تداركت سعدا عنوة فأسرته … وكان شفاء لو تداركت منذرا
ولو نلته طلت هناك جراحه … أحق دماء أن تطل وتهدرا
فأجابه حسان بن ثابت (١):
فخرت بسعد الخير حين أسرته … ونلت شفاء لو تداركت منذرا
وإن امرأ يهدي القصائد نحونا … كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا
وكالرجل الوسنان يحلم أنه … ببلدة كسرى أو ببلدة قيصرا
فلا تك كالشاة التي كان حتفها … بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا
وتفرح بالكتان لما لبسته … وقد تلبس الأنباط ريطا معصفرا
وقال حسان أيضا (٢):
لو كان سعد يوم مكة خافكم … لأكثر فيكم قبل أن يوسر القتلا
بعضب حسام أو بصفراء نبعة … فنحن إذا ما أنبغت نحفز (٣) النبلا
باب في قصة المعراج:
٥٨٦ - قالوا: وأسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو مسجد بيت المقدس، قبل الهجرة بسنة. ويقال: بثمانية عشر شهرا.
٥٨٧ - حدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح، قالا ثنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني موسى بن عبيد، عن محمد بن كعب القرظي قال:
قال رسول الله ﷺ : كنت نائما بالحجر، فأتاني جبريل فغمزني برجله، وأتاني بالبراق فركبته.
стр. 282
٥٨٨ - وحدثنى محمد والوليد، عن الواقدي، عن معمر بن راشد، عن عمرو بن عبد الله، عن عكرمة، قال:
أسري بالنبي ﷺ من المسجد وهو نائم في الحجر بعد هدء من الليل. وقال الواقدي: وقد روى أنه أسرى به من الشعب. وذلك غير ثبت.
٥٨٩ - حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال:
لما انتهى رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، لقي به إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ وأتي بقدح من لبن وقدح من خمر، فنظر إليهما فأخذ اللبن فشربه. فقال جبريل: هديت للفطرة.
٥٩٠ - قالوا: وكذبته قريش بمسراه. فوقف، فأخبرهم عن بيت المقدس وآياته، وأخبرهم عن ناقة شردت لبعضهم ببعض الطريق. فسألوا عن ذلك، فوجدوه كما قال ﷺ .
٥٩١ - حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك) (١). قال رأي عين.
٥٩٢ - حدثني عبد الله بن صالح العجلي، عن ابن أبى الزناد، وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
أسري بروح رسول الله ﷺ وهو نائم على فراشه.
٥٩٣ - حدثني إسحاق وبكر بن الهيثم، قالا ثنا عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن قتادة عن الحسن، قال:
أسري بروح رسول الله ﷺ وهو نائم على فراشه.
٥٩٤ - حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
رؤيا الأنبياء وحى.
стр. 283
٥٩٥ - قالوا: وجاء رسول الله ﷺ بفرض الصلاة الخمس ركعتين ركعتين. وإنما كانت الصلاة قبل ذلك بالعشي، ثم صارت بالغداة والعشي ركعتين ركعتين. ثم صارت الصلوات خمسا ركعتين ركعتين. ثم أتمت صلاة المقيم أربعا، وبقيت صلاة المسافر على حالها، وذلك بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة بشهر.
أمر الهجرة:
٥٩٦ - قالوا: ولما شخص السبعون الذين بايعوا عند العقبة، اشتد ذلك على قريش ورأوا أنه قد صارت لرسول الله ﷺ منعة ودار هجرة.
فضيقوا على المسلمين وآذوهم ونالوا منهم من الشتم والتناول ما لم يكونوا ينالونه.
فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، وسألوه الهجرة. فقال: إنه لم يؤذن لي في ذلك بعد. ثم إنه خرج عليهم بعد ذلك بأيام مسرورا، فقال:
قد أخبرت أن دار هجرتكم يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج فإن البلاد قريبة وأنتم بها عارفون وهي طريق عيركم إلى الشام. فجعلوا يتجهزون إلى المدينة في خفي وستر، ويتسللون. فيقال إنه كان بين أولهم وآخرهم أكثر من سنة. وجعلوا يترافدون بالمال والظهر، ويترافقون. وبلغ من بالحبشة من المسلمين هجرة إخوانهم، فقدم من قدم منهم مكة (١) للهجرة مع النبي ﷺ . وكان ممن قدم مكة (٢) أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
واسم أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد. ثم هاجر، فكان الثالث بعد مصعب ابن عمير، وابن أم مكتوم. وكان مصعب أول من قدمها، وجهه رسول الله ﷺ ليعلم الناس القرآن. ثم تلاه ابن أم مكتوم. وسمعت من يذكر أن أبا سلمة قبل ابن أم مكتوم. والخبر الأول أثبت.
٥٩٧ - حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وبكر بن الهيثم، قالا ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال:
أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ المدينة مصعب
стр. 284
ابن عمير وابن أم مكتوم. قال الواقدي: وقد روي أن مصعبا صار من المدينة إلى مكة، ثم هاجر منها إلى المدينة مع رسول الله ﷺ وأصحابه.
٥٩٨ - حدثنا عمرو بن محمد، ومحمد بن سعد، عن عبد الله بن نمير، عن عبد الملك بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال:
لما قدم المهاجرون الأولون من مكة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة، نزلوا العصبة (١). فكان سالم مولى أبي حذيفة يؤمهم لأنه كان أكثرهم قرآنا وفيهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد.
٥٩٩ - قالوا: وكانت أم سلمة بنت أبي أمية أول ظعينة وردت المدينة.
وكان زوجها أبو سلمة لما أراد الهجرة، رحل لها بعيرا وحملها عليه، وفي حجرها ابنها سلمة. فلما رآه رجال بني المغيرة قالوا: هذه نفسك قد غلبتنا عليها، فما بال صاحبتنا؟ لا ندعك وتسيرها في البلاد. ثم انتزعوا خطام البعير من يده، وأخذوها إليهم. فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد بن هلال، وقالوا: والله لا نترك ابنها عندكم إذا نزعتموها من يد صاحبنا، يعنون أبا سلمة. وتجاذبوا سلمة بينهم، حتى خلعوا يده، فكانت مخلوعة حتى مات. ثم انطلقوا به. فكانت، وهي عند أهلها من بني المغيرة، تخرج فتقعد على الصفا، ثم تقول (٢):
يا رخم (٣) الجو ألا استقلى … وفي بني عبد الأسد فحلي
ثم هلالا وبنيه فلي
ثم تدعو عليهم أن تأكل الرخم (٤) لحومهم. فروى عنها أنها قالت: جلست بالأبطح أبكي، وكنت أفعل ذلك كثيرا، فرآني ابن عم لي، فكلم بني المغيرة في وقال: ألا ترون ما بهذه المسكينة من الجهد لتفريقكم بينها وبين زوجها وولدها؟ فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. ورد علي بنو عبد الأسد ابني. فرحلت بعيري، ووضعت ابني في حجري، ثم خرجت أريد أبا سلمة بالمدينة. فلما كنت بالتنعيم، لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار، فقال: أين تريدين يا بنة أبى أمية؟ قلت: أريد زوجي بيثرب.
стр. 285
فقال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا والله. فقال: ما لك مترك. وأخذ بخطام البعير وانطلق معي يقودني. فو الله ما رأيت أكرم مصاحبة منه: كنت أبلغ المنزل، فينيخ جملي ثم يستأخر عني. فإذا نزلت، حط عن بعيري، وقيده، ثم أتى شجرة فاضطجع تحتها. فإذا دنا الرواح، قدم البعير فرحله ثم استأخر وقال: اركبي. فإذا استويت على البعير، قادني. فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة. فلما رأى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة.
٦٠٠ - وقدم المدينة بعد أبي سلمة، عامر بن ربيعة العنزي، وبلال، وسعد، وعمر، وعمار. وخرج الناس مهاجرين متتابعين. فلم يبق منهم إلا من حبسته قريش. ولم يبق بمكة من بني أسد بن خزيمة أحد، حتى أغلقوا أبوابهم.
وأغلقت أبواب بني البكير- وغير الكلبي يقول: بني أبي البكير- وأبواب بني مظعون. فمر عتبة بن ربيعة بدور بني جحش، فإذا أبوابها تخفق وليس فيها أحد. فتمثل قول الشاعر (١):
وكل دار وإن طالت سلامتها … يوما ستلحقها النكراء والحوب
وبقي رسول الله ﷺ وعلي، وأبو بكر رضي الله تعالى عنهما، ليس معهم غيرهم. وأراد أبو بكر الهجرة. فسأله رسول الله ﷺ أن يحبس نفسه عليه. وكان قد علف راحلتين له ورق السمر أربعة أشهر.
فلما أذن لرسول الله ﷺ في الهجرة، أتى أبا بكر، فأعلمه الهجرة. فأعطاه إحدى تينك الراحلتين، وهي ناقة رسول الله ﷺ القصواء، من نعم بني قشير، فلم تزل عنده، وماتت في أيام أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع لا تهاج. ويقال بنقيع (٢) الخيل.
٦٠١ - قالوا: تناظرت قريش في أمر رسول الله ﷺ حين هاجر أصحابه. فقال أبو البختري العاص بن هاشم: نخرجه فنغيب عنا وجهه ليصلح ذات بينها. وقال آخر: بل يقيد ويحبس حتى يهلكه، ثم فرق (٣) رأيهم على أن
стр. 286
يأخذوا من كل قبيلة من قريش غلاما نهدا جلدا وسيطا، فيعطوه سيفا صارما، ثم يجتمع أولئك الغلمان فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يدري بنو عبد مناف ما يصنعون، ولا يقوون على حرب جميع قريش.
وكان الذي أطلع لهم هذا الرأي شيخ من أهل نجد. ويزعمون أنه الشيطان.
