← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الإطلاق من سائر قيوم المقال والمحال، وذلك محال، فلا تتصور أبدا صيغة مطلقة بهذا الاعتبار. فإن الناطق لا بد أن يكون على حاله سهو أو ضده، فقرينة السهو والغفلة تمنع أن يكون اللفظ مقصود الدلالة. (فإذا لا تلفى صيغة أبدا على حقيقة الإطلاق). وإذا كانت القرائن لا بد منها، ولا يمكن أيضا النزاع في مقصود المتكلم بلفظه عند ظهور قرائن أحواله، فيفتقر إلى معرفة محل

стр. 492

الخلاف بين الأصوليين. وما المقصود بقولهم: الصيغة المطلقة والمقيدة، مع استحالة الإطلاق العام ووجوب التقييد في كل حال؟ فنقول: مرادهم بذلك إطلاق من بعض الوجوه، وهو أن يبين، إما على وجه مقطوع به، أو على وجه مظنون، أن المتكلم أورد اللفظ قاصدا به الدلالة على الموضوع اللغوي بالإضافة، غير حاكٍ لذلك عن غيره، فهذه هي الصورة التي يعبر عنها الأصوليون بكونها (مطلقة) على ما بيناه. فيرجع البحث إلى المفهوم اللغوي [ما هو]؟

стр. 493

وأما إذا التبست القرائن على الإطلاق، فلا يتصور إلا الوقف، كما ذهب إليه القاضي. وإذا ثبتت القرينة المعينة لمقصود المتكلم، فلا وقف في فهم كلامه، وإن بقي القاضي وأصحابه على الوقف في مدلول الصيغة، بالإضافة إلى أصل الوضع، كما تقدم الكلام عليه. والصورة الثالثة في هذه التي شرحناها، وهي الصورة المطلقة في عرف الأصوليين. قال الإمام: (ما ثبت فيه الخطر ثم وردت فيه صيغة الأمر) إلى آخر

стр. 494

المسألة. قال الشيخ: الصحيح أن (افعل) بعد تقدم الحظر باقية على الدلالة على الطلب، كما تقررناه، وهو اختيار القاضي. والوجه فيه ما قررناه من أن تقدم الحظر ليس من القيود الحالية، ولا المقالية، فإن القيود المقالية: ألفاظ تقترن بالصيغة تبين مقصود المتكلم بها، كقوله: (افعل حتما أو ندبا أو إباحة). وليس تقدم الحظر من هذا الجنس. وأيضا فإنا ما اعتمدنا في أنها تدل على الطلب عند أهل (٢٨/أ) اللغة، إلا من جهة كونها فعل أمر بالإضافة إلى أصل الصناعة. وهذه الطريقة موجودة، وإن تقدم الحظر، فلا ريب ولا إشكال. وأهل اللغة يتسامحون بإطلاق لفظ الطلب على الإباحة، ولكن عند قيام دليل يدل عليه. وما ذكره من التقسيم السابق من كونها للطلب، موجود في هذا المكان

стр. 495

بعينه، فلا حاجة إلى إعادته. هذا هو الصواب عندي، ولمذهب القاضي الثاني وجه، وهو كونها تبقى دالة على الطلب، لكن على وجه أضعف مما

стр. 496

كانت عليه قبل ذلك. ولا يظهر لهذا المذهب مستند إلا الاستقراء، وهو أنها صودفت في الكتاب والسنة دالة على رفع الحظر السابق، كقوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. ولا يجب الاصطياد. وكذلك قوله: ﴿[فإذا] قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾. (٥٨/ب) وقوله ﷺ : (قد كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام). وكذلك قوله: (كنت نهيتكم

стр. 497

عن ادخار لحوم الأضاحي، فالآن ادخروها). فهذه المواضع وردت فيها الصيغة، وفهم منها رفع الحجر السابق. فهذا هو خيال من فرق بين أن يكون الحظر مطلقا، وبين أن يكون محدودا إلى غاية علق زواله على صيغة (افعل). ولكن ينقدح في هذه الآي والأخبار أن فهم الإباحة لم يقتصر على محض سبق الحظر، ولكن دلت الدلالة على الإباحة، واللفظ ليس بنص، فترك ظاهر الدليل. والأدلة واضحة في نفي وجوب الاصطياد والبيع والانتشار وادخار اللحوم، فإلى هذه الأدلة استند في الوجوب، لا إلى سبق تقدم الحظر. وما ذكره الأستاذ من اتفاق الأصوليين على مسألة سبق الطلب إذا ورد الحظر بعد ذلك، وادعاؤه الوفاق. له وجه ظاهر، فإن هؤلاء الفقهاء إنما منعهم من الجريان على ظاهر اللفظ، ما ذكرناه من آي الكتاب ومن السنة، الدالة على رفع الحظر والحرج السابق، وهذا مفقود فيما إذا وردت صيغة

стр. 498

الحظر بعد سبق الطلب، فبقيت دالة عليه. وقد بينا أن الوجه في المسألة الأخرى أيكون الأمر كذلك. قال الإمام: (مسألة: الصيغة إذا تضمنت فعلا مؤقتا) إلى آخر قوله (ولا سبيل إلى إثبات ذلك). قال الشيخ [أيده الله]: ما ذكره الإمام من أن بعض الفقهاء ذهب إلى أن القضاء متلقى من الأمر الأول، [هو] كما قال.

