٨٥٠ - وحدثني أحمد بن هشام، عن شعيب بن حرب، عن ربيع بن صبيح (١)، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال:
كان رسول الله ﷺ يسرح لحيته بالماء في كل يوم.
٨٥١ - وحدثني أبو نصر التمار، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء قال:
كان شعر رسول الله ﷺ قريبا من منكبيه.
٨٥٢ - وحدثني محمد بن حيان الحراني، ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق قال:
قيل للبراء: كان وجه رسول الله ﷺ يأتلق مثل السيف؟
فقال: لا، بل كان مثل القمر، ليس في رأسه عشرون شعرة بيضاء.
٨٥٣ - حدثنا وهيب بن بقية الواسطي، ثنا يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك قال:
ما كان الله ليشين نبيه بالشيب. قيل: وشين هو يا با (٢) حمزة؟ قال:
كلنا يكرهه.
٨٥٤ - وروي عن حميد الطويل، عن أنس أنه سئل عن خضاب النبي ﷺ . فقال: ما كان فيه من الشيب ما يخضبه.
٨٥٥ - وحدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سلام بن أبي مطيع، عن عبد الله بن موهب، قال:
دخلت على أم سلمة، فأخرجت إلي شعرا من شعر رسول الله ﷺ مخضوبا بالحناء والكتم.
حدثنا روح بن عبد المؤمن، عن معتمر بن سليمان، عن عبد الله، وعبيد الله ابني عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن ابن عمر قال:
كان النبي ﷺ يصفر لحيته.
стр. 422
٨٥٦ - حدثنا عمرو بن محمد الناقد، عن أبي نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة قال:
رأيت رسول الله ﷺ وهذه منه بيضاء، يعني عنفقته (١)، وأنا يومئذ أريش النبل وأرمي بها.
٨٥٧ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعكرمة، عن ابن عباس، قال أبو صالح في حديثه:
رأيت وفرة رسول الله ﷺ وبها ردع من حناء. وقال عكرمة في حديثه: رأيت وفرة رسول الله ﷺ وبها تلوين من الحناء.
٨٥٨ - حدثني الأعين، عن الحسن بن موسى الأشيب، ثنا شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن شيخ من كنانة قال:
رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز بين بردين أحمرين، مربوعا كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر سابغه، شديد البياض.
٨٥٩ - حدثني عمرو، ثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
كنت إذا أردت أن أفرق رسول الله ﷺ ، صدعت الفرق بين يافوخه، وأرسلت ناصيته بين عينيه.
أزواج رسول الله ﷺ وولده (٢):
٨٦٠ - تزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي- وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن هرم من بني عامر بن لؤي، ويقال: زيادة بن الأصم- قبل الإسلام.
٨٦١ - فولدت منه
القاسم بن رسول الله ﷺ .
وبه كان يكنى. ومات وقد مشى، وهو ابن سنتين.
стр. 423
٨٦٢ - وولدت أيضا
زينب بنت رسول الله.
وهي أكبر بنات رسول الله ﷺ ، تزوجها أبو العاص بن الربيع وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد ابن أسد. وكان أبو العاص يلقب جرو البطحاء، أي ابن البطحاء. وبعضهم يقول: اسمه القاسم، والثبت أن اسمه لقيط. وكان تزوجه إياها قبل الإسلام.
فلما أكرم الله نبيه بالرسالة، آمنت به خديجة وبناته وصدقنه (١). وثبت أبو العاص على دين قريش. وكان من معدودي رجال مكة مالا، وأمانة، وتجارة. فمشت إليه وجوه قريش، فقالوا: اردد على محمد ابنته، ونحن نزوجك أية امرأة أحببت من قريش. فقال: لا، ها الله، إذا لا أفارق صاحبتي، فإنها خير صاحبة. ولما سارت قريش إلى بدر، كان معهم. فأسر في المعركة.
فلما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال.
وبعثت معه بقلادة لها كانت خديجة رضي الله تعالى عنها وهبتها لها حين أدخلتها على أبي العاص. فلما رآها رسول الله ﷺ ، عرفها، فرق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تردوا قلادة زينب ومالها عليها وتطلقوا أسيرها، فافعلوا. فقالوا: نعم، ونعمة عين يا رسول الله. فأطلقه رسول الله ﷺ بعد أن اشترط عليه أن يبعث بزينب إليه. وتوثق منه، ووجه زيد بن حارثة الكلبي مولاه في عدة من الأنصار إلى بطن يأجج، وأمرهم بالمقام هناك إلى أن توافيهم زينب فيصاحبونها حتى يقدموا بها المدينة. وذلك بعد بدر بشهر. وأمر أبو العاص زينب بالتهيؤ. فلما تجهزت، بعث بها مع كنانة ابن عدي بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو ابن عمه.
ويقال: بل بعث بها مع عدي بن ربيعة. فاعترضها رجال من قريش بذي طوي. فبدر إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، ونافع ابن عبد قيس بن لقيط بن عامر الفهري، وهو أبو «عقبة بن نافع»، صاحب المغرب. فأهوى إليها هبار بالرمح، فأفزعها، وكانت حاملا فألقت ما في بطنها بعد أيام. وفوق كنانة، أو عدي، سهما وكان راميا. فقال له أبو سفيان ابن حرب، وكان في القوم: اكفف بذلك عنا، فإنا والله ما نمنعها من المسير
стр. 424
إلى أبيها وإنما أنكرنا خروجكم بها نهارا، ورأينا علينا في ذلك غضاضة، فردها إلى مكة، فإذا غشينا الليل، وهدأت الزجل (١) فأسر بها. ففعل، وأخرجها ليلا حتى أتى بها زيدا ومن معه فسلمها إليهم. ويقال إن هبارا أنفر بها البعير حتى سقطت، وانكسرت ضلع من أضلاعها. وفي أمر زينب يقول عدي أو كنانة بن عدي (٢):
عجبت لهبار وأوباش قومه … يريدون إخفاري ببنت محمد
فإن أنا لم أمنع من القوم كنتي … فلا عشت إلا كالخليع المطرد
ووجه رسول الله ﷺ سرية، وقال: إن لقيتم هبارا، فأحرقوه (٣). ثم قال: سبحان الله، لا يعذب بالنار إلا خالقها، اقطعوا يده ورجله. فلم تلقه السرية. وقدم على رسول الله ﷺ ، حين فتح مكة، مسلما. فقبل إسلامه، وأمر أن لا يعرض (٤) له. وقال له: لا تسب إلا من يسبك. وكان سبابا للناس. وكان يكنى أبا سعد. وخرجت سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فقالت: لا أنعم الله بك عينا. فقال رسول الله ﷺ : مهلا، فقد محا الإسلام ما كان قبله.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن معروف بن خربوذ المكي أنه أنشده لأبي العاص في زينب رضي الله تعالى عنها (٥):
ذكرت زينب لما جاوزت إرما … فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما
بنت الأمين جزاها الله صالحة … وكل بعل سيثني بالذي علما
وقال أبو العاص هذا الشعر، وقد خرج في سفر له. وخرج أبو العاص ابن الربيع في سنة ست إلى الشام في تجارة له. فلما انصرف، بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة مولاه في كثف من المسلمين لاعتراض العير
стр. 425
التي أقبل فيها أبو العاص، فاستاقها وأسره، فأتى به إلى رسول الله ﷺ . فبعث إلى زينب يستجير بها. ويقال: بل حاص حيصة حتى أتى زينب، فاستجار بها. فأجارته. فلما صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، قالت، وهي في صفة النساء: أيها الناس إنى قد أجرت أبا العاص ابن الربيع. فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس، أسمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فو الذى نفسي بيده، ما علمت بما كان حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم دخل رسول الله ﷺ عند انصرافهم من المسجد، فقال: يا بنية: أكرمى مثواه، ولا يخلصن إليك. وبعث إلى المسلمين ممن كان في السرية: إنكم قد عرفتم مكان هذا الرجل منا، فإن تردوا عليه ماله فإنا نحب ذلك، وإلا تردوه فأنتم أملك بفيئكم الذى جعله الله لكم.
فقالوا: بل نرده يا رسول الله. فردوا عليه ماله وجميع ما كان معه. وأسلم أبو العاص، فرد رسول الله ﷺ إليه زينب بنكاح جديد. ويقال:
بل ردها بالنكاح الأول.
حدثنى خلف بن هشام البزاز، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ رد زينب بنت رسول الله على أبى العاص بنكاح جديد ومهر جديد.
حدثنا بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح، عن ابن لهيعة، عن موسى، عن عراك، عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أم سلمة أن زينب استأذنت أبا العاص في إتيان أبيها ﵇، حين هاجر. فأذن لها في ذلك. فقدمت المدينة. ثم إن أبا العاص لحقها، فاستجار بها، وقال: خذي لي أمانا. فخرجت، فأطلعت رأسها من باب حجرتها حين قضى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فقالت: أنا زينب بنت رسول الله، وقد أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال رسول الله ﷺ :
أسمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فو الله ما علمت، والمسلمون يجير عليهم
стр. 426
أدناهم. فأمضى رسول الله ﷺ جوار زينب. وأسلم أبو العاص، فأقرهما رسول الله ﷺ على النكاح الأول. وقال الواقدى: ردها في المحرم سنة سبع.