وأتى جبريل رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر .. وأنزل الله عليه: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك (١). وقوله «ليثبتوك»، أي ليقيدوك. فأتى رسول الله ﷺ منزل أبي بكر، وأمر عليا فنام على فراشه. فلما دخلوا بيته وهم يرون أنه نائم على فراشه. فقام إليهم علي ﵇. فقالوا: أين ابن عمك؟ قال: لا علم لي به. ويقال إنهم رموه وهم يظنون أنه نبي الله. فلما قام، تركوه وسألوا عن النبي ﷺ ، فأخبرهم أنه لا علم له به.
٦٠٢ - قالوا: وخرج النبي ﷺ وأبو بكر من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، حتى أتيا غار ثور، فصارا فيه. وكان عامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر، فيعزب بها ثم يبيت قريبا، ولا يبعد. فكانا يصيبان من رسلها (٢).
فاستأجر أبو بكر رجلا دليلا، يقال له عبد الله بن أريقط الديلي، من كنانة ابن خزيمة. وصنع آل أبي بكر لرسول الله ﷺ وأبي بكر سفرة، وذبحت شاة وطبخ لحمها، وجعل في جراب. فقطعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب. فقال رسول الله ﷺ : إن لها نطاقين في الجنة. فسميت «ذات النطاقين».
ويروى أنه كان لها نطاق تنتطق به في منزلها، ونطاق تنتطق به إذا حملت الطعام لرسول الله ﷺ وأبي بكر، فقيل لها ذات النطاقين.
٦٠٣ - قالوا: وبعثت قريش قائفين يقصان آثار رسول الله ﷺ .
أحدهما كرز بن علقمة بن هلال الخزاعي. فاتبعاه، حتى انتهيا إلى غار ثور.
فرأى كرز عليه نسج العنكبوت. فقال: ها هنا انقطع الأثر. فانصرفوا.
وقال بعضهم: ادخلوا الغار. فقال أمية بن خلف: «وما أربكم؟ إذ الغار
стр. 287
وعليه من نسج العنكبوت ما عليه. والله إنى لأرى هذا النسج (من) قبل أن يولد محمد». وبال، حتى جرى بوله بين النبي ﷺ وأبي بكر.
وجعلت قريش لمن جاء برسول الله ﷺ وأبي بكر أو قتلهما ديتهما.
ويقال: مائة بعير. ونادوا بذلك في أسفل مكة وأعلاها.
٦٠٤ - قالوا: ومكث رسول الله ﷺ وأبو بكر في الغار ثلاث ليال.
وعبد الله بن أبي بكر- وهو الذي أصيب بالطائف- يبيت عندهما. وهو غلام شاب لقن. ثم يصبح مع قريش كبائت. فلا يسمع بأمر يكاد به رسول الله ﷺ إلا وعاه، حتى يلقيه إليه. ثم إن رسول الله ﷺ وأبا بكر خرجا في السحر ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فقالا يوم الثلاثاء بقديد. وجاءت وجوه قريش إلى منزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فسألوا أسماء ابنته عنه. فقالت لهم: ما أدري أين هو؟ فلطمها أبو جهل أو غيره.
٦٠٥ - وكان أبو بكر أسلم يوم أسلم، وعنده أربعون ألف درهم. فخرج إلى المدينة للهجرة وما له إلا خمسة آلاف، أو أربعة آلاف درهم. فبعث ابنه عبد الله، فحملها إليه إلى الغار، فمضى به معه. وكان أبو قحافة وقد كف بصره. فقال لأم رومان، امرأة أبي بكر: عهدي بأبي بكر وله مال، فما فعل ماله؟ أتراه فجعكم به كما فجعكم بنفسه؟ فعمدت أسماء رضي الله تعالى عنها إلى (١) جلال الحصباء، فجعلته في كوة كان أبو قحافة يعهد أبا بكر يجعل ماله فيها كثيرا، وغطته بثوب، وقادت جدها إلى الكوة. فلما وضع يده على الحصباء قال: إن في هذا لمعاشا صالحا، صاحبه الله. وكان لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه مال. فما خرج إلى الهجرة إلا بسبعة آلاف درهم.
وذلك أنه أنفق ماله في الرقاب والعون على الإسلام.
٦٠٦ - قالوا: وكانت عند رسول الله ﷺ ودائع. وإنما كان يسمى الأمين. فوكل عليا ﵇ بردها على أهلها. فلما وفاهم إياها،
стр. 288
شخص إلى المدينة، حتى نزل على كلثوم بن الهدم ورسول الله ﷺ عنده.
٦٠٧ - قالوا: ولقي رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه، فيما بين مكة والمدينة، وهم يريدون موقع سحابة. فسابلوه وسابلهم. فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، واعتذروا بقلة اللبن معهم، وقالوا:
مواشينا شصص (١). وجاءه بلبن، فشربه وأبو بكر. ودعا لهم بالبركة.
أم معبد:
٦٠٨ - ومر رسول الله ﷺ بأم معبد عاتكة بنت خالد بن خليف الخزاعي. وهي امرأة أكثم بن الجون- والجون عبد العزى- بن منقذ الخزاعي.
فأتت رسول الله ﷺ بشاة مصور (٢) ليذبحها، فمسح ضرعها فإذا هي ذات در. فقال رسول الله ﷺ : لا تذبحيها. فأتت بشاة أخرى، فذبحت وطبخ لحمها لهم. فأكل رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، و (ابن) أريقط. وسفرتهم منها بما وسعته سفرتهم، وبقي عندها أكثر لحمها. وقالت أم معبد: لقد بقيت الشاة التي مسح رسول الله ﷺ ضرعها إلى عام الرمادة، وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة. فكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير. وقال الشاعر في نزول رسول الله ﷺ بأم معبد (٣):
جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به … فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمسلمين بمرصد
ووصفت أم معبد رسول الله ﷺ صفة سنذكرها إن شاء الله تعالى.
стр. 289
٦٠٩ - قالوا: ولما جعلت قريش لمن اتبع رسول الله ﷺ وأبا بكر فقتلهما أو أتى بهما مائة ناقة- ويقال: ديتهما- أتبعهما سراقة بن مالك ابن جعشم الكنانى ثم المدلجى. فلما قرب منهما ساخت قوائم فرسه. فطلب الأمان. وأخبر رسول الله ﷺ بما جعلت قريش فيه وفي أبي بكر فكتب له رسول الله ﷺ كتاب أمنة وموادعة، في قطعة أديم.
فلم يزل الكتاب عنده حتى أتاه به وهو بين الطائف والجعرانة، وأسلم.
٦١٠ - وكان قدوم رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول. وكان الناس مستشرفين لقدومه، قد استبطئوه، فرآه يهودي على بعض تلك الآطام، فنادى: يا معشر العرب، هذا صاحبكم.
فكبر بنو عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس تكبيرة رجل واحد. فصار رسول الله ﷺ إلى بني عمرو بن عوف، فنزل فيهم على كلثوم ابن الهدم بن امرئ القيس، من ولد عمرو بن عوف، بقباء. وذلك الثبت.
فأقبل الناس يأتونه، يسلمون عليه. وقال بعضهم: نزل على سعد بن خيثمة ابن الحارث، أحد بنى السلم ابن امرئ القيس بن مالك بن الأوس. وذلك أنه كان يكثر إتيانه للحديث عنده. فظن (١) قوم أنه نازل عليه.
٦١١ - حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن موهب (٢)، عن يزيد بن رومان، عن عروة قال: كان رسول الله ﷺ يتحدث في بيت سعد بن خيثمة، هو وأصحابه. ويؤتى للسلام عليه وهو به. فلذلك قال الناس: نزل على سعد.
وكان نزول الناس جميعا على بني عمرو بن عوف، لم يتجاوزهم.
٦١٢ - قالوا: فأقام رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس. ثم خرج رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فجمع في بني سالم، من بني النجار. ويقال: بل أقام بقباء ثلاثا وعشرين ليلة. ويقال: بضع عشرة ليلة. وكان من تقدم رسول الله صلى الله
стр. 290
عليه وسلم إلى المدينة بعد أبي سلمة بن عبد الأسد، ومن نزلوا عليه بقباء بنوا مسجدا يصلون فيه. والصلاة يومئذ إلى بيت المقدس. فجعلوا قبلته إلى ناحية بيت المقدس. فلما قدم رسول الله ﷺ صلى بهم فيه. وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين من مكة إلى المدينة. ثم أمهم بالمدينة حتى قدم النبي ﷺ .
٦١٣ - حدثني الحسين بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن مالك بن الحارث، قال:
كان سالم غير معروف نسبه، وكان يؤم المهاجرين من مكة إلى المدينة، وبالمدينة لأنه أقرؤهم، وإن فيهم لعمر بن الخطاب. وذلك قبل قدوم النبي ﷺ المدينة.
٦١٤ - حدثنى عمرو بن محمد الناقد والحسين بن الأسود قالا، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سفيان، عن مسروق أن النبي ﷺ قال: خذوا القرآن عن أربعة: عن ابن مسعود، وأبي بن كعب (١)، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبى حذيفة.
٦١٥ - وحدثنى الحسين بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر إن المهاجرين لما قدموا مكة إلى المدينة، نزلوا إلى جنب قباء، فأمهم سالم مولى أبو حذيفة، لأنه كان أكثرهم قرآنا، وإن فيهم عمر بن الخطاب (٢)، وأبا سلمة بن عبد الأسد.
وحدثني محمد بن حاتم، ثنا عبد الله بن نمير، عن نافع، عن ابن عمر بمثله.
قال الواقدى: المجتمع عليه أن سالما مولى أبي حذيفة لما شخص عن مكة مهاجرا، كان يصلي بالمهاجرين إلى المدينة ثم صلى بهم إلى قدوم النبي ﷺ ، لأنه كان أقرأهم الكتاب الله.