стр. 499

والرد عليهم واضح، لا إشكال فيه. ونزيده تقريرا وتقريبا، فنقول: إن [الفهم] متعلق الخطاب قبل الشروع في العمل، فإذا تعلق الطلب بفعل مخصوص، لم يكن له تعلق بغيره. فلو تعذر الفعل المطلوب، لم يصح للمكلف أن يفعل غير ذلك الفعل الذي لا يتعلق به

стр. 500

الطلب، لأجل فوات المطلوب، وهو بمثابة ما لو طلبت منه الصلاة فتعذر عليه (٢٨/ب) فعلها، فلا يصح أن يأتي بالصوم بدلا منها، اقتصارا على الخطاب الأول. وكذلك إذا طلبت الصلاة على وجه مخصوص، كما إذا قال: ليصل قائما، فتعذر عليه القيام، فلا يتمكن بهذا الخطاب خاصة أن يصلي على غير تلك الجهة. وهذا أيضا واضح. وكذلك إذا أمر بالصلاة إلى الكعبة، فتعذر عليه الاستقبال، وقدر الاقتصار على ذلك الخطاب، ولم يرد سواه، امتنع عليه أن يصلي إلى غير القبلة. وكذلك القول في الطهارة وستر العورة وغيره. وكذلك إذا قال له: صم يوم الاثنين مثلا، فما تعلق الخطاب بالصوم إلا مضافا إلى يوم الاثنين، فليس له تعلق به، بالإضافة إلى يوم الأحد والثلاثاء. إذا تقاعد الخطاب عنهما جميعا تقاعدا واحدا. فإذا لم يرتبط الطلب بالفعل مطلقا، ولم يرد خطاب جديد يتضمن الفعل، امتنع

стр. 501

إيقاعه امتثالا. وإلى هذا الحرف أشار الأستاذ أبو إسحاق فإنه قال: إنما يملك من منافع الدار وغيرها بالإجارة ما كان بينه وبين العقد نسبة. وإذا استأجر الدار (٥٩/أ) شهرا بعينه، فإنما ملك من المنافع ما يكون الشهر المعين ظرفا لها ووعاء. وليس بين العقد وبين منافع تضاف إلى شهر آخر نسبة بحال. فإذا فات الشهر، فليس إلا الحكم بفوات متعلق العقد، فيجب فسخه. وهذا كلام صحيح. والأمة مجمعة على امتناع تقديم العبادة على وقتها، إذا لم يقم دليل ذلك. فكذلك يجب القضاء في التأخير عن وقت الفعل الذي أضافه الشرع إليه. وهذا واضح لا خفاء به. والمسلك الأول لهم غير صحيح، والرد عليهم كما ذكره الإمام، [ونزيده] زيادة تحققها، وهو أنه إذا وقع الاعتراف بتقاعد اللفظ عن تناول الفعل في غير ذلك الزمان، وتحقق انتفاء طلب آخر، وسلم أن الفعل لا يكون طاعة إلا إذا كان مطلوبا، فكيف

стр. 502

يتصور مع ذلك نزاع؟ وأما قول الإمام: ([وجه] تسميته قضاء عند [فرض] أمر جديد، من جهة مضاهاة الواقع آخرا لما استدعي أولا). فهذا الكلام ضعيف، ولو كان كذلك، لكانت كل عبادة سبق طلب مثلها قضاء، وليس الأمر كذلك،

стр. 503

بل القضاء: عبارة عما فعل بعد خروج وقته، استدراكا لمصلحة أدائه الفائتة على المكلف. فلنذكر في هذا الباب حقيقة القضاء والأداء والإعادة، ووجه التسمية، وانقسام الأمر في الألفاظ إلى الحقيقة والمجاز، وبيان سبب القضاء. فالأداء: عبارة عن الفعل في وقته ابتداء، على حكم الامتثال والموافقة. والإعادة: عبارة ع الفعل المطلوب ثانيا في وقته، لجبر خلل في الفعل الأول. وذلك الخلل قد يخل بالإجزاء، وقد (٢٩/أ) يخلل بالكمال، فإن أخل بالإجزاء، وجبت الإعادة، [إن] كان مطلوبا [طلبا] على

