مرى ابنك سلمة يزوجك. فزوجها رسول الله ﷺ ، وهو غلام.
ويقال إن الذي زوجه إياها عمر بن أبي سلمة. والثبت أن سلمة زوجه إياها.
وقال له رسول الله ﷺ حين زوجه ابنة حمزة بن عبد المطلب، وهي أمامة: هل جزيت، سلمة؟ فيقال إنه أصابه خبل من فالج قبل أن يضمها إليه. وتزوجها أخوه، ولم تلد له. وولدت أم سلمة لأبي سلمة: عمر، وسلمة، وزينب، ودرة، وزينب. (وزينب) هذه هي التي كان النبي ﷺ يدخل على أم سلمة فيقول: ما فعلت زناب؟ فشهد عمر الجمل مع على ﵇، بعثت به معه أمه، وقالت: «قد دفعته إليك وهو أعز علي من نفسي، فليشهد مشاهدك حتى يقضي الله ما هو قاض، فلولا مخالفة رسول الله ﷺ ، لخرجت معك كما خرجت عائشة مع طلحة والزبير». واستعمله علي على البحرين، ثم عزله وولاه فارس. ويقال ولاه حلوان، وماه، وما سبذان (١). وكانت وفاة النبي ﷺ وهو (٢) ابن تسع سنين، ويكنى أبا حفص، وقد حفظ عن النبي ﷺ ، ومات في أيام عبد الملك بن مروان بالمدينة.
حدثني محمد بن سعد، عن عبد الله بن مسلمة، عن سليمان بن بلال، عن أبي وجرة، عن عمر بن أبي سلمة قال:
قال لي النبي ﷺ : ادن مني، فسم الله، وكل مما يليك.
وحدثنى محمد بن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة قال:
رأيت النبي ﷺ يصلي في بيت أم سلمة في ثوب واحد، متوشحا به، واضعا طرفيه على عاتقه. وكانت زينب بنت أم سلمة ولدت بالحبشة، وتزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى.
٨٩٣ - قالوا: وكان السفير بين النبي ﷺ وبين أم سلمة،
стр. 457
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. ويقال حاطب بن أبي بلتعة.
فقالت: إني مسنة. فقال: وأنا أسن منك. قالت: فإني مصبية.
فقال: هم في عيال الله ورسوله. قالت: فإني غيور. قال: أنا أدعو الله أن يذهب عنك الغيرة. فدعاها لها، ثم إنه تزوجها.
وقالت أم سلمة: كان رسول الله ﷺ قال لي: إذا أصابتك مصيبة، فقولي: «اللهم أعطني أجر مصيبتي، وأخلف علي خيرا منها»، فقلت ذلك يوم توفي أبو سلمة، ثم قلت: «من لي مثل أبي سلمة؟»، فأخلف الله علي خيرا من أبي سلمة. قالوا: وابتني رسول الله ﷺ أم سلمة في بيت أم المساكين، فوجد فيه جرة فيها شيء من شعير، وإذا رحى وبرمة (١)، وفيها كعب (٢) من إهالة.
فكان ذلك طعام رسول الله ﷺ وأهله ليلة عرسه. قالوا:
وكان رسول الله ﷺ قال لأم سلمة حين دخل بها في صبيحتها: «إنه ليس بك على أهلك هوان، فإن شئت ثلث لك أو خمس أو سبع؟ فإني لم أسبع لامرأة من نسائي قط». فقالت: اصنع يا رسول الله ما شئت، فإنما أنا امرأة من نسائك. ويقال إن النبي ﷺ قال لأم سلمة: لك عندنا قطيفة تلبسينها في الشتاء، وتفرشينها في الصيف، ووسادة من أدم حشوها ليف، ورحيان تطحنين بهما، وجرتان في إحداهما ماء وفي الأخرى دقيق، وجفنة تعجنين وتثردين فيها. فقالت: رضيت. فكان ذلك مهرها.
٨٩٤ - حدثني محمد بن سعد (٣)، عن الواقدي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة، حزنت حزنا شديدا لما ذكر لنا من جمالها. فتلطفت حتى رأيتها فكان في عيني على أضعاف ما وصفت لنا. فذكرت ذلك لحفصة، وكنا يدا واحدة. فقالت: لا والله إن هذا
стр. 458
إلا غيرة، وما هي كما تقولين. قالت: ثم رأيتها بعد ذلك، فكانت كما قالت حفصة.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن هند بنت الحارث قالت:
قال رسول الله ﷺ : إن لعائشة مني شعبة ما نزلها أحد فلما تزوج أم سلمة، سئل عن الشعبة، فسكت. فعرف أن أم سلمة قد نزلت عنده بمنزلة لطيفة.
٨٩٥ - وتوفيت أم سلمة في شوال سنة تسع وخمسين، ودفنت بالبقيع.
ونزل في قبرها سلمة، وعمر ابناها، وعبد الله بن عبد الله بن أبي أمية وهو ابن أختها. ويقال إن أم سلمة توفيت في شهر رمضان سنة تسع وخمسين، وكان الوالي بالمدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. فخرج فصلى العصر ثم صلى عليها، وفي الناس ابن عمر وأبو سعيد الخدري. ويقال إن أم سلمة أوصت أن لا يصلي عليها الوليد بن عتبة، فركب في حاجة له استحياء من الناس، وصلى عليها أبو هريرة. وقد قيل إنها توفيت سنة إحدى وستين يوم عاشوراء. ويقال إن الوليد كان غائبا، وقد استخلف أبا هريرة، فصلى عليها أبو هريرة وكبر أربعا.
٨٩٦ - وسالف (١) رسول الله ﷺ من قبل أم سلمة: زمعة ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى: كانت تحته قريبة الكبرى بنت أبي أمية أخت أم سلمة لأبيها. وكانت أم قريبة هذه: عاتكة بنت عبد المطلب. فولدت له عبد الله، ووهبا، ويزيد، والحارث قتل يوم بدر كافرا. وعمر بن الخطاب ﵁: كانت عنده قريبة الصغرى، ففرق بينهما الإسلام ورجعت إلى الكفار، ثم أسلمت، فتزوجها معاوية، فقال له أبو سفيان: أتتزوج طعينة أمير المؤمنين؟ فطلقها، فتزوجها عبد الرحمن بن أبي بكر، فولدت له عبد الله.
فكانت عائشة عمته، وأم سلمة خالته. فكان معاوية سلف رسول الله ﷺ ، وكذلك عبد الرحمن بن أبي بكر ومنبه بن الحجاج
стр. 459
ابن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، كانت عنده ابنة لأبي أمية أخت أم سلمة لأبيها، فولدت رجلين. وعبد الله بن سعد بن جابر بن عمير بن بشير ابن بشر، من ولد بندقة (١) بن مظة بن سلهم بن الحكم بن سعد العشيرة، كانت تحته ابنة لأبي أمية بن المغيرة. وكانت عند عبد الله بن سعد هذا ابنة عفان، أخت عثمان، فولدت له محمدا، وولده بالمدينة، ومنهم ناس بالبصرة.
وسالف رسول الله ﷺ أيضا صهيب بن سنان، مولى عبد الله ابن جدعان التيمي، كانت عنده ريطة بنت أبي أمية. ويقال بل هي ابنة أبي ربيعة بن المغيرة ابنة عم أبي سلمة، وهي عمة عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر.
٨٩٧ - وتزوج رسول الله ﷺ
زينب بنت جحش بن رئاب
بن يعمر بن سبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليف بني أمية بن عبد شمس- وأمها أميمة بنت عبد المطلب- في سنة خمس لهلال ذي القعدة. ويقال إنه تزوجها رجوعه من غزاة المريسيع، وكانت المريسيع في شعبان سنة خمس. ويقال إنه تزوجها في سنة ثلاث، وليس ذلك بثبت.
٨٩٨ - (٢) (وكان سبب (٣) حلف جحش بن رئاب بني عبد شمس،
стр. 460
فيما أخبر به محمد بن الأعرابي، عن هشام الكلبي، عن أبيه والشرقي أن رجلا من بني أسد بن خزيمة، يقال له فضالة بن عبدة بن مرارة، قتل رجلا من خزاعة، يقال له هلال بن أمية. فقتلت خزاعة فضالة بصاحبها. فاستغاثت بنو أسد بكنانة، فأبوا أن يعينوهم. فحالفوا بني غطفان. فالحليفان أسد وغطفان. وقال جحش بن رئاب: والله لا حالفت إلا قريشا، و (١) لأدخلن مكة فلأحالفن أعز أهلها، ولأتزوجن بنت أكرمهم. وكان موسرا سيدا. فحالف حرب بن أمية، وتزوج أميمة بنت عبد المطلب. وأدخل جماعة من بنى دودان مكة، فدخلوا معه في الحلف. وقال ابن الأعرابى، قال بعض القرشيين من (٢) أن رئاب ابن يعمر حالف حربا، وقال: لأزوجن جحشا أكرم أهل مكة. فزوجه أميمة. وكان أراد أن يحالف بني أسد بن عبد العزى، فقيل له: إنهم مشائيم (٣)، فتركهم.)
٨٩٩ - وكانت زينب قبل رسول الله ﷺ عند زيد بن حارثة الكلبي مولى النبي ﷺ . فشكا إليه، وقال: إنها سيئة الخلق، واستأمره في طلاقها. فقال له النبي ﷺ : أمسك عليك زوجك يا زيد.
وهو قول الله : «وإذ تقول للذي أنعم الله عليه» - يقول: بالإسلام «وأنعمت عليه» - يقول: بالعتق- «أمسك عليك زوجك» (٤). وكان رسول الله ﷺ رآها، فأعجبته، فقال: «سبحان الله مقلب القلوب». ثم إن زيدا ضاق ذرعا بما رأى من سوء خلقها، فطلقها. فزوجها الله نبيه حين انقضت عدتها بغير مهر ولا تولى أمرها أحد كسائر أزواجه. ولم تلد زينب لزيد، وكان يقال له «الحب»، ولابنه أسامة «الردف» أردفه النبي ﷺ . وبعضهم يقول: هو الحب بن الحب.