стр. 291
٦١٦ - وقدم علي ﵇ المدينة، فنزل على كلثوم بن الهدم. فكان يرى رجلا يجيء إلى امرأة في جواره بعد هدء من الليل، فتفتح (١) له بابها، فيدخل الدار ثم يخرج. فقال لها في ذلك. فقالت: يا عبد الله، إني امرأة مسلمة أرملة، والرجل الذي يأتيني سهل بن حنيف يدور على قومه فيكسر أصنامهم ويأتيني بها لأوقدها إن طبخت. قالوا: وكان عبد الله بن جبير، وسهل بن حنيف يكسران الأصنام ويأتيان بها المسلمين ليستوقدوا بها.
٦١٧ - وحدثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، ثنا محمد بن إسحاق (٢)، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أن جندع بن ضمرة الجندعي كان بمكة. فمرض، فقال لبنيه:
أخرجوني منها. فقالوا: إلى أين؟ فأومأ بيده نحو المدينة، وهو يريد (٣) الهجرة. فلما بلغ أضاة (٤) بني غفار، مات. فأنزل الله :
(ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله. وقال الواقدي: هاجر بعد بدر، وهو جندب الجندعي. وبعضهم يقول: نزلت الآية في أكثم بن صيفي. وذلك غير ثبت.
وحدثنى عمرو بن محمد الناقد، ثنا هشيم بن بشير، أنبأ أبو بشر، عن سعيد بن جبير في قوله (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت)، الآية، قال: وكان رجل من خزاعة، يقال له ضمرة بن العيص، أو العيص ابن ضمرة بن زنباع. لما أمر النبي ﷺ بالهجرة، فأمر لأهله أن يفرشوا له على سرير ويحملوه إلى رسول الله ﷺ . ففعلوا.
فمات بالتنعيم. فنزلت فيه الآية.
стр. 292
٦١٨ - قالوا: وكان عبد الله بن سلام يقول: كنت تعلمت التوراة من أبي، وعرفت تأويلها. فوقصنى آية (١) ذات يوم على صفة النبي ﷺ وعلاماته وأمره، وقال: إن كان من ولد هارون اتبعته وإلا فلا. ومات قبل قدوم النبي ﷺ المدينة. قال: فلما قدم رسول الله ﷺ ، كنت في عذق لي أهيئ رطبا. فسمعت صائحا من بني النضير يقول:
قد قدم صاحب العرب اليوم. فأخذني أفكل (٢)، وكبرت تكبيرة عالية.
وعمتي تجنى، وهي عجوز، فقالت: أي خبيث، والله لو كان موسى القادم، ما زدت على ما صنعت. فقلت: إنه أخو موسى ونبي مثله. ثم نزلت، فأتيت رسول الله ﷺ فرأيت صفته، فعرفتها. وحدثته حديث أبي، وأسلمت. فيقال إن قول الله (شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله (٣) نزل في عبد الله بن سلام. ثم أسلمت عمته، وأسلم مخيريق اليهودي.
٦١٩ - قالوا: وركب رسول الله ناقته القصواء (٤)، والناس معه عن يمينه وشماله.
فجعل لا يمر بقوم من الأنصار إلا قالوا: هلم هلم يا رسول الله في القوة والمنعة والثروة. فيقول لهم خيرا، ويقول: إنها مأمورة، خلوا سبيلها. وقد أرخى رسول الله ﷺ زمامها. فبركت عند مسجد رسول الله ﷺ ، وكان مربدا ليتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فيه جدار كان أسعد بناه تجاه بيت المقدس فكان يصلي إليه من أسلم قبل قدوم مصعب بن عمير.
ثم صلى بهم إليه مصعب. ويقال إن أسعد كان يصلي بهم قبل قدوم مصعب وبعده إلى قدوم المهاجرين، لأن مصعبا لم يزد على تعليمهم القرآن. والله أعلم.
قالوا: فلما بركت الناقة فضربت بجرانها واطمأنت، نزل رسول الله ﷺ . فجاء أبو أيوب، وامرأته أم أيوب، والناس يكلمون رسول الله ﷺ في النزول عليهم، فحطا رحله وأدخلاه منزلهما.
فلما رآهما قد فعلا ذلك، قال: المرء مع رحله. وأخذ أبو أمامة أسعد بن زرارة
стр. 293
بزمام الناقة، فأدخلها منزله. فكانت عنده. ويقال إن أبي بن كعب أخذها إلى منزله. وكونها عند أسعد أثبت. وقال أبو أيوب: بأبي أنت وأمي، إني أعظم أن أكون فوقك وأنت تحتى. فتحول وأهله إلى أسفل، ونزل رسول الله ﷺ في علو داره. وجعل بنو النجار (١) يتناوبون في حمل الطعام إلى رسول الله ﷺ مقامه في منزل أبي أيوب. وبعثت إليه أم يزيد ابن ثابت بثردة مرواة سمنا ولبنا.
٦٢٠ - وقيل لأم أيوب، وكان مقام رسول الله ﷺ في منزل زوجها سبعة أشهر: أي الطعام كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فقالت:
ما رأيته أمر بطعام يصنع له بعينه، ولا رأيته ذم طعاما قط، ولكن أبا أيوب أخبرني أنه تعشى معه ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة، فيها طفيشل (٢)، فرآه ينهكها نهكا لم يره ينهك (٣) غيرها. فكنا نعملها له. وكنا نعمل له الهريس، فنراه يعجنه. وكان يحضر عشاءه الخمسة إلى الستة إلى العشرة.
٦٢١ - وروى أن أسعد بن زرارة كان يتخذ لرسول الله ﷺ ليلة، وليلة لا. فإذا كانت الليلة التي يتوقعها فيها، قال ﷺ : هل جاءت قصعة أسعد؟ فيقال: نعم. هلموا بها. فنعلم أنها تعجبه.
٦٢٢ - قال كعب بن مالك الأنصاري:
الله أكرمنا بنصر نبينا … وبنا أقام دعائم الإسلام
وبنا أعز نبيه ووليه … وأعزنا بالنصر والإقدام
في كل معترك تطر سيوفنا … تلك الجماجم عن فراخ الهام
نحن الخيار من البرية كلها … ونظامها وزمام كل زمام
الخائضو (٤) غمرات كل منية … والضامنون حوادث الأيام
فسألوا ذوي الآكال عن سرواتنا … يوم العريض فحاجر فرؤام
стр. 294
إنا نمنع ما أردنا منعه … ونجود بالمعروف للمعتام (١)
ينتابنا جبريل في آبائنا … بفرائض الإسلام والأحكام
في أبيات. وقال أبو قيس (٢) صرمة بن أبي أنس يذكر النبي ﷺ (٣):
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه … فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا أظهر الله دينه … فأصبح مسرورا بطيبة راضيا
في أبيات. وقال أبو أحمد بن جحش الأعمى الأسدي (٤):
فلو حلفت بين الصفا أم أحمد … ومروتها يوما لبرت يمينها
لنحن الألى كنابها ثم لم نزل … بمكة حتى عاد غثا سمينها
بها خيمت غنم بن دودان وابتنت … ومنها غدت غنم فخف قطينها
إلى الله تغدو بين مثنى وواحد … ودين رسول الله بالحق دينها
وقال أبو أحمد أيضا (٥):
ولما رأتني أم أحمد غاديا … بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول: فإما كنت لا بد فاعلا … فيمم بنا البلدان من غير يثرب
فقلت لها: لا إن تلك مظنة … وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يقم … إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح … وناصحة إن تبغ تبك وتندب
وكم من عدو قد تركنا ورائنا … مجد مباد للعداوة مجلب
стр. 295
نمت بأرحام إليهم قريبة … ولا قرب للأرحام ما لم تقرب
وأبو أحمد الذي يقول (١):
أبني أمية كيف أظلم فيكم … وأنا ابنكم وحليفكم في العسر
ولقد دعاني غيركم فأبيته … وأجبتكم لنوائب الدهر
وبلغ أبا أحمد أن أبا سفيان بن حرب باع دورهم ودار عثمان، وقضى من ثمنها دينا عليه، فقال (٢):
أبلغ أبا سفيان عن … أمر عواقبه ندامة
دار ابن عمك بعتها … تقضي بها عنك الغرامة
وحليفكم بالله رب الن … أس مجتهد القسامة
اذهب بها اذهب بها … طوقتها طوق الحمامة
وكان الذي ابتاعها منه عمرو بن علقمة بن المطلب، أحد بني عامر ابن لؤي. وقالت امرأة من الأنصار:
لا هم إن الخير خير الآخرة … فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة (٣)
وعافهم من حر نار ساعرة … فإنها لكافر وكافرة
٦٢٣ - قالوا: ووجه رسول الله ﷺ أبا رافع وزيد بن حارثة مولييه إلى مكة، لحمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ ، وسودة. وأخذ من أبى بكر خمسمائة درهم فدفعها إليهما لما يحتاجون إليه.
وأعطاهما بعيرين. وكتب أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى عبد الله ابنه، يأمره بحمل أم رومان امرأته، وعائشة وأسماء. وتوجه مع زيد وأبى رافع: عبد الله ابن أريقط الديلي. فوافوا طلحة بن عبيد الله يريد الهجرة، فتصاحبوا. فخرج زيد وأبو رافع بفاطمة، وأم كلثوم، وسودة بنت زمعة. وحبس زينب زوجها أبو العاص بن الربيع. وكانت رقية مهاجرة: حملها زوجها عثمان بن عفان.
وحمل زيد أيضا امرأته أم أيمن، وأسامة بن زيد. وخرج عبد الله بأم رومان
стр. 296
وأختيه عائشة وأسماء. فقدموا ورسول الله ﷺ يبني المسجد وحجره.
وكان طلحة، حين هاجر رسول الله ﷺ ، بالشام. فقدم يريد مكة، فلقي رسول الله ﷺ بالمدينة. فصار إلى مكة، ثم هاجر منها مع عيال النبي ﷺ وأبي بكر.
٦٢٤ - قالوا: ووهبت الأنصار لرسول الله ﷺ كل فضل في خططها. وقالوا له: إن شئت، فخذ منا منازلنا. فقال لهم خيرا، وخط لأصحابه في كل أرض ليست لأحد، وفيما وهبت له الأنصار من خططها. وأقام قوم من المسلمين لم يمكنهم البناء بقباء على من نزلوا عنده. وكانت الأنصار أشحاء على من نزل عليهم، من نزل عليهم، من المهاجرين.
