Полный текст (2 928 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
بالإضافة إليها دلالة على جهة واحدة في القصور وعدم التعرض لشيء منها، فيجب فهم مدلول اللفظ، وقطعه عن الأوقات كلها.
لكنا نقول للقاضي: إذا عقل عندك تعلق الطلب بالفعل من غير نظر إلى زمان، فأي حاجة مع هذا إلى تقدير عزم يكون بدلا من الفعل، وقد ربط الطالب طلبه بالفعل، معرضا عن جميع الأزمنة؟ وهذا غير مستنكر عرفا وعقلا. فالوجه كما قال: فهم الامتثال وقطعه عن الأزمنة على الإطلاق، إلا] أن يتعرض لها [الطالب]، وينصب عليها دليلا.
وقوله: (فالقول الحق في ذلك: أن الأمر اقتضاء ناجز، فليقتض الوفاء الناجز). كلام ضعيف، ومن العجب ادعاؤه كونه حقا مع اعترافه بعد هذا
стр. 457
(بأنه لا يستقل [بإثبات] غرض، فإن الطلب ليس مجحودا). ومعنى قوله: (إنه طلب ناجز). أي توجه الطلب على المكلف في الحال. وهذا مسلم من غير إشكال. قال الشيخ: كلام القوم صحيح، وما ذكره الإمام ضعيف. وبيان صحته: التمسك [بأن] القائل إذا قال: (افعل)، فقد ألزم غيره الفعل، غير متعرض للأزمنة. وإذا التزم الفعل، فقد التزمه أيضا، مع قطع النظر عن أزمنة الفعل. وقد تقدم تقرير هذا في طريق القاضي. وإيراد الالتزام على الإلزام، لم يكن على جهة القياس، وإنما المراد أن الملتزم والملزم جميعا، لم يتعرضا
стр. 458
للأزمنة، فإن [قصدا] إليها، فلينصبا الدليل الدال عليها. فيقول الملزم: (افعل غدا)، فإذا وقع التقييد بذلك، لم يثبت الامتثال، ولا الخروج عن الالتزام بالتأخير عن ذلك الزمان.
قال الإمام: (فأما من قال من أصحاب الوقف: إن من بادر إلى إيقاع [الفعل] المطلوب، لم يقطع بكونه ممتثلا) إلى قوله (في مظان الضروريات). قال الشيخ: [﵁]: الأمر على ما قاله من لزوم القضاء بامتثال المبادر لاقتضاء الطلب للفعل، ودلالة الصيغة عليه، وعدم التعرض لأزمنة الفعل، وصحة نسبة الفعل الواقع في أول الوقت إليه، ولا معنى لوقوع الفعل طاعة إلا من جهة موافقته للطلب.
قال الإمام: (والذي يجب القطع به) إلى قوله (فإن اللفظ (٥٤/ب) لا
стр. 459
اختصاص له بوقت). قال الشيخ [أيده الله]: أما قوله: (إن المطالب (٢٣/ب) [مهما] أتى بالفعل، فإنه بحكم الصيغة ممتثل). فالأمر على ذلك، وهو اختيارنا واختيار القاضي أيضا، وقد بينا وجهه. وأما التوقف في المؤخر، فلا وجه [له]، لما قررناه من وجوب الافتقار في الطلب [إلى] ما دل عليه اللفظ، واللفظ لم يفتقر في دلالته [إلى] زمان، ولم يتعرض له
стр. 460
بحال. وإذا أمكن الطلب من غير نصب دليل عليه، لزم من ذلك التوقف في المبادر أيضا، لاحتمال أن يكون المقصود التأخير، وهو تمام هذا المذهب.
ثم أيضا يلزم منه التوقف في أصل امتثال، لأنه يمكن أن يقول، ويضمر مبادرا، ويصح أن يقال: (افعل وبادر). فعلى التقدير الأول، يخرج المؤخر عن كونه ممتثلا. وعلى التقدير الثاني، لا يخرج عن كونه ممتثلا. وإذا تحقق استواء الأمرين بالنظر إلى اللفظ، لم يكن سبيل إلى تعيين أحدهما بالتحكم.
وما اعتذر به الإمام من (أن اللفظ الدال على الطلب لا اختصاص له بزمان). يحقق إبطال الوقف في المؤخر على كل حال.