٩٠٠ - وأولم رسول الله ﷺ على زينب بشاة، ودعى الناس.
стр. 461
فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، ولم يقوموا فآذوا النبي ﷺ . فأنزل الله آية الحجاب (١)، وأنزل يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه (٢)، أي بلوغه، الآية.
وحدثت عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن الشعبي أن زينب قالت للنبي ﷺ : لست كسائر نسائك، إنى أدل بثلاث سائر نسائك من يدل بهن: جدك وجدي واحد، وأنكحينك الله من السماء، وكان جبريل السفير في أمري.
وروي عن عمرة، عن عائشة أنها قالت:
يرحم الله زينب، لقد نالت الشرف الذي لا يبلغه شرف في الدنيا: إن الله زوجها نبيه، ونطق بذلك كتابه، وإن رسول الله ﷺ قال، ونحن حوله: «أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا»، (أ) وقال: «باعا»، فبشرها بسرعة لحاقها به وأنها زوجته في الجنة. قالوا: وكانت زينب تقول لأزواج النبي ﷺ : زوجكن أولياؤكن بمهور، وزوجني الله.
وحدثت عن عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن إسماعيل، عن عامر بن عبد الرحمن بن أبزى قال:
صليت مع عمر على زينب بنت جحش، وكانت أول نساء النبي ﷺ ماتت بعده. قالوا: وقالت زينب حين حضرتها الوفاة: إني قد هيأت كفني، ولعل عمر سيبعث إلي بكفن، فإن فعل فتصدقوا بأحد الكفنين. فلما توفيت، أرسل عمر بخمسة أثواب يخيرها ثوبا ثوبا، فكفنت فيها. فتصدقت أختها حمنة بنت جحش بالكفن الذي كانت أعدت.
فقالت عائشة: لقد ذهبت حميدة، فقيدة، مفزعا (٣) للأرامل واليتامى.
стр. 462
حدثني عمرو بن محمد، ثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن إسماعيل، عن عامر الشعبي أن رسول الله ﷺ قال لنسائه: أطولكن يدا أسرعكن بي لحاقا.
فكانت سودة أطولهن يدا. فلما توفيت زينب، قلن: صدق رسول الله ﷺ ، كانت أطولنا يدا في الخير. وقال عمرو الناقد: قد أخبرت أن زينب لما بشرت بتزويج الله نبيه إياها، ونزول الآية في ذلك، جعلت على نفسها صوم شهرين شكرا لله، وأعطت من بشرها حليا كان عليها.
٩٠١ - قالوا: وأوصت زينب أن تحمل على السرير الذي كان (حمل) عليه رسول الله ﷺ ، فحملت عليه، وعليه حمل أبو بكر رضى الله تعالى عنه. وكان الناس يحملون عليه. فلما كان مروان، منع أن يحمل عليه إلا الرجل الشريف، وفرق في المدينة سررا، يحمل عليها الموتى. وكان وسطه بليف منسوج. وكان موت زينب سنة عشرين، فصلى عليها عمر، ودفنت بالبقيع، ونزل في قبرها محمد بن عبد الله بن جحش، ومحمد بن طلحة ابن عبيد الله وهو ابن أختها حمنة بنت جحش قتل مع أبيه يوم الجمل، وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش، وأسامة بن زيد وكان لها محرما لأنها كانت عند أبيه. وكان أبو أحمد بن جحش ضريرا، فرآه عمر يروم حمل السرير، فقال له: يا با أحمد تنح عن السرير لا يعنتك الناس. فقال: يا عمر، هذه التي نلنا بها الشرف، وهذا مما يبرد حر ما أجد. وكان يبكى على قبره وهو جالس وعمر رضي الله تعالى عنه قائم في أشراف الناس وهم يبكون على رسول الله ﷺ ويصلون عليه ﷺ . وكان دفنها في يوم صائف، فضرب عمر على قبرها فسطاطا.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن منكدر بن محمد، عن أبيه، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير قال:
رأيت عمر ودرته على منكبه يقدم الناس في جنازة زينب وصلى عليها وكبر أربعا، وقام على قبرها حتى رش الماء. وأمر فسترت بإزار حتى دليت في القبر. قالوا: وغسلها أزواج النبي ﷺ .
стр. 463
حدثني أبو بكر الأعين، ثنا عفان، أنبأ هشيم، أنبأ مغيرة، عن عثمان بن يسار قال:
بينا هم يدفنون زينب بنت جحش إذ أقبل (١) فتى من قريش في ثوبين ممصرين (٢)، مرجلا شعره. فجعل عمر يعلوه بالدرة، ويقول: كأنك جئتنا ونحن على لعب، أشياخ يدفنون أمهم.
٩٠٢ - وسالف (٣) رسول الله ﷺ من قبل زينب: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وهو الفياض: اشترى في غزاة ذي قرد بئرا فتصدق بها، ونحر جزورا فأطعمها، فقال له رسول الله ﷺ : يا طلحة أنت الفياض. ويقال إنه قدمت على رسول الله ﷺ وفود، فجعل طلحة يكسوهم ويعطيهم. فسماه رسول الله ﷺ «الفياض». وقال الواقدي: كل ذلك قد فعل. وكانت عند طلحة حمنة بنت جحش، أخت زينب لأبيها وأمها، وأمهما أميمة بنت عبد المطلب، خلف عليها بعد قتل مصعب الخير بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار يوم أحد، فولدت لطلحة محمدا، وعمران، ومحمد ابن طلحة هذا السجاد، قتل مع أبيه يوم الجمل، فقال قاتله (٤):
وأشعث قوام إذا جن ليله … قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
يناشدني حاميم والرمح دونه … فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وكانت حمنة ولدت من مصعب: زينب بنت مصعب، فتزوجها عبد الله ابن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فولدت له مصعبا، ومحمدا، وقريبة، فتزوج قريبة عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، فولدت له حفصا. وعبد الرحمن بن عوف الزهري، كانت عنده حمنة، ولم تلد له، خلف عليها بعده مصعب الخير. فالأسلاف من قبل زينب: عبد الرحمن،
стр. 464
ثم مصعب، ثم طلحة. قال الواقدي: لما قتل مصعب يوم أحد، قيل لحمنة:
قتل خالك حمزة. فاسترجعت. فقيل: قتل أخوك عبيد الله بن جحش.
فاسترجعت. فقيل: قتل زوجك مصعب بن عمير. فشقت جيبها، وولولت.
فقال رسول الله ﷺ : إن الزوج ليقع من المرأة متوقعا لا يقعه شيء. وكانت حمنة ممن شهد على عائشة، فحدت.
٩٠٣ - وتزوج رسول الله ﷺ
أم حبيبة بنت أبي سفيان.
وكانت أم حبيبة تحت عبيد الله بن جحش، فولدت له جارية سميت حبيبة، فكنيت بها. فتزوج حبيبة: داود بن عروة بن مسعود بن معتب الثقفي. وكان اسم أم حبيبة: رملة. ويقال: هند. ورملة أثبت. وكان عبيد الله بن جحش قد أسلم، وهاجر إلى أرض الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة، ثم إنه تنصر وأقامت أم حبيبة (١) على الإسلام، وكان يقول (٢): «فقحنا وصأصأتم»، أي أبصرنا ولم تبصروا. وهذا مثل، لأن الجرو إذا فتح عينيه، قيل: فقح، وإذا فتح ثم غمض من الضعف والصغر، قيل: صأصأ.
٩٠٤ - وروي عن أم حبيبة أنها رأت في المنام كأن عبيد الله، زوجها، بأسوأ حال وأرثها. فلما أصبحت، أعلمها أنه قد تنصر وارتد، فثبتت على الإسلام.
وأكب على الخمر، فلم يزل يشربها حتى مات. فيقال إن موته كان غرقا من الخمر. ويقال بل غرق في البحر. وأرت في نومها أباها يقول لها «يا أم المؤمنين» قالوا: فكتب رسول الله ﷺ في سنة سبع، وهو الثبت- ويقال في سنة ست- كتابين إلى أصحمه النجاشي، يدعوه (٣) في أحدهما إلى الإسلام، ويأمره في الثاني أن يخطب عليه أم حبيبة، وأن يبعث من قبله من المسلمين، جعفرا وأصحابه، إلى المدينة مع عمرو بن أمية الضمري. وهو كان رسوله بالكتابين.
فأسلم النجاشي لما عرف من أمر رسول الله ﷺ وصفته وأوان مبعثه، ووجه إلى أم حبيبة، وقد وصف له عمرو موضعها وأمرها، جارية
стр. 465
له يقال لها «أبرهة، لتعلمها ذلك وتبشرها به. فوهبت لها أم حبيبة حليا كان عليها، وكستها. ثم وكلت أم حبيبة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، وهو ابن عم أبيها، بتزويجها. فخطبها عمرو إليه، فزوجها رسول الله ﷺ . ومهرها عنه النجاشي أربع مائة دينار. فلما بعث إليها بالدنانير، وهبت منها لأبرهة خمسين مثقالا، فلم تقبلها، وردت ما كان أعطتها أولا. وذلك لأن النجاشي أمرها برده. وهيأ النجاشى طعاما، أطعمه من حضره من المسلمين، جعفرا وغيره. وأهدى إلى رسول الله ﷺ كسوة جامعة. فلما تقدم عمرو بن أمية بأم حبيبة المدينة، ابتنى بها رسول الله ﷺ . ويقال إن عمرو بن أمية، وجميع من كان بالحبشة قدموا جميعا في سفينتين أعدهما (١) لهم النجاشي، فوافوا في أيام خيبر. وذلك الثبت. وقال بعض الرواة: أن رسول الله ﷺ وجه أبا عامر الأشعري، حين بلغه خطبة عمرو أم حبيبة وتزويج خالد إياها، فحملها إليه قبل قدوم أهل السفينتين، وأن أبا سفيان قال: أنا أبوها أم أبو عامر؟ قالوا: ولما بلغ أبا سفيان تزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة، ابنته، قال: ذلك الفحل لا يقدع (٢) أنفه.