حدثنى روح بن عبد المؤمن، ثنا بشر بن المفضل، عن داود بن أبى الهند، عن الشعبى أن رسول الله ﷺ رد زينب على أبى العاص بالنكاح الأول. وقال الواقدى: لما أسلم أبو العاص، أتى مكة ثم رجع إلى المدينة. فكان بها. فلما فتحت مكة، أقام بها. ولم يقاتل مع رسول الله ﷺ . وتوفى في سنة اثنتى عشرة. وأوصى إلى الزبير بن العوام، وهو ابن خاله. وكان لأبى العاص من زينب: على، وأمامة. فأما على، فمات وهو غلام، ولم يعقب. وأما أمامة، فتزوجها على بن أبى طالب بعد وفاة فاطمة ﵍، فولدت له محمدا الأوسط. وقتل على، وهي عنده.
فحملها عمها عبد الرحمن بن محرز بن حارثة بن ربيعة إلى المدينة. ثم إن معاوية بن أبى سفيان كتب إلى مروان بن الحكم يأمره أن يخطبها عليه، ففعل.
فجعلت أمرها إلى المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وهو الذى كان الحسن بن على ﵉ استخلفه على الكوفة حين سار إلى المدائن. فأشهد المغيرة عليها برضاها بكل ما يصنع. فلما استوثق منها، قال: قد تزوجتها، وأصدقتها أربع مائة دينار. فكتب مروان بذلك إلى معاوية. فكتب إليه: هي أملك بنفسها، فدعها وما اختارت ثم إنه بعد ذلك سير المغيرة إلى الصفراء، فمات. وماتت بالصفراء. وولدت من المغيرة: يحيى بن المغيرة، وبه يكنى. وتوفيت زينب بنت رسول الله ﷺ في سنة ثمان من الهجرة بالمدينة. فغسلتها أم أيمن، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة. وصلى عليها رسول الله ﷺ ، ونزل في قبرها، ومعه أبو العاص. وجعل لها نعش. فكانت أول من اتخذ لها ذلك. والذى أشارت باتخاذه أسماء بنت عميس، رأته بالحبشة، وهي مع زوجها جعفر بن أبى طالب. ويقال إن عليا خاف أن يتزوج معاوية أمامة، فأوصاها أن تتزوج المغيرة. وكانت أمامة عنده بضعا وعشرين سنة.
стр. 427
٨٦٣ - وولدت خديجة لرسول الله ﷺ
رقية بنت رسول الله ﷺ .
تزوجها عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب. فلما نزلت «تبت يدا أبي لهب (١)»، قالت أمه أم جميل بنت حرب بن أمية حمالة الحطب: قد هجانا محمد. وعزمت على ابنها عتبة أن يطلق رقية. وعزم عليه أبوه أيضا أن يطلقها. ففعل. فزوجها رسول الله ﷺ من عثمان بن عفان رضي الله تعالى، عنه، فهاجرت معه إلى الحبشة. وولدت له عبد الله. فكني أبا عبد الله.
وتوفيت في أيام بدر، وهي عند عثمان. ودفنت بالبقيع. وصلى عليها عثمان.
وغسلتها أم أيمن. ولم يحضرها رسول الله ﷺ . ويقال إن زيد ابن حارثة قدم المدينة بخبر بدر حين سوى على رقية التراب. وأما عبد الله بن عثمان، فإن رسول الله ﷺ وضعه في حجره، ودمعت عليه عينه.
وقال: إنما يرحم الله من عباده الرحماء. وصلى عليه رسول الله ﷺ . ونزل عثمان في حفرته.
٨٦٤ - ولدت خديجة لرسول الله ﷺ
أم كلثوم
أيضا. تزوجها معتب بن أبي لهب. ويقال: عتيبة. فعزمت عليه أم جميل، وأبوه، أن يطلقها.
ففعل. فلما توفيت رقية، زوجها رسول الله ﷺ من عثمان أيضا.
فلم تزل عنده حتى توفيت في سنة تسع. وتبكى (٢) عثمان. فقال له رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ فقال: انقطاع صهري منك يا رسول الله. فقال ﷺ : كلا، إنه لا يقطع الصهر الموت، إنما يقطعه الطلاق، ولو كانت عندنا ثالثة، لزوجناك. ويقال إن قريشا لما سعوا إلى أبي العاص في طلاق زينب، سعوا إلى عتبة وأخيه في طلاق رقية وأم كلثوم، فطلقاهما، فزوجوا عتبة: ابنة سعيد بن العاص بن أمية.
وحدثت عن ابن جعدبة، عن الزهري أن عثمان كان يجزع على رقية جزعا شديدا، فكان لا يزال يأتى قبرها.
стр. 428
فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل أمرني أن أزوجك أختها على مثل مهر أختها.
٨٦٥ - وولدت خديجة لرسول الله ﷺ
فاطمة،
تزوجها على ابن أبي طالب ﵉ بالمدينة في سنة اثنتين. فولدت له الحسن، والحسين، ومحسنا درج صغيرا، وزينب تزوجها عبد الله بن جعفر فبانت منه ويقال ماتت عنده، وأم كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فولدت له زيد بن عمر. وقتل عنها. فخلف عليها محمد بن جعفر بن أبي طالب، فتوفي عنها، فخلف عليها عبد الله بن جعفر، بعد زينب. وتوفيت أم كلثوم وابنها زيد في يوم واحد، فصلى عليهما عبد الله بن عمر. وتوفيت فاطمة رضي الله تعالى عنها بعد النبي ﷺ بستة أشهر. وذلك الثبت. ويقال:
بثلاثة أشهر، ويقال بخمس وسبعين ليلة، ويقال بأربعين ليلة. وصلى عليها العباس بن عبد المطلب. ونزل هو وعلي في قبرها. ودفنت ليلا. وكبر العباس عليها أربعا. وكان لها، يوم توفيت، تسع وعشرون سنة. ويقال إحدى وثلاثون سنة وأشهر. ولما حضرت فاطمة الوفاة، أمرت عليا، فوضع لها غسلا. فاغتسلت وتطهرت ثم دعت بثياب أكفانها. فأتيت بثياب غلاظ خشنة، فلبستها. ومست من الحنوط. ثم أمرت عليا أن لا يكشف عنها إذا قبضت، وأن تدفن كما هي في ثيابها. ففعل. ولم يصنع مثل هذا إلا كثير بن العباس، وكتب على أطراف أكفانه: «كثير بن العباس يشهد أن لا إله إلا الله».
وحدثني محمد بن سعد (١)، عن الواقدي في إسناده، وعن هشام بن محمد الكلبي، قالا:
كان أبو بكر خطب فاطمة، فقال له رسول الله ﷺ :
أنا أنتظر بها القضاء. ثم خطبها عمر، فقال له مثل ذلك. فقيل لعلي:
لو خطبت فاطمة؟ فقال: منعها أبا بكر وعمر، ولا آمن أن يمنعنيها. فحمل على خطبتها، فخطبها إلى رسول الله ﷺ . فزوجه إياها. فباع بعيرا له، ومتاعا، فبلغ ثمن ذلك أربع مائة وثمانين درهما. ويقال أربع مائة
стр. 429
درهم. فأمره أن يجعل ثلثها في الطيب، وثلثها في المتاع. ففعل. وكان علي يقول: ما كان لنا إلا إهاب كبش، ننام على ناحية منه، وتعجن فاطمة على ناحية.
وحدثني علي بن المديني، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال:
استحل علي فاطمة ببدن (١) من حديد.
وحدثني علي، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجل سمع عليا ﵇ يقول:
أردت أن أخطب إلى رسول الله ﷺ ، ابنته، فقلت:
والله ما لي شيء، ثم ذكرت صلته وعائدته، فخطبتها إليه. فقال: وهل عندك من شيء؟ قلت: لا. قال: فأين درعك التي أعطيتك يوم كذا؟
فقلت: هي عندي. قال: فأعطها إياها.
حدثنا عمرو بن محمد، حدثني معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي قال:
جهز رسول الله ﷺ فاطمة بخميل، وقربة، ووسادة محشوة بإذخر. وقال الواقدي، وغيره: دخل العباس بن عبد المطلب على علي وفاطمة ﵉، وأحدهما يقول لصاحبه: أينا أكبر؟ فقال العباس: ولدت يا علي، قبل بناء قريش الكعبة بسنوات، وولدت ابنتي (٢) وقريش تبني الكعبة، ورسول الله ﷺ يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة. وقد قيل إنها ولدت قبل ذلك.
حدثنا عمرو بن محمد، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة قال:
سمعت النبي ﷺ يخطب على المنبر، فقال: ألا إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم عليا، ألا وإني لا آذن (٣)، ثم لا آذن (٤)، ثم لا آذن (٥)، إنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها. وروي أن رسول الله صلى الله عليه
стр. 430
وسلم قال: بلغني أن عليا خطب العوراء بنت أبي جهل، وإني لا آذن في الجمع بين ابنة رسول الله وابنة عدو الله. فولدت فاطمة لعلي: الحسن وتكنى أبا محمد، والحسين وتكنى أبا عبد الله، ومحسنا مات صغيرا. وكان مولد الحسن في سنة ثلاث للنصف من شهر رمضان، فعق عنه النبي ﷺ بكبش.
ثم علقت فاطمة بعد مولد الحسن بخمسين ليلة بالحسين، على جميعهم السلام.
وقال بعضهم: كان بين حمل الحسين ومولد الحسن طهر. فلما ولد الحسين، أمر رسول الله ﷺ فتصدق بزنة شعره فضة. وكان مولده ليالي خلت من شعبان سنة أربع.