стр. 461
[وأما قوله]: (أجمع المسلمون على أن كل مأمور به بأمر مطلق، إن لم يجز تأخيره، فإذا فرض تأخيره ثم إقامته، فليس ما أقيم مقضيا، وإنما هو
стр. 462
مؤدى). فليس الأمر كذلك في ادعاء الإجماع. وقد ذهب بعض الناس إلى أنه لا يكون [ممتثلا] بحال، وهذا هو الذي يقتضيه قول من يعتقد أن الأمر على الفور، باعتبار وضع اللغة. فعلى هذا لو قال له: (افعل على الفور) وأخر، لم يكن ممتثلا. وكذلك إذا كان مقتضي اللفظ ذلك. نعم. لما غلب في الشرع قضاء المؤقتات بعد ذهاب الأوقات، ظن ذلك من مقتضي الطلب الأول.
وسيأتي هذا في مسألة أخرى، إن شاء الله.
قال الإمام [﵀]: (مسألة لفظية: ذهب القاضي في جماعة من الأصوليين إلى أن المندوب إليه مأمور به) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: الذي ذهب إليه القاضي هو الصحيح. والحد الذي ذكره الإمام [للأمر] يتناول الندب، لأن الأمر: هو القول المقتضي الطاعة بالفعل. هذا حده عنده. وفاعل
стр. 463
المندوب مطيع. وإذا وجد الحد، فكيف يتخلف المحدود؟ وأيضا فإنه شاع في ألسنة العلماء أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب. وما شاع أنه انقسم إلى أمر إباحة وأمر إيجاب. وقد قدمنا أن (افعل) الذي هو لفظ الأمر، إنما يقتضي الطلب من غير زيادة.
وأما قول الإمام: إنها مسألة لفظية. إن أراد أنه لا فائدة لها في الأصول، فليس بصحيح. وإن أراد أن البحث [فيها] يتعلق باللغة، فالأمر على ما قال. وبيان الحاجة [إليها] في الأصول أنه إذا قال: أمرتكم، أو أنتم مأمورون. إن قلنا: إن لفظ الأمر يختص بالوجوب، كان اللفظ ظاهرا في ذلك، حتى يقوم دليل (٢٤/أ) على خلافه. وإن قلنا: إنه متردد بينهما، لزم أن يكون
стр. 464
مجملا. وهذه المسألة خولف فيها من وجهين:
أحدهما- البحث العقلي، هل وجد في الندب حقيقة الأمر؟
والثاني- هل يسمى الندب أمرا؟ وهذا بحث لغوي. وقد نوزع في الأمر الأول. فقال الإمام فيما سبق: (والندب من ضرورته تخيير في الترك يفوت جزم الطلب). وهذا هو الذي حمل من صار إلى أن المندوب إليه غير مأمور به. وهذا (٥٥/أ) عندنا غير صحيح، والمندوب إليه [مطلوب] طلبا
стр. 465
محققا، لا تخيير فيه بوجه. فإن التخيير: عبارة عن استواء الفعل والترك، والتساوي بينهما بتسوية الشرع. على ما سيأتي في حد المباح. وهذا المعنى غير موجود في المندوب إليه.
فإن قيل: بقيت له خيرة. [قلنا: خيرة] من جهة الدواعي والصوارف، أو من جهة الشرع؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. وتسلم الأول [لا] يضر في تحقيق الطلب، فإنه يتطرق إلى الواجب. وقد قال الله في المحرمات: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾. هذه خيرة باعتبار الطباع، لا باعتبار الشرع، فلا يمنع من تحقيق الطلب.
قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض أئمتنا إلى أن الأمر بالشيء نهي عن
стр. 466
أضداد المأمور به) إلى قوله (فلم [يستقم] الحكم بأن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام النهي). قال الشيخ: أكثر المتكلمين صاروا إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وهو المنصور للقاضي وغيره من الأئمة. وهم إنما يقضون بذلك باعتبار الكلام القائم بالنفس. وما ذكره الإمام عن القاضي، فلم أره له صريحان وإنما قد يشتمل كلامه على ذلك تلويحا.
стр. 467
وأما المعتزلة، فهم متفقون على نفي كلام النفس، صائرون إلى [أن] الكلام هو العبارات، فلم يكونوا أن يقولوا: الأمر بالشيء نهي عن ضده.