стр. 504

الوجوب. وإن أخل بالكمال، استحبت الإعادة. والاسم مقصور على تفاوت الفعل. والقضاء: عبارة [عما] فعل بعد خروج وقته، استدراكا لمصلحة أدائه على المكلف، إما لعذر أو لغير عذر. وهل إذا غلب على ظن المكلف في الواجب الموسع المنضبط آخر وقته كالصلاة، أو غير المنضبط كالحج، والهلاك إلى وقت، وأمر بالفعل قبله فلم يفعل، ثم لم يمت ووفق للعمل، فهل ينوي الأداء أو الاقتضاء؟ فقد أشرنا فيما سبق إلى خلاف فيه، وحققنا أنه مؤدين نظرا إلى الاكتفاء بالطلب الأول، وافتقار القضاء إلى طلب جديد. وكذلك لزمه قضاء صلاة على الفور فلم يفعل، ثم فعل فيما بعد، فلا نقول إنه قضاء القضاء. وإذا كان القضاء إنما يشرع استدراكا لمصلحة الأداء، فللأداء ثلاثة أحوال: أحدها- أن يجب الأداء، ولا يكون كذلك، إلا إذا جرى السبب ووجد الشرط، ثم لم يتفق الفعل. فهذا إذا شرع في حقه القضاء لاستدراك مصلحة

стр. 505

الأداء، فهذه حقيقة في أعلى [درجات] القضاء. وهذا كمن ترك الصلاة عمدا. قال أبو حامد: وكذلك إذا تركها سهوا، فإنه يقضي حقيقة. وهذا تناقض بين منه، فإنه يذهب إلى استحالة تكليف النائم والناسي. وهو يقول: لا يكون القضاء حقيقة إلا إذا كان الأداء لازمان فالنوم ينافي التكليف على زعمه عقلا، فما كان ينبغي أن يكون قاضيا إلا مجازا. الحالة الثانية: أن لا يجب [الأداء، بل يمتنع منه، كالصوم في حق الحائض، فإنها لو صامت عصت، فتسمية صومها قضاء مجاز محض]، وحقيقته: (٥٩/ب) أنه فرض مبتدأ .. ووجه التحوز: أنه لما كان الأمر سببه حالة عرضت منعت من الصوم، حتى فات بسببها التكليف، سمي ذلك قضاء.

стр. 506

والصحيح أنه أداء. وقد توهم بعض الفقهاء من هذا أن صوم أيام الحيض واجب على الحائض، ولكن الحيض يمنع من الفعل. قالوا: بدليل وجوب القضاء عليها. وهذا غلط عظيم. وكيف يصح أن يقال إن الصوم واجب عليها، وهي لو صامت عصت؟ وليس الحيض كالحدث، فإن إزالته ممكنة، فيكون المكلف متمكنا من فعل ما كلف به بعد تحصيل شرطه الداخل تحت قدرته. وليس الحيض كذلك، إذا إزالته غير ممكنة. وإنما اغتر هؤلاء بإطلاق كونها تقضي، وجعل هذا

стр. 507

الاسم مجازا أولى من خلاف الإجماع، وتسويغ تكليف ما لا يطاق، وإيجاب الفعل مع تحريم إيقاعه. فإن قيل: فلم تنوي قضاء رمضان؟ قلنا: بمعنى أن سبب وجوبه حالة عرضالبلوغ القضاءإن عنيت أنه قضاء، لما وجب عليها في حالة الحيض من صيام أيام الحيض، فخطأ أو محال. فإن قيل: فيلزم أن ينوي الصبي بعد البلوغ القضاء، لما فات من الصيام بالصبا. قلنا: لم نجعل فوات العبادة بسبب (٢٩/ب) الصبا، سببا لوجوب القضاء لما فات في زمان الصبا بخلاف الحيض. ولننبه على سر يعتمد عليه في الأصول والفروع جميعا، وهو أن فوات المخاطبة بالعبادة، إما أن يكون لفوات السبب، لم يشرع الشرع التدارك، كما في الصبي، فإن السبب مفقود. وإن فات التكليف لأجل فوات الشروط مع حصول السبب فههنا قد شرع الشرع القضاء، كما في حق الحائض. فإن السبب الطاقة مع شهود الشهر، وقد وجد ذلك في حق الحائض، لكن فات الشرط، وهو الطهر، فورد الشرع بالقضاء، استدراكا لمصلحة السبب الموجود، ولا سبب في حق الصبي، إذا الطاقة مفقودة. فإن قيل: إذا كان السبب الطاقة ووجود الشهر، فينبغي إذا قارب البلوغ وأطاق، أن يؤمر بالقضاء بعد البلوغ من ذلك الوقت. فنقول لما كانت

стр. 508

الطاقة والعقل حقيقتين تختلف فيهما الناس اختلافا ظاهرا، حجز الشرع الخلق عن مظنة في هذه الأمور المضطربات، وناط التكليف بالبلوغ، إما الاحتلام أو بالسن. كما ناط القصر بسفر طويل مقدر بمرحلتين، أو يوم وليلة. وكذلك فعل في نصاب السرقة ونصاب الزكاة. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في موضعه، إن شاء الله تعالى. وقد اختلف الفقهاء في مسائل تتعلق بالقضاء، لترددهم في أن اللفظ شرطا لقدان السبب أو لتخلف الشرط؟ فمن ذلك اختلافهم في قضاء المجنون الصوم. فقال بعضهم: يقضي الصوم، كما تقضي الحائض. وهو المشهور من مذهب مالك ﵁. وقال قائلون: لا يقضي اعتبارا بالصبي. وقال قائلون:

стр. 509

إن بلغ مجنونا، لم يقض. وإن بلغ صحيحا ثم جن، قضى. وقال قائلون: إن قلت السنون، قضى اعتبارا بقضاء الحائض الصوم، وإن كثرت، لم يقض، اعتبارا بترك قضاء الحائض الصلاة. والقول الأول أشهر عندنا، لأن الطاقة في حقه موجودة، وشهود الشهر أيضا كذلك. فكان امتناع التكليف بفوات شرط التكليف، وهو عقل. وهذا هو الذي اختاره المتكلمون، فإنهم جعلوا العقل شرطا في توجه التكليف. واعلم أن (٦٠/أ) الناس اختلفوا، هل من فرق بين السبب والشرط؟ فذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه لا فرق بينهما، وأن الحكم يتوقف على الجميع. وقال الأكثرون بفرق بينهما، وعلى ذلك ينبني إثبات الرخص في الشريعة ونفيها، وإثبات الموانع وغيره. والأستاذ ينكر ذلك كله، ويقول: جميع ما يتوقف الحكم عليه [يكون] جزءا من السبب. ولذلك منع مانعون من

стр. 510

تخصيص العلة (٣٠/أ) على كل حال. وسيأتي مزيد بيان في باب النقض، إن شاء الله تعالى. فإذا اخترنا الفرق بين السبب والشرط، فطريق معرفة الفرق [ثبوت] مناسبة الاقتضاء، من غير ظهور مناسبة للشرط في الثبوت. والذي يناسب التكليف الطاقة. وأما العقل، فيناسب معرفة الحكم حتى يتصور الامتثال. هذا هو السبب الذي لأجله ثبت القضاء عند فوات بعض الأعمال وانتفائه، وهو أصل حسن في الشريعة. الحالة [الثالثة]: حالة المريض والمسافر إذا لم يجب تضييقا، ولكنهما إن صاما، فقد فعلا الواجب، ونعني إذا كان الصوم يضر بالمريض ولا يهلكه، فقد أبيح له الفطر، ولم يحتم عليه، فهو كالمسافر، فإنهما إن صاما امتثلا، فإن لم يفعلا، وقضيا بعد ذلك، فهل اسم القضاء يطلق عليهما حقيقة أو مجازا؟ والصحيح أنه مجاز، لثبوت التخيير، فلم يفت وقت الوجوب، بدليل أنهما غير مفتقرين إلى خطاب جديد، وهو ضابط القضاء الحقيقي. وقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. محتمل أن يقال: إنه [حقيقة]، لأنه لو فعله في وقته لصح منه، فإخراج عن مظنة إيجابه، يوهم كونه قضاء حقيقة، والصحيح أنه أداء. وقد

стр. 511

خير الله المريض والمسافر بين صوم رمضان، [أو أيام من] غيره، فهو كالواجب المخير. ومن فعل إحدى خصال الكفارة، لم يكن قاضيا. وهذا أيضا يضعف إطلاق القضاء عليه مجازا. ولكن لما كان التدارك في هذه الصورة لا يمكن إلا بعد فوات الزمان الأول، [أشبه] ذلك العبادة بعد خروج وقتها. فلذلك أطلق عليها لفظ القضاء مجازا. ولكن مقتضى هذا أن تسمى الصلاة في آخر الوقت قضاء مجازا، لأنه لا يمكن إيقاعها آخر الوقت، إلا إذا لم تفعل في أوله. لكن [إيجاب] عليه بأن لرمضان خصوص نسبة إلى الصوم ليست شوال ولا لغيره، بدليل أن الصبي المسافر لو بلغ في أثناء رمضان، لزمه صوم ما بقي منه، ولو بلغ بعد مضيه، لم يلزمه شيء، دل ذلك على قبول اختصاص رمضان بالصيام، وليست السنة كلها للصيام، كوقت الصلاة المتسع. فإن الصبي إذا بلغ في أثناء وقت الصلاة لزمته. وإن بلغ بعد خروج رمضان، لم يلزمه. هذا إذا قلنا إن المسافر مخير بين الإفطار

стр. 512

والصيام، فالأظهر أن تسمية صومه قضاء مجاز محض. وقد قال قائلون: إن فرضه أيام أخر، ولكن إن صام رمضان، فهو معجل للواجب. فلا يتأتى على هذا أن يكون صومه قضاء بحال. وهذا ضعيف، لأن الآية لا تفهم الترخص للمشقة. ويظهر ذلك من قوله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾. فبين فيه شرفية الشهر أولا، ثم عقب ذلك بذكر صيامه، ففهم (٦٠/ب) أن ذلك لأجل شرفه، ورخص للمسافر لمشقته في تأخير الصوم عن وقته، لأجل عذره. وهذا الذي ذكرناه (٣٠ ـ/ب) مذهب الكرخي. وذهب أهل الظاهر إلى أن المسافر لا يجزئه صوم رمضان، وهو مذهب بعض التابعين. وهو ضعيف، لأن مساق الآية يفهم الإضمار، بمثابة قوله: ﴿وسئل القرية﴾. والتقدير: من غيرن منكم مريضا أو على سفر فأفطر. وأيضا فإن (أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصومون ويفطرون في السفر من غير