حدثني أبو عمرو الزيادي، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق أن عليا قال لما ولد الحسن: سميته حربا. فجاء النبي ﷺ ، فقال: أرني ابني، ما سميتموه؟ قلنا: حربا. فقال: هو الحسن. فلما ولد الحسين، سميناه حربا. فجاء النبي ﷺ ، فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلنا:
حربا. فقال: هو الحسين. ثم لما ولد الثالث، جاء فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلنا: حربا. قال: هو محسن، إنما سميتهم بأسماء ولد هارون شبر، وشبير، ومشبر.
حدثنا عبد الله بن صالح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق.
بنحوه.
حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن أبي بكر، عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص قال:
توفي سعد بن أبي وقاص، والحسن بن على بعد ما مضت من إمرة معاوية عشر سنين، وكانوا يرون أنه سمهما. وقال الواقدي: صلى على الحسن: سعيد بن العاص (بن) سعيد بن (١) العاص بن أمية. فقال الحسين:
لولا السن، ما قدمتك. وكان أوصى أن يدفن مع النبي ﷺ إلا أن يخافوا أن يهراق في ذلك محجمة من دم. فمنعهم مروان، حتى كادت الفتنة تقع. وأبى الحسين إلا دفنه مع النبي ﷺ حتى كلمه عبد الله
стр. 431
ابن جعفر، والمسور بن مخرمة الزهري في دفنه بالبقيع. وكان مرضه أربعين يوما. وتوفي رضي الله تعالى عنه وله سبع وأربعون سنة. وذلك في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين. وقال بعضهم: مات في سنة خمسين وله ثمان وأربعون سنة.
وقتل الحسين يوم عاشوراء من محرم سنة إحدى وستين.
حدثنا عمرو بن محمد، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا عمرو (بن دينار)، عن الحسين بن محمد أن فاطمة ﵍ دفنت ليلا.
حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن سعد القطان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة.
أن عليا دفن فاطمة ﵍ ليلا. وقال محمد بن سعد: كانت وفاتها، فيما ذكر الواقدي وغيره، ليلة الثلاثاء لثلاث ليال خلون من شهر رمضان. وكان رسول الله ﷺ قال لفاطمة: أنت أسرع أهلي لحاقا بي. فوجمت. فقال لها: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟ فتبسمت. قالوا: وأوصت فاطمة أن تحمل على سرير طاهر، فقالت لها أسماء بنت عميس: أصنع لك نعشا كما رأيت أهل الحبشة يصنعون. فأرسلت إلى جريد رطب فقطعته، ثم جعلت لها نعشا. فتبسمت ولم تر متبسمة بعد وفاة النبي ﷺ إلا ساعتها تيك. وغسلها علي، وأسماء. وبذلك أوصت. ولم يعلم أبو بكر، وعمر بموتها.
٨٦٦ - وولدت خديجة لرسول الله ﷺ أيضا
عبد الله،
وهو الطاهر، وهو الطيب. وسمي بهذين الاسمين جميعا، لأنه ولد بعد المبعث في الإسلام. وتوفي بمكة. فقال العاص بن وائل: محمد أبتر، لا يعيش له ولد ذكر. فأنزل الله : إن شانئك هو الأبتر (١).
٨٦٧ - وتوفيت خديجة في سنة عشر من المبعث، قبل موت أبي طالب. وكان بين وفاتها وموت أبي طالب شهر وخمسة أيام. ويقال خمس وخمسون ليلة. ويقال ثلاثة أيام. ومات أبو طالب في آخر شوال، وأول ذي القعدة. ويقال توفي للنصف من شوال. وقال بعض البصريين: ماتت قبل الهجرة بخمس سنين
стр. 432
ونحوها. وذلك غلط. ونزل رسول الله ﷺ في قبرها. ولم يكن سنت (١) الصلاة على الجنائز يومئذ. وقال الكلبي وغيره: غسلتها أم أيمن وأم الفضل.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: توفيت خديجة ابنة خويلد بمكة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بسنتين، أو قريب من ذلك. وقال الواقدي: توفيت قبل الهجرة بثلاث سنوات أو نحوها. وروي عن حكيم بن حزام أنه قال: أخرجناها حتى دفناها بالحجون، ونزل النبي ﷺ في قبرها، وكانت وفاتها لعشر خلون من شهر رمضان سنة عشر، وهي ابنة خمس وستين سنة.
حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن جعفر، عن علي، عن النبي ﷺ أنه قال: خير نسائها خديجة بنت خويلد، وخير نسائها مريم ابنة عمران. وسالف (٢) رسول الله ﷺ ، من قبل خديجة، الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس: كانت تحته هالة بنت خويلد. ثم أخوه ربيعة بن عبد العزى: كانت عنده هالة أيضا. ووهب بن عبد (بن) (٣) جابر الثقفي، كانت عنده هالة أيضا. ثم قطن بن وهب بن عمرو الخزاعي، من قبل هالة أيضا. وعلاج بن أبي سلمة بن عبد العزي بن غيرة الثقفي، كانت تحته خالده بنت خويلد. وعبد الله بن بجاد بن الحارث بن حارثة ابن سعد بن تيم بن مرة بن كعب، كانت تحته رقيقة بنت خويلد. وكانت خديجة قبل رسول الله ﷺ عند أبي هالة هند بن النباش بن زرارة الأسيدي (٤)، من تميم، فولدت له هند بن أبي هالة، سمي باسم أبيه. ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد (٥) بن عبد الله بن عمر (٦) بن مخزوم، فطلقها،
стр. 433
فتزوجها النبي ﷺ . وكانت مسماة لورقة بن نوفل، فآثر الله بها نبيه. وكانت خديجة ولدت لعتيق جارية، يقال لها هند. فتزوجها صيفي بن أمية بن عابد بن عبد الله، فولدت له محمدا. فيقال لبني محمد بن صيفي بالمدينة «بنو (١) الطاهرة».
٨٦٨ - وتزوج رسول الله ﷺ ، بعد خديجة،
سودة بنت زمعة ابن قيس،
من بني عامر بن لؤي، قبل الهجرة بأشهر. وكانت قبله عند السكران بن عمرو، أخي سهيل بن عمرو. فلما مات خلف عليها رسول الله ﷺ . فكانت أول امرأة وطئها بالمدينة. وكانت أم سودة. الشموس بنت قيس (٢) بن زيد بن عمرو (٣) بن لبيد بن خداش (٤)، من بني النجار، من الأنصار. وكانت رأت في النوم كان رسول الله ﷺ وطيء على عنقها، فأخبرت السكران بذلك. فقال: لئن صدقت رؤياك، لأموتن وليتزوجنك محمد. فقالت: حجرا وسترا (٥). ثم رأت ليلة أخرى كأن قمرا انقض عليها من السماء. فتزوجها النبي ﷺ . وولي تزويجها إياه (٦) حاطب (بن عمرو) بن عبد شمس، ويقال أبوها. فوضع أخوها، عبد، التراب على رأسه. فكان يقول حين أسلم: إني لست أحثو التراب على رأسي لتزوج النبي سودة. وكانت سودة مسنة، فطلقها رسول الله ﷺ في سنة ثمان من الهجرة تطليقة. فجمعت ثيابها، وجلست له على الطريق التي كان يسلكها إذا خرج إلى الصلاة. فلما دنا منها، بكت وقالت:
يا رسول الله، هل اعتددت علي في الإسلام بشيء؟ فقال: اللهم لا. فقالت:
أسألك بالله لما راجعتني. فراجعها. وجعلت يومها لعائشة، وقالت، والله ما غايتي إلا أن أرى وجهك وأحشر مع أزواجك. وكان في أذنها ثقل. وتوفيت في سنة ثلاث وعشرين. وصلى عليها عمر بن الخطاب. ويقال إنها توفيت في خلافة
стр. 434
عثمان، ولها نحو من ثمانين سنة. وكانت سودة قد لزمت بيتها، فلم تحج إلى أن توفيت. وذلك أن رسول الله ﷺ لما حج بنسائه، قال: هذه الحجة، ثم طهور الحصر.
وحدثني عمر بن عبد الرحمن العمري، ثنا مطرف بن عبد الله مولى أسلم، ثنا مالك بن أنس، (١) عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت:
كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة منه، وقال: اقبضه إليك. فلما كان عام الفتح، أخذه سعد وقال:
(ابن أخي،) (٢) قد كان عهد إلي فيه. فقام إليه عبد بن زمعة، فقال:
«أخى، ابن وليدة أبي، ولد على فراشه». فتساوقا إلى رسول الله ﷺ . فقال سعد: يا رسول الله، إن (٣) (قد كان) (٤) أخي عهد إلي فيه. وقال عبد بن زمعة: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فقال رسول الله ﷺ : هو لك، يا عبد بن زمعة. وقال ﷺ :
الولد للفراش، وللعاهر الحجر. ثم قال لسودة بنت زمعة: «احتجبي منه»، لما رأى من شبهه بعتبة. فما رآها حتى لقي الله .
وحدثني مصعب بن عبد الله، عن أبيه، عن مالك، عن عروة، عن عائشة بنحوه وحدثت عن محمد بن بشر العبدى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قالا:
لما هلكت خديجة، جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، فعرضت على رسول الله ﷺ التزويج. فقال: بمن؟ قالت:
بسودة وعائشة. وكانت سودة مسلمة. فزوجها إياه أبوها وهو شيخ كبير.
стр. 435
وسالف (١) رسول الله ﷺ ، من قبل سودة، حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس، من بني عامر بن لؤي، وكان معمرا، مات سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة. وكان عنده أم كلثوم بنت زمعة، أختها لأبيها وأمها. وعبد الرحمن بن عوف الزهري، وكانت عنده أم حبيب بنت زمعة.