فإن الألفاظ مختلفة لا مراء في اختلافها، فقالوا: إنه يقتضيه ويتضمنه، وليس يعنون بذلك إشعارا لغويا، وأمرا لفظيا فقط، فإنه لو كان كذلك، لأمكن أن يأمر بالشيء من لا ينهي عن ضده. ولكن القوم قد قالوا: الأمر: قول القائل لمن دونه: (افعل) مع إدارات. على حسب ما قدمناه من مذاهبهم.
ومريد الشيء عندهم لا بد أن يكون كارها لضده، فلزم أن يكون الآمر بالشيء ناهيا عن ضده، فيكون في اللفظ إشعار بصيغة أخرى، وفي الشرط تلازم باعتبار المعقول. هذا تفصيل مذهب القوم وتحصيله.
ولم يذكر الإمام مستند من قال: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده، واقتصر في الرد عليهم على دعوى الضرورة، ونسبة القوم إلى مراغمة البديهة، وأن من خالفه سقطت مكالمته. وزعم أن هذا كاف. وكيف يرد على فحول النظار
стр. 468
وجماهير المتكلمين في أمر استمروا عليه خلفا عن سلف بمثل هذا القول الباطل، والنسبة إلى الجحد الضرورة؟ (٢٤/ب)
ثم إنه حمل عليهم غير ما قالوه، وهو أنه قال: (من زعم أن القول القائم بالنفس الذي يعبر عن بـ (افعل) هو القول الذي يعبر عنه بـ (لا تفعل) سقطت مكالمته). والقوم لا يقولون هذا، وإنما يقولون: القول القائم بالنفس الذي هو (تحرك)، هو القول الذي هو (لا تسكن)، لا أنه القول الذي هو (لا تتحرك).
стр. 469
وقد استدل القاضي على ذلك بما سنذكره. وذلك أنه قال: إذا اتحد الفعل، لم يتصور تعدد الطلب، إذا المحل لا يقبل الامتثال. والقائل إذا قال: (تحرك) فله مطلوب، وهي الحركة. وإذا قال: (لا تسكن)، فله مطلوب، وقد امتنع أن يكون مطلوبه السكون، فإنه هو المنهي عنه. فإذا تعذر أن يكون السكون مطلوبا، وقد تحقق الطلب، وطلب لا مطلوب له محال. وإذا ثبت ذلك، وامتنع أن يكون السكون مطلوبا، وقد تحقق الطلب، وطلب لا مطلوب له محال. وإذا ثبت ذلك، وامتنع أن يكون السكون مطلوبا، ولا درجة بين الحركة والسكون، وجب أن تكون الحكة هي المطلوبة. ولا يصح أن يكون نفي السكون مطلوبا، لا بالنظر إلى حد الحكم، ولا بالنظر إلى نفي تكليف المحال، إما عقلا وإما شرعا، فلا بد أن يكون المطلوب مما يصح فعله. ونفي السكون لا يتصور أن يكون فعلا بحال. نعم، الذي يصح أن يكون فعلا هو الحركة والسكون. وإذا بطل أن يكون
стр. 470
(لا تسكن) طلبا للسكون، وجب أن يكون طلبا للحركة، التي هي ترك السكون.
ولهذا صار المتكلمون إلى أن النهي طلب الترك، والترك فعل على الحقيقة. وقرره أيضا بوجه آخر، وذلك أنه قال: قرب الحركة إلى جهة المغرب، هي بعينها بعد عن المشرق، وشغل الجوهر بحيز انتقل إليه، [عين] تفريغه للحيز المنتقل عنه. كذلك ههنا طلب واحد، هو بالإضافة إلى السكون نهي، وبالإضافة إلى الحركة أمر. هذا تقرير كلامه، وهو في غاية الصعوبة، والانفصال عنه غامض. على ما سننبه عليه في آخر المسألة، إن شاء الله تعالى.
وأما الذي حكاه عن القاضي أخيرا، من أنه ليس عينه، ولكن يقتضيه ويتضمنه. فهذا المذهب ضعيف، ولا صبر له على مأخذ الأدلة، فإنه على هذا الرأي يعترف بتعدد المتعلق، ثم يدعي وجوب الاقتران من جهة العقل بلا برهان. ولكن يمكن أن يكون مستنده في ذلك، من حيث الجملة، الالتفات إلى وجوب الوسائل، وتحريم الموانع، وهو لا يصح منه فعل الحركة، مع مانع السكون، فحرم السكون لأجل ذلك.