وحدثني أبو مسعود بن القتات (٣)، عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قول الله ﵎: عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة (٤)، قال: نزلت حين تزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب. وقال بعض البصريين: قدم عمرو بن أمية بأم حبيبة مع المسلمين ونسائهم، فخطبها إلى عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، فزوجه إياها. والأول أثبت.
стр. 466
٩٠٥ - وروي عن عائشة أنها قالت: دعتني أم حبيبة عند وفاتها، فقالت: إنه قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك. فقلت: غفر الله ذلك كله، وتجاوز عنه، وحللك منه. فقالت: سررتينى، سرك الله. وأرسلت إلى أم سلمة، فقالت لها مثل ذلك. وكانت وفاة أم حبيبة في سنة أربع وأربعين.
وهي السنة التي حج فيها معاوية. ويقال توفيت في سنة اثنتين وأربعين. والأول أثبت. وصلى على أم حبيبة مروان. ونزل في قبرها بعض بني أختها: هند بنت أبي سفيان، وأبو بكر بن سعيد بن الأخنس- وكان يروى الحديث عنها، وهي خالته، أمه (١): صخرة بنت أبي سفيان- وبعض ولد عتبة بن أبى سفيان … (٢)
٩٠٦ - وسالف (٣) رسول الله ﷺ من قبل أم حبيبة: الحارث ابن (نوفل بن) الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، كانت عنده هند بنت أبي سفيان، أخت أم حبيبة لأبيها، فولدت له عبد الله بن الحارث ببة (٤)، ومحمد ابن الحارث الأكبر، وربيعة، وعبد الرحمن، ورملة، وأم الزبير، وطريبة (٥)، وامرأة أخرى. ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، كانت عنده رملة بنت أبي سفيان، فقتل عنها. وسعيد بن عثمان بن عفان، خلف على رملة بعد محمد بن أبي حذيفة، فقتل عنها: قتله غلمان قدم بهم المدينة من أبناء ملوك السغد في أيام معاوية، ولم تلد له، وكان معاوية ولي سعيدا خراسان. والسائب بن أبي حبيش- واسمه أهيب- بن المطلب ابن أسد بن عبد العزى: كانت عنده جويرية بنت أبي سفيان، فلم تلد له.
وعبد الرحمن بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس، خلف على جويرية، فلم تلد له. وصفوان بن أمية بن خلف الجمحي، كانت عنده أميمة بنت أبي سفيان، أخت أم حبيبة لأبيها وأمها. وكانت أم «أم حبيبة»: صفية
стр. 467
بنت أبي العاص بن أمية. وأمها أميمة بنت عبد العزى بن حرثان، من بني عدي بن كعب. فولدت أميمة: عبد الرحمن بن صفوان. وحويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود: كانت تحته أميمة قبل صفوان، فولدت له أبا سفيان بن حويطب. وعياض بن عبد غنم- ويقال: ابن غنم- الفهري:
كانت عنده أم الحكم بنت أبي سفيان، أخت أم حبيبة لأبيها، وكانت أمها هند بنت عتبة، أم معاوية، ففرق الإسلام بينهما. وعبد الله بن عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الثقفي، خلف على أم الحكم، بعد عياض، فولدت له عبد الرحمن بن أم الحكم، كان ينسب إلى أمه، وقتل عبد الله يوم الطائف، فمر به علي ﵇ فقال: لعنك الله فإنك كنت تبغض قريشا. وسعيد بن الأخنس بن شريق، كانت عنده صخرة بنت أبي سفيان، فولدت له أولادا، منهم أبو بكر بن سعيد وكان يروي عن خالته أم حبيبة. وعروة بن مسعود بن معتب الثقفي، كانت تحته ميمونة بنت أبي سفيان، فولدت له داود بن عروة. ومسعود بن معتب هذا «عظيم القريتين (١)».
وعروة هو الذي بعث به رسول الله ﷺ إلى الطائف ليدعو ثقيفا إلى الإسلام، وقد استأذنه في ذلك، فرماه رجل وهو جالس فوق سطح، فقتله. والمغيرة بن شعبة، خلف على ميمونة بنت أبي سفيان، بعد عروة.
وعبد الله بن معاوية خلف على أميمة بنت أبي سفيان بعد صفوان (٢) بن أمية.
٩٠٧ - وتزوج رسول الله ﷺ
جويرية.
واسمها برة بنت الحارث ابن أبي ضرار الخزاعي. وكانت قبله عند مسافع بن صفوان بن ذي الشفر الخزاعي، فقتل يوم المريسيع كافرا. وكان ثابت بن قيس بن شماس بن أبي زهير الأنصاري أحد الخزرج، وأخوه- ويقال: ابن عم له- أصاباها يوم المريسيع، فكاتباها على سبع أواق. فأتت النبي ﷺ تسأله المعونة على مكاتبتها. فقال: أو ما هو خير من ذلك: أشتريك، وأعتقك، وأتزوجك؟ فقالت: نعم. ففعل ذلك، وسماها جويرية، لأنه كره أن يقال:
стр. 468
«خرج من عند برة، أو خرجت برة من عنده». ويقال: بل كانت صفية (١) يوم المريسيع، فجاء أبوها فافتداها، ثم زوجه إياها. ويقال:
بل أعتقها، وجعل صداقها عتقها وعتق مائة من أهل بيت من قومها. وقال بعضهم: جعل صداقها عتقها وعتق أربعين من أهل بيتها. فلما عتقوا، انصرفوا. ولم يبق مصطلقية عند رجل من المسلمين إلا أعتقها صاحبها. فكانت أعظم امرأة بركة على قومها. وقال بعض الرواة: أعتقها رسول الله ﷺ ، وجعل عتقها فقط صداقها.
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي قال، حدثت عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:
قالت جويرية يا رسول الله: إن نساءك يفخرن (٢) علي ويقلن: لم يتزوجك رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «ألم أعظم صداقك؟ ألم أعتق أربعين من قومك؟» وكانت جويرية من ضرب عليها الحجاب. وكان رسول الله ﷺ يقسم لها كما يقسم لنسائه. وفرض لها عمر ستة آلاف، وقال: لا أجعل سبية كابنة أبي بكر الصديق. وقال قوم: فرض لها في اثني عشر ألفا. وتوفيت جويرية في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين، وصلى عليها مروان بن الحكم.
حدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري قال:
كانت جويرية وصفية من أزواج النبي ﷺ ، وكان يقسم لهما (٣) كما يقسم لنسائه.
٩٠٨ - وتزوج رسول الله ﷺ
صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية بن ثعلبة بن عبيد،
من ولد النضير بن النحام بن ينحوم، من ولد هارون ابن عمران ﵇. وكانت قبله عند كنانة بن أبي العقيق اليهودي فقتل يوم خيبر. فكانت صفية بنت حيي صفي رسول الله ﷺ يوم
стр. 469
خيبر. وكان له من كل مغنم صفي يصطفيه: عبد، أو أمة، أو سيف، أو غير ذلك.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عيسى بن عبد الرحمن الأنصاري، عن عبد الله بن أبي بكر قال:
كان لرسول الله ﷺ صفي من المغنم، حضر رسول الله ﷺ أو غاب، قبل الخمس، عبد أو أمة أو سيف أو درع، فأخذ يوم بدر ذا الفقار، ويوم بني قينقاع درعا، وفي غزاة ذات الرقاع جارية، وفي المريسيع عبدا أسود يقال له رباح، ويوم بني قريظة ريحانة بنت (شمعون بن) زيد، ويوم خيبر صفية بنت حيي بن أخطب. ويقال إن صفية وقعت في سهمه يومئذ، فتزوجها. ووقعت في سهمه أخت لها، فوهبها لدحية بن خليفة الكلبي. وكان رسول الله ﷺ ، حين صارت صفية وأختها إليه، أرسل معهما بلالا. فمر بهما على القتلى، فصاحت أختها وولولت. فقال رسول الله ﷺ : إنك لقليل الرحمة: مررت بجارية حدثة على القتلى. وكانت وضيئة، إلا أن صفية كانت أوضأ منها. فوهبها لدحية. وقرب لصفية بعير لتركبه، فوضع رسول الله ﷺ رجله، لتضع قدمها على فخذه.
فأبت، ووضعت ركبتها على فخذه. وسترها رسول الله ﷺ .
وجعل رسول الله ﷺ مهر صفية عتقها، وأعرس بها في طريقه بعد أن حاضت حيضة، فسترت بكسائين. ومشطتها أم سليم- وهي أم أنس ابن مالك- وعطرتها. وكانت وليمتها حيس (١) على أنطاع. ولما دخل رسول الله ﷺ بها، بات أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد على باب الستارة، أو بقربها، شاهرا سيفه. فلما أصبح النبي ﷺ ، رآه. (ف) قال له: يا با أيوب، ما لك شهرت سيفك؟ فقال: يا رسول الله، جارية حديثة عهد بالعرس، وكنت قتلت أباها وزوجها، فلم آمنها. فضحك، وقال خيرا.