стр. 513

نكير من بعضهم على بعض). الحالة الرابعة: حالة المريض الذي يخشى الهلاك على نفسه، لا يحل له الصوم، فإن صام وسلم فقد عصى. وهل يكون مؤديا للواجب؟ فيه نظر. ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجزئه الصوم، وجعلوه بمثابة صوم يوم النحر الذي لا ينعقد عند بعض الفقهاء، وهو مالك والشافعي ﵄، وأبو حنيفة حكم بانعقاده. فلا يخفى حكمه بصحة صوم المريض. ومن العلماء من فرق بينهما، فأبطل صوم يوم النحر، فإنه مأمور بالفطر لإجابة دعوة الله تعالى إلى أكل القرابين، فكيف يقال له أجب الدعوة، أي كل وصم؟ هذا متناقض. وفي المريض قيل له: لا تهلك نفسك، فيصح أن يقال له: صم مع ذلك. وقد يقال في المريض: لا تهلك فسك بالصوم، فكيف يقال له مع هذا: صم؟ قال أبو حامد: ويعسر الفرق بينهما جدا. والصحيح عندنا هو الفرق والقضاء ببطلان صوم يوم النحر، وصحة صوم المريض، فإنه لم يتعرض في

стр. 514

حق المريض لخصوصية الصوم. وإنما تعلق النهي بجنس المضرة. حتى قد يمتنع الأكل إذا كان مضرا، فيصير بمنزلة النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، لانحراف النهي عن خصوصية الصلاة إلى التصرف في ملك الغير بغير إذنه، بخلاف صوم يوم النحر، فإن النهي تعرض له من جهة كونه صوما. ولم يصح عندنا انصراف النهي إلى جهة غير الصوم. وهذا واضح. والله المستعان. قال الإمام: (مسألة: الأمر بالشيء من أشياء، إذا كان محمولا على الوجوب) إلى آخر المسألة. قال الشيخ هذه المسألة خلاف المعتزلة فيها من جهة المعنى مشهور، وفي كتب الأئمة مسطور، وقواعدهم على منعها تدور.

стр. 515

ورد الخيرة في التعيين إلى المكلف عندهم غير معقول. ونحن بعون الله وتأييده نتكلم على أًصل المسألة، ثم نبين قواعد المعتزلة، ثم نتعقبها بالأبطال. ونوضح الغرض بثلاثة أمور: أحدها- تصور المسألة من جهة المعقول. والثاني- ثبوت وقوعها في الشرع المنقول. والثالث- توجه النقوض التي أجمع عليها أهل الإسلام، وساعد المعتزلة عليها من غير منع ولا إنكار. أما الطريق العقلي: فهو أن الآمر إذا قال لمأموره: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب، أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم، كان هذا كلاماً (٣١/أ) معقولا، وأمرا متصورا، وصرح له مع ذلك: بأني لم أوجب عليك الجميع، ولا مكنتك (٦١/أ) من ترك الجميع، ومهما فعلت، فقد امتثلت إيجابي. فلا يخلو- بعد ورود هذا الخطاب، وتصور الطلب، وفهم المخاطب- إما أن يقال: لم يوجب شيئا أصلا، وهو محال، لأنه نقيض ما صرح به، أو يقال: أوجب الجميع، وهو أيضا باطل، لأنه صرح بضده، أو أوجب معينا، وهو قد صرح بالتخيير وعدم

стр. 516

التعيين، فلم يبق إلا أن يقال: أوجب مخيرا. ويدل عليه من جهة الشرع ثلاثة أمور: أحدها: النص الصريح، وهو قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾. ولفظ (أو) لا يتحمل الجميع بحال عند أهل اللسان. الثاني: الإجماع على أنه لا يجب على الحانث فعل الخصال الثلاث، وأن الواجب عليه [أحدها] لا بعينه. الثالث: أنه كان يلزم من مساق ما ذكروه م منع الخيرة في الواجب، أن يجب إعتاق العبيد، وإطعام جميع مساكين العالم، جميع أنواع الأطعمة، وكسوة جميع [الثياب]، حذرا من تطرق الخيرة إلى الواجب. وإذا اعترف الخصم بتحقق الوجوب، مع ثبوت الخيرة في التعيين في بعض الأحايين، فقد اعترف بالمسألة، وكفى المؤنة.