стр. 471
وسنتكلم على هذه القواعد بعد هذان إن شاء الله تعالى. وهذا يتنزل على هذا الرأي منزلة الجوهر والعرض، لا يمكن انفصالهما بحال.
وقوله: (إنه يتنزل منزلة الحياة والعلم). ليس كما قال، فإنه لو كان كذلك، لجاز وجود أحدهما دون الآخر. وهذا مما لا يصير إليه القاضي بحال، لأن له مذهبين:
أحدهما- اتحاد الطلب، فكيف على هذا أن يكون آمرا بالشيء من لا (٢٥/أ) ينهي عن ضده؟
والمذهب الثاني- التعدد مع التلازم عقلا، فلا يصح أيضا الانفصال بوجه، فكأن هذا [يشبه] افتقار الجواهر إلى جنس [الأعراض].
стр. 472
[قوله]: (فإن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام النهي). قال الشيخ: إذا ثبت له أن الآمر بالشيء، قد لا تخطر بباله أضداده من وجه، بطل المصير إلى اتحاد الطلب المتعلق بالحركة، الذي [هو] بعينه طلب ترك السكون، وبطل أيضا التلازم من جهة العقل، بين الأمر بالشيء وبين النهي عن ضده.
ولكن [المتكلمين] لا يسلمون هذا، ويقولون: لا يتصور أن يأمر بالحركة من هو ذاهل عن السكون، فإن معقول الحركة: استقرار الجوهر في حيز بعد أن كان مستقرا في غيره، ونفس الاستقرار في الحيز الثاني سكون فيه.
فمن سلم أنه قد يأمر بالحركة من لا يخطر له السكون؟
قال الإمام: (فإذا لاح سقوط المذهبين انبنى عليه ما هو الحق المبين عندنا) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: عمدته في المسألة على صحة طلب
стр. 473
الحركة مع الذهول عن السكون. وقد قررنا أن ذلك ممتنع، وحاصله راجع إلى طلب الشيء مع الذهول عنه، وذلك مستحيل. نعم. قد لا تخطر بباله الجهات التي يقع السكون عليها، من نوم أو جلوس أو غيره. فأما الغفلة عن السكون (٥٦/أ) مع طلب الحركة، فمحال.
وأما قوله: (إنه إذا كان ذاكرا للأضداد عند طلب الفعل، فلا يكون قيام
стр. 474
به). فهذا كلام مشكل، فإن هذا الكلام يفهم منه أن يكون الانكفاف عنها ذريعة إلى إيقاع حركة. وقد علم ضرورة أنه ليس بين السكون والحركة واسطة.
وما ذكره [من أن] (في تحقيق المسألة فرض مستحيل). لا يفيد،
стр. 475
فإن القوم إنما وضعوا كلامهم على اتحاد المطلوب، ورد التعبد إلى العبارات. فإذا تحد المطلوب، كيف يتصور فرض التعدد؟ هذا باطل لا شك فيه.
فإن قيل: فما الذي ترونه في ذلك؟ قلنا: الذي نختاره أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده، ولا يتضمنه. والدليل على ذلك: أن الطالب لحركة القيام، [مقصوده] حصوله، وإن كان لا يتصور حصوله إلا والقعود ينتفي حالة حصول القيام. فالنظر إلى مقصود الطالبين يحقق هذا التقرير.
وما ذكرناه في الاعتراض من أن التكليف لا بد له من متعلق، وانحصار الأمر في فعل الحركة أو نفي السكون إلى آخره، فالقسم صحيحة، وتخيل واسطة بين السكون والحركة محال. وكون السكون مطلوبا، باطل لا شك فيه، ورجوع التكليف إلى نفي السكون غلط، وليس نفي السكون فعلا، حتى يتعلق به التكليف.
стр. 476
ولكن وجه الجواب أن طالب الحركة (٢٥/ب) قد يتفق أن يطلبها من جهة كونها شغلا لحيز، غير الحيز الأول، وقد يطلبها من جهة كونها تفريغا للحيز الأول. فإن طلبها من جهة كونها شغلا لحيز آخر، فقد تضمن ذلك [إثباتا]. فيعبر عن ذلك الطلب بكونه أمرا. فإن طلبت من جهة كونها تفريغا للحيز الأول، عبر عن ذلك بأنه طلب ترك أو نهي، ويفرق بذلك حرف النهي، ليشير إلى أنها طلبت من جهة ما يقاربها من نفي السكون. هذا هو الفرق، فلا يتعلق التكليف إلا بأفعال المكلفين. وقد حد النهي بأنه: طلب [ترك]، والترك فعل على الحقيقة. ولا يتصورها غير هذا.