المؤاخاة:
٦٢٥ - قالوا: (١) وكان رسول الله ﷺ آخى بين حمزة وبين زيد ابن حارثة على الحق والمؤاساة. وبين أبي بكر وعمر. وبين عثمان وعبد الرحمن ابن عوف. وبين الزبير وبين عبد الله بن مسعود. وبين عبيدة بن الحارث وبلال. وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص. وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة. وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وطلحة ابن عبيد الله. وقال لعلي بن أبي طالب: أنت أخي.
٦٢٦ - وآخى (٢) رسول الله ﷺ بين المهاجرين على أن يتوارثوا دون ذوي الأرحام. فلما أن أصيب من أصيب ببدر، طلب إخوانهم الميراث.
فنزلت: «وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (٣)». فانقطعت المؤاخاة في الميراث. وكان ممن آخا بينهم حمزة بن عبد المطلب وكلثوم بن الهدم (٤). أو غيره. علي بن أبي طالب وسهل بن حنيف.
زيد بن حارثة وأسيد بن حضير. أبو مرثد الغنوي حليف حمزة، وعبادة بن الصامت. عبيدة بن الحارث وحمام بن الجموح، ويقال: عمرو بن الجموح.
стр. 297
عثمان بن عفان وأوس بن ثابت. أبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر بن وقش (١).
الزبير بن العوام وكعب بن مالك. مصعب بن عمير وأبو أيوب، ويقال:
ذكوان بن قيس. عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع. سعد بن أبي وقاص وسعد بن معاذ. عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل. أبو بكر الصديق وخارجة ابن زيد بن أبي زهير صهره. طلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب. صهيب والحارث ابن الصمة. أبو سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة. أرقم بن أبي الأرقم وزيد ابن سهل أبو (٢) طلحة. عمر بن الخطاب وعويم بن ساعدة. سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل ورافع بن مالك. عثمان بن مظعون وأبو الهيثم بن التيهان.
خنيس بن حذافة وأبو عبس بن جبر. أبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة الأوسي.
٦٢٧ - قالوا: وكان الذي آخى بينهم تسعين رجلا: خمسة وأربعين من المهاجرين، وخمسة وأربعين من الأنصار. ويقال إنه لم يبق من المهاجرين أحد إلا آخى بينه وبين أنصاري. وقوم يقولون: آخى بين أبي الدرداء وسلمان، وإنما أسلم سلمان فيما بين أحد والخندق. وقال الواقدي: والعلماء ينكرون المؤاخاة بعد بدر، ويقولون: قطعت بدر المواريث.
(الصلاة، والقبلة، والصوم، والخمر، وأول المولودين، والصفة):
٦٢٨ - قالوا: وقدم رسول الله ﷺ المدينة والصلوات (ال) خمس (٣) ركعتين ركعتين، فأنزل الله تمامها بعد شهر من قلوبه. فصارت صلاة المقيم أربعا، وصلاة المسافر على حالها ركعتين.
٦٢٩ - وصرفت القبلة إلى الكعبة من جهة بيت المقدس، في الظهر من يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين من الهجرة. ويقال على رأس ستة عشر شهرا، في منزل البراء بن معرور. فقال اليهود: «آمنوا بما جاء محمد أول النهار،
стр. 298
واكفروا به آخره». فأنزل الله الآيتين (١). وقوم يقولون: صرفت في صلاة الصبح. والأول أثبت.
٦٣٠ - وفرض صيام شهر رمضان في شعبان سنة اثنتين من الهجرة. وفي سنة أربع من الهجرة حرمت الخمر.
٦٣١ - وفي سنة اثنتين من الهجرة ولد عبد الله بن الزبير بالمدينة. وفيها ولد النعمان بن بشير. وهما أول مولودين بالمدينة في الإسلام من أصحاب رسول الله ﷺ .
٦٣٢ - قالوا: وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قوم فقراء، لا منازل لهم. وكانوا في صفة، يأوون إليها في المسجد. منهم واثلة بن الأسقع الكنانى، أبو قرصافة، وأبو هريرة، وأبو ذر ويختلف فيه. وكان منهم نبيط بن شريط الأشجعي (٢). وكان منهم طلحة بن عمرو الليثي، ويقال: طلحة بن عبيد الله، ونزل البصرة.
٦٣٣ - حدثنا هشام بن عمار، عن صدقة القرشي، عن زيد بن واقد، عن بشر بن عبد الله، عن واثلة ابن الأسقع قال:
كنت من أصحاب الصفة، وما منا إنسان يجد ثوبا تاما، قد جعل الغبار والعرق في جلودنا طرقا.
٦٣٤ - وحدثنا هشام، ثنا أبو حفص، حدثني عبد الرحمن بن أبي قسيمة، عن واثلة بن الأسقع الليثي أنه حدث، قال:
كنت في محرس يقال له الصفة ونحن عشرون رجلا. نابنا (٣) جوع.
وكنت أحدث أصحابي سنا. فبعثوني إلى النبي ﷺ أشكو جوعهم.
فالتفت في بيته، فقال: هل من شيء؟ قالوا: نعم، ها هنا كسرة أو كسر، وشيء من لبن. قال: فأتوني به. ففت الكسر فتا دقيقا، ثم صب عليه اللبن، ثم
стр. 299
جبله (١) بيده حتى جعله كالثريد، ثم قال: يا واثلة، ادع عشرة من أصحابك، وخلف عشرة. ففعلت. فقال رسول الله ﷺ : اجلسوا بسم الله.
فجلسوا. فقال: كلوا بسم الله من حواليها، واعفوا رأسها فإن البركة تأتي من فوقها.
قال: فرأيتهم يأكلون حتى تملوا (٢) شبعا. ثم قال لهم: انصرفوا إلى مكانكم، وابعثوا أصحابكم. فأمرهم بمثل الذي أمر به الأولين. فأكلوا حتى ملوا (٣) شبعا، وإن فيها لفضلة وقمت متعجبا مما رأيت.
٦٣٥ - وكان عباد بن خالد الغفاري من أهل الصفة. ومات أيام معاوية. وكان مهم ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله ﷺ ، صحبه قديما.
وبقي إلى آخر أيام الحرة. وكان منهم جرهد بن رزاح الأسلمي أبو عبد الرحمن، بقي إلى زمن معاوية. ويقال: إلى زمن يزيد. ويعيش بن طخفة الغفاري.
باب الأذان:
٦٣٦ - قالوا: وائتمر رسول الله ﷺ وأصحابه أن يجعلوا شيئا للاجتماع للصلاة. فقال بعضهم: الناقوس. وقال بعضهم: البوق. فروي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى في نومه أن لا يجعلوا شيئا من ذلك، وأن يؤذنوا بالصلاة. فأتى رسول الله ﷺ فوجد بلالا يؤذن. فقال له رسول الله ﷺ ، حين قص رؤياه: سبقك الوحي يا عمر.
٦٣٧ - وقد روي أيضا أن عبد الله بن زيد بن ثعلبة الخزرجي رأى في النوم أنه مر به رجل ومعه ناقوس، فقال له: أتبيع الناقوس؟ فقال الرجل: وما تصنع به؟ قال: أضرب ليجتمع المسلمون للصلاة. فقال: أجيئك بخير من ذلك؟
تقول: الله أكبر الله أكبر حتى تختم الأذان بلا إله إلا الله. فأتى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد الوحي قد سبقه بذلك. فأمر بلالا، فأذن.
٦٣٨ - قالوا: وكانت بالمدينة تسعة مساجد. فكانوا يصلون فيها، ويجمعون مع رسول الله ﷺ .
стр. 300
أسماء المنافقين من الخزرج:
٦٣٩ - عبد الله بن أبي بن سلول، رأس المنافقين، القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل (١). وسلول أم أبي، وهي خزاعية، وأبوه مالك بن الحارث. جد بن قيس، وهو القائل لرسول الله ﷺ ، وقد ندب الناس إلى غزو تبوك، وذكر بنات الأصفر: ائذن لي ولا تفتني ببنات الأصفر (٢). وقال رسول الله ﷺ لبني سلمة: من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: جد بن قيس على بخل فيه. فقال: «وأي داء أدوأ من البخل؟ سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور». عدي بن ربيعة الذي كان يؤذي رسول الله ﷺ ، ورماه مرة بقذر، وكان أعمى. وابنه سويد بن عدي. قيس بن عمرو بن سهل، حدثنى به (٣) سعيد الأنصاري المحدث. سعد بن زرارة، وكان يدخن على رسول صلى عليه وسلم بالشعر. زيد بن عمرو. عقبة بن قديم، حليف. وذكروا أن أبا قيس بن الأسلت أتى النبي ﷺ في السنة الأولى من الهجرة، فعرض عليه الإسلام. فقال: ما أحسن ما تقول وتدعو إليه، وسأنظر في أمري وأعود إليك. فلقيه ابن أبي، فقال له: كرهت والله حرب الخزرج. فقال: لا أسلم سنة. فمات في ذي الحجة سنة إحدى.
حدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل بثوبه، ونزلت: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا)، الآية (٤).
стр. 301
المنافقون من الأوس (١):
٦٤٠ - ومن الأوس: الجلاس بن سويد بن الصامت، من بنى حبيب بن عمرو ابن عوف. وكان عبد الله بن المجذر بن ذياد البلوى قتل أباه سويدا في الجاهلية.
فلما كان يوم أحد، قتل الجلاس بن سويد: المجذر غيلة. فأخبر جبريل رسول الله ﷺ بذلك، وأمره بقتل الجلاس بالمجذر. فركب رسول الله ﷺ إلى بني عمرو بن عوف في يوم حار، فخرجوا يسلمون عليه، وخرج الجلاس في ملاءة صفراء. فدعا رسول الله ﷺ عويم بن ساعدة، وأمره بقتله. فقدمه إلى باب المسجد، فضرب عنقه. وكان الجلاس يقول: إن كان هذا الرجل صادقا، لنحن شر من الحمير. فبلغ النبي ﷺ ذلك. فحلف له أنه ما قاله. فأنزل الله فيه: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)، الآية (٢).