стр. 470
٩٠٩ - ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة، أنزل صفية بيتا من بيوت الأنصار. فجاء نساء الأنصار ينظرن إليها. وانتقبت عائشة رضي الله تعالى عنها، وجاءت فنظرت. فعرفها رسول الله ﷺ . فلما خرجت، اتبعها فقال: كيف رأيتها يا عائشة؟ قالت: رأيتها يهودية بنت يهوديين. فقال:
لا تقولي هذا يا عائشة، فإنه قد حسن إسلامها. وقالت زينب لجويرية:
ما أرى هذه الجارية إلا ستغلبنا على رسول الله ﷺ فقالت جويرية: كلا، إنها من نساء قلما يحظين عند الأزواج. وجرى بينها وبين عائشة ذات يوم كلام، فعيرتها باليهودية، وفخرت عليها. فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ . فقال: ألا قلت: «أبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد، فهل فيكن مثلي؟»
٩١٠ - وتوفيت صفية بنت حيي في سنة خمسين، وصلى عليها سعيد بن العاص.
ويقال معاوية حين حج. وقال هشام بن الكلبي: أم صفية برة بنت سموءل.
وفرض عمر لصفية وجويرية ستة آلاف. وسمعت بعض أهل المدينة قال:
فرض لها مثل ما فرض لنساء النبي ﷺ .
وحدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فرض لأمهات المؤمنين في عشرة آلاف آلاف عشرة آلاف، وفضل عائشة بألفين لحب رسول الله ﷺ إياها، وفرض لجويرية وصفية ستة آلاف ستة آلاف.
حدثنا الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن ابن جريج، عن عطاء قال:
كان النبي ﷺ يقسم لصفية بنت حيي مثل قسمة نسائه.
٩١١ - وتزوج رسول الله ﷺ
ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير ابن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة.
وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة، من حمير. وذكر بعض الرواة أن أم ميمونة: خولة بنت عمرو بن كعب، من خثعم، وأم خولة: هند بنت عوف. والثبت أن أمها هند. وكانت ميمونة، قبل رسول الله ﷺ ، عند أبي سبرة بن أبي رهم، فخلف عليها.
стр. 471
حدثني محمد بن سعد (١)، ثنا الواقدي، عن مالك بن أنس (٢)، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ بعث أبا رافع مولاه، ورجلا من الأنصار إلى مكة فخطبا ميمونة عليه. وذلك قبل خروجه من المدينة. فلما قدم مكة في عمرة القضاء، ابتنى بها.
وحدثني محمد بن سعد (٣)، عن محمد بن عمر الواقدي، عن عمر، عن الزهري، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال:
تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال. وقال الزهري:
بلغ سعيد بن المسيب أن عكرمة قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم، فقال: كذب عكرمة، قدم رسول الله ﷺ وهو محرم، فلما حل تزوجها.
وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن علي بن عبد الله بن العباس قال:
زوج العباس رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث. وكان رسول الله ﷺ لما أراد الخروج لعمرة القضاء، بعث أوس بن خولي الأنصاري وأبا رافع إلى العباس في أن يزوجه ميمونة. فأضلا بعيريهما، فأقاما أياما ببطن رابغ حتى وافاهما رسول الله ﷺ . فصارا معه حتى قدما مكة.
فأرسل إلى العباس، فزوجه إياها. ويقال إن مهر ميمونة كان عشر أواق (٤) ونشا. ويقال: تزوجها على ما تركت زينب بنت خزيمة.
وحدثني عمر بن بكير، حدثني الهيثم بن عدي، عن المجالد بن سعيد، عن الشعبي قال:
أقام رسول الله ﷺ بمكة حين خرج لعمرة القضاء ثلاثة أيام، فبعث إليه حويطب بن عبد العزى: إن أجلك قد مضى، وانقضى الشرط،
стр. 472
فاخرج من بلدنا. فقال له سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: كذبت، البلد بلد رسول الله ﷺ وآبائه. فقال رسول الله ﷺ : مهلا يا سعيد. فقال حويطب: أقسمت عليك لما خرجت. فخرج، وخلف أبا رافع، وقال: الحقني بميمونة. فحملها على قلوص. فجعل أهل مكة ينفرون بها، ويقولون: لا بارك الله لك. فوافى رسول الله ﷺ بميمونة بسرف. فكان دخول رسول الله ﷺ بها بسرف، وهو على أميال من مكة.
حدثنا علي بن المديني، عن رجل، عن ابن جريج، عن عطاء أن ميمونة، زوج النبي ﷺ ، خالة ابن عباس، توفيت. قال: فذهبت معه إلى سرف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أم المؤمنين لا تزعزعوا بها، ولا تزلزلوا، وارفقوا، فإنه كان عند نبي الله تسع نسوة فكان يقسم لثمان ولا يقسم لتاسعة- يريد صفية بنت حيي، قال: - وكانت آخرهن موتا.
وحدثنا علي بن عبد الله، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قال ابن عباس:
لا تزلزلوا، ولا تنعنوا (١)، وارفقوا فإنها أم المؤمنين، يعنى ميمونة حين (٢) ماتت. وروي أن جعفر بن أبي طالب لما قدم من الحبشة أيام خيبر، خطب ميمونة على رسول الله ﷺ . فأجابت جعفر (ا) إلى أن تتزوج النبي ﷺ ، فزوجه إياها العباس. والخبر الأول أثبت. وروي عن عكرمة أن ميمونة وهبت نفسها لرسول الله ﷺ . وليس ذلك بثبت. وتوفيت ميمونة بسرف. وهي آخر نساء النبي ﷺ موتا. وكان وفاتها سنة إحدى وستين. فقال عبد الله بن عباس، وهي خالته، للذين حملوها: ارفقوا بها، ولا تزعزعوا فإنها أمكم، وموضعها من رسول الله ﷺ موضعها. ويقال إنها ماتت
стр. 473
بمكة، فحملها إلى سرف، فدفنت بسرف. وصلى عليها عبد الله بن عباس، وبقى بعدها ست سنين وتوفي في سنة ثمان (١) وستين.
حدثني علي بن عبد الله المديني، عن سفيان، عن عبد الله ابن أخي يزيد بن الأصم، عن عمه قال:
لما ماتت ميمونة، وكانت خالته، أخذت ردائي فبسطته في اللحد، فرمى به ابن عباس. وقد روي أنها توفيت في سنة ثلاث وستين، ونزل في قبرها عبد الله ابن عباس، ويزيد بن الأصم، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعبد الله ابن شداد بن الهاد، وعبد الله بن الخولاني يتيم كان في حجرها.
٩١٢ - وسالف (٢) رسول الله ﷺ من قبل ميمونة: حمزة بن عبد المطلب (بن هاشم) بن عبد مناف، كانت تحته سلمى بنت عميس، أخت ميمونة لأمها هند بنت عوف الحميرية، فولدت له أمة الله. وشداد بن الهاد، خلف على سلمى بنت عميس بن معد الخثعمية، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن. والعباس بن عبد المطلب: كانت عنده أختها لأبيها وأمها، وهي لبابة بنت الحارث بن حزن، وتكنى أم الفضل، فولدت للعباس: الفضل، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم، وعبد الرحمن، ومعبدا، وأم حبيب. وجعفر ابن أبي طالب: كانت عنده أسماء بنت عميس، فولدت عبد الله (٣)، وعونا، ومحمدا. وأبو بكر بن أبي قحافة، خلف على أسماء بنت عميس بعد جعفر ابن أبى طالب، فولدت له محمد بن أبي بكر المقتول بمصر. وعلي بن أبي طالب خلف على أسماء بعد أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، فولدت له يحيى وعونا.
والطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف: كانت عنده زينب بنت خزيمة أخت ميمونة لأمها هند. وعبيدة بن الحارث، أخو الطفيل، خلف على زينب، وهي أم المساكين، فقتل عنها. والوليد بن المغيرة المخزومي ويكنى أبا عبد شمس، كانت تحته لبابة الصغرى، وهي العصماء بنت الحارث بن حزن ابن بجير أخت ميمونة، فولدت له خالد بن الوليد سيف الله، وتكنى أبا سليمان
стр. 474
فهو ابن خالة عبد الله بن عباس. ويقال إن لبابة الصغرى غير العصماء، وأن العصماء كانت عند أبي بن خلف، فولدت لها أبا أبي وإخوة له. والأول قول الكلبي. وعبد الله بن كعب (١) بن عبد الله بن كعيب الخثعمي، كانت عنده سلامة بنت عميس أخت ميمونة لأمها، فولدت له آمنة تزوجها عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب فولدت له صالحا الأصغر، وأسماء، ولبابة بنى عبد الله ابن جعفر. وسلامة أخت أسماء بنت عميس لأبيها وأمها. وزياد بن عبد الله ابن مالك بن بجير الهلالي، كانت عنده عزة بنت الحارث بن حزن، أخت ميمونة. وكانت عند الأصم البكائي أخت لميمونة بنت الحارث بن حزن، فولدت له يزيد بن الأصم.
حدثني محمد بن سعد، أنبأ الواقدي، عن سليمان بن عبد الله بن الأصم قال: مات يزيد بن الأصم سنة ثلاث ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وكان ينزل الرقة. ويقال إنه خلف على عزة بنت الحارث.
٩١٣ - وقد روي أن رسول الله ﷺ بدئ في منزل ميمونة، وقبض في منزل عائشة ودفن فيه. وآوي رسول الله ﷺ إليه- والإيواء أن يقسم لهن ويسوي بينهن- عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة.
وأرجي- والإرجاء أن يأتي من يشاء منهن متى شاء وينزلها إذا شاء- سودة، وصفية، وجويرية، وأم حبيبة، وميمونة. وقبض ﷺ عن تسع مهائر.
وروي عن سفيان، عن زكريا، عن الشعبي في قول: (ومن ابتغيت ممن عزلت (٢)، قال: هن نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ ، لم يدخل بهن، ولم يتزوجهن أحد بعد.
٩١٤ - وكانت لرسول الله ﷺ أم ولد، وهي
مارية القبطية.