فأما أن يجعل الترك للسكون ذريعة إلى تحصيل الحركة، فهذا محال، إذا يوجب إثبات واسطة بين الحركة والسكون، كما تقدم تقريره. والالتفات إلى
стр. 477
تعدد الجهات، يوجب التغاير بين متعلق الأمر والنهي، وإن اتحد الفعل. وستأتي مسائل الأمر والنهي على هذه القاعدة. ومن لم يتقن هذا الأصل، تناقضت عليه المسائل، واضطربت القواعد. وعليه تخرج مسألة الصلاة في الدار المغصوبة وغيرها. وبالله التوفيق.
قال الإمام: (مسألة: إذا وقع المأمور به [المقتضى] على حسب الاقتضاء، [جزى] وكفى) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: اختلف الناس في أن موافقة الأمر، هل يتضمن الإجزاء؟ وهل لفظ الصحة والإجزاء [مترادفان] أو مختلفان؟ و (الصحيح) عند المتكلمين: عبارة عما وافق
стр. 478
الأمر. والإجزاء: يرجع إلى سقوط القضاء وحصول الاكتفاء. وهذان أمران لا يتلازمان، حتى أن صلاة من ظن أنه متطهر صحيحة (٥٦/ب) عند المتكلم، وإن وجب القضاء.
وعند أكثر الفقهاء أن الصحيح: عبارة عما أجزأ وأسقط القضاء. فالصلاة في الدار المغصوبة صحيحة عند الفقيه، لأنها مجزئة، وفاسدة على رأي المتكلمين.
стр. 479
فعلى ما يقوله المتكلم، تصح الموافقة، ولا يعلم من ذلك امتناع القضاء، ولا تحقق براءة الذمة. وهذا الذي ذكره المتكلمون ظاهر الفساد. فأما إطلاق لفظ الصحة على الفعل الموافق، فلا مشاحة فيه، ولكن المصير إلى أنه يكون موافقا للطلب، ولا تبرأ [به] الذمة، ويتوجه الأمر بالقضاء، فهذا باطل، فإنه إذا لم يتضمن الطلب إلا فعلا واحدا، ولا نسبة بينه وبين فعل آخر [بحال] ن فإذا فعل مقتضى هذا، فقد انقطعت النسبة بدخول المطلوب الوجود، فإنه إذا وجد، لم يبق مطلوبا، ولا نسبة للطلب إلى غيره بحال. فيستحيل أن يبقى على المكلف علقة من ذلك الخطاب.
أما ما تمسكوا به من أن صلاة من ظن أنه متطهر موافقة للطلب، والإجزاء غير حاصل، فهذا وهم وزلل. أما من يذهب إلى أن المصيب واحد، فإنه لا
стр. 480
يقطع بأنه مأمور به عند ظن الطهارة، بل يظن أيضا أن الفعل إذا (٢٦/ب) أتي به، فإذا تبين له الحدث، تبين أنه لم يأت بالمطلوب.
وأما من ذهب إلى أن كل مجتهد نصيب، فهو عندما ظن الطهارة، قطع بوجوب الصلاة عليه، بضرورة حاله، فإذا تبين له الحدث بعد ذلك لم يخرج الفعل الواقع عنده عن أن يكون طاعة. ولكن يعلم في الحال أن الخطاب الذي توجه عليه بفعل الصلاة بالطهارة لم يمتثل، وكأ التكليف سقط عنه، لضرورة عجزه، فلا يكون ممتثلا له على وجهه، ثم وجب عليه تداركه بعد فعله على شرطه. وسنبين أن القضاء إنما يثبت لاستدراك مصلحة لم تحصل من الطلب الأول.
стр. 481
وقد تمسكوا أيضا بالمضي في فاسد الحج، فإنه إذا أفسد [أمر] بالتمادي وبالقضاء جميعا. فقد امتثل ما أمر به على وجهه، وقد أمر بقضائه. وهذا زلل بين، ونحن نقول: ما حصل فيه الامتثال من غير إخلال، فلا سبيل إلى قضائه بحال. والحج الذي خاض فيه- إن [كان] [حجة] الإسلام- فالكلام المأتي به امتثالا لذلك الطلب، ويجب التمادي بخطاب جديد، ويبقى عليه حق القيام بالطلب الأول.