الحارث بن سويد بن الصامت، أخوه. يقال إنه الذي قتل المجذر، فقتله رسول الله ﷺ ، وأن الجلاس كان ممن تخلف عن غزاة تبوك. والقول الأول قول الكلبي. ودري بن الحارث (٣). بجاد بن عثمان بن عامر. نبتل بن الحارث الذي قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن ينظر إلى شيطان، فلينظر إلى نبتل» وكان أدلم، ثائر الشعر، جسيما، أحمر العينين، أسفع (٤) الخدين. وكان ينقل حديث النبي ﷺ إلى المنافقين.
عبد الله بن نبتل، وهو الذي كان ينقل أيضا حديث النبي ﷺ .
قال الواقدي: وكان خارجة بن زيد بن ثابت يسقي الناس الماء المبرد بالعسل.
وكان عبد الله القراظ، وهو فارسي سبي في خلافة عمر بن الخطاب، يأتيه.
فإذا رآه، قال: اسقوه. فيسقى. فجاء ذات يوم وقد حضر رجل من ولد عبد الله ابن نبتل، فجعل يهزأ به. وكان القراظ عظيم الرأس والأذنين، له خلقة منكرة،
стр. 302
فقال له: من أنت يا فتى؟ قال: رجل من الأنصار. قال: مرحبا بالأنصار، ممن (١) أنت منهم؟ قال: أنا فلان بن الحارث بن عبد الله بن نبتل. فقال:
«أما جدك فلم ينصر، أعلمت ما نزل فيه من القرآن؟ أما تدري ما صنعت به تراه فضحته. والله وهي الفاضحة». قيس بن زيد، قتل يوم أحد.
أبو حبيبة (٢) بن الأزعر، وكان ممن بنى (٣) مسجد الضرار: ثعلبة بن حاطب ابن عمرو بن عبيد. معتب بن قشير. وثعلبة ومعتب هما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (٤). ومعتب هو الذي قال يوم أحد: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا (٥). وهو القائل يوم الأحزاب: يعدنا محمد كنوز قيصر، وأحدنا لا يقدر على إتيان الغائط، ما هذا إلا غرور (٦). ويقال إن جد بن قيس القائل ذلك. ورافع بن زيد.
وفيه وفي معتب ونفر من أصحابهما نزلت: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت)، الآيتين (٧) وكان خصماؤهم دعوهم في خصومتهم إلى النبي ﷺ ، فأبوا ذلك وقالوا: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف. فسماه رسول الله ﷺ طاغوتا. وفي رواية أخرى: فسماه الله. ويقال إنهم دعوهم إلى الكاهن. وجارية ابن عامر بن مجمع (بن العطاف، وبنوه يزيد وزيد ومجمع. وهم ممن اتخذ مسجد الضرار. وكان مجمع بن جارية قد قرأ القرآن، فكان يصلي بهم فيه. ويقال إن مجمع بن جارية لم يكن منافقا. ويقال إنه نافق ثم صح إسلامه، وعني بالقرآن حتى حفظه. ومربع بن قيظي القائل للنبي ﷺ : أحرج عليك أن تمر في حائطي. وهو القائل يوم الخندق: «إن
стр. 303
بيوتنا عورة (١). فأذن لنا في المقام». ويقال إن الذي قال ذلك بالخندق معتب ابن قشير. ومربع هذا عم عرابة بن أوس بن قيظى الجواد الذى مدحه الشماخ ابن ضرار. وكان عرابة قد أقبل من الطائف، ومعه أبعرة عليها زبيب وأدم.
فعن له الشماخ بن ضرار، فاستطعمه من الزبيب. فقال: خذ برأس القطار.
فقال الشماخ: أتهزأ بي؟ فقال: خذ عافاك الله برأس القطار، فهو لك.
فأخذ الإبل بما عليها، وقال (٢):
رأيت عرابة الأوسي ينمى (٣) … إلى الخيرات منقطع القرين
وعباد بن حنيف بن واهب بن العكيم، أخو عثمان وسهل ابنى حنيف ابن واهب. وكان عباد ممن بنى مسجد الضرار. وفيه نزلت: إنما كنا نخوض ونلعب (٤)». وخذام بن خالد. وهو أخرج مسجد الضرار من داره. ويقال إن الذي أخرجه من داره وديعة بن خذام. ورافع وبشير ابنا زياد. وقيس بن رفاعة الشاعر، وكان يختلف هو والضحاك بن حنيف إلى كنيسة يهود، فأصاب عينه قنديل، فذهبت. وحاطب بن أمية بن رافع بن سويد الذي قيل لابنه، وحمل مرتثا: أبشر بالجنة. فقال حاطب: جنة من حرمل، لا يغرنك (٥) هؤلاء يا بني. وبشر بن أبيرق الظفري. وهو أبو طعمة. واسم الأبيرق الحارث ابن عمرو بن حارثة بن الهيثم بن ظفر. واسم ظفر: كعب. وكان بشر شاعرا منافقا.
حدثني خلف بن سالم المخزومي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن الحسن قال: سرق ابن أبيرق درعا من حديد، ثم ثم رمى بها رجلا بريئا. فجاء قومه إلى النبي ﷺ فعذروه عنده، فأنزل الله فيه:
(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس. بما أراك الله ولا تكن للخائنين
стр. 304
خصيما، إلى قوله (وساءت مصيرا (١). فلما أنزلت فيه هذه الآيات، لحق بالمشركين، فمكث بمكة زمينا، ثم نقب على قوم بيتهم ليسرق متاعهم. فألقى الله عليه صخرة فشدخته، فكانت قبره.
وروى عن محمد بن إسحاق (٢)، عن عاصم بن عمر بن قتادة الظفري، عن أبيه عن قتادة بن النعمان بن زيد ابن عامر بن سواد بن ظفر قال:
كان أهل بيت منا ذوو فاقة، يقال لهم بنو أبيرق: بشر، وبشير، ومبشر. وكان بشر منافقا يهجو أصحاب النبي ﷺ ، ثم ينحله بعض العرب. فإذا سمعه أصحاب رسول الله ﷺ ، قالوا: والله ما قاله إلا الخبيث بشر. فقال:
أو كلما قال الغواة قصيدة … أصموا وقالوا ابن الأبيرق قالها (٣)
متغصبين (٤) كأنني أخشاهم … جدع الإله أنوفهم فأمالها
قال: فابتاع رفاعة بن زيد بن عامر، عمي، جملا من درمك من ضافطة قدمت من الشام. وإنما كان طعام الناس بالمدينة الشعير والتمر. فكان الموسر منهم يبتاع من الدرمك ما يخص به نفسه. فجعل عمي ذلك الدرمك في مشربة له، وفيها درعان وسيفان وما يصلحهما. فعدي عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح، أتانى فقال: يا ابن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا. فتحسسنا (٥) في الدار وسألنا. فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقروا في هذه الليلة، ولا نرى ذلك إلا من طعامكم. قال: وجعل بنو أبيرق ونحن نبحث ونسأل في الدار، يقولون: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل بن الحارث بن عروة بن
стр. 305
عبد رزاح بن ظفر. وكان للبيد صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد قولهم، اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟ والله ليخالطنكم سيفي أو لتبينن (١) هذه السرقة. قالوا:
إليك عنا أيها الرجل، فلست بصاحبها. فسألنا وفحصنا، حتى لم نشك في أن بني أبيرق أصحابها. فقال عمي: لو أتيت النبي ﷺ فأخبرته؟
قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت له: يا رسول الله إن أهل بيت منا ذوي فاقة وجفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا السلاح، ولا حاجة لنا في الطعام. (فقال النبي ﷺ : سآمر في ذلك) (٢) فلما سمع بنو أبيرق بذلك، أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه. فانطلق وجماعة من أهل الدار معه إلى النبي ﷺ فكلموه في ذلك، وقالوا: إن قتادة ابن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، فرمياهم بالسرقة عن غير ثبت ولا بينة. قال قتادة: وأتيت النبي ﷺ فكلمته.
فتجهمني، وقال: بئس ما صنعت وما أتيت به ومشيت فيه: عمدت إلى أهل بيت ذكر لي عنهم صلاح وإسلام ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة. قال:
فرجعت وأنا أود أني خرجت من جل مالي ولم أكلم (٣) رسول الله ﷺ في ذلك. وأتاني عمي، فقال: ما صنعت؟ فأخبرته بقول رسول الله ﷺ ، فقال: الله المستعان. ولم أتلبث أن نزل: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما، يعنى بنى أبيرق- (واستغفر الله- أي مما قلت لقتادة- إن الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما- يعني بني الأبيرق- يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا
- يعنى بشيرا وأصحابه- فمن يجادل الله
стр. 306
عنهم يوم القيامة
- أي عن بني أبيرق أم من يكون عليهم وكيلا؟ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما. (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه، وكان الله عليما حكيما) (١) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا
- قولهم للبيد بن سهل- (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء،
يعني بشيرا وأصحابه. قال: فلما نزل القرآن، اشتد بنو ظفر على بني أبيرق حتى أخرجوا السلاح. فأتى به رسول الله ﷺ ، فرده إلى رفاعة. قال قتادة: فأتيت عمي بالسلاح، وكنت أرى أن إسلامه مدخول. فقال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه صحيح. قال: ولحق بشر بن أبيرق- وهو يصغر فيقال: بشير- بالمشركين. فنزل بمكة على سلافة بنت سعد بن شهيد، أخت عمير بن سعد ابن شهيد، وهو من بني عمرو بن عوف، من (٢) الأوس، وكانت سلافة تحت طلحة بن أبي طلحة العبدري. فأنزل الله ﵎: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم.