стр. 517

وقد تمسك المعتزلة بطرفين: أحدهما- يتلقى من تصور الطلب. والثاني- ينبي على قواعدهم. أما الأول: فقد قالوا: الوجوب طلب محتم، والخيرة ضد ذلك، فكيف يتصور أن يكون واجبا مخيرا؟ وحاصله راجع إلى أنه مطلوب غير مطلوب، وذلك غير معقول. قالوا: فإذا تعلق الطلب بخصلة، فإما أن يتعلق بها من جهة خصوصيتها، فتجب على انفرادها، وإما أن يتعلق بها من جهة تشمل بقية الخصال، فينتفي وجوب الجميع. هذا تقرير هذا الطريق المتلقي من مضادة الوجوب التخيير. والجواب عنه من الأوجه المتقدمة العقلية والنقلية. ونخص هذا الكلام بجواب يتعرض البيان تعدد الجهات. فنقول: تعلق الطلب بالخصلة من جهة كونها خصلة مفردة، فقيل له: افعل خصلة من هذه

стр. 518

الخصال، كما تقول المرأة لوليها: زوجني من أحد الخاطبين، والخيرة في التعيين إليك. ويقال: بايع أحد الإمامين الصالحين للإمامة. ولا يتصور في هذه الصورة أن يقال: جعلت له تزويجا منهما جميعا، فإن ذلك لا يصح شرعا. [وكذلك] يمنع عقد الإمامة لإمامين في وقت واحد. احتجوا بأن الخصال الثلاث إن كانت متساوية الصفات في أنفسها، فينبغي أن تجب جميعها، [تسوية] بين المتساويات، وإن انفرد بعضها بوجه يقتضي إيجابه، فينبغي أن يعين للمكلف، حتى لا يلتبس بغيره. وهذا مبني على أصول القوم؛ فإن الوجوب يتبع الصفات الثابتة التي (٣١/ب) لا تبديل فيها ولا تحويل. وقد مر الكلام على هذا الأصل، فلا نعيده. ثم إنه باطل بالمسائل المسلمة الإجماعية، ويصح أن يكون مقصود الطالب أحد الفعلين. وقد بينا أن الإيجاب يرجع إلى تعلق الخطاب، أو إلى

стр. 519

الخطاب المتعلق. وليس تعيين متعلق الذكر، كما إذا [قيل]: أكرم رجلا. وإذا لم يشترط تعيين متعلق الذكر، فلا يشترط تعيين متعلق الإيجاب. وإنما وقع هذا من حيث ضاهى الوصف (٦١/ب) بالحل والحرمة، الوصف بالعجز والقدرة والسواد والبياض، وذلك وهم نبهنا عليه. فإن قيل: الله تعالى يعلم ما يأتي به المكلف، وما يتأدى به الواجب، فيكون معينا في علمه، وإنما هو متلبس علينا. قلنا: هذا باطل من أوجه: أحدها- أن هذا تكليف ما لا يطاق، فإن الجوب على هذا متعلق بعين مخصوصة، وقد كلف فعلها بعينها، ولم ينصب له دليل عليها، وذلك محال.

стр. 520

الثاني: أن نقول: العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه، ولا يغيره. وإذا كان كذلك، فيجب النظر إلى التكليف حتى يعلم، هل تعلق بمعين أو بمبهم، فيعلمه الله تعالى كذلك؟ فأما إذا [كان] متعلقا بمبهم، فكيف يعلمه الله تعالى متعلقا بمعين، وهو خلاف حقيقته؟ فيكون المتعلق جهلا [لا] علما. الثالث: إنا وإن قدرنا أن الله تعالى يعلم ما سيوقعه العبد، إلا أن لا نسلم أنه متعلق [الوجوب]، من جهة [تعينه]، وإنما هو تعيين باعتبار الوجود، لا باعتبار تعيين التكليف، فإنه لو قال: اعتق رقبة، وكان الله سبحانه يعلم أنه يعتق زيدا مثلا، لم يكن زيد متعلق الخطاب، من جهة كونه زيدا، وإنما كان متعلق الخطاب من جهة كونه عبدا.

стр. 521

الرابع: أن نقول لهم: ما قولكم لو علم الله أنه لا يوقع شيئا، أو علم أنه يوقع الجميع، فما الذي تقولون؟ إن قلتم: إنه لم يوجب شيئا، فهو محال. وإن قلتم: إنه أوجب واحدا من آحاد، ورد الخيرة في التعيين إلى خيرة المكلف، فمتعلق الوجوب خصلة، من جهة كونها خصلة، ولا خيرة في ذلك، ومتعلق التخيير التعيين، ولم يتعرض له التكليف. وإن كان من ضرورة دخول الشيء الوجود أن يكون متعينا. فإن قيل: فإذا صح تعلق التكليف بأحد فعلين لا بعينه، فهل يصح تعلق التكليف بأحد شخصين لا بعينه؟ وما حقيقة فرض الكفاية، أهو فرض على الجميع ويسقط بفعل واحد، أو هو واجب على بعض لا بعينه؟ قلنا: هذا محل غامض، وأمر ملتبس، ونحن نكشف الحق في ذلك بعون الله وتوفيقه. وأعلم أنه لا يعقل التكليف إلا عند اجتماع أربعة أمور: أحدها- التكليف، والثاني- المكلف، والثالث- المكلف، والرابع- ما يتعلق بالتكليف. (٣٢/أ) وقد مرت هذه القسمة في أول الكتاب. وإذا كان كذلك، وجب عقلا تعيين المكلف، لقيام التكليف به، وتعيين التكليف أيضا، فإن ل في نفسه حقيقة معقولة، لا يعقل اللبس في ذاته. الثالث: المكلف به، وهو الذي نازع فيه المعتزلة، هل يجب تعينه عقلا أم لا؟ وهم متفقون على استحالة الإبهام، ولكن لهم مذهبان: أحدهما-