٨٦٩ - وتزوج
عائشة بنت أبي بكر
الصديق رضي الله تعالى عنه. وأمها أم رومان بنت عمير، من بني كنانة. وأمها كنانية أيضا. وقال بعضهم: أم رومان بنت الحارث بن الحويرث. وذلك خطأ. وكانت عائشة مسماة لجبير بن مطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف، فسلها أبو بكر سلا (٢) وزوجها رسول الله ﷺ . والثبت أنها لم تسم لأحد قبل رسول الله ﷺ .
ولم يتزوج رسول الله ببكر غيرها، وكان أبا عذرها. وتزوجها بمكة وهي ابنة ست، ويقال: سبع. وابتني بها وهي ابنة تسع في شوال سنة إحدى من الهجرة. وكانت أحب نسائه إليه.
حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن النبي ﷺ تزوجها وهي ابنة تسع، ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة.
وحدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا عبدة بن سليمان، أنبأ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة ست سنين، وبنى بي
стр. 436
وأنا ابنة تسع سنين. وقال الواقدي والكلبي: تزوجها في شوال، وأدخلت عليه في شوال. فكانت تستحب أن تتزوج نساؤها في شوال، وتقول (١):
أية امرأة كانت أحظى عند زوج مني؟
حدثني حفص بن عمر، حدثني هشام بن الكلبي، عن عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن عمرو بن علقمة الليثي قال:
لما أراد رسول الله ﷺ أن يبتني بعائشة، خرجت إليها أمها، أم رومان، وهي تلعب مع الجواري في النخل، فأخذت بيدها فأدخلتها على النبي ﷺ في شوال بعد قدومه المدينة بعام، وهي ابنة تسع. وتوفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة. وكان رسول الله ﷺ خطبها حين خطب سودة.
حدثنا محمد بن سعد (٢)، حدثني محمد بن عمر الواقدي، عن ابن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة قالت:
تزوجني رسول الله ﷺ قبل الهجرة بثلاث سنين في شوال سنة عشر من النبوة، وقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأعرس بي في شوال على رأس ثمانية أشهر من المهاجر. وكنت يوم تزوجني ابنة ست ويوم دخل علي ابنة تسع.
حدثنا عبد الله بن صالح العجلي، عن ابن يمان، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وأعرس بي في شوال، فأي نساء رسول الله كان أحظى عنده مني؟ وكانت تستحب نسائها أن يدخلن على أزواجهن في شوال.
وحدثني العقوي الدلال البصري، عن أبيه، عن عباد بن عباد المهلبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت:
تزوجني رسول الله ﷺ وإني ألعب مع الجوارى بالبنات. فما شعرت
стр. 437
بذلك حتى حبستني أمي عن الخروج. فوقع في نفسي أني قد زوجت. وما سألتها حتى أخبرتني ابتداء. ولقد كان النبي ﷺ يدخل بيتي فتنقمع الجواري منه ويخرجن. فيخرج ويسربهن إلي.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعد، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال، قالت عائشة:
ما تزوجني النبي ﷺ حتى أتاه جبريل بصورتي، وقال:
هذه زوجتك. فتزوجني وإني لجارية على حوف (١). فلما تزوجني، وقع علي الحياء وإني لصغيرة. وقال سفيان: «الحوف»، الذي يكون في وسط الصبي.
حدثنا عمرو الناقد، عمن حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
رآني رسول الله ﷺ في المنام، قبل أن يتزوجني، مرتين.
وحدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي قال: حدثني عدة، عن مالك، عن هشام، عن أبيه أن رسول الله ﷺ رأى عائشة على أرجوحة فأعجبته، فأتى منزل أبي بكر ولم يكن حاضرا. فقالت له أم رومان: ما حاجتك يا رسول الله؟
قال: جئت أخطب عائشة. قالت: إن عندنا يا رسول الله من هي أكبر منها. قال: إنما أريد عائشة. ثم خرج. ودخل أبو بكر رضى الله تعالى عنه، فأخبرته، فأخبرته أمها بما قال رسول الله ﷺ .
فخرج، فزوجها إياه. وأمر رسول الله ﷺ بقطع الأراجيح.
حدثني أبو بكر الأعين، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: تزوج رسول الله ﷺ عائشة وهي ابنة ست، ودخل بها وهي ابنة تسع، ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة، وماتت وهي ابنة ست وستين سنة في سنة ثمان وخمسين. وتزوجها بكرا، وسماها «أم عبد الله». وقال أبو نعيم:
وقد يقال إنها ماتت في سنة سبع وخمسين. والثبت أنها مات في سنة ثمان (٢) وخمسين.
стр. 438
حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن هشام، عن أبية قال:
ماتت عائشة في سنة سبع وخمسين، ومات أبو هريرة في سنة تسع وخمسين.
وقد روى قوم أن النبي ﷺ تزوج عائشة في شهر رمضان. والأول أثبت.
٨٧٠ - قالوا: وكانت عائشة تقول: ما غرت على امرأة من نساء النبي ﷺ غيرتي على خديجة وإن كنت بعدها، لما أسمع من ذكر رسول الله ﷺ إياها.
حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح قال، قالت عائشة:
إني لأغار على خديجة وإن كنت بعدها، لما كنت أسمع من ذكر رسول الله ﷺ لها، ولقد سمعته يقول: «كانت خديجة خير نساء العالمين»، وقال: «إن لخديجة بيتا في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب»، وإني لأعرف فضلها.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن رجل، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة قالت:
دخل علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب بالبنات، فقال: ما هذا؟ فقلت: خيل سليمان. فضحك ﷺ .
حدثني بكر بن الهيثم، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن الزهري، فيما يحسب عبد الرزاق عن عروة، عن عائشة قالت:
دخلت على النبي ﷺ امرأة سوداء، فأقبل عليها. فقلت:
يا رسول الله، أقبلت على هذه السوداء هذا الإقبال؟ فقال: إنها كانت تدخل على خديجة كثيرا، فإن حسن العهد من الإيمان.
وحدثنا عبد الله بن صالح العجلي، ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن كريب قال:
خطب علي يوما، فقام رجل، فشتم عائشة. فنهض إليه عمار بن ياسر، فقال: اسكت مقبوحا، أتقع في حبيبة رسول الله وزوجته؟
стр. 439
حدثنا بكر بن الهيثم وإبراهيم بن محمد السامي، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال يوما: يا عائشة، إن جبريل يقرؤ عليك السلام. فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته.
وحدثني محمد بن إسماعيل الضرير، عن يزيد بن هارون، عن زكريا، عن الشعبي، عن أبي سلمة، عن عائشة بمثله.
حدثني محمد بن إسماعيل الواسطي الضرير، ثنا وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة بن شراحيل، عن أبي موسى قال:
قال رسول الله ﷺ : كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وإن فضل عائشة عن النساء كفضل الثريد على الطعام.
حدثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا عباد بن عباد، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: إني لأعرف غضبك إذا غضبت، ورضاك إذا رضيت. فقالت: وكيف تعرف ذاك يا رسول الله؟ قال: إذا غضبت قلت «يا محمد»، وإذا رضيت قلت «يا رسول الله». وروي في غير هذا الحديث أنه قال ﷺ : إذا غضبت قلت «لا، ورب إبراهيم»، وإذا رضيت قلت «لا، ورب محمد». فقالت: إنما أهجر اسمك.
حدثني المدائني، عن ابن جعدبة، عن الزهري أو غيره، عن عروة قال:
دخل رسول الله ﷺ على عائشة، فقالت له: أين كنت؟
قال عند أم سلمة. فقالت: «وما تصنع بأم سلمة؟ وإنك نزلت بعدوتين، إحداهما عافية (١) لم ترع، والأخرى قد رعيت، في أيهما كنت ترعى؟» قال النبي ﷺ : في التي لم ترع. وتبسم ﷺ .
стр. 440
وقال أبو الحسن: يعني أن كل امرأة لك (١) فإنما خلفت عليها بعد زوج، غيري.
٨٧١ - حدثنا أبو مسعود الكوفي، عن علي بن هاشم، عن حميد بن عبد الله الملأى، عن أمه قالت:
رأيت على عائشة خمارين، حبشانيا وغرابيا أسود.
وحدثني المدائني، عن يزيد بن عياض، عن هشام بن عروة، قال:
دخل عيينة بن حصن الفزاري على رسول الله ﷺ وعنده عائشة، وذلك قبل أن يضرب الحجاب. فقال: من هذه الحميراء يا رسول الله؟ قال: هذه عائشة بنت أبي بكر. قال: أفلا أنزل لك عن أجمل النساء؟ فقال ﷺ : لا. فلما خرج، قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال:
هذا الأحمق المطاع في قومه.