وساءت مصيرا. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) (٣). ولما نزل بشر على سلافة، كان يقع في أصحاب رسول الله ﷺ ويقول في رسول الله، فهجاه حسان بن ثابت، ورمى سلافة به. فأخذت رحله، فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، وقالت: «أهديت إلي شعر حسان. ما كنت لتأتيني بخير». قال حسان (٤):
وما سارق الدرعين إن كنت ذاكرا … بذي كرم عند الرجال أوادعه
لقد أنزلته بنت سعد فأصبحت … ينازعها جلد استه وتنازعه
стр. 307
فهلا بشير حيث جاءك راغبا … إليه ولم تعمد له فترافعه
ظننتم بأن يخفي الذي قد فعلتم … وفيكم نبي مفلح من يتابعه
ولولا رجال منكم أن يسوءهم … هجائى لقد جلت عليكم طوالعه
وجدناهم يرجونكم قد علمتم … كماء الغيث يرجيه السمين ويانعه
وأن تذكروا كعبا إذا ما نسيتم … فهل من أديم ليس فيه أكارعه
وقد روى أن الذي رماه بنو أبيرق بالدرعين يهودي يقال له النعمان بن مهض (١). وليس بثبت. وقال بعض الظفريين:
بنى الأبرق المشئوم هلا نهيتم … سفيهكم عن آل زيد بن عامر
أردتم بأن ترموا ابن سهل بغدرة … جهارا. ومن يغدر فليس بغادر
الضحاك بن خليفة الأشهلي. وقزمان، حليف بني ظفر، ولا يعرف نسبه، ويكنى أبا الغيداق. رمى يوم أحد زرارة بن عمير العبدري- ويقال يزيد بن عمير- فقتله، وقتل قاسط بن شريح العبدري، وقطع يد صؤاب الحبشي مولى بني عبد الدار ثم رماه فقتله. وكان قزمان قد امتنع من الخروج يوم أحد حتى عيرته النساء، وقلن: إنما أنت امرأة. فأخذ سيفه وقوسه، وقاتل حمية وأنفة لقومه، وجعل يقول: قاتلوا، معشر الأوس، عن أحسابكم فالموت خير من العار والفرار. وكان النبي ﷺ يقول: قزمان في النار.
وأثبت يوم أحد، فحمل إلى دار بني ظفر، فقيل له: أبشر أبا الغيداق بالجنة، فقد أبليت اليوم وأصابك ما ترى. فقال: «أي جنة؟ والله ما قاتلت إلا حمية لقومي». فلما اشتد به الوجع، أخرج سهما من كنانته فقطع به رواهش يده، فقتل نفسه. وفيه يقول رسول الله ﷺ : أن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. وأبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن النعمان، من الأوس. وكان يناظر أهل الكتاب، ويميل إلى النصرانية، ويتتبع الرهبان ويألفهم، ويكثر الشخوص إلى الشام، فسمي الراهب. فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ ، حسده، ومر إلى مكة وقاتل مع قريش. ثم أتى الشأم،
стр. 308
فمات هناك. فتخاصم في ميراثه كنانة بن عبد يا ليل الثقفى، (وكان ممن حسد رسول الله ﷺ فشخص إلى الشام)، وعلقمة بن علاثة وكان بالشام أيضا وكان مسلما، ويقال: بل كان مشركا ثم إنه أسلم حين قدم، فأتى رسول الله ﷺ ، فبايعه.
حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده إنه حكم بميراث أبي عامر لكنانة بن عبد يا ليل لأنه من أهل المدر.
وحرمه علقمة لأنه بدوي. وكان الحاكم بذلك صاحب الروم بدمشق.
وقوم يقولون: إنه اختصم في ميراثه كنانة وعامر بن الطفيل. وذلك غلط، لأن عامرا أتى النبي ﷺ ومعه أربد بن قيس. وهما يريدان برسول الله ﷺ أمرا، حال الله بينهما وبينه. فدعا النبي ﷺ عليهما. فأما أربد، فأصابته صاعقة فأحرقته. وأما عامر فأصابته غدة كغدة البعير في عنقه، فمات. وذلك في سنة خمس. وقال الهيثم بن عدي:
كان أبو عامر يهم بادعاء النبوة. فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ وهاجر، حسده فهرب إلى مكة فقاتل، ثم أتى الشام. وقال الواقدي:
هرب أبو عامر إلى مكة، فكان يقاتل مع المشركين. فلما فتحت مكة، هرب إلى الطائف. فلما أسلموا، هرب إلى الشام. فدفع ميراثه إلى كنانة ابن عبد يا ليل الثقفى، وكان ممن هرب أيضا.
حدثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا بهز بن أسد، أنبأ حماد بن زيد، أنبأ أيوب، عن سعيد بن جبير أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا، فيصلى بهم فيه رسول الله ﷺ وسلم. فحسدهم بنو إخوتهم بنو غنم بن عوف، فقالوا: بنينا أيضا مسجدا، وبعثنا إلى رسول الله ﷺ فصلى بنا فيه كما صلى في مسجد أصحابنا، ولعل أبا عامر أن يمر بنا إذا أتى من الشام فيصلي بنا فيه. فلما قام رسول الله ﷺ لينطلق إليهم، أتاه الوحي، فنزل عليه فيهم: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله (١). قال: هو أبو عامر.
стр. 309
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ هشام بن عروة أنه قال:
في هذه الآية: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، قال: كان سعد بن خيثمة بنى مسجد الأضرار (١)، وكان موضعه للبة، تربط فيه حمارها. فقال أهل مسجد الشقاق: أنحن نسجد في موضع كان يربط فيه حمار لبة؟ لا، ولكنا نتخذ مسجدا نصلي فيه حتى يجيئنا أبو عامر فيصلي بنا فيه. وكان أبو عامر قد فر من الله ورسوله إلى أهل مكة، ثم لحق بالشام، فتنصر. فأنزل الله: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، يعني أبا عامر. قالوا:
فبعث رسول الله ﷺ ، لما نزل عليه القرآن، إلى ذلك المسجد، فهدمه. قالوا: وحضر قوم من المنافقين مسجد رسول الله ﷺ ، فجعلوا يضحكون ويلعبون ويهزءون، فأمر رسول الله ﷺ بإخراجهم فقام أبو أيوب إلى قيس بن عمرو، فجر برجله حتى أخرجه من المسجد. وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو، وكان طويل اللحية، فأخذ بلحيته فقاده بها قودا عنيفا، حتى أخرجه. وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى دري ابن الحارث، فأخرجه، فأخرجوا جميعا.
٦٤١ - حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، قال: مثل المنافق مثل الشاة العابرة بين القطيعين.
أسماء عظماء يهود:
من بنى النضير:
حيى، ومالك، وأبو ياسر، وجدي بنو أخطب. وفيهم وفي نظرائهم نزل: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)﴾،
стр. 310
إلى قوله: (عذاب عظيم (١). وسلام بن مشكم الذي نزل عليه أبو سفيان ابن حرب بن أمية، فقال فيه أبو سفيان.
سقاني فرواني عقارا سلافة … على ظمأ مني سلام بن مشكم
وامرأة سلام هذا، واسمها زينب بنت الحارث، هي التي أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة مسمومة. وكنانة، وربيع، ورافع، وأبو رافع (واسمه سلام) بنو أبي الحقيق. وكعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان، حليف بني النضير، وأمه عقيلة بنت أبي الحقيق. وكان أبوه أصاب دما في قومه، فأتى المدينة. وكان كعب طوالا، جسيما، ذا بطن وهامة ضخمة. وهو الذي قال يوم بدر: بطن الأرض خير من ظهرها، هؤلاء ملوك الناس وسرواتهم- يعنى قريشا- قد أصيبوا. فخرج إلى مكة، ونزل على أبي وداعة بن ضبيرة، وجعل يهجو المسلمين، ورثى قتلى بدر فقال (٢):
طحنت رحى بدر مهلك أهله … ولمثل بدر تستهل وتدمع
قتلت سراة الناس حول حياضهم … لا تبعدوا إن الملوك تصرع
ويقول أقوام غوى أمرهم … إن ابن أشرف ظل كعبا يجزع
صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا … ظلت تسيخ بأهلها وتصدع
نبئت أن الحارث بن هشامهم … في الناس يبنى الصالحات ويجمع
ليزور يثرب بالجموع وإنما … يسعى على الحسب القديم الأروع
فأمر رسول الله ﷺ حسان بهجاء من نزل كعب عنده، حتى رجع إلى المدينة. وكان كعب كما وصفنا. حجاج، ويجرى ابنا عمرو.
أبو رافع. سعد بن حنيف، كان متعوذا بالإسلام. رفاعة بن قيس. فنحاص الذي سمع قول الله: وأقرضوا الله قرضا حسنا* (٣)، فقال: أرانا أغنى من رب محمد حين يستقرض منا، فنزلت فيه: لقد كفر الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا) (٤). محمود بن دحية. عمرو بن جحاش.
стр. 311
عزيز بن أبى عزيز. نباش بن قيس. سعية. بن عمرو. نعمان بن أوفى.
سكين بن أبي سكين. زيد بن الحارث. رافع بن خارجة. أسير بن زارم، ويقال: رزام، كان يحرض على النبي ﷺ ويبسط لسانه فيه، ثم أتى خيبر فبعث رسول الله ﷺ من قتله، وعدة من اليهود معه. مخيريق الذي أسلم وقاتل مع النبي ﷺ يوم أحد، وأعطاه ماله، فوقفه، ويقال إنه من غير بني النضير.
٦٤٣ - ومن بنى قينقاع:
كنانة بن صوبرا (١)، ويقال: صوريا. زيد بن اللصيت الذي قال: «زعم محمد إنه يأتيه خبر السماء، فضلت ناقته فليس يدري أين هي؟». فدله الله عليها، فوجدت وقد تعلق خطامها بشجرة. سويد، وداعس كانا منافقين يتعوذان بالإسلام. مالك بن أبي قوقل، كان متعوذا بالإسلام ينقل أخبار النبي ﷺ إلى يهود، وهو حبر من أحبارهم (٢).