стр. 522

وجوب الجميع. والثاني- أن الواجب معيين، وهما جميعا يقضيان إلى نفي الخبرة، ومنع الفرق بين المتماثلات في الصفات. وأما الركن الرابع: وهو المكلف، فقد ذهب أبو حامد إلى أنه يستحيل أن يكون مبهما. واحتج بأن الوجوب إنما يعقل على تقدير ذم التارك أو عقابه، ويستحيل أن يعاقب أحد الشخصين لا بعينه، فيستحيل توجه الوجوب على واحد لا بعينه. كما يستحيل خلق السواد في واحد لا بعينه، وكذلك الضرب وغيره. والذي نختاره خلاف ذلك، وندل عليه بالمعقول والمنقول. أما (٦٢/أ) المعقول: فإن السيد إذا قال لعبيده: ليأتني أحدكم بشيء من الأشياء، وحتم ذلك وضيقه، وعلم منه بقرائن أحواله إيجابه لذلك الشيء. فلا يخلو: إما أن يقال: لم يطلب [منهم] شيئا، وهو ضد ما صرح به. أو يقال: طلب من جميعهم. وهو باطل، لأنه قال: ليأتني أحدكم. وإما أن يقال: أوجب الإتيان على واحد بعينه، فهو باطل من وجهين: أحدهما- تعيين من غير نصب دليل عليه. الثاني: أنه قد يصرح، ويقول: أي واحد كان. وأما المنقول: فقد قال الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة﴾. ولم يعين تلك الطائفة. وكذلك قوله: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف﴾. ولم يعين تلك الأمة. وأيضا فإن الطلب قد يوجه على وجه لا يتصور أن يعم الجميع، كما إذا كان عند السيد مائة عبد مثلا، وقال: [ليأتني] أحدكم بكوز ماء، فيعلم على القطع أنه لم يأمر بجميعهم بذلك، وكيف يمكنهم

стр. 523

[جميعا] فعل ما طلب، مع اتحاد المطلوب، وامتناع المشاركة فيه؟ لا سيما إذا كان للسيد أشغال أخر، يعلم أن ذهاب الجميع لتلك الحاجة يفوت مقاصد السيد من غيرها. فيعلم بالضرورة أنه لم يوجه الطلب على الجميع بصفة الاجتماع على العمل الذي قصد انفراد البعض به. هذا واضح، لا خفاء فيه. فإذا تصور ترك الجميع ذلك المطلوب، صح أن يعاقبهم أجمعين، لما صح في حق كل واحد من استهانة وقلة احترام. هذا هو الذي يصح عندنا. وقد حققنا وجوب شيء من أشياء. وبهذا التقرير أيضا نرد على من قال في مسألة الأمر بالشيء نهي عن ضده، أن الأمر نهي عن الأضداد، والنهي ليس أمراً بواحد من الأضداد، فإنه قد تناقض كلامه، فإنه كما يستحيل (٣٢/ ب) الإتيان بالمأمور دون الانكفاف عن جميع أضداده، فكذلك يستحيل الانكفاف عن المنهي عنه دون التلبس ببعض أضداده. وإنما حملهم على الفرق أن الانكفاف عن جميع أضداد المأمور به يتأتى، والإتيان بجميع أضداد المنهي عنه لا يتأتى. فلم يبق إلا أن يقال: إنه مأمور بواحد منها لا بعينه. وهذا منعه المعتزلة. وقال الإمام: (لا يمتنع وجوب شيء من أشياء، وتعينه إلى خيرة

стр. 524

المكلف). وهذا القرير جدير بأن يذكر في تلك المسألة، ولكنا أغفلنا ذكره هناك، فذكرناه في هذا المكان، لكونه يليق به. وبالله التوفيق. قال الإمام: (مسألة: اشتهر من مذهب شيخنا أبي الحسن ﵁ مصيره إلى أن المعدوم الذي سبق في العلم وجوده) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ذهب

стр. 525

القلانسي إلى أنه لا يتصف الباري تعالى في الأزل بكونه آمرا ناهيا، إلى بقية الأوصاف. لكن اختلف الناس في تأويل لفظه: فذهب جماعة من الناس إلى أنه منع الوصف الذي هو الإطلاق من جهة النطق. وأما حقيقة الكلام فثابتة له. وهذا هو الأقرب. وذهب ذاهبون إلى أنه منع حقيقة الصفة، فلا أمر ولا نهي له في الأزل، كما أنه لا يسمى خالقا في الأزل. وهذا غير صحيح على رأي أهل السنة،