٨٧٢ - وحدثني أبو مسعود الكوفي، قال سمعت مالك بن أنس يحدث، عن هشام بن عروة قال، قالت عائشة:
وجه رسول الله ﷺ من المدينة، حين هاجر إليها، زيد بن حارثة، وأبا رافع مولييه. فحملا سودة بنت زمعة، وفاطمة، وأم كلثوم. وحمل زيد أم أيمن امرأته، وأسامة ابنه. وبعث أبي:
عبد الله، أخي، فحمل أم رومان، وحملني وأختي. وخرج طلحة، فاصطحبنا. فقدمنا المدينة، والمسجد يبنى وأبيات حوله. فمكثنا أياما، ثم قال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر أنا باعث بالصداق. وهو اثنتا عشرة أوقية ونش (٢). فبعث بذلك، وبنى بي في بيتي هذا الذي أنا فيه، وهو الذي توفي فيه. وقال الواقدي وغيره: بدئ النبي ﷺ في بيت زينب بنت جحش. ويقال في بيت ميمونة. فجعل يقول: أين أنا غدا، وأين أنا بعد غد؟ فعرف أزواجه أنه يريد عائشة، فقلن: يا رسول الله قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة. فخرج متوكئا على عمه العباس، والفضل بن العباس حتى دخل منزل عائشة، فتوفي في منزل عائشة. وروى الواقدي بإسناد له أن فاطمة كانت
стр. 441
تطوف، حين مرض النبي ﷺ ، على أزواجه فتقول: إنه يشق على النبي أن يطوف عليكن. فقلن: هو في حل. فكان يكون في بيت عائشة.
٨٧٣ - حدثنا بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال:
أرسل أزواج النبي (١) فاطمة إلى النبي ﷺ ، فاستأذنت.
فأذن لها. فدخلت وهو عند عائشة. فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنى إليك، يسألنك السوية في ابنة ابن أبي قحافة.
فقال: أي بنية، ألست تحبين ما أحب؟ قالت: بلى يا رسول الله. قال:
فأحبي هذه، يعني عائشة. قالت فاطمة: فجئت أزواج النبي ﷺ ، فحدثتهن. فقلن: ما أغنيت عنا شيئا. فأرسلن زينب بنت جحش، فقالت: يا رسول الله، أرسلني إليك أزواجك، وهن يسألنك السوية في ابنة (ابن) أبي قحافة. قالت عائشة: فوقعت بزينب، فسبتني.
وطفقت أنظر إلى النبي ﷺ متى يأذن لي فيها. فلم أزل أنظر إليه حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر منها.
قالت: فأوقعت بزينب، فلم أنشب أن أفحمتها. فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: إنها ابنة أبي بكر.
٨٧٤ - حدثني محمد بن سعد (٢)، عن الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الله ابن كعب مولى آل عثمان، عن محمود بن لبيد قال:
كان أزواج النبي ﷺ يحفظن من حديث النبي ﷺ كثيرا، ولا بمثل عائشة وأم سلمة. وكانت عائشة تفتي في عهد عمر، وعثمان، وإلى أن ماتت. وكان عمر، وعثمان يرسلان إليها فيسألانها عن الشيء.
٨٧٥ - حدثني محمد بن مصفى الحمصي، ثنا معافى بن عمران الحمصي، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت:
إن كنت لأستاك فيأخذ رسول الله ﷺ السواك، فيستاك
стр. 442
بفضل ريقي.
وحدثني محمد بن مصفى، ثنا بقية بن الوليد، عن شعبة، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: ناوليني الخمرة. قالت: إني حائض. قال: ما (١) حيضك بيدك.
٨٧٦ - حدثنى أبو مسعود الكوفى، عن ابن أبي الأجلح، عن أبيه، عن الشعبي، قال، قالت عائشة:
رويت للبيد نحوا من ألف بيت. وكان الشعبي يذكرها، فيتعجب من فقهها وعلمها، ثم يقول: ما ظنكم بأدب النبوة؟
وقال أبو مسعود، قال ابن (أبي) الأجلح، عن أبيه، عن عامر قال:
قيل لعائشة: يا أم المؤمنين، هذا القرآن تلقيته عن رسول الله ﷺ ، وكذلك الحلال والحرام، وهذا الشعر والنسب وأحاديث الناس سمعتها أبيك وغيره، فما بال الطب؟ قالت: كانت الوفود تأتي رسول الله ﷺ ، فلا يزال الرجل يشكو علة به فيسأله عن دوائها، فيخبره بذلك.
فحفظت ما كان يصفه لهم، وفهمته، وحفظته.
حدثنا عبد الله بن صالح المقرى (٢)، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة أنها أنشدت بيت لبيد (٣):
ذهب الذين يعاش في أكنافهم … وبقيت في خلف كجلد الأجرب
فقالت: رحم الله لبيدا، فكيف لو رأى هذا الزمان؟ فقال عروة: وأنا أقول: رحم الله أم المؤمنين، فكيف لو رأت هذا الزمان؟ وقال هشام: رحم الله عروة، فكيف لو رأى هذا الزمان؟ وقال حماد: ﵏، فكيف
стр. 443
لو رأوا زماننا هذا؟ (١).
حدثني عبد الله بن صالح، عن ابن يمان، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، قال:
كان يقال إن عائشة رجلة الرأى.
٨٧٧ - حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال:
قال النبي ﷺ لأبي بكر: ألا تعديني على عائشة؟ فرفع أبو بكر يده، فضرب صدرها ضربة شديدة. فجعل يقول: غفر الله لك أبا بكر، إنا لم نرد هذا كله.
وحدثني المدائني، عن يزيد بن عياض، عن ابن شهاب قال، قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أقرع بين نسائه لسفر فخرج غير سهمي، تغير وجهه، وكان إذا قدم من سفر، بدأ بي فيكون ابتداؤه القسم فيما يستقبل من عندي.
وحدثني رجل من سلمة، حدثني عبيد الله بن موسى، عن شيبان النحوي، عن منصور، عن أبي رزين أن رسول الله ﷺ كان قد هم أن يطلق من نسائه. فلما رأين ذلك، جعلنه في حل من إتيان من شاء. فكان يؤثر عائشة وزينب، لفضلهما عنده.
حدثني عبد الحميد بن واسع الحاسب، حدثني يحيى بن آدم، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد قال:
ذكروا مسير عائشة إلى البصرة، فقال: ليس ذلك بمذهب فضلها البارع، ولا مبطل ما تقدم لها وتأخر من الإحسان، ومع هذا فإنها أحب نساء النبي ﷺ إليه، وكانت أشد هن حبا له، وكل مع من أحب.
стр. 444
٨٧٨ - وحدثني عبد الأعلى النرسي قال:
رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: شر من ينتحل قبلتي الخوارج والروافض، وشرهم قاتل على والسيد الحميرى.
٨٧٩ - حدثنى أبو موسى إسحاق القروي، ثنا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق أنه قيل له: هل كانت عائشة تحسن الفرائض؟ فقال: لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض.
وروي عن عائشة أن رجلا كان في دار لها، وكان يلعب بالنرد، فقالت له:
إن أخرجت النرد من منزلك، وإلا أخرجتك من داري.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن موسى بن محمد التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال:
ما رأيت أحدا أعلم بسنن رسول الله ﷺ ، ولا أفقه في رأي إذا احتيج إلى رأيه، ولا أعلم بآية فيمن أنزلت، ولا بفريضة من عائشة.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، ثنا عبد الله بن معمر بن حفص، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال:
كانت عائشة قد اشتغلت بالفتوى في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت، وكنت ملازما لها.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن مسلم بن حماد، عن عثمان بن حفص، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب قال:
كانت عائشة أعلم الناس، يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ .
٨٨٠ - حدثنا عبد الله بن صالح، عن ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن عطاء أن معاوية بعث إلى عائشة بقلادة قومت مائة ألف، فقبلتها وقسمتها في أمهات
стр. 445
المؤمنين، وكانت من أسخى الناس.
وحدثني أبو حسان الزيادي، عن أبي عاصم العباداني، عن علي بن زيد قال: باعت عائشة دارا لها بمئة ألف درهم، ثم قسمت المال. فبلغ ذلك ابن الزبير، فقال: قسمت مائة ألف، والله لتنتهين عن بيع رباعها أو لأحجرن عليها. فقالت: «أهو يحجر علي؟ علي نذر إن كلمته أبدا».
فضاقت به الدنيا، حتى كلمته، وأعتقت مائة رقبة.
٨٨١ - حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال:
دخل حسان على عائشة بعد ما كف بصره. فقيل لها: أتدخلين عليك هذا الذي قال الله فيه: والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم؟) (١) فقالت:
أو ليس هو في عذاب، وقد كف بصره؟ فأنشدها بيتا قاله لابنته (٢):
حصان رزان لا تزن بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت: لكنك لست كذاك.
حدثنا محمد بن حاتم، ثنا عبد الله بن نمير، عن مالك بن مغول، عن أبي حصين، عن مجاهد قال:
لما أنزل الله (٣) عذر عائشة، قام إليها أبو بكر فقبل رأسها. فقالت: بحمد الله، لا بحمدك ولا حمد صاحبك يا أبتاه إلا عذرتني؟ فقال: «وكيف أعذرك بما لا أعلم؟ أي أرض تقلني يوم أعذرك بما لا علم لي به؟» حدثنا محمد بن حاتم، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن عروة قال: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذى قال (٤):
стр. 446
فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء
حدثنا محمد بن حاتم، ثنا ابن مهدي، عن ابن المبارك، عن عمارة، عن عكرمة في قول الله : إن الذين يرمون المحصنات الغافلات (١)، قال: يعنى عائشة.
٨٨٢ - قالوا: وكان أخو عائشة لأمها أم رومان، طفيل بن عبد الله بن الحارث ابن سخبرة بن جرثومة (٢) الأزدي، وأخوها لأبيها وأمها عبد الله بن أبي بكر.
ويذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ قال: من سره أن يرى امرأة من الحور العين، فلينظر إلى أم رومان. وكان أبو بكر خلف على أم رومان بعد عبد الله بن الحارث، وكان قدم بها مكة وحالف أبا بكر قبل الإسلام، فخلف عليها بعد وفاته. وماتت أم رومان في ذي الحجة سنة ست. فنزل النبي ﷺ في قبرها، وصلى عليها.