ويقال إن مخيريق منهم.
٦٤٤ - ومن بني قريظة:
الزبير بن باطا بن وهب. كعب بن أسد. عزال (٣) ابن شمويل. سهل بن زيد. وهب بن زيد. علي بن زيد. قردم بن كعب.
كردم بن حبيب. رافع بن رميلة. رافع بن حريملة، متعوذ، وهو الذي قال النبي ﷺ يوم مات: «لقد مات اليوم منافق عظيم النفاق».
لبيد بن أعصم الذي كان يتعاطى السحر. سلسلة بن أبراهام، وبعضهم يقول بهرام، والأول أصح. وكان سلسلة متعوذا. رفاعة بن زيد بن التابوت. الحارث ابن عوف. سعية بن عمرو منهم، وهو القائل:
يخبرني عن غائب المرء هديه … كفى مخبرا عن غائب المرء ما يبدي
ويقال إن هذا الشعر لسعية بن عمرو النضري.
٦٤٥ - ومن بني حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس:
أبو (٤) سنينة.
стр. 312
٦٤٦ - ومن بني عبد الأشهل:
يوشع. وكان يبشر بالنبي ﷺ .
فلما بعث، آمن به بنو عبد الأشهل سواه. وفيه وفي ضرباء له نزل: فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، إلى قوله (وللكافرين عذاب مهين) (١).
٦٤٧ - قالوا: وكان رسول الله ﷺ عند قدومه المدينة وادع يهودها، وكتب بينه وبينهم كتابا، واشترط عليهم أن لا يمالئوا عدوه وأن ينصروه على من دهمه وأن لا يقاتل عن أهل الذمة. فلم يحارب أحدا، ولم يهجه (٢)، ولم يبعث سرية حتى أنزل الله عليه: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم (لقدير))، إلى قوله (ولله عاقبة الأمور (٣). فكان أول أيام عقده لواء حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه.
حدثنا سريج بن يونس أبو (٤) الحارث، ثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:
أول آية نزلت في القتال: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير).
وحدثنا محمد بن حاتم المروزي، ثنا معمر، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن عروة أن أول آية نزلت في الجهاد: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا)، إلى قوله (لقوي عزيز (٥).
стр. 313
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غزوات رسول الله ﷺ
٦٤٨ - غزاة الأبواء، وهي غزاة ودان.
خرج رسول الله ﷺ في صفر على رأس اثني عشر شهرا من هجرته يريد عيرا لقريش. فبلغ هذين الموضعين، وبينهما ستة أميال. ولم يلق كيدا. فانصرف إلى المدينة. وكان خليفته عليها في هذه المرة سعد بن عبادة الخزرجي. وغاب عنها خمس عشرة ليلة. وفي هذه الغزاة وادع بني ضمرة بن كنانة على أن لا يغزوهم ولا يغزونه وألا يعينوا عليه أحدا.
٦٤٩ - ثم غزاة بواط.
خرج رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة اثنتين من الهجرة في طلب غير لقريش، فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش. فلم يلق كيدا. وكان الخليفة على المدينة سعد بن معاذ الأوسي، من ولد النبيت، من بني عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج ابن النبيت، واسمه عمرو بن مالك بن الأوس.
٦٥٠ - ثم غزاة سفوان.
خرج رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول أيضا في طلب كرز بن جابر الفهري، وقد أغار على سرح المدينة وكان يرعى بالجماء ونواحيها، حتى بلغ بدرا. ثم رجع ولم يلق كيدا. ولم يدرك السرح.
وكان خليفته على المدينة زيد بن حارثة الكلبي مولاه.
٦٥١ - ثم غزاة ذي العشيرة،
ويقال ذات العشيرة في جمادى الآخرة سنة اثنتين.
خرج ﷺ إليها لطلب عير قريش، التي كان القتال يوم بدر بسببها، في مائة وخمسين ندبهم. ويقال في مائتين. ولم يكن معهم غير فرس واحد. ومر بنى مدلج (١) فضيفوه وأحسنوا ضيافته ففاتته العير ولم يلق كيدا.
وكان خليفته بالمدينة أبو سلمة بن (٢) عبد الأسد المخزومي.
стр. 314
٦٥٢ - ثم غزاة بدر القتال.
وبدر ماء كان ليخلد بن النضر، ويقال لرجل من جهينة. واسم الوادي الذي هو به يليل (١). وبين بدر والمدينة ثمانية برد. قالوا:
وتحين رسول الله ﷺ انصراف العير التي خرج لها إلى ذي العشيرة من الشام، فندب أصحابه لها وقال: هذه عير قريش قد أقبلت وفيها جل أموالهم. وكانت العير ألف بعير. وكان في العير أبو سفيان بن حرب، ومخرمة ابن نوفل الزهري، وعمرو بن العاص وغيرهم من الوجوه. ولم يظن رسول الله ﷺ أنه يحارب. فذلك قول الله ﵎: «وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم». وكان خروجه من المدينة يوم الأحد لاثنتي عشرة.
ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين. وأبطأ عن رسول الله ﷺ قوم من أصحابه إذ لم يحسبوا (٢) أنهم يحاربون. وهم أسيد بن حضير الأوسي، وسعد بن عبادة، ورافع بن مالك، وعبد الله بن أنيس، وكعب بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن. ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، هناه أسيد بنصر الله وإظهاره إياه على عدوه، واعتذر من تخلفه، وقال: إنما ظننت أنها العير ولم أظن أنك تحارب. فصدقه رسول الله ﷺ . وكان خبيب بن إساف ذا بأس (و) نجد، ولم يكن أسلم ولكنه خرج منجدا لقومة من الخزرج طالبا للغنيمة. فقال له رسول الله ﷺ : لا يصحبنا إلا من كان على ديننا. فأسلم وأبلى.
وعرض رسول الله ﷺ أصحابه حين برز من المدينة، فاستصغر عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد مولاه، ورافع بن خديج، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت فلم يجزهم. ورد عمير بن أبي وقاص، فبكى، فأجازه، فكان سعد ابن أبي وقاص أخوه يقول: لقد عقدت حمائل سيفه، وإنما لتقصر، وذلك لصغره. ووجه رسول الله ﷺ طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد ابن عمرو يتحسسان خبر قريش والعير. فقد ما المدينة ثم شخصا منها فلقيا
стр. 315
رسول الله ﷺ وهو قافل، فضرب لهما بسهمهما في المغنم وبأجرهما.
وضرب رسول الله ﷺ لعثمان بن عفان بسهمه وأجره، وكان خلفه على امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة مرضها الذي توفيت فيه. وضرب لبسبس بن عمرو (١)، وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين بسهمهما وأجرهما، وبعث بهما ليعرفا خبر العير ومن فيها من قريش وهم ثلاثون رجلا، ومن فيها من غيرهم، وإلى أين بلغت. فعرفا ذلك. ثم أقبلا إلى المدينة ولم يشهد بدرا. واستخلف على المدينة في هذه الغزاة أبا لبابة بن عبد المنذر، فضرب له بسهمه وأجره. وخلف عاصم بن عدي على قباء وأهل العالية، فضرب له بسهمه وأجره. وكسر خوات بن جبير بالروحاء، فضرب له بسهمه وأجره.
وأمر الحارث بن حاطب بأمر في بني عمرو بن عوف، فضرب له بسهمه وأجره.
وكسر الحارث بن الصمة، فضرب له بسهمه وأجره. ويقال إنه ضرب لجعفر ابن أبي طالب وهو بالحبشة بسهمه وأجره، والثبت أنه ضرب لطلحة، وسعيد، والجهنيين، وعثمان، وأبي لبابة، وعاصم بن عدي، وخوات. وكان مع المسلمين سبعون بعيرا، فكانوا يتعاقبون عليها: البعير بين الرجلين والثلاثة والأربعة وكان بين النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة بعير.
وكان بين حمزة ومرثد بن أبي مرثد حليفة، وأبي كبشة، وأنسة مولى رسول الله ﷺ بعير. وكان بين عبيدة، والطفيل، والحصين بنى الحارث، ومسطح ابن أثاثة ناضح ابتاعه عبيد (ة) بن الحارث، من أبي داود الأنصاري ثم المازني. وكان بين عثمان، وبني مظعون بعير. وكان مع المسلمين فرسان.
أحدهما للزبير بن العوام، يسمى السيل. والآخر للمقداد بن عمرو البهراني (٢) ربيب الأسود بن عبد يغوث. ويقال إنه لم يكن للزبير فرس، وإنه كان لمرثد ابن أبي مرثد فرس. ولم يختلفوا في فرس المقداد. ولا في أنه لم يكن مع المسلمين إلا فرسان. وكان يقال لفرس المقداد سبحة. وقال الواقدي: كان المسلمون الذين أسهم لهم رسول الله ﷺ في غنائم بدر ثلاث مائة وأربعة عشر رجلا، منهم الثمانية الذين لم يحضروا فأسهم لهم.
стр. 316
وحدثني عبد الواحد بن غياث البصري، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ حبيب بن الشهيد وهشام بن حسان عن عبيدة قال:
كان المسلمون يوم بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا، منهم أربعون من قريش.
وحدثني عبد الواحد، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ هشام بن عروة، عن عروة أن المشركين كانوا يوم بدر تسع مائة وخمسين رجلا.
وروى إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنه قال:
كان جميع من شهد بدرا من المسلمين ثلاث مائة وأربعة عشر رجلا، منهم من المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مائة وسبعون رجلا. قال الواقدي: والثبت أنهم كانوا ثلاث مائة وأربعة عشر، منهم من المهاجرين أربعة وسبعون، وسائرهم من الأنصار، وأنه لم يشهد بدر (ا) إلا قرشي أو حليف لقرشي أو مولى له، والأنصاري أو حليف للأنصاري أو مولى لهم.
