمكن من النظر دون من يستحيل منه، كالأطفال والمجانين.
وقال: (والسر في ذلك أن النظر الأول لا يتصور إلا كذلك، سوا فرض أخذه من السمع المنقول، أو من مدارك العقول). هذا كلام صحيح، إذ لا يتصور أن يعلم بوجوب واجب من لم يعلم الوجوب، فمن لم يستقر عنده بعد الحاكم، كيف يتصور أن يعلم حكمه؟ ومن هذا قضينا بأنه لا يتصور أن يكون الناظر عالما بالأحكام الشرعية إلا أ، يكون عالما بقواعد العقائد. [ومن]
стр. 97
هذا قيل: إن القربة التي لا يتصور التقرب بها إلى الله تعالى هي النظر الأول.
وأراد [ههنا] بالتقرب: قصد الفاعل إلى إيقاع العمل طاعة. وهذا القصد قد يستحيل اشتراطه في بعض الطاعات، وقد يجب تحصيله في بعضها. فإذا وقع له الإخلال به، لم يصح العمل. وقد يجوز أن يحصل، ولكن لا يوجب الشرع ذلك.
فأما الموضع الذي يستحيل القصد فيه، فهو النظر الأول، وكذلك القصد عند موجبه، وكذل المعرفة المترتبة على النظر الأول، فإنه لا يتصور إيقاعها طاعة، إذ الناظر لا يقصد إلى معرفة مخصوصة، إذ العلم يضاد النظر، وهو لو علم لم ينظر، لأنه لا يدري ما يفضي إليه النظر، فلا يتصور منه القصد إلى التقرب بالمعرفة التي لم تحصل له، ونظره ينافيها. وكذلك إدارة الطاعة أيضا لا يشترط أن يقصد بها التقرب، غذ لو افتقرت إلى إرادة، لتسلسل القول.
стр. 98
وأما الموضع الذي يجب تحصيل هذا القصد فيه: فكل عبادة بدنية لم يظهر لها مقصد عاجل، فإنها لا تقع إلا إذا قصد بها التقرب. وسيأتي لهذا تقرير حسن في موضعه من هذا الكتاب.
وأما الموضع الذي يصح تحصيلها ويزداد ثواب المكلف بسببها، وإن كان لا يشترط ذلك في حقه: فاستصحاب النية بالتحقيق في أثناء الأعمال، فإن ذلك معفو عنه [تكرما] من الله تعالى على العباد. فلو اتفق حصول النيات، لكان [أعلى] وأفضل.
قال الإمام: (مسألة: لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، بناء على أن الأحكام هي الشرائع بأعيانها) إلى قوله (على من لا ينتفع ولا يتضرر). قال الشيخ ﵁: قوله: لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، نفي عام لجميع الأحكام،
стр. 99
لكن المراد نفي الأحكام الشرعية بجملتها. على ما سيأتي بيان قسمتها.
واختلفت مذاهب المعتزلة في الأحكام قبل ورود (١٤/أ) الشرع على ثلاثة مذاهب: ذكر الإمام مذهبين، ولم يذكر الثالث. والذي أغفله هو مذهب الوقف. إلا أن يكون لم ير الوقف مذهبا. إذ الواقف لم يحكم لا بنفي ولا بإثبات. ولكنه رد على الفريقين جميعا.
ومن العجب أنهم حكموا بذلك فيما لا يقضي العقل فيه بتحسين ولا تقبيح، ثم حظر بعضهم مستندا إلى العقل، وتوقف بعضهم مستندا إلى العقل.
стр. 100
وهذا غريب أن يحكم بالعقل في موضع لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح. وإنما احتيج إلى فرض المسألة فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح، لأن القوم متفقون على أن ما أدرك العقل حسنه، فليس بمحظور. وما أدرك العقل بقبحه فليس مباح. فلذلك كانت المسألة مفروضة فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا بقبح. ولذلك ورد الإشكال وظهر التناقض ظاهرا.
ولكن مراد القوم بهذا القسم الذي زعموا أنه يتلقى من الشارع، على حسب ما تقدم بيانه. هذا موضع الاختلاف. ومعنى قولهم: فيما لا يقضي العقل بحسنه ولا بقبحه، أي بالنظر إلى صفات نفسه على الاختلاف السابق أيضا. فإن الذي تستقل العقول بدركه لا يتوقف على ورود الشرائع، بلا لا يتصور أن يتصرف الشارع فيه بنسخ أو نفي أو إثبات، ولا يتصور أن يتغير حكمه.