وإن كان تطوعان فقد تعين إتمامه بالشروع. فإذا أفسده، وجب التمادي والقضاء جميعا بخطاب جديد. ولا مانع من تقدير ذلك، وطلب دليلهما من فن الفقه لا من الأصول. (وحظ الأصول تقدير أمر جديد في كل ما لا يتلقى من الأمر الأول).
ومعنى قوله: (وقد يعتاص على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات
стр. 482
[والتحلل] بعد الإحصار). ومقصود هذا الكلام أن الجميع اشتركوا في عدم الإتيان بالعمل [على وجهه]، ثم اختلفت أحكامهم. فالمفسد متماد على العمل، ومن فاته الحج تحلل بعمرة، والمحصر بغير عمرة، والمفسد ومن فاته الحج يقضيان. والمتحلل بعذر الإحصار يتحلل، ولا قضاء عليه في حج التطوع عند مالك، ولا في الفرض عند عبد الملك.
فقيل الإمام: ما سبب اختلاف هذه (٥٧/أ) الأحكام في الأمر بالقضاء وسقوطه، مع التساوي في أن العبادة لم يؤت بها على وجهها؟ قال: هذا أمر [لا يتلقى من فن الأصول]، وإنما يطلب فيه أدله الشرع في الفروع.
قال الإمام: (الأمر بالشيء يتضمن اقتضاء ما يفتقر المأمور إليه في وقوعه
стр. 483
شرعا) إلى الفصل. قال الشيخ: اختلف الناس فيما لا يتوصل إلى الواجب إلا به من الأمور الاعتيادية أو العقلية، هل يتصل بالوجوب؟ أما ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به من [الشروط] الشرعية، فلا خلاف أن إيجاب [المشروط] عين إيجاب الشرط أو يتضمنه. فإذا (٢٦/ب) قلنا يتضمنه، فعلى أي وجه يقع الضمن؟ وما معناه؟ فهما مسألتان نتكلم على كل واحدة منهما.
أما المسألة الأولى: وهي الشرط من جهة العادة أو العقل، فقد قال قائلون: ما لا يتوصل إلى الواجب [إلا] به، فهو واجب. وزاد أبو حامد
стр. 484
قيدًا احترز به عن نقوض توهمها فقال: ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به، وهو فعل المكلف، فهو واجب. قال: لأنه لا يتوصل إلى الكتابة إلا باليد، ولا إلى المشي إلا بالرجل، ولا تكون اليد والرجل واجبتين، فافتقر إلى أن يقول: وهو فعل المكلف. وهذا وإن كان كذلك، فهو مقصود القوم، وإن كان في اللفظ نقص.
وقال قائلون: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس واجبا، وهذا ضعيف، فإنه تناقض بين في قولهم: يجب ما ليس واجبا. فنضرب عن تعدد العبارات بعد فهم المقصود. ولنذكر عمدة من ذهب إلى وجوب الوسائل على الضبط المذكور.
стр. 485
قالوا: إذا استحال تكليف المحال، فإنما يطلب الفعل بصفة الإمكان، فكأنه قال له: اغتسل غسلا ممكنا، والغسل الممكن في الوجه هو الذي يدخل فيه جزء من الرأس، فليكن ذلك القدر واجبا. وعلى هذا [التقدير] يثبت ذلك بمقتضى الطلب الأول، ولا يفتقر إلى طلب آخر.
قالوا: وهذا الوصف- وإن لم يكن مذكورا- فلا بد منه، حذرا من تكليف ما لا يطاق. ونحن نقول: وإن كان كذلك، إلا أنا نلتفت إلى تعدد الجهات ومقاصد [الطالبين]. كما سبق الكلام عليه في مسألة الأمر بالشيء، هل يكون نهيا عن ضده؟
وإذا تقرر ذلك الأصل، فنسلك هذا المسلك ههنا، ونقول: طالب غسل الوجه إنما طلب غسله، وقد يتيقن- في حال الأمر بغسله- أن لا يخطر له أخذ شيء من الرأس، ولا الحاجة إليه. وإذا أمكن ذلك، فكيف نقول: لا بد أن يطلب مع تصور غفلته عنه؟ وإن ذكره، فلا رأي له فيه بحال.