٦٥٣ - قال: وكان مع المشركين مائة فرس، في بني مخزوم منها ثلاثون.
فنجوا منها بسبعين، وصار في أيدي المسلمين ثلاثون. وكان معهم من الإبل سبع مائة بعير. وكان أصحاب الخيل دار عين، وهم مائة. ولما بلغ أبا سفيان بن حرب طلب رسول الله ﷺ العير حين بدأ إلى الشام، ثم بلغه ما هو عليه من طلبها، جعل يسير مما يلي البحر ويعمي أخباره، ووجه ضمضم بن عمرو الكناني، وكان معهم في العير، إلى مكة لينذر قريشا ويستصرخهم. وقد جدع أنف بعيره، وشق قميصه من قبل ودبر، فدخلها وهو ينادي: الغوث الغوث، ذهبت عيركم وما عليها. واستنفر الناس، فنفروا على الصعب والذلول. وكان أبو سفيان قد اكترى ضمضما بعشرين دينارا حين بعثه. ويقال إنه بعثه من تبوك. قالوا: وأخرجت قريش معها القيان (١) بالدفوف: سارة (٢) مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، وعزة مولاه الأسود بن المطلب، ومولاة لأمية بن خلف. فجعلن يتغنين في كل منهل.
стр. 317
وخرجوا بالجيش يتعاذفون بالحرام بطرا ورياء للناس، كما قال ﵎ (١).
ونجا أبو سفيان وأصحابه، فبعث إلى قريش من الجحفة يعلمهم سلامته بما معه، وأنه لا حاجة بهم إلى التعرض لمحمد وأهل يثرب. فأبوا وقالوا: والله لا نطلب أثرا بعد عين، ولندعن محمدا وصبأته لا يعودون إلى التعرض لأموالنا وتجاراتنا بعدها. وكان أبو جهل يشحذهم، ويحرضهم، ويزعجهم للخروج. وامتنع أمية بن خلف الجمحي من الخروج إلى بدر، فأتاه أبو جهل وعقبة بن أبي معيط ومع أبي جهل، مكحل، ومع عقبة، مجمر- فقال له أبو جهل:
اكتحل فإنما أنت امرأة. وقال له عقبة: تجمر فإنما أنت جارية في أريكة.
وقال عتبة بن ربيعة، وكره الخروج، لأخيه شيبة بن ربيعة: أن ابن الحنظلية (٢) - يعنى أبا جهل بن هشام- رجل مشئوم، وليس يمسه من قرابة محمد ما يمسنا.
فقال له شيبة: إن فارقنا قريش ورجعنا كان ذلك علينا سبة، يا با الوليد وامض مع قومنا (٣). قالوا: وقال أبي بن شريق الثقفي، حليف بني زهرة: يا بني زهرة إن الله قد سلم عيركم، فارجعوا واعصبوا جبنها بي. فلما كان المساء، نزل عن بعيره، وقال لأصحابه: قولوا إنه قد نهش أبي. وخنس بهم راجعا، فسمى «الأخنس». ولم يشهد بدرا من كفار بني زهرة أحد. وفي ذلك يقول عدي ابن أبي الزغباء (٤):
أقم لها صدورها يا بسبس … إن مطايا القوم لا تحبس
واحملها على الطريق أكيس … قد صنع الله وفر الأخنس
قالوا: وعدى بنو عدي بن كعب منصرفين إلى مكة، فلقيهم أبو سفيان ابن حرب فقال: كيف رجعتم، فلا أنتم في العير ولا في النفير؟ فلم يشهد بدرا منهم أحد. قال الواقدي: وقال عمر بن الخطاب: يا بني عدي فيكم خصال:
لم يشهد بدرا منكم أحد، ولم تفتح مكة ومنكم مشرك. وكان رجوع بني عدي من ثنية لفت.
стр. 318
٦٥٤ - قالوا: ورأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وهو بين النائم واليقظان، كأن رجلا أقبل على فرس ومعه بعير له، فوقف فقال:
قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وعدد رجالا من أشراف قريش ممن قتل يوم بدر، ثم ضرب في لبة بعيره وأرسله، فلم يبق خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضخ من دمه. فبلغت الرؤيا أبا جهل، فقال: وهذا أيضا من بني المطلب، سيعلم غدا من المقتول إذا التقينا.
٦٥٥ - وكان الحارث بن عامر بن نوفل أراد أن لا يسير إلى بدر. وذلك أنه كان صديقا لضمضم. فأشار عليه أن لا يفعل. فلم يدعه عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأبو جهل، وبكتوه بالجبن، حتى خرج. وبكتوا أيضا حكيم بن حزام، وأبا البختري، وعلي بن أمية بن خلف بالجبن والضعف، حتى خرجوا، وكانوا أرادوا ألا يفعلوا.
٦٥٦ - قالوا: ورفد المقل المكثر وأعانه. وقوي سهيل بن عمرو جماعة من المشركين بحملانه وماله. وفعل زمعة بن الأسود مثل ذلك. وكان حنظلة وعمرو ابنا أبي سفيان يحرضان، ولم يبذلا شيئا، وقالا: إنما المال مال أبي سفيان. وكان من المحرضين طعيمة بن عدي. وأعطى حويطب بن عبد العزى قريشا ثلاث مائة دينار، ويقال مائتي دينار، فاشتري بها سلاح وظهر. ولم يتخلف أحد من قريش لعلة إلا وجه مكانه رجلا. فكان أبو لهب مريضا مرضه الذي مات فيه، فوجه العاص بن هشام بن المغيرة على أن أبرأه من مال كان عليه. ويقال إنه كان لاعبه على امرأة مطلقة، فقمره، فأسلمه قينا بمكة، ثم لاعبه فقمره، فوجهه إلى بدر مكانه. ومات أبو لهب بعد وقعة بدر بأيام يسيرة.
٦٥٧ - قالوا: وبعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى قريش يأمرها بالانصراف، فأبوا. ووجهوا عمير بن وهب الجمحى، فحرز المسلمين وما معهم، ثم أتاهم يعلم أمرهم.
٦٥٨ - قالوا: ونزل رسول الله ﷺ أدنى بدر عشية ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. وأمر فنودي: «أفطروا يا معشر العصاة»،
стр. 319
وكان أمرهم أن يفطروا، فلم يفطر قوم منهم، وكان ﷺ مفطرا.
قالوا: واستشار رسول الله ﷺ الأنصار. فأشار عليه الحباب ابن المنذر بن جموح أن ينزل على أدنى ماء من القوم ويغور ما سواه من القلب.
فوافق جبريل ﵇ فيما أتي به رسول الله ﷺ من ذلك.
فقال له رسول الله ﷺ : لقد أشرت بالرأي. فكان يدعى «ذا الرأي». واتخذ لرسول الله ﷺ عريش من جريد، فدخله وأبو بكر رضي الله تعالى عنه، فكانا يتشاوران فيه. وكانت وقعة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين. وكان شعار النبي ﷺ يوم بدر «أمت أمت». ويقال كان شعار المهاجرين «بني عبد الرحمن»، وشعار الخزرج «بني عبد الله»، وشعار الأوس «بني عبيد الله». وأمد الله رسوله ﷺ بالملائكة، وأظهره على المشركين، ونصره بالريح. فقال ﷺ : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور. وأخذ رسول الله ﷺ كفا من حصباء، فرمى به، وقال:
شاهت الوجوه. فانهزموا. ورأى أبو جهل عتبة بن ربيعة، فجبنه. فقال عتبة: يا مصفر استه، ستعلم أينا (١) أجبن. وكشف عن عرقوب فرس أبي جهل، وقال: «انزل، فما كل قومك راكب». ونزل عتبة، فدعا إلى البراز، فقتل. وكان لواء رسول الله صلى الله عليه يوم بدر مع مصعب بن عمير، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر. وكان للمشركين ثلاثة ألوية: لواء مع النضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة، ولواء مع أبي عزيز بن عمير.
٦٥٩ - قالوا: ولما تهيأ المسلمون للقتال، قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله، إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (٢)، ولكنا نقول: «اذهب فقاتل إنا معك مقاتلون». ويقال إنه
стр. 320
قال ذلك حين ندب رسول الله ﷺ المسلمين للخروج إلى بدر.
وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة في غزاة بدر بشير بن عبد المنذر بن زنبر (١) الأوسي، وهو أبو لبابة. وبعضهم يقول: «مبشر (٢)».
وكان الذي أتى أهل مكة بخبر وقعة بدر الحيسمان (٣) بن إياس الخزاعي. والذي أتي أهل المدينة يخبرها زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ .
وغنم رسول الله ﷺ ذا الفقار سيفه، وكان للعاص بن منبه بن الحجاج السهمي، وهو الثبت. ويقال: لمنبه، ويقال: لنبيه.
٦٦٠ - قالوا: ولما مرت قريش بإيماء (٤) بن رحضة، أهدى لقريش جزرا، وعرض عليها سلاحا. فقالوا: نحن مؤدون، وقد بررت وجعلت. وأيماء (٥) كناني، من بني غفار. وكان أبو سفيان يكثر أن يقول: وا قوماه، لقد شامهم ابن الحنظلية.
٦٦١ - قالوا: وقدم زيد المدينة حين سوي التراب على رقية ابنة رسول الله ﷺ بالبقيع. فقال رجل من المنافقين لأسامة بن زيد، وكان رسول الله ﷺ خلفه مع عثمان بالمدينة على رقية: قتل صاحبكم ومن معه. وقال آخر منهم لأبي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون بعده، وقتل محمد وهذه ناقته (٦) نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب.
قال أسامة بن زيد: فأتيت أبي، فكذب قول المنافقين. وقدم شقران بالأسرى.
٦٦٢ - وقال الواقدي، حدثني يزيد بن فراس الليثي، عن شريك بن أبي نمر (٧)، عن عطاء بن يزيد الليثي أن ابنا (٨) لحفص بن الأخيف، أحد بنى معيص بن عامر بن