٨٨٣ - وتوفيت عائشة رضي الله تعالى عنها، ولم تلد لرسول الله ﷺ ولا اشتملت على حمل. وكانت وفاتها ليلة الثلاثاء لسبع عشرة، ويقال تسع عشرة، ويقال لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين، وهي ابنة ست وستين سنة. وأوصت أن تدفن من ليلتها. فدفنت بالبقيع بعد الوتر. وبين يدي جنازتها الجريد، ملفوفا عليها الحرق وفيها النار (٣)، وقد زيت (٤) الخرق زيتا (٥). قالوا: واجتمع الناس ليلتئذ وجاء أهل العوالي، فكأنها كانت ليلة عيد. وكثر البكاء عليها. وكان على المدينة مروان بن الحكم، إلا أنه خرج معتمرا واستخلف أبا هريرة. فصلى عليها أبو هريرة. وحضر عبد الله بن عمر صلاته عليها بالبقيع، فلم ينكر ذلك. وجعلت أم سلمة تقول، وقد حضرت وفاتها: رحمك الله وغفر لك، وعرفنيك في الجنة. ونزل في حفرتها
стр. 447
عبد الله بن الزبير، وهو ابن أختها أسماء ابنة أبي بكر، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر وهو ابن أبي عتيق. وإنما قيل «ابن أبي عتيق»، لأنه كان يرمى ذات يوم، فانتمى إلى أبي قحافة، فقال: أنا ابن أبي عتيق، فغلب ذلك على اسم أبيه.
ويقال إنه نزل في قبرها أيضا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر. وقال قوم:
كان الوالي على المدينة عتبة بن سفيان، وكان معتمرا، وأبو هريرة خليفته، فصلى عليها. والثبت أنها ماتت في شهر رمضان، والوليد ولي المدينة في ذي القعدة من هذه السنة.
٨٨٤ - قال محمد بن سعد، حدثني الواقدي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه قال:
دخل ابن أبي عتيق على عائشة وهي ثقيلة، فقال: يا أمه كيف تجدينك، جعلت فداك؟ قالت: هو الموت. قال: فلا جعلت فداك إذا. فقالت:
أما تدع هذا على حال؟
وحدثني الحرمازي، عن أبي زيد الأنصاري، عن أبي عمرو بن العلاء قال: عرضت لعائشة حاجة، فبعثت إلى ابن (أبي) عتيق أن أرسل إلي ببغلتك لأركبها في حاجة. قال، وكان مزاحا بطالا، فقال لرسولها: قل لأم المؤمنين: والله ما دحضنا عار يوم الجمل، أفتريدين أن تأتينا بيوم البغلة؟
٨٨٥ - وسالف (١) رسول الله ﷺ من قبل عائشة رضي الله تعالى عنها: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة، كانت عنده أم كلثوم بنت أبي بكر، من حبيبة بنت خارجة (بن زيد) بن أبي زهير (٢) الأنصاري، وكانت حين توفي أبو بكر حاملا. فولدت لطلحة:
عائشة بنت طلحة، وزكريا بن طلحة. وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة ابن المغيرة المخزومي، عم عمر بن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، خلف على أم كلثوم بنت أبي بكر (٣)، فولدت له إبراهيم، وعثمان، وموسى، وبنات. والزبير
стр. 448
ابن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، كانت عنده أسماء بنت أبي بكر الصديق، أخت عائشة لأبيها. وأم أسماء: قتيلة بنت عبد العزى ابن أبي قيس، من بني عامر بن لؤي. فولدت أسماء، للزبير، عبد الله، وعروة، والمنذر، وعاصما، وأم حسن، وعائشة بني الزبير.
٨٨٦ - وتزوج رسول الله ﷺ
غزية بنت دودان بن عوف بن عمرو،
من ولد معيص بن عامر بن لؤي، وهي أم شريك التي «وهبت نفسها للنبي (١)» ﷺ . وبعضهم يقول: هي غزية بنت دودان بن عوف بن جابر ابن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص. وهو أثبت النسبين. وكانت غزية قبل رسول الله ﷺ عند أبي العكر، وأسمه مسلم بن سمي بن الحارث الأزدى، من ميدعان. وهو حليف بني عامر بن لؤي، فولدت له شريك بن أبي العكر، فكنيت به. وقال ابن الكلبي: رأى رسول الله صلى الله الله عليه وسلم بغزية كبرة، فطلقها. فأوثقها أهلها وقومها وحملوها من مكة إلى البدو. وكانت تدخل على النساء بمكة، فتدعوهن إلى الإسلام. وكانت على ذلك بعد طلاقها، تدعو إلى الإسلام. وقال غيره: وهبت نفسها للنبي ﷺ ، فلم يتزوجها، ولم يردها.
٨٨٧ - وتزوج رسول الله ﷺ
حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى،
رضي الله تعالى عنها في شعبان سنة ثلاث قبل أحد بشهرين. وأم حفصة: زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة، أخت عثمان بن مظعون. وأمها خزاعية. وكانت حفصة عند خنيس بن حذافة ابن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، فمرض والنبي ﷺ ببدر وهو معه. ومات مقدم رسول الله ﷺ من بدر. فخلف عليها رسول الله ﷺ بعد ذلك.
стр. 449
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر رضي الله تعالى عنه قال:
لما تأيمت حفصة، لقيت عثمان بن عفان فعرضتها عليه. فقال: أنظر في ذلك. فمكث أياما ثم لقيني: فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة.
فصمت، ولم يرجع إلي جوابا. قال عمر: فكنت على أبي بكر أوجد مني على عثمان. ثم لبثت ما شاء الله. فخطبها النبي ﷺ ، فنكحها. فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت في نفسك؟ قلت: نعم.
قال: إنه لم يمنعني من أن أرجع إليك فيها شيئا، إلا أن النبي ﷺ قد كان ذكرها، فلم أكن لأفشي سره.
وحدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا شعيب بن حرب أبو صالح، ثنا عبيد بن بحيث، ثنا ربعي بن حراش قال:
قال النبي ﷺ لعمر: ألا أدلك على ختن خير لك من عثمان، وأدل عثمان على ختن خير له منك؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: زوجني ابنتك، وأزوج ابنتي عثمان.
وقال الواقدي، حدثني معمر، عن الزهري أن عمر بن الخطاب عرض حفصة على عثمان، فقال رسول الله ﷺ : قد زوج الله (عثمان) خيرا من ابنتك، وزوج ابنتك خيرا من عثمان. فتزوج رسول الله ﷺ حفصة، وزوج عثمان أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ .
وحدثني الوليد بن صالح، حدثني الواقدي، عن موسى بن يعقوب، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير ابن مطعم، قال:
خرجت حفصة من بيتها، فبعث رسول الله ﷺ إلى جاريته فجاءت، فدخلت عليه حفصة وهي معه. فقالت: يا رسول الله، أفي بيتي وعلى فراشي؟ فقال رسول الله ﷺ : اسكتي، فلك الله أن
стр. 450
لا أقربها أبدا، ولا تذكري هذا لأحد أبدا. فأخبرت به عائشة، وكانت لا تكتمها شيئا، إنما كان أمرهما واحدا. فأنزل الله: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك (١)، الآيات، فكفر يمينه. وقوله «إلى بعض أزواجه (٢)»، يعنى حفصة. وقوله «وإن تظاهرا عليه (٣)»، يعنى عائشة وحفصة. وقوله «وصالح المؤمنين (٤)»، يعني أبا بكر وعمر. قال: فطلق حفصة تطليقه.
وحدثني أبو مسعود، عن ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا (٥)، قال: أسر إلى حفصة أن أبا بكر والي الأمر بعده، وأن عمر واليه بعد أبي بكر، فأخبرت بذلك عائشة.
حدثنا محمد بن حاتم المروزي، ثنا وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه قال:
سألت نافعا عن الحرام، فقال: يكفر يمينه، أو ليس قد حرم رسول الله ﷺ جارية، فأمره الله أن يكفر يمينه؟
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير وابن مهدي، قالا ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم قال:
سمعت عبد الله بن شداد قال: نزلت يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك)، في شراب.
حدثنا محمد بن حاتم، ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال، أخبرني عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يخبر عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا. قالت: فتواطأت أنا وحفصة أيتنا ما دخل عليها النبي ﷺ أن تقول (٦) له: إني لأجد منك ريح مغافير، أأكلت مغافير؟
стр. 451
فدخل على إحدانا، فقالت له. فقال: بلى شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له. وحرمه. فنزلت: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك). وقال الواقدي: أمر الجارية هو المعروف بالمدينة.
وحدثني عبد الله بن صالح بن مسلم، عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ يأتي أم سلمة في غير يومها، فتخرج إليه عكة عسل، فيلعق منه. وكان يحب العسل، ويعجبه.
فقلت لحفصة: أما ترين مكث رسول الله ﷺ عند أم سلمة؟
فإذا دنا منك، فقولي: أجد منك ريح شيء. فإنه سيقول: ذلك من عسل أصبته عند أم سلمة. فقولي له: أرى نحلة جرس وعرفطا. فلما دخل على عائشة ودنا منها، قالت: إني أجد منك شيئا، فما أصبته؟ قال: عسلا. فقالت:
أرى نحلة جرس العرفط. ثم خرج من عندها، فأتى حفصة، فقالت له مثل ذلك. فلما قالتاه جميعا، اشتد ذلك على رسول الله ﷺ ودخل على أم سلمة. فأخرجت إليه العسل، فقال: لا حاجة لي فيه. وحرمه على نفسه. وقالت عائشة لحفصة: ما أرانا إلا قد أتينا عظيما: منعنا رسول الله ﷺ شيئا كان يشتهيه.