стр. 526

الذاهبين إلى إثبات كلام النفس أزلا. وليس للباري من كونه خالقا حكم حقيقي. ومعنى كونه خالقا: (٦٢/ب) وقوع الخلق بقدرته. وإذا سلم القلانسي للشيخ أن الكلام قديم، فكونه آمرا، من حقيقته النفسية وصفته الأزلية. ويستحيل ثبوت الموصوف مع فقدان وصفه النفسي. ووجه آخر: وهو أنه لم يثبت كونه آمرا في الأزل، لم يثبت كونه آمرا فيما لا يزال، لتجدد الحقائق وصفات النفوس، وذلك غير معقول. وأيضا فإنه يقتضي تجدد حوادث قائمة بالقديم، وذلك مستحيل. ويلزم

стр. 527

منه أيضا أن تكون الصفة ليست كلاما، ويتجدد كونها كلاما، وذلك غير معقول. وهذه وجوه قطعية في إبطال ما صار إليه، إن لم يرد النزاع إلى اللفظ. وأما المسلك الأول للأصحاب: فإن الرسول في حكم من يبتدئ أمرا، إلى آخره. فكلام ضعيف، واعتراض الإمام عليه صحيح. وتحقيق سقوطه: أن الأمر لا يتصور قيامه بنفسه، فإنه من جملة المعاني. وإذا كان كذلك، فكيف يتصور أمرا لا آمر له، وهو بمثابة علم لا عالم به، وقدرة لا قادر بها، وذلك غير معقول. والإجماع أيضا على منعه. فكيف يسوغ الاستشهاد بممتنع وفاقا؟ وأدلة العقول تمتنع منه أيضا، كما قررناه. والرسول ليس مستقلا بأمر، وإنما هو مبلغ أمر الله تعالى. وإذا تم التبليغ، لم يؤثر موت المبلغ، ومن

стр. 528

له الأمر حي، (٣٣/أ) لم يزل ولا يزال. وأما المسلك الثاني لهم: وهو أن المأمور به، وهو الفعل، لا يمتنع أن يكون معدوما. العبارة فيها قصور، فإنه يوجب أن لا يتوجه الأمر إلا بمعدوم، إما عقلا عند من أحال تكليف المحال عقلا، أو شرعا عندنا. فلا بد إذا من تعلق الأمر بالمعدوم. وقيل يبقى مستمرا حتى يدخل الفعل الوجود، أو ينقطع تعلق الفعل حالة الوجود. كما سيأتي بيانه بعد هذا. وهذا لا يصح التمسك به، فإن مقصود الطلب تحصيل ما ليس حاصلا، ولو كان حاصلا، لم

стр. 529

يطلب، فأين هذا من توجه الأمر على المعدوم، وتحقيق الطلب في حقه؟ لكن المعتزلة إذا ذهبت إلى تجدد الأمر، وامتناع بقائه، فقد التزموا أنه لا أمر لله في زماننا [هذا] متوجه على عباده. وهذا أشد وأشنع من المصير إلى كون الباري تعالى [ليس] آمرا في الأزل، فإن هذا منع للشرائع أن تكون متوجهة علينا في الحال، ومخالفة لإجماع المسلمين، فإن الأمة مجمعة على أن أوامر الله تعالى متوجهة علينا في زماننا. وقوله في تقرير طريقة الشيخ: (إنه لا يمتنع قيام الأمر [بالنفس] مع غيبة المأمور). كلام صحيح. ولو بقي ذلك الطلب حتى يحصل المأمور،

стр. 530

لارتبط به، ولكنه لا يتصور بقاؤه لكونه عرضا. والواحد منا يتبينه في حق مأموره، فإنه يقول القائل: إذا لقيت فلانا فقل له: إني أمرته أن يفعل كذا، وإذا فعل، يقال فيه: امتثل، وإذا بعد التبليغ، يقال: إنه خالف، ويستحق التأديب. وهذا مقطوع به عند العقلاء، وعليه يبنون أوامرهم ونواهيهم، وجاحد ذلك مخالف للعقلاء في مطالبهم. وإذا لم يبعد ذلك في كلامنا، فهو المعني بكلام (٦٣/أ) النفس. والذي قلناه في حق الغائب، لا يختص به، بل يقوم بذات الأب طلب تعليم العلم من الولد الذي سيوجد، ويقول لوصيه: إذا بلغ الولد، فعرفه أني أمرته بكذا. وإذا فعل ذلك، يقال: أطاع أباه، وامتثل أمره، وإن كان الأب الآن معدوما، والولد كان وقت أمر الأب معدوما. هذا معقول عند العقلاء. وقوله: ([فلست أرى] ذلك أمرا حاقا، [وإنما يقدر الأمر] لو كان، كيف يكون؟ ). ليس كما قال، فإنه كان تقدير أمر، لم يكن بعد ذلك، إذ
следующие страницы →