بعث رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية بكتاب منه، يدعوه فيه إلى الإسلام، وذلك في سنة سبع. فأعظم كتاب
стр. 475
رسول الله ﷺ ، وقال: لولا الملك، يعني ملك الروم، لأسلمت.
وأهدى إلى رسول الله ﷺ مارية، وأختها شيرين، وألف مثقال ذهبا، وعشرين ثوبا، وبغلة النبي ﷺ التي تعرف بدلدل، وحماره يعفورا. ويقال إن يعفورا من هدية فروة بن عمرو الجذامي، عامل قيصر على عمان ونواحيها. وبعضهم يقول: اسم الحمار عفير. وأهدى مع ذلك خصيا (١). فلما خرج حاطب بمارية، عرض عليها الإسلام، فأسلمت وأسلمت أختها. وأقام الخصي على دينه، حتى أسلم بالمدينة على عهد رسول الله ﷺ ، ومات فدفن بالبقيع سنة ستين، وكان شيخا كبيرا. وكان رسول الله ﷺ معجبا بمارية، وكانت بيضاء، جميلة، جعدة الشعر. وكانت أمها رومية. فأنزلها رسول الله ﷺ بالعالية في المال الذي يعرف بمشربة أم إبراهيم، وكان يختلف إليها هناك، وضرب عليها الحجاب، وكان يطؤها. فحملت، وولدت، فقبلتها (٢) سلمى مولاة رسول الله ﷺ . وجاء زوجها أبو رافع مولى النبي ﷺ ، فبشر بولادتها غلاما سويا، فوهب له عبدا. وسماه ﷺ يوم سابعة
إبراهيم.
وأمر، فحلق رأسه أبو هند البياضي، من الأنصار. وتصدق بزنة شعره ورقا، وعق عنه بكبش، ودفن شعره في الأرض. وتنافست الأنصار في إبراهيم ﵇، أيهم يحضنه وترضعه امرأته، حتى جاءت أم بردة، وهي كبشة (٣) بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش، من بني النجار، فدفعه إليها لترضعه. وزوج أم بردة البراء بن أوس بن خالد، من بني النجار، فدفعه إليها لترضعه. وزوج أم بردة البراء بن أوس بن خالد، من بني مبذول ابن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار. فكان إبراهيم في بني مازن، إلا أن أمه تؤتى به، ثم يعاد إلى منزل ظئره أم بردة. وكان رسول الله ﷺ يأتي أم بردة، فيقيل عندها، وتخرج إليه إبراهيم، فيحمله ويقبله. وكان لرسول الله ﷺ لقائح، وقطعة غنم، فكانت مارية تشرب من
стр. 476
ألبانها وتسقي ولدها. قالوا: وأتى رسول الله ﷺ يوما بإبراهيم، وهو عند عائشة، فقال: انظري إلى شبهه. فقالت: ما أرى شبها. فقال:
ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟ فقالت: من قصرت عليه اللقاح، وسقي ألبان الضأن، سمن وأبيض. وكانت عائشة تقول: ما غرت على امرأة غيرتي على مارية، وذلك لأنها كانت جميلة، جعدة الشعر، وكان رسول الله ﷺ معجبا بها، ورزق منها الولد وحرمناه. وأعطى رسول الله ﷺ أم بردة قطعة من نخل (١). وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال:
لما ولد إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : أعتق أم إبراهيم ولدها. وقال رسول الله ﷺ : استوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما: وكانت هاجر، أم إسماعيل، منهم.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: لو عاش إبراهيم، لوضعت الجزية عن كل قبطي. وكان مولد إبراهيم ﵇ في ذي الحجة سنة ثمان.
وروى الواقدي في إسناده قال: كان الخصي الذي بعث به المقوقس مع مارية يدخل إليها ويحدثها، فتكلم بعض المنافقين في ذلك، وقال: إنه غير مجبوب وأنه يقع عليها. فبعث رسول الله ﷺ على بن أبي طالب، وأمره أن يأتيه فيقرره وينظر فيما قيل فيه، فإن كان حقا، قتله. فطلبه علي، فوجده فوق نخلة. فلما رأى عليا يؤمه، أحس بالشر، فألقى إزاره. فإذا هو مجبوب ممسوح. وقال بعض الرواة: إنه ألفاه (٢) يصلح خباء له، فلما دنا منه ألقى إزاره وقام متجردا. فجاء به على إلى رسول الله ﷺ ، فأراه إياه، فحمد الله على تكذيبه المنافقين بما أظهر من براءة الخصي وأطمأن قلبه. ولما ولد إبراهيم، أتى رسول الله ﷺ جبريل ﵇، فقال له:
يا أبا إبراهيم. وتوفي إبراهيم بن رسول الله ﷺ في بيت أم بردة، وهو ابن ثمانية عشر شهرا، ويقال: ابن ستة عشر شهرا، وصلى عليه رسول الله ﷺ . وبعضهم يقول: مات وله إحدى وسبعون ليلة، والأول أثبت.
стр. 477
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال:
توفي إبراهيم بن النبي ﵇ وله ثمانية عشر شهرا.
٩١٥ - قالوا: وغسل إبراهيم ﵇ الفضل بن العباس بن عبد المطلب.
ويقال غسلته أم بردة، وحمل على سرير صغير. وقال رسول الله ﷺ : ادفنوه عند سلفنا الصالح عثمان بن مظعون. فدفن بالبقيع إلى جانب عثمان بن مظعون الجمحي. وجلس رسول الله ﷺ والعباس على شفير قبر إبراهيم، ونزل فيه الفضل بن العباس، وأسامة بن زيد. وذلك يوم ثلاثاء في آخر شهر ربيع الأول سنة عشر. ورأى رسول الله ﷺ فرجة في اللبن، فأمر بسدها، وقال: أما إن هذا شيء لا يضر ولا ينفع، ولكنه إذا عمل الرجل عملا أحب الله أن يتقنه. وأمر رسول الله ﷺ بحجر، فوضع عند رأس إبراهيم، ورش على قبره الماء.
٩١٦ - قالوا: ولما مات إبراهيم ﵇، دمعت عين رسول الله ﷺ . فقيل: يا نبي الله، أنت أحق من عرف الله حقه، فيما أعطاه وأخذ منه. فقال ﷺ : «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا أنه قول صادق، وموعود جامع، وسبيل مأتية، وأن الآخر لا حق بالأول لوجدنا عليك أشد مما (١) وجدنا، وإنا عليك يا إبراهيم، لمحزونون».
حدثنا عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، ثنا عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: لما ثقل (٢) إبراهيم بن رسول الله، أخذ رسول الله ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف، فقام ومعه ناس من أصحابه حتى أتى النخل، فإذا إبراهيم يجود بنفسه. فوضعه في حجره، وذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن:
ألم تنه عن البكاء يا رسول الله؟ فقال: «نهيت عن النوح والغناء، صوتين أحمقين فاجرين: صوت لهو عند نعمة (٣)، ومزامير شيطان، وصوت عند
стр. 478
مصيبة رنة شيطان، وخمش وجه، وشق جيب. ولكنها رحمة. ومن لا يرحم، لا يرحم. ولولا أنه أمر حق، ووعد صادق، وسبيل مأتية، وأن آخرنا سيتبع أولنا، لجزعنا أشد مما جزعنا». ثم قال: «تدمع العين، وييجع (١) القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك، يا إبراهيم، لمحزونون». قال هشام:
وبلغنا أن رسول الله ﷺ حين حضر قبض إبراهيم ﵇، وهو مستقبل الجبل: «يا جبل، لو بك ما بي لهدك. ولكنا نقول كما أمرنا الله (٢): إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين».
٩١٧ - قالوا: وكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: إنما كسفت لموت إبراهيم. فقال ﷺ : إنها لا تكسف لموت أحد ولا لحياته.
قالوا: لما قبض رسول الله ﷺ ، كان أبو بكر ينفق على مارية خلافته، ثم كان عمر ينفق عليها إلى أن توفيت. وكانت وفاتها في سنة ست عشرة. وصلى عليها عمر. ودفنت بالبقيع. وأمر عمر، فجمع الناس لحضور جنازتها.
٩١٨ - قالوا: وكان صفوان بن المعطل السلمي حنقا على حسان بن ثابت لما كان تكلم به في أمره وأمر عائشة من الإفك، فشد عليه بسيف فضربه به ضربة شديدة حتى اجتمع قومه، وغضبت له الأنصار. فكلمهم رسول الله ﷺ حتى رجعوا وسكتوا. ووهب لحسان يومئذ شيرين أخت مارية، فولدت له عبد الرحمن بن حسان الشاعر. فصار حسان سلفا لرسول الله ﷺ من قبل مارية. فحدث عبد الرحمن بن حسان، عن أمة قالت: كنت أنا وأختي مارية نصيح على إبراهيم، وهو محتضر، فلا ينهانا النبي ﷺ عن ذلك فلما مات، نهانا عن الصياح.
وحدثني عباس (٣) بن هشام، عن أبيه، عن جده قال:
لما قبض النبي ﷺ ، اعتدت مارية، وكانت تكون في
стр. 479
مشربتها ينفق عليها أبو بكر حتى توفي، ثم عمر. وتوفيت لسنتين من خلافته في شهر رمضان، فجمع عمر الناس لحضورها، وصلى عليها، ودفنها في بقيع الغرقد.
٩١٩ - وحدثني هشام بن عمار، حدثني أبي عمار بن نصير، عن عمرو بن سعيد الخولاني، عن أنس ابن مالك أن سلامة، حاضنة إبراهيم بن النبي ﷺ ، قالت: يا رسول الله، إنك تبشر الرجال بخير، ولا تبشر النساء؟ فقال: أما ترضين إحداكن أنها إذا كانت حاملا من زوجها، وهو عنها راض، كان لها أجر الصائم القائم في سبيل الله، فإذا أصابها الطلق لم يعلم أهل السماء والأرض ما أخفي لها من قرة أعين، فإذا وضعت لم يجرع ولدها من لبنها جرعة ولم يمص مصة إلا كتب لها بذلك حسنة.