стр. 486
فإن قيل: هذا الذي تمسك به الإمام في أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا ع ضده، وقد أنكرتموه. قلنا: أنكره القاضي لإنكاره، ونحن إنما أنكرنا أن يكون ترك السكون وسيلة إلى فعل الحركة، لما فهم من هذا الكلام من واسطة بين الحركة والسكون. نعم، لو حرم الوسيلة العقلية أو العادية، لكان تكليف ما لا يستطاع، وذلك محال [عقلا عند قوم]، شرعا عند آخرين. فالمراتب إذا ثلاث:
أحدها- أن تتعرض الأدلة الشرعية للوسائل بالطلب. فهذا واضح أنه مطلوب.
والثانية- أن يقدر النهي عنها، فهذا يمنع التكليف.
والثالثة- أن تفقد الدلالة على الطلب والزجر جميعا. فهذا (٢٧/أ) موضع الخلاف. والذي نختاره أنه لا يثبت الطلب، نظرا إلى تعدد الجهات، ومقصود (٥٧/ب) الطالبين.
وقوله: (ويظهر أثر ذلك بأن الصائم يخص بنيته اليوم دون أخذ طرفين من الليلتين). قال الشيخ: بهذا تسمك الإمام، ولكن لا يقوى التمسك به،
стр. 487
لأصل نمهده، وهذا كثير التداور، عظيم الفائدة. وهو أن ما طلبه الشرع، قد لا يفهم من طلبه غرض عاجل، لغلبة التعبد عليه، فهذا يقع طاعة بالنية المشروطة في هذا النوع من المأمورات.
وإن ظهر له غرض عاجل، فلا يفتقر إلى نية في الاجتزاء به، ولكنه إنما يثاب عليه إذا قصد التقرب به، إلا فيما شذ من مسائل، فإن الثواب حاصل، وإن كان القصد [مفقودا]، كمسألة النظر الأول. وسيأتي لهذا تقرير حسن في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فإذا تحقق ذلك، فأخذ طرفين من الليلتين، قد ظهر له مقصد عاجل، [وهو] الإتيان بالمطلوب بكماله. فإذا ظهر هذا المقصود، استغنى ع النية، ويصير كرد الغصوب والودائع، وكإزالة النجاسة، عند بعض
стр. 488
العلماء. فلا يقوى التمسك بهذا الطريق في نفي الوجوب، والمعتمد على ما ذكرنا.
[المسألة] الثانية: الشروط الشرعية التي يلفي كونها شرطا شرعا، وهذا بمثابة الطهارة في الصلاة وغيرها من الواجبات. وصورة المسألة: ما إذا قال الشارع: (لا صلاة إلا بطهور). ولم يوجب الطهارة إيجابا يخصها، [ويوجب] الصلاة، فهل يفهم من هذا إيجاب الطهارة أم لا؟ وإذا فهم إيجاب الطهارة، فهل إيجاب الصلاة عين إيجاب الطهارة، أو تجب الطهارة بإيجاب آخر؟ هذا مما اختلف فيه.
стр. 489
أما الأول، وهو فهم وجوب الطهارة، فلا شك فيه، وطريق تقريره: أن الواجب: هو الذي يذم تاركا شرعا. على ما سيأتي تحريره بعد ذلك. وبعد هذا الخطاب لا تقبل الصلاة من المصلي إلا بالطهارة، فإذا لم يفعلها، كان ملوما، وما سبب ذلك إلا فقدان الطهارة، فتحقق فيها حد الواجب. وأما كونه بذلك الطلب أو بطلب آخر يقع ضمنا؟ فالصحيح أنه بطلب آخر.
وتحقيقه أن نقول: مفهوم الألفاظ يستقر في النفوس قبل النظر في الأمر والنهي، ولا يكون تلعق الطلب بالمسمى بغير التسمية على حال. وإذا كان كذلكن فمسمى الصلاة في لسان الشرع: أفعال مخصوصة، وليست الطهارة من
стр. 490
مسمى الصلاة، فوجوب الصلاة لا يوجب اتساع التسمية وتغير مدلولها. فعقل من هذا وجوب الصلاة خاصة، ومن عدم اكتفاء الشرع بفعلها وجوب أمر آخر يتصل بها، فلا يكون ذلك الأمر من جملة مسمى الصلاة، ولا يكون أيضا من إشعار اللغة، ولكنه يكون في لسان الشرع، فشابه المفهوم اللغوي. فإن قاعدته أن [اللغوي] (٢٧/ب) أشعرنا بأنه [متى] خص شيئا بالذكر على جهة، فهو يبغي قصر الحكم عليه، ونفيه عما سواه، فيستدل بالمذكور نطقا على أنه قام بنفسه [مذكور] آخر، لم يعبر عنه بعبارة صريحة، فسمى لذلك مفهوما.