فهذا القسم خاصة إذا لم يرد الشرع بحكم فيه، تختلف مذاهبهم فيه.
стр. 101
والذي تقتضيه أصولهم هو الجاري عليها الوقف. وغنما كان هذا هو الجاري على أصولهم، لأن الشرع عندهم إذا ورد بحكم في هذا، فإنه إنما يدر به بناء على صفة تقتضي معنى أو طلبا أو إذنا. فالشرع في معنى الكاشف لمعقول الصفة المستورة، لا منشئ [حكم] على الحقيقة.
وإذا كان كذلك، فما من فعل لم يظهر حسنه ولا قبحه، إلا ويتصور أن يرد الشرع بطلبه، فيتبين العقلاء أنه كان على صفة الحسنـ أو يمنعه فيظهر للعقلاء أنه كان على صفة القبح، أو بالتخيير فيه فيتبين للعقلاء استواء الأمرين وامتناع ترجيحه. وهذا المذهب الذي ذكرناه أنه أجرى المذاهب على أصولهم، هو الذي أغفل الإمام نقله. ومذهبنا نحن أيضا أن الأفعال قبل ورود الشرع على الوقف. ولكن المراد بالوقف عندنا غير ما أراده المعتزلة من الوقف،
стр. 102
لالتباس الأحكام بسبب التباس الصفات. بل المتكلمون قاطعون بانتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع، بناء على استحالة تكليف ما لا يطاق عقلا.
ومن التكليف بالمحال عندهم التكليف من غير دليل. وأما نحن فنقف عن الحكم قبل ورود الشرائع، تقديرا لاحتمال أن يكون الله تعالى كلف الخلق وإن لم يجعل لهم إلى معرفة الحكم طريقا. لا لأن الأحكام تتبع الصفات، وهي ملتبسة، ولكن لما جاءت الشرائع أخبرت عن انتفاء حكم الله تعالى عن العباد قبل ورود الأنبياء. قال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. فمذهبنا يساوي مذهب المعتزلة في الحكم، ويفارقه في الطريق. وأما أصحاب الحظر، فيصح (١٤/ب) أن يتمسكوا بوجهين:
стр. 103
أحدهما- أن الشيء إذا احتمل أن يكون حسنا، وأن يكون قبيحا، فيكف عنه، لما ألف عند العقلاء من قضية الاحتياط. ويشهد له من الشرائع تغليب أمر الحظر عند اختلاط الميتة والمذكاة.
الثاني- أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، والله تعالى هو المالك، ولم يأذن. والإلزام من الإمام صحيح في حظر الشيء وضده، مع استحالة الخلو عنهما جميعا، (فإن حظروا جميعها، كان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإن خصصوا بالحظر شيئا عن شيء من غير تحسين العقل وتقبيحه، لم يخف سقوط هذا المذهب).
وقول الإمام: (وإن خصصوا الحظر بما يعتقدون جواز الخلو عنه أصلا
стр. 104
لمستندهم أن التصرف في ملك الغير قبيح بغير إذنه). وهذا القسم الذي ذكره الإمام غير متصور عندي، بل ما من شيء يجوز العرو عنه أصلا، إلا وله ضد لابد من التلبس به. وتصوير شيء لا ضد له يصح العرو عنه محال.
وفرض أمر يجوز العرو عنه وعن ضده باطل. فما ذكره ليس بعذر، ولا يمكن تنزيل المذهب عليه.
стр. 105
وقوله: (وأما أصحاب الإباحة، فلا خلاف على الحقيقة بيننا وبينهم) إلى آخره. ليس الأمر على ما قال. بل الخلاف قائم بيننا وبينهم، فإنا نقول: المباح اسم مفعول يستدعي مبيحا، فإن أسماء المفعولين تستدعي المصادر، وكذلك أسماء الفاعلين، والإباحة عندنا: هي التخيير من الله تعالى بين الفعل والترك، وذلك إنما يعرف بخبر الله تعالى، فإذا لم يخبر عنه، لم يتصور علم ذلك. والمعتزلة تزعم أنها توصلت بالعقول إلى الإذن، وذكروا وجوها نذكرها ثم نبين فسادها.