٩٢٠ - قالوا: وكان رسول الله ﷺ اصطفي
ريحانة بنت شمعون، ابن زيد بن خنافة بن عمرو (١)،
من بني قريظة، لما فتح بني قريظة. فعرض عليها الإسلام، فأبت إلا اليهودية. فعزلها. ثم أسلمت بعد، فعرض عليها التزويج وضرب الحجاب، فقالت: بل تتركني في ملكك. فكان يطؤها وهي في ملكه. وكانت تحت رجل يقال له عبد الحكم، أو الحكم، وهو ابن عمها وكان لها مكرما. فكرهت أن تتزوج بعده. وقال بعضهم: اسم القرظية ربيحة.
وكان النبي ﷺ جعلها في نخل له، يدعى نخل الصدقة. وكان ربما قال عندها، وعندها وعك، فأتى منزل ميمونة، ثم تحول إلى بيت عائشة. ويقال: كانت ريحانة من بني النضير، عند رجل من قريظة يكنى أبا الحكم. والله تعالى أعلم.
وحدثنى محمد بن سعد، عن الأعرابي قال: سمعت أزهر السمان يحدث عن ابن عون، عن ابن سيرين أن رجلا لقي ريحانة بالموسم، فقال لها: إن الله لم يرضك للمؤمنين أما.
فقالت (٢): وأنت فلم يرضك الله لي ابنا.
стр. 480
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري قال:
كانت ريحانة بنت شمعون بن زيد بن عمرو بن خنافة قرظية وكانت من ملك رسول الله ﷺ فأعتقها وتزوجها وجعل صداقها عتقها، ثم إنه طلقها. فكانت في أهلها، تقول: لا يراني أحد بعد رسول الله ﷺ .
وروي الواقدي في إسناده، عن محمد بن كعب القرظي قال:
كانت ريحانة من قريظة، صفي رسول الله ﷺ يومئذ، فأعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها. فغارت عليه غيرة شديدة، فطلقها تطليقة، ثم راجعها، فكانت عنده حتى ماتت قبل أن يتوفى. وكانت ريحانة تقول: تزوجني رسول الله ﷺ ، ومهرني مثل نسائه، وكان يقسم لي، وضرب علي الحجاب، وكان تزوجه إياي في المحرم سنة ست من الهجرة.
٩٢١ - وحدثني علي بن المديني وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، قالا ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري أنه كان للنبي ﷺ سريتان: القبطية، وريحانة بنت شمعون.
فاطمة الكلابية
٩٢٢ - وحدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت:
تزوج رسول الله ﷺ امرأة من بني كلاب، فلما دنا منها قالت: أعوذ بالله منك. فقال ﷺ : عذت بعظيم، الحقي بأهلك.
وحدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن عبد الله بن سليمان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال:
دخل رسول الله ﷺ بالكلابية، ولكنه لما خير نساءه، اختارت قومها، ففارقها. فكانت بعد ذلك تلقط البعر، وتدخل على نساء النبي
стр. 481
ﷺ ، فيتصدقن عليها، وتقول: أنا الشقية. وقال الواقدي:
ماتت الكلابية سنة ستين عند أهلها، وكان تزوج رسول الله ﷺ إياها في سنة ثمان، منصرفه من الجعرانة. وقال بعض الرواة:
إن هذه الكلابية ابنة الضحاك بن سفيان الكلابي، واسمها فاطمة. وقال بعضهم عرض الضحاك الكلابي ابنته على رسول الله ﷺ ، وقال: من صفتها كذا، وكفاك من صحة بدنها أنها لم تمرض قط، ولم تصدع. فقال ﷺ : لا حاجة لنا فيها هذه تأتينا نخطبها (١). وقال الكلبي: التي قال أبوها إنها لم تصدع قط، وعرضها على النبي ﷺ فقال «لا حاجة لنا بها»، سلمية، وأما الكلابية، فاختارت قومها فدلهت وذهب عقلها، فكانت تقول: أنا الشقية، خدعت. وقد روي مثل ذلك عن عبد الواحد بن أبي عون.
العالية بنت ظبيان:
٩٢٣ - وقال الواقدي، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن يزيد بن الهاد، عن ثعلبة بن أبي مالك، قال:
تزوج رسول الله ﷺ امرأة من بني عامر فكان إذا خرج اطلعت على أهل المسجد. فأخبرته أزواجه بذلك. فقال: إنكن تبغين عليها. فقلن: نريكها وهي تطلع. فلما رآها، فارقها. وقال الكلبي:
كانت عند رسول الله ﷺ العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف ابن عبد بن أبي بكر بن كلاب. فمكثت عنده ما شاء الله، ثم طلقها بسبب التطلع.
وحدثني علي بن عبد الله المديني، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري أن النبي ﷺ طلق العالية، فتزوجها ابن عم لها ودخل بها وذلك قبل أن يحرم نكاحهن على الناس، وولدت له.
стр. 482
عمرة بنت يزيد:
٩٢٤ - وقال الكلبي: تزوج رسول الله ﷺ عمرة بنت يزيد بن عبيد ابن رؤاس بن كلاب، فبلغه أن بها بياضا- أو رأى بكشحها بياضا- فطلقها وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوج رسول الله ﷺ هند بنت يزيد، من القرطاء، من ولد أبي بكر بن كلاب. وبعث إليها أبا أسيد الأنصاري. فلما استهداها، رأى بها بياضا، فطلقها.
أسماء بنت النعمان:
٩٢٥ - وقال الكلبي: تزوج رسول الله ﷺ أسماء بنت النعمان بن الأسود بن الحارث بن شراحيل بن كندي بن معاوية بن الجون بن آكل المرار.
وكانت من أجمل النساء. ومهرها اثنتى عشر أوقية ونشا. فقال لها بعض نسائه:
أنت بنت ملك (١)، وإن استعذت بالله منه حظيت عنده. فلما دخلت عليه ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك. فقال: قد عذت بمعاذ، عذت بمعاذ، أمن عائذ الله؟ وصرف وجهه عنها، وقال: ارجعي إلى أهلك. فقيل: يا رسول الله، إنها خدعت وهي حدثة. فلم يراجعها. فتزوجها المهاجر بن أبي أمية المخزومي، ثم قيس بن هبيرة المرادي. فأراد عمر معاقبتهما. فقيل: أن رسول الله ﷺ لم يدخل بها، ولم يضرب عليها حجابا، ولم تسم في أمهات المؤمنين.
فأمسك. وقال الشرقي بن القطامي: دعاها رسول الله ﷺ ، فقالت: بل ائتني أنت. فطلقها. وقال الكلبي: لما فعل رسول الله ﷺ بهذه الكندية ما فعل، كان الأشعث حاضرا، فقال يا رسول الله ﷺ : إلا أزوجك قتيلة بنت قيس، أختي؟ فقال: نعم. فتوفي (٢) رسول الله ﷺ قبل أن تخرج من اليمن. فتزوجها عكرمة بن أبى جهل. قال الواقدي: قدم النعمان الكندي، وكان منزله بنجد نحو الشربة،
стр. 483
فأسلم وقال: يا رسول الله، ألا أزوجك أجمل أيم في العرب؟
فتزوجها على اثنتي عشرة أوقية ونش، وذلك خمس مائة درهم، ووجه أبا أسيد الساعدي، فقدم بها. وكانت جميلة فائقة الجمال. فاندست إليها امرأة من نساء النبي ﷺ ، فقالت: إن كنت تريدين الحظوة عند رسول الله، فاستعيذي منه، فإن ذلك يعجبه.
قال الواقدي، فحدثني موسى بن عبيدة، عن عمر (و) (١) بن الحكم، عن أبي أسيد قال:
بعثني رسول الله ﷺ إلى الجونية، فأتيته بها، فأنزلته في أطم بني ساعدة. فلما جاءها رسول الله ﷺ أقعى ثم أهوى إليها ليقبلها، وكذلك كان يصنع، فقالت: أعوذ بالله منك. فانحرف عنها، وقال:
عذت بمعاذ، عذت بمعاذ. ووثب فخرج، وأمرني بردها. فرددتها إلى قومها.
فلما طلعت بها، قالوا: إنك لغير مباركة، جعلتنا في العرب شهرة. فأقامت في بيتها لا يطمع فيها طامع ولا يراها ذو محرم، حتى توفيت في أيام عثمان عند أهلها بنجد.
وحدثني روح بن عبد المؤمن، حدثني الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، عن موسى بن عبيدة، عن عمرو ابن الحكم، عن أبي أسيد أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بني الجون، وبعثني إليها، فأتيته بها. فأهوى ليقبلها، وكان إذا أراد أن يقبل أقعى، فقالت:
أعوذ بالله منك. قال: عذت بمعاذ. وردها إلى أهلها. وقال الواقدي: كان تزوجه هذه الجونية في شهر ربيع الأول سنة تسع.
وحدثني حفص بن عمر، حدثني أبو المنذر، أخبرني أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة قال:
حدثني أصحابنا أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من كندة، يقال لها أسماء بنت النعمان. وكانت عائشة وحفصة تولتا مشطها وإصلاح أمرها. وكان أبو أسيد الساعدي قدم بها. فقالتا لها إنه يعجب رسول الله عليه وسلم من المرأة إذا دنا منها أن تقول: أعوذ بالله
стр. 484
منك. فلما مد يده إليها، استعاذت منه. فوضع كمه على وجهه وقال: عذت بمعاذ، ثلاثا. وأمر أبا أسيد أن يلحقها بأهلها، ومتعها برازقيين (١). فماتت كمدا حدثني محمد بن سعد (٢)، عن الواقدي، عن معمر، عن الزهري قال:
لم يتزوج رسول الله ﷺ كندية إلا أخت الجون، ثم فارقها. قال، وقال الواقدي، حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عروة أن الوليد بن عبد الملك كتب إليه يسأله: هل تزوج رسول الله ﷺ أخت الأشعث بن قيس؟ فكتب إليه أنه ما تزوجها قط، ولا تزوج كندية إلا أخت بنى الجون.