وقد روى سعدويه، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يأتي حفصة، فتأتيه بالعسل، وأنها واطأت سودة على أن تقول له إذا خرج من عند حفصة: إني أجد منك ريح عرفطة.
وحدثني محمد بن حاتم، ثنا عمر بن يونس، ثنا عكرمة بن عمار العجلي، عن سماك بن أبي زميل قال، حدثني عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب قال:
اعتزل رسول الله ﷺ نساءه، فسمعت الناس يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه. قال: وذلك قبل الحجاب. فقلت: والله لأعلمن ذلك. فدخلت على عائشة، فقلت: يا بنة أبي بكر، أبلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى
стр. 452
الله عليه وسلم؟ فقالت: ما لي ولك يا ابن الخطاب، عليك بغيري.
فدخلت على حفصة، فقلت يا حفصة أبلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ والله لقد علمت أنه لا يحبك، فلولا أنا، لطلقك. قال:
فبكت أشد البكاء. فقلت: أين رسول الله؟ قالت: في مشربة. قال: وإذا أنا برباح، غلامه، قاعدا على سكفة (١) المشربة وقد دلى رجليه على نقير من خشب. وهو جذع يرقى عليه النبي ﷺ وينحدر. فقلت:
يا رباح، استأذن لي. فنظر إلى الغرفة، ثم نظر إلي، ولم يقل شيئا. فرفعت صوتي وقلت: يا رباح، استأذن لي، فإني أظن رسول الله ﷺ يرى أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني بضرب عنقها، لأضربن عنقها. فأومأ إلي بيده أن ارق. فرقيت فقلت: يا رسول الله: أطلقتهن؟
فقال: لا. وذكر بعد ذلك كلاما.
حدثني محمد بن إسماعيل الضرير الواسطي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني أن النبي ﷺ طلق حفصة تطليقة. فدخل عليها خالاها، عثمان وقدامة ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني رسول الله ﷺ من شنع. ثم دخل عليها النبي ﷺ ، فتجلببت. فقال ﷺ :
إن جبريل أتاني، فقال لي: راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة. وقال بعضهم: إن النبي ﷺ هم بطلاق حفصة، فأتاه جبريل، فقال: إنها صوامة قوامة.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن أبي معشر، عن ابن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة أنه أهديت إلى النبي ﷺ هدية في بيتها، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه منها شيئا، وأرسل إلى زينب بنصيبها. فلم ترض به. فزادها (٢)، فلم ترض به، وزادها (٣). فقالت عائشة: لقد أقمأت وجهك حين ترد عليك الهدية. فقال ﷺ : لأنتن أهون على الله من أن
стр. 453
تقمئنى، والله لا أدخل عليكن شهرا. فلما تمت تسع وعشرون ليلة، دخل عليهن، وقال: إن الشهر كذا وكذا وكذا، ثم قبض إبهامه في الثالثة.
حدثنا محمد بن حاتم، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس في حديث طويل (١) قال: اعتزل رسول الله ﷺ نساءه للحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة. قال الزهري، وقالت عائشة: وأنزل الله آية التخيير (٢)، فبدأني به، فقلت: إني أريد الله ورسوله. وقال له جميع أزواجه مثل ذلك.
وحدثت عن علي بن هشام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت:
خيرنا رسول الله ﷺ ، فاخترناه، أفكان طلاقا؟
حدثنا محمد بن حاتم، ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال:
كان لأم سلمة نسيب بالطائف أهدى لها عسلا، فقلن (٣) أزواج رسول الله ﷺ في ذلك. وروي عن عمر أنه قال لابنته حفصة:
لا تراجعي رسول الله ﷺ فإنه ليس لك جمال زينب ولا حظوة عائشة.
٨٨٨ - وتوفيت حفصة رضي الله تعالى عنها في سنة خمس وأربعين، وصلى عليها مروان بن الحكم في إمرته الأولى على المدينة. ونزل في قبرها عبد الله بن عمر، وعاصم بن عمر (٤) وحمزة بن عبد الله بن عمر، وعبيد الله بن عبد الله ابن عمر. ودفنت بالبقيع، وحملت في نعش على سرير. وتبعها مروان إلى البقيع، وجلس حتى فرغ من دفنها، ثم أرسل إلى ابن عمر بعزيمة في الصحف التي كانت عندها، فيها القرآن على ما نسخ في أيام أبى بكر. فأخذها ومحاها.
стр. 454
وقال محمد بن سلام الجمحي: توفيت حفصة في خلافة عثمان، وذكر أن النبي ﷺ تزوجها في سنة اثنتين. والأول أثبت.
حدثني محمد بن سعد (١)، عن الواقدي، عن رجل، عن المقبري قال:
كان مروان بين أبي هريرة وبين أبي سعيد الخدري في جنازة حفصة.
فحمل مروان السرير من عند دار آل حزم إلى دار المغيرة إلى قبرها.
وقد روي رشدين، عن (٢) الحسن بن ثوبان، عن يزيد بن أبي حبيب أن حفصة توفيت سنة إفريقية. والأول أثبت.
٨٨٩ - وسالف (٣) رسول الله ﷺ من قبل حفصة:
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. كانت تحته فاطمة بنت عمر، وأمها أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وجدتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأخوها لأبيها وأمها زيد بن عمر (٤) بن الخطاب، فولدت لعبد الرحمن: عبد الله وابنه. وإبراهيم بن نعيم النحام بن عبد الله بن أسيد بن عبد بن عوف بن عبيد ابن عويج بن عدي بن كعب، كانت عنده رقية بنت عمر، أخت حفصة لأبيها، وأمها: أم كلثوم بنت علي. وعبد الله بن عمر بن سراقة بن المعتمر ابن أنس (٥) بن أذاه بن رياح (٦) بن عبد الله بن قرط بن رزاح، كانت عنده زينب بنت عمر، أخت حفصة لأبيها، وهي أخت عاصم بن عمر لأمه، وأمها جميلة بنت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري الذي حمت لحمه الدبر. ومعتمر بن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث الخزرجي، من بني الحبلى، وكانت أم أبي: سلول الخزاعية، وكان اسم عبد الله بن عبد الله «الحباب»، فسماه رسول الله ﷺ باسم أبيه، خلف على زينب
стр. 455
بنت عمر بعد عبد الله بن عمر بن سراقة، فولدت له عثمان بن عبد الله.
٨٩٠ - وتزوج رسول الله ﷺ
زينب بنت خزيمة بن الحارث
ابن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوازن. وقال غير الكلبى: خزيمة بن الحارث بن عمرو ابن قيس بن عبد مناف. وهي أخت ميمونة بنت الحارث بن حزن لأمها.
وكان يقال لزينب بنت خزيمة «أم المساكين»، وكنيت بذلك في الجاهلية.
وكانت قبل رسول الله ﷺ عند الطفيل بن الحارث بن المطلب ابن عبد مناف بن قصي، أخي عبيدة بن الحارث. فطلقها طفيل، ثم خلف عليها أخوه عبيدة، فأصيب يوم بدر ومات بالصفراء وهو ابن أربع وستين سنة. ثم أن رسول الله ﷺ خطبها إلى نفسها، فجعلت أمرها إليه. فتزوجها في شهر رمضان سنة ثلاث، فأقامت عنده ثمانية أشهر وماتت في آخر شهر ربيع الآخر سنة أربع. ودفنها رسول الله ﷺ بالبقيع، وصلى عليها. ومات الطفيل في خلافة عثمان سنة ثلاثين، ويقال سنة اثنتين وثلاثين.
٨٩١ - وكان العباس سلف النبي ﷺ من قبل أم المساكين، لأن أختها لأمها، هند بنت عوف بن زهير: لبابة بنت الحارث بن حزن، أم بني العباس.
٨٩٢ - وتزوج رسول الله ﷺ
أم سلمة.
واسمها هند بنت أبي أمية- واسمه حذيفة- بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقد هاجرت معه إلى أرض الحبشة. وأم «أم سلمة»: عاتكة بنت عامر بن ربيعة، أحد بني غنم بن مالك بن كنانة. وكان أبو سلمة بن عبد الأسد- وأمه برة بنت عبد المطلب- رمي يوم أحد بسهم رماه به أبو أسامة الجشمى، فانتقض عليه فمات منه في جمادى الآخرة سنة أربع. فلما انقضت عدتها، تزوجها رسول الله ﷺ بعد أربعة أشهر، وأعرس بها في شوال سنة أربع. فيقال إنه خطبها إلى نفسها، فجعلت أمرها إليه. ويقال إنه قال:
стр. 456
مرى ابنك سلمة يزوجك. فزوجها رسول الله ﷺ ، وهو غلام.
ويقال إن الذي زوجه إياها عمر بن أبي سلمة. والثبت أن سلمة زوجه إياها.