فمنها- أنهم قالوا: إن الله خلقها من غير غرض له فيها، مشتملة على منافع [علمناها]، فلا مضرة عليه في الانتفاع [بها]، إذ لا يتصور أن تنقص مملكته بسبب ذلك، فهذه أشياء كل واحد منها يدل على الإذن.
стр. 106
فنقول: هذه أوهام باطلة وخيالات فاسدة.
وأما قولهم: إنه لما خلقها نافعة، كان ذلك دليل الإذن، ففاسد، فإن إعلام المالك إيانا أن طعامه نافع لا يكون إذنا، وكذلك يمكن أن يكون إعلام الباري إيانا أنها نافعة ليس إذنا، بل ليدرك ثواب الاجتناب.
فإن قالوا: الباري لا يتضرر، والواحد منا يتضرر بالتصرف في مخلوقاته، فإنه يجري مجرى التصرف في السراج بالاستضاءة، وفي الجدار بالاستظلال، ومنع ذلك قبيح. قلنا: إن صح ذلك، فليقبح من الله تعالى منع عباده من لذاتهم وقضاء أوطارهم، فإن ذلك لا يضره بوجه.
فإن قالوا: إنما منع الله سبحانه العباد مما يعلم أنه يضرهم، وإن كانوا لا يقفون على وجه ذلك. فلنا: فما من شيء إلا ويمكن أن تكون فيه مضرة خفية، لا جرم فتوقف الإذن على ورود الشرع.
فإن قالوا: فالله سبحانه قادر على أن يخلقها عرية عن الطعوم، وكان
стр. 107
قادرا على أن لا يخلق فينا الذوق، فخلق الطعم فيها والذوق فينا، دليل على أ، هـ أراد انتفاعنا بها. قلنا: (١٥/أ) الأشعرية وأكثر المعتزلة مطبقون على استحالة عروها عن الطعوم. فمن سلم أن ذلك مقدور؟ وإن سلم، فلسنا نسلم أنه خلقها لذلك. فعله [خلقه] لا لعلة، أو لعلة خلقها لندرك ثواب اجتنابها.
ومن سلم أن أفعال الله تعالى كلها معللة؟ بل خلق العالم كله لا لعلة. ثم نقول: بما تنكرون على أصحاب الحظر إذا تمسكوا بأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح؟ وبم تردون على أصحاب الوقف إذا توقفوا حتى يرد الشرع لا لالتباس الصفات؟ فلا يبقى مع القوم إلا محض التحكم.
والكلام في هذه المسألة والتي قبلها فرع من فروع التحسين والتقبيح. وفي بناء المسألتين على الأصل السابق كفاية في إبطال مذاهب القوم.
стр. 108
وعلى الجملة، فالأوهام غالبة على القوم في اعتبارهم أفعال الله تعالى بأفعال عباده مع استيلاء الأغراض على البشر واستحالتها في حق الله ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾. ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾. نسأل الله العصمة من الخذلان.
قال الإمام: (فصل- يجمع التكليف ومعناه، ومن يكلف، وما يجوز التكليف به) إلى قوله (وذلك يستدعي قولا مقنعا في تكليف ما لا يطاق).
قال الشيخ ﵁: التكليف لا يعقل إلا باجتماع أربعة أمور: التكليف، وهو
стр. 109
المصدر، والمكلف، وهو من يقوم به التكليف، والمكلف هو الذي استدعي منه الفعل، والمكلف به، وهو المطلوب. وإنما تشتق أسماء الفاعلين والمفعولين من المصادر.
فلابد من تقديم الكلام على التكليف، وهو اسم مشتق من الكلفة، وهذا هو المعنى الغالب في الأحكام. وإلا فقد يطلب الله تعالى من العباد فعل ما لا مشقة عليهم فيه، وينهاهم عما لا مشقة عليهم في تركه، كالأمر بتناول الطعام والشراب، والنهي عن تناول السموم والقاذورات. ولكن هذه صور نادرة، فأطلق الاسم باعتبار الأمر العام، والخيرة تناقض التكليف، والإلزام التكليف فيه ظاهر، لا جرم اتفق القاضي والإمام على صحة إطلاق اللفظ على الوجوب والحظر، وعلى منع الإطلاق على الإباحة، واختلفا في الإطلاق
стр. 110
على الندب والكراهة.
والذي منع الإمام من الإطلاق، اعتقاده أن الندب والكراهة يقترنان بالتخيير بين الفعل والترك. فقال: التخيير مع التكليف متناقض. والصحيح
следующие страницы →