حدثني علي بن المديني، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة قال: لما دخلت الكندية على النبي ﷺ ، قالت: أعوذ بالله منك.
فقال: لقد عذت بعظيم، الحقى بأهلك.
(مليكة الكنانية):
٩٢٦ - وروى أبو معشر أن النبي ﷺ تزوج في شهر رمضان سنة ثمان مليكة بنت كعب الليثي، من كنانة، فقالت لها عائشة: أما تستحيين أن تنكحي قاتل أبيك؟ فقالت: فكيف أصنع؟ فقالت: استعيذي بالله منه.
فاستعاذت، فطلقها. وكان أبوها قتل يوم فتح مكة. وقال أبو عبيدة: اسم هذه الكنانية عمرة.
وحدثني محمد بن سعد (٣)، عن الواقدي، عن عبد العزيز، عن أبيه، عن عطاء الجندعي أن النبي ﷺ تزوج مليكة الكنانية ودخل بها، فماتت
стр. 485
عنده. وقال الواقدي: وكان الزهري وجميع أصحابنا ينكرون أن يكون النبي ﷺ : تزوج كنانية قط. وقال الكلبي: لا نعلم أن رسول الله ﷺ تزوج كنانية.
(أم هانئ بنت أبى طالب):
٩٢٧ - وكانت أم هانئ بنت أبي طالب عند هبيرة بن أبي وهب. فلما كان يوم الفتح، هرب ومات كافرا. فخطبها رسول الله ﷺ ، فقالت:
والله لقد كنت أحبك في الجاهلية، فكيف في الإسلام، ولكني امرأة ذات أولاد صغار وأنا أخاف أن يؤذوك. فأمسك عنها، وقال: خير نساء ركبن المطايا نساء قريش أحناهن (١) على ولد في صغر، وأرعاهن على زوج في ذات يد.
(متفرقات):
٩٢٨ - وعرض رسول الله ﷺ على صفية بنت بشامة العنبري، أخت الأعور بن بشامة، وكانت، أخذت سبية، أن يتزوجها أو ترد إلى أهلها.
فاختارت أن ترد، فردت.
٩٢٩ - وأتت النبي ﷺ ليلى بنت الخطيم بن عدي بن عمرو بن سواد ابن ظفر بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة، وهو غافل، فحطأت (٢) على منكبه. فقال: «من هذا؟ أكله الأسود.» فقالت:
«ابنة الخطيم، وبنت مطعم الطير، ومباري الريح، وقد جئتك أعرض نفسي عليك». فقال: قد قبلتك. فأتت نساءها، فقلن: «بئس ما صنعت. أنت امرأة غيور، ورسول الله كثير الضرائر. ونخاف أن تغاري، فيدعو عليك فتهلكي. استقيليه». فأتته، فاستقالته. فأقالها. فدخلت بعض حيطان المدينة، فأكلتها أسود.
стр. 486
٩٣٠ - وخطب رسول الله ﷺ خولة بنت الهذيل بن هبيرة الثعلبى.
فلما حملت إليه، هلكت في الطريق قبل وصولها إلى رسول الله ﷺ .
٩٣١ - وشراف، أخت دحية بن خليفة الكلبي. هلكت أيضا قبل دخولها على رسول الله ﷺ .
٩٣٢ - وكانت ضباغة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عمير بن صعصعة عند علي الحنفي (١). أبي «هوذة»، وهلك. فورثته مالا.
فتزوجها عبد الله بن جدعان التيمى، فلم تلد منه. فسألته الطلاق، فطلقها.
فتزوجها هشام بن المغيرة، فولدت له سلمة بن هشام، وكان من خيار المسلمين.
وكانت موصوفة بالجمال. فخطبها رسول الله ﷺ إلى سلمة.
فقال: استأمرها. فقالت: أفي رسول الله تستأمرني؟ ثم بلغ رسول الله ﷺ عنها كبرة وتغير، فأمسك عنها. وهي التي طافت (٢) حول الكعبة عريانة ولم تجد ثوب حرمي تستعيره ولا تكتريه فقالت (٣):
اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله
стр. 487
٩٣٣ - وقال الواقدي: خطب رسول الله صلى الله عليه (وسلم) امرأة من كلب، فبعث عائشة لتنظر (١) إليها. فذهبت ثم رجعت فقال لها: ما رأيت؟
قالت: لم أر طائلا. قال: لقد رأيت خالا بخدها اقشعرت له كل شعرة منك.
فقالت: يا رسول الله، ما دونك ستر.
стр. 488
٩٣٤ - وقال الواقدي، ثنا الثوري، عن جابر، عن مجاهد قال:
كان رسول الله ﷺ إذا خطب فرد، لم يعد. فخطب امرأة، فقالت: أستأمر أبي. فاستأمرته، فأذن لها، ثم أتت رسول الله ﷺ . فقال لها: قد التحفنا لحافا غيرك.
٩٣٥ - وحدثني عمرو بن محمد الناقد وغيره قالوا، حدثنا معاوية، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت:
قالت أم حبيبة بنت أبي سفيان: يا رسول الله، بلغنا أنك تخطب درة بنت أم سلمة؟ فقال: لو لم تكن أمها عندي لما حلت لي، قد أرضعتني وأباها ثويبة مولاة بني هاشم، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن.
٩٣٦ - وقال أبو عبيدة: خطب رسول الله ﷺ جمرة (١) بنت الحارث ابن عوف. فقال أبوها: إن بها برصا. وهو كاذب. فبرصت. وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر. وقال أبو الحسن المدائني: أم شبيب بن البرصاء: القرصافة بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة. وأختها عمرة بنت الحارث أم عقيل ابن علفة. وأبو شبيب: يزيد بن حمزة بن عوف بن أبى حارثة (الم) رى. وقال الكلبي: كانت أم شبيب أدمي، فسميت برصاء، على القلب، ولم يكن بها برص.
٩٣٧ - وعرضت ابنة حمزة بن عبد المطلب على رسول الله ﷺ ، فقال: أما علمتم أن حمزة أخي من الرضاع، وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟
٩٣٨ - وقال أبو عبيدة: عرضت على رسول الله ﷺ أم حبيب بنت العباس، عمه، فقال: العباس أخي من الرضاع. وقد روي عن أم الفضل لبابة بنت الحارث أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : إن كبرت أم حبيب وأنا حى، تزوجتها (٢).
стр. 489
وحدثني عبد الله بن صالح بن مسلم، حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق (١) عن الحسن، عن عبيد الله بن عبد الله بن العباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أم الفضل بنت الحارث أن رسول الله ﷺ قال، ورأى أم حبيب بنت العباس وهي فوق الفطيم، قال: لئن بلغت ابنة العباس هذه وأنا حى لأتزوجها. وقال محمد ابن إسحاق: في هذا تأكيد لقول عائشة إنه أحل للنبي ﷺ من شاء من النساء، وأنه لم يحبس على تسع.
٩٣٩ - وقال أبو عبيدة: عرضت على رسول الله ﷺ سنا بنت الصلت، ويقال: بنت أسماء بن الصلت السلمية، وحملت إليه، فماتت قبل أن تصل إليه.
٩٤٠ - قالوا: وقيل لرسول الله ﷺ : ألا تتزوج من نساء الأنصار؟
فقال: إن فيهن غيرة شديدة، وأنا صاحب ضرائر، وأكره أن أسوأ قومهن فيهن.
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال:
كان صداق رسول الله ﷺ الذي زوج به بناته، وتزوج به:
عشر أواق (٢) ونشا. قال عبد الرزاق: وذلك خمس مائة درهم.
حدثني الوليد بن صالح، ثنا محمد بن عمر، عن هشام بن سعد، عن عطاء الخراساني أن عمر بن الخطاب قال: لا تغالوا بصداق النساء، فإنه لو كان تقوى أو كرما في الدنيا، كان نبيكم ﷺ أولاكم به: ما أصدق واحدة من نسائه ولا أصدقت واحدة من بناته أكثر من عشر أواق (٣).
٩٤١ - حدثني الواقد، عن الواقدي، عن عبد الله بن جعفر، عن رجل، عن أبي بكر بن حزم قال:
كان النبي ﷺ إذا خطب المرأة، قال للذي يخطبها عليه: «اذكر لها جفنة سعد بن عبادة» - الذي كان يبعث بها. قال:
стр. 490
يعنى أنها كانت مرة بلحم، ومرة بسمن، ومرة بلبن. وقال الواقدي: بلغنا أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه في غسل واحد. قال: وروي عنه أيضا أنه طاف عليهن يغتسل من كل امرأة غسلا. وأنه قال ﷺ : أعطيت في الجماع قوة أربعين رجلا.
٩٤٢ - حدثني الوليد بن صالح، ثنا محمد بن عمر، عن إسحاق بن يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:
أكل عمر بن الخطاب مع النبي ﷺ ، فأصابت يده يد بعض نسائه، فأمر بالحجاب.
حدثني روح بن (عبد) المؤمن، ثنا كثير بن عبد الله ( ...... ؟) (عن أنس) (١) قال:
«ما مسست كفا قط ألين من كف رسول الله ﷺ . وما قال لي قط لشيء فعلته: لم فعلته؟، ولا لشيء لم أفعله: هلا فعلته؟ وقال لي:
يا أنس، إذا خرجت من بيتك، فسلم على من لقيت تزدد حسنة- أو قال:
محبة- وإن استطعت أن لا تكون (٢) إلا على وضوء فافعل، فإنك لا تدرى متى يأتيك الموت. وكنت أجيء فأدخل على أزواج النبي ﷺ . فجئت لأدخل، فقال: «يا أنس، خلفك، فقد نزلت آية الحجاب (٣)».