وقال له رسول الله ﷺ حين زوجه ابنة حمزة بن عبد المطلب، وهي أمامة: هل جزيت، سلمة؟ فيقال إنه أصابه خبل من فالج قبل أن يضمها إليه. وتزوجها أخوه، ولم تلد له. وولدت أم سلمة لأبي سلمة: عمر، وسلمة، وزينب، ودرة، وزينب. (وزينب) هذه هي التي كان النبي ﷺ يدخل على أم سلمة فيقول: ما فعلت زناب؟ فشهد عمر الجمل مع على ﵇، بعثت به معه أمه، وقالت: «قد دفعته إليك وهو أعز علي من نفسي، فليشهد مشاهدك حتى يقضي الله ما هو قاض، فلولا مخالفة رسول الله ﷺ ، لخرجت معك كما خرجت عائشة مع طلحة والزبير». واستعمله علي على البحرين، ثم عزله وولاه فارس. ويقال ولاه حلوان، وماه، وما سبذان (١). وكانت وفاة النبي ﷺ وهو (٢) ابن تسع سنين، ويكنى أبا حفص، وقد حفظ عن النبي ﷺ ، ومات في أيام عبد الملك بن مروان بالمدينة.
حدثني محمد بن سعد، عن عبد الله بن مسلمة، عن سليمان بن بلال، عن أبي وجرة، عن عمر بن أبي سلمة قال:
قال لي النبي ﷺ : ادن مني، فسم الله، وكل مما يليك.
وحدثنى محمد بن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة قال:
رأيت النبي ﷺ يصلي في بيت أم سلمة في ثوب واحد، متوشحا به، واضعا طرفيه على عاتقه. وكانت زينب بنت أم سلمة ولدت بالحبشة، وتزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى.
٨٩٣ - قالوا: وكان السفير بين النبي ﷺ وبين أم سلمة،
стр. 457
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. ويقال حاطب بن أبي بلتعة.
فقالت: إني مسنة. فقال: وأنا أسن منك. قالت: فإني مصبية.
فقال: هم في عيال الله ورسوله. قالت: فإني غيور. قال: أنا أدعو الله أن يذهب عنك الغيرة. فدعاها لها، ثم إنه تزوجها.
وقالت أم سلمة: كان رسول الله ﷺ قال لي: إذا أصابتك مصيبة، فقولي: «اللهم أعطني أجر مصيبتي، وأخلف علي خيرا منها»، فقلت ذلك يوم توفي أبو سلمة، ثم قلت: «من لي مثل أبي سلمة؟»، فأخلف الله علي خيرا من أبي سلمة. قالوا: وابتني رسول الله ﷺ أم سلمة في بيت أم المساكين، فوجد فيه جرة فيها شيء من شعير، وإذا رحى وبرمة (١)، وفيها كعب (٢) من إهالة.
فكان ذلك طعام رسول الله ﷺ وأهله ليلة عرسه. قالوا:
وكان رسول الله ﷺ قال لأم سلمة حين دخل بها في صبيحتها: «إنه ليس بك على أهلك هوان، فإن شئت ثلث لك أو خمس أو سبع؟ فإني لم أسبع لامرأة من نسائي قط». فقالت: اصنع يا رسول الله ما شئت، فإنما أنا امرأة من نسائك. ويقال إن النبي ﷺ قال لأم سلمة: لك عندنا قطيفة تلبسينها في الشتاء، وتفرشينها في الصيف، ووسادة من أدم حشوها ليف، ورحيان تطحنين بهما، وجرتان في إحداهما ماء وفي الأخرى دقيق، وجفنة تعجنين وتثردين فيها. فقالت: رضيت. فكان ذلك مهرها.
٨٩٤ - حدثني محمد بن سعد (٣)، عن الواقدي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة، حزنت حزنا شديدا لما ذكر لنا من جمالها. فتلطفت حتى رأيتها فكان في عيني على أضعاف ما وصفت لنا. فذكرت ذلك لحفصة، وكنا يدا واحدة. فقالت: لا والله إن هذا
стр. 458
إلا غيرة، وما هي كما تقولين. قالت: ثم رأيتها بعد ذلك، فكانت كما قالت حفصة.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن هند بنت الحارث قالت:
قال رسول الله ﷺ : إن لعائشة مني شعبة ما نزلها أحد فلما تزوج أم سلمة، سئل عن الشعبة، فسكت. فعرف أن أم سلمة قد نزلت عنده بمنزلة لطيفة.
٨٩٥ - وتوفيت أم سلمة في شوال سنة تسع وخمسين، ودفنت بالبقيع.
ونزل في قبرها سلمة، وعمر ابناها، وعبد الله بن عبد الله بن أبي أمية وهو ابن أختها. ويقال إن أم سلمة توفيت في شهر رمضان سنة تسع وخمسين، وكان الوالي بالمدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. فخرج فصلى العصر ثم صلى عليها، وفي الناس ابن عمر وأبو سعيد الخدري. ويقال إن أم سلمة أوصت أن لا يصلي عليها الوليد بن عتبة، فركب في حاجة له استحياء من الناس، وصلى عليها أبو هريرة. وقد قيل إنها توفيت سنة إحدى وستين يوم عاشوراء. ويقال إن الوليد كان غائبا، وقد استخلف أبا هريرة، فصلى عليها أبو هريرة وكبر أربعا.
٨٩٦ - وسالف (١) رسول الله ﷺ من قبل أم سلمة: زمعة ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى: كانت تحته قريبة الكبرى بنت أبي أمية أخت أم سلمة لأبيها. وكانت أم قريبة هذه: عاتكة بنت عبد المطلب. فولدت له عبد الله، ووهبا، ويزيد، والحارث قتل يوم بدر كافرا. وعمر بن الخطاب ﵁: كانت عنده قريبة الصغرى، ففرق بينهما الإسلام ورجعت إلى الكفار، ثم أسلمت، فتزوجها معاوية، فقال له أبو سفيان: أتتزوج طعينة أمير المؤمنين؟ فطلقها، فتزوجها عبد الرحمن بن أبي بكر، فولدت له عبد الله.
فكانت عائشة عمته، وأم سلمة خالته. فكان معاوية سلف رسول الله ﷺ ، وكذلك عبد الرحمن بن أبي بكر ومنبه بن الحجاج
стр. 459
ابن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، كانت عنده ابنة لأبي أمية أخت أم سلمة لأبيها، فولدت رجلين. وعبد الله بن سعد بن جابر بن عمير بن بشير ابن بشر، من ولد بندقة (١) بن مظة بن سلهم بن الحكم بن سعد العشيرة، كانت تحته ابنة لأبي أمية بن المغيرة. وكانت عند عبد الله بن سعد هذا ابنة عفان، أخت عثمان، فولدت له محمدا، وولده بالمدينة، ومنهم ناس بالبصرة.
وسالف رسول الله ﷺ أيضا صهيب بن سنان، مولى عبد الله ابن جدعان التيمي، كانت عنده ريطة بنت أبي أمية. ويقال بل هي ابنة أبي ربيعة بن المغيرة ابنة عم أبي سلمة، وهي عمة عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر.
٨٩٧ - وتزوج رسول الله ﷺ
زينب بنت جحش بن رئاب
بن يعمر بن سبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليف بني أمية بن عبد شمس- وأمها أميمة بنت عبد المطلب- في سنة خمس لهلال ذي القعدة. ويقال إنه تزوجها رجوعه من غزاة المريسيع، وكانت المريسيع في شعبان سنة خمس. ويقال إنه تزوجها في سنة ثلاث، وليس ذلك بثبت.
٨٩٨ - (٢) (وكان سبب (٣) حلف جحش بن رئاب بني عبد شمس،
стр. 460
فيما أخبر به محمد بن الأعرابي، عن هشام الكلبي، عن أبيه والشرقي أن رجلا من بني أسد بن خزيمة، يقال له فضالة بن عبدة بن مرارة، قتل رجلا من خزاعة، يقال له هلال بن أمية. فقتلت خزاعة فضالة بصاحبها. فاستغاثت بنو أسد بكنانة، فأبوا أن يعينوهم. فحالفوا بني غطفان. فالحليفان أسد وغطفان. وقال جحش بن رئاب: والله لا حالفت إلا قريشا، و (١) لأدخلن مكة فلأحالفن أعز أهلها، ولأتزوجن بنت أكرمهم. وكان موسرا سيدا. فحالف حرب بن أمية، وتزوج أميمة بنت عبد المطلب. وأدخل جماعة من بنى دودان مكة، فدخلوا معه في الحلف. وقال ابن الأعرابى، قال بعض القرشيين من (٢) أن رئاب ابن يعمر حالف حربا، وقال: لأزوجن جحشا أكرم أهل مكة. فزوجه أميمة. وكان أراد أن يحالف بني أسد بن عبد العزى، فقيل له: إنهم مشائيم (٣)، فتركهم.)
٨٩٩ - وكانت زينب قبل رسول الله ﷺ عند زيد بن حارثة الكلبي مولى النبي ﷺ . فشكا إليه، وقال: إنها سيئة الخلق، واستأمره في طلاقها. فقال له النبي ﷺ : أمسك عليك زوجك يا زيد.
وهو قول الله : «وإذ تقول للذي أنعم الله عليه» - يقول: بالإسلام «وأنعمت عليه» - يقول: بالعتق- «أمسك عليك زوجك» (٤). وكان رسول الله ﷺ رآها، فأعجبته، فقال: «سبحان الله مقلب القلوب». ثم إن زيدا ضاق ذرعا بما رأى من سوء خلقها، فطلقها. فزوجها الله نبيه حين انقضت عدتها بغير مهر ولا تولى أمرها أحد كسائر أزواجه. ولم تلد زينب لزيد، وكان يقال له «الحب»، ولابنه أسامة «الردف» أردفه النبي ﷺ . وبعضهم يقول: هو الحب بن الحب.
٩٠٠ - وأولم رسول الله ﷺ على زينب بشاة، ودعى الناس.