وكذلك إذا قال الشرع: الطهارة شرط في صحة الصلاة، فقد قال: لا أقبلها إلا بها. ولم يأمر الشرع بصلاة فاسدة، فلزم أن يكون ذلك يتضمن [طلبا] آخر [مشروطا] في هذه العبادة. (٥٨/أ)، فوجب الاعتراف بأن إيجاب المشروط يتضمن إيجاب شرطه الشرعي. والله المستعان.
قال الإمام: (ونحن الآن نذكر الصيغة المقيدة، [ووجوه] التقييد) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قول الأصوليين: صيغة مطلقة، يدل ظاهره على
стр. 491
الإطلاق من سائر قيوم المقال والمحال، وذلك محال، فلا تتصور أبدا صيغة مطلقة بهذا الاعتبار. فإن الناطق لا بد أن يكون على حاله سهو أو ضده، فقرينة السهو والغفلة تمنع أن يكون اللفظ مقصود الدلالة. (فإذا لا تلفى صيغة أبدا على حقيقة الإطلاق). وإذا كانت القرائن لا بد منها، ولا يمكن أيضا النزاع في مقصود المتكلم بلفظه عند ظهور قرائن أحواله، فيفتقر إلى معرفة محل
стр. 492
الخلاف بين الأصوليين. وما المقصود بقولهم: الصيغة المطلقة والمقيدة، مع استحالة الإطلاق العام ووجوب التقييد في كل حال؟ فنقول: مرادهم بذلك إطلاق من بعض الوجوه، وهو أن يبين، إما على وجه مقطوع به، أو على وجه مظنون، أن المتكلم أورد اللفظ قاصدا به الدلالة على الموضوع اللغوي بالإضافة، غير حاكٍ لذلك عن غيره، فهذه هي الصورة التي يعبر عنها الأصوليون بكونها (مطلقة) على ما بيناه. فيرجع البحث إلى المفهوم اللغوي [ما هو]؟
стр. 493
وأما إذا التبست القرائن على الإطلاق، فلا يتصور إلا الوقف، كما ذهب إليه القاضي. وإذا ثبتت القرينة المعينة لمقصود المتكلم، فلا وقف في فهم كلامه، وإن بقي القاضي وأصحابه على الوقف في مدلول الصيغة، بالإضافة إلى أصل الوضع، كما تقدم الكلام عليه. والصورة الثالثة في هذه التي شرحناها، وهي الصورة المطلقة في عرف الأصوليين.
قال الإمام: (ما ثبت فيه الخطر ثم وردت فيه صيغة الأمر) إلى آخر
стр. 494
المسألة. قال الشيخ: الصحيح أن (افعل) بعد تقدم الحظر باقية على الدلالة على الطلب، كما تقررناه، وهو اختيار القاضي. والوجه فيه ما قررناه من أن تقدم الحظر ليس من القيود الحالية، ولا المقالية، فإن القيود المقالية: ألفاظ تقترن بالصيغة تبين مقصود المتكلم بها، كقوله: (افعل حتما أو ندبا أو إباحة). وليس تقدم الحظر من هذا الجنس. وأيضا فإنا ما اعتمدنا في أنها تدل على الطلب عند أهل (٢٨/أ) اللغة، إلا من جهة كونها فعل أمر بالإضافة إلى أصل الصناعة. وهذه الطريقة موجودة، وإن تقدم الحظر، فلا ريب ولا إشكال. وأهل اللغة يتسامحون بإطلاق لفظ الطلب على الإباحة، ولكن عند قيام دليل يدل عليه.
وما ذكره من التقسيم السابق من كونها للطلب، موجود في هذا المكان
стр. 495
بعينه، فلا حاجة إلى إعادته. هذا هو الصواب عندي، ولمذهب القاضي الثاني وجه، وهو كونها تبقى دالة على الطلب، لكن على وجه أضعف مما
следующие страницы →