حدثنا محمد بن حاتم المروزي، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا حميد الطويل، عن أنس، قال:
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: وافقت ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟، فنزلت (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (٤)، وقلت: يا رسول الله، إنه يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟، فأنزل الله آية الحجاب، وبلغنى معاتبة رسول الله ﷺ نساءه فدخلت على واحدة واحدة، فجعلت
стр. 491
أقول: والله لئن انتهيتن وإلا ليبدلن الله نبيه أزواجا خيرا منكن، فأنزل الله تعالى عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن الآية (١). قال الواقدي:
ونزل الحجاب في ذي القعدة سنة خمس. وقوم يقولون: نزل ورسول الله ﷺ بمكة حين حج حجته.
٩٤٣ - وقال الواقدي، ثنا ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التؤمة، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ لنسائه في حجة الوداع: هذه ثم طهور الحصر. قال: فحججن بعده إلا سودة وزينب. قال: لا تحركنا دابة بعد رسول الله ﷺ (٢). وذكر بعضهم أن أم حبيبة كانت تحج كل سنة، وليس ذلك بثبت.
قال الواقدي، وحدثني عثمان بن محمد، عن زيد بن أسلم، قال:
خرج عمر آخر حجة حجها إلى مكة بأزواج النبي ﷺ ، فحدثني سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال:
كان عمر منعهن من الحج والعمرة حتى كان آخر حجة حجها عمر، فخرج بهن في الهوادج، فكان عبد الرحمن بن عوف يقول: كنا نخرج بهن وهن في الهوادج وعلى هوادجهن الطيالسة. فأكون، وعثمان بن عفان وراءهن فلا ندع أحدا يدنو منهن، فإذا نزلنا المنزل، أنزلناهن في الشعاب، وجلست أنا وهو على أفواه الشعاب فلا يرينه (٣) منا أحد. وقالت أم معبد الخزاعية: رأيت عثمان، وعبد الرحمن بن عوف في آخر خلافة عمر، ونساء النبي ﷺ قد حججن، وابن عفان يسير أمامهن على راحلته، فإذا دنا منهن إنسان، قال إليك إليك، وابن عوف وراءهن يفعل مثل ذلك. ولما نزلن، ستر عليهن بالشجر من كل ناحية. فلما رأيتهن، بكيت، وقلت لهن: ذكرت رسول الله ﷺ حين نزل بهذا الموضع، فبكين معى، وعرفننى فأكرمنى. ورحبن (٤) بي،
стр. 492
ووصلتني كل امرأة منهن بصلة، وقلن: إذا أخرج أمير المؤمنين. العطاء فاقدمي علينا. فقدمت عليهن فأعطتني كل امرأة منهن خمسين دينارا. وكن سبعا.
وروى إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده عبد الرحمن أن عمر حج سنة ثلاث وعشرين، واستخلف زيد بن ثابت، وحج معه بأزواج رسول الله ﷺ غير سودة، فإنها لزمت بيتها، وغير زينب فإنها كانت قد ماتت. فكان أمامهن عبد الرحمن، ووراءهن عثمان، فلا يتركان أحدا يدنو منهن إلا أن يكون ذا محرم، فيكلمنه من وراء الحجاب، وكن ينزلن في شعب، فيقف عثمان وعبد الرحمن على فم الشعب. قال الواقدي: وقد روي أن أمهات المؤمنين أستأذن عثمان في الحج. فقال: قد أذن لكن عمر. فحج بهن جميعا إلا سودة، وزينب فإنها كانت قد توفيت.
٩٤٤ - حدثني علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائشة قالت:
لم يقبض رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء من شاء إلا ذات زوج، لقوله : ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى (١).
حدثنا الوليد بن صالح، ثنا محمد بن عمر أبو عبد الله الواقدي، ثنا هشام بن سعد، عن عبد الكريم بن أبي حفصة عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قوله: لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج (٢)، قال:
حبس رسول الله ﷺ على نسائه، فلم يتزوج بعدهن.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى العبسي، عن شيبان النحوي، عن منصور، عن أبي رزين قال:
هم النبي ﷺ أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك، جعلنه في حل من أنفسهن يؤثر من يشاء، فأنزل الله تعالى: إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، حتى بلغ ترجي من تشاء منهن وتؤوي
стр. 493
إليك من تشاء (١)، يقول: اعتزل من تشاء منهن. فكان ممن عزل: سودة، وأم حبيبة، وصفية، وجويرية، وميمونة، وجعل يأتي عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، وقوله (ترجي من تشاء، تعزل من تشاء في غير طلاق، ثم قال: (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج، يقول من المسلمات.
ذكر موالي رسول الله ﷺ وخدمه:
زيد الحب:
٩٤٥ - زيد الحب بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر ابن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة. ويقال لولد عامر بن النعمان بن عامر «بنو المدنية»، وذلك أن أمة سوداء يقال لها «المدنية» كانت حضنتهم، وأسم أمهم ليلى بنت عريج، وهي كلبية. وأم زيد بن حارثة: سعدى بنت ثعلبة بن عبد بن عامر، من بنى معن، من طيئ. فزارت سعدى قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر بن شييع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة في الجاهلية، ومروا على أبيات بني معن فاحتملوا زيدا، وهو يومئذ غلام ينعة قد أوصف، فوافوا بسوق عكاظ، فاشتراه منهم حكيم بن حزام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي لعمته خديجة بنت خويلد بأربع مائة درهم، ويقال: بست مائة درهم. فلما تزوجها رسول الله ﷺ ، وهبته له. فقبضه رسول الله ﷺ وتبناه. ويقال أن رسول الله ﷺ كان ابتاع زيدا بالشام لخديجة حين توجه مع ميسرة، قيمها، فوهبته له. وكان حارثة بن شراحيل، أو «زيد» قال فيه حين فقده (٢):
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل … أحي فيرجى أم تخرمه الأجل
стр. 494
فو الله ما أدري وإن كنت سائلا … أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فياليت شعري هل لك الدهر رجعة … فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل (١)
تذكرينه الشمس عند طلوعها … وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره … فيا طول ما حزني عليه ويا وجل
سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا … ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي علي منيتي … وكل امرئ فان وإن غره الأمل
وأوصى بها كعبا (٢) وعمرا كليهما (٣) … وأوصي يزيدا ثم (من) بعدهم جبل
يعني بعمرو: عمرو بن الحارث بن عبد العزى بن امرئ القيس، أبو «بشر»، جد «محمد بن السائب بن بشر الكلبي النساب». ويعني بكعب: كعب بن شراحيل، أخا زيد لأمه. ويعنى بجبل: جبلة بن حارثة، أخا زيد، وكان أكبر من زيد. وبعضهم يجعل مكان كعب قيسا، ويقول: هو أخو حارثة.
ثم إن قوما من كلاب حجوا، فرأوا زيدا فعرفوه وعرفهم. فلما قدموا بلادهم، أعلموا حارثة بمكانه، وأخبروه خبره. فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل، وجبلة ابن حارثة بفدائه، وقدما مكة، فسألا عن النبي ﷺ . فقيل:
هو في المسجد. فدخلا عليه، فقالا: يابن عبد الله وابن عبد المطلب وابن هاشم، ثم سيد قومه، أنتم أهل حرم الله بجيرانه، تفكون العاني، وتطعمون الضيف، جئناك في ابننا عندك، فامنن به علينا وأحسن في فدائه إلينا. فقال رسول الله ﷺ : «فهلا غير ذلك؟ أدعوه، فأخيره. فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء. وإن اختارني، فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني شيئا». قالوا: قد زدتنا على النصف، وأحسنت. فدعا رسول الله ﷺ زيدا، فقال له: أتعرف هؤلاء؟ (فقال): أبي وعمي وأخي. فقال:
أنا من قد علمت، فاخترني أو اخترهم. فقال: ما أنا بمختار عليك أحدا.
فقال له أبوه (٤): ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية؟ قال: نعم،
стр. 495
قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالمختار عليه معه أحدا. فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك من زيد، أخرجه إلى الحجر، فقال لمن حضر:
اشهدوا أن زيدا ابني أرثة ويرثني. فطابت أنفسهم. فكان زيد يدعى زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام. فزوجه رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، وهي أبنة عمة رسول الله ﷺ . فطلقها زيد، وخلف عليها رسول الله ﷺ . فتكلم المنافقون، وطعنوا في ذلك، وقالوا:
محمد يحرم نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه. فأنزل الله : ما كان محمد أبا (١) أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما (٢)، ونزلت: «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله» - يعني هو أعدل عند الله- فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم (٣). فدعي يومئذ «زيد بن حارثة»، ونسب كل من تبناه رجل من قريش إلى أبيه، مثل سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة قد تبناه، ومثل عامر بن ربيعة الوائلي وكان الخطاب بن نفيل بن عبد العزى أبو «عمر» قد تبناه فكان يقال عامر بن الخطاب.
حدثنا عفان بن مسلم أبو عثمان، ثنا وهيب بن خالد، أنبأ موسى بن عقبة، حدثني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر قال:
ما كنا ندعو زيدا إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله. وقال الكلبي: كان زيد يسمى زيد الحب، لأنه حب رسول الله ﷺ . وكان ابنه أسامة يدعى «الردف»، لأن رسول الله ﷺ كان يردفه كثيرا.
حدثني بكر بن الهيثم الأهوازي، ثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أن النبي ﷺ ركب حمارا بأكاف على قطيفة، وأردفه خلفه، وأتى سعد بن عبادة يعوده.