حدثنا خلف بن هشام البزار ومحمد بن الصباح، عن هشيم بن بشير، عن مغيرة، عن مولى لبني هاشم قال:
لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ ، هموا بنزع قميصه، فسمعوا صوتا من ناحية البيت: لا تنزعوا قميصه.
١١٥٦ - حدثنا إسحاق، بن (١) أبي إسرائيل، ثنا إسماعيل بن إبراهيم- يعني ابن علية- ثنا ابن جريج، عن أبي جعفر قال:
غسل رسول الله ﷺ ثلاث غسلات بماء وسدر، في قميص، وغسل من بئر لسعد بن خيثمة يقال لها بئر غرس. وكان النبي ﷺ يشرب منها. وولي غسله علي بن أبي طالب بيده، والعباس يصب الماء، والفضل بن العباس محتضنه. والفضل يقول أرحني أرحني، قطعت وتيني (٢).
١١٥٧ - حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري قال:
خلى أبو بكر وأصحاب رسول الله ﷺ بين العباس، وعلي، والفضل بن العباس، وسائر أهله، فكانوا هم الذين أجنوه.
حدثني هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال:
غسل رسول الله ﷺ علي والفضل، وصالح يعاونهما- يعني شقران.
حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال:
ولي غسل رسول الله ﷺ وإجنانه دون الناس أربعة:
العباس، وعلي، والفضل بن العباس، وصالح مولى رسول الله ﷺ .
стр. 597
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، عن يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال:
التمس علي من النبي ما يلتمس من الميت، فلم يجده فقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا.
حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا هشيم، أنبأ إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال:
غسل رسول الله ﷺ علي، والفضل، وكان أسامة يناولهما الماء.
١١٥٨ - حدثنا سليمان بن داود الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحولية.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحولية: رياط يمانية.
حدثني محمد بن سعيد، عن الواقدي، عن موسى بن محمد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، عن عائشة قالت:
كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة.
حدثنا هدبة، عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال:
كفن رسول الله ﷺ في ثوب حبرة، ثم رأوا أن يكفنوه في بياض أو يمانية. قال: فأخذهما عبد الله بن أبي بكر، فقال: كفن فيهما رسول الله، ومسا جلده، فلن يفارقاني حتى أكفن فيهما. فعجب الناس من رأيه.
قال: فامسكهما ما شاء الله، ثم قال: لو كان فيهما خير، ما آثرني الله بهما على نبيه. فعجب الناس من رأيه الآخر أشد من عجبهم من رأيه الأول.
حدثنا عفان، ثنا هشيم، أنبأ يونس أنه سمع الحسن يقول:
كفن رسول الله ﷺ في حلة حبرة، وقميص.
стр. 598
وحدثت عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق (١)، عن جعفر بن محمد وعلي بن الحسين، وعن الزهري عن على ابن الحسين أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين، وثوب حبرة أدرج فيهما إدراجا.
حدثنا خلف بن هشام البزاز، ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، عن مغيرة، عن إبراهيم مثله.
حدثنا القاسم بن سلام، ثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأبي سلمة بن عبد الرحمن، قال:
كفن رسول الله صلى الله (عليه وسلم) في ثلاثة أثواب: ثوبين أبيضين، وثوب حبرة.
حدثنا هدبة، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ محمد بن عبد الله بن عقيل، عن محمد بن علي: «ابن الحنفية»، عن أبيه أن النبي ﷺ كفن في سبعة أثواب.
١١٥٩ - حدثنا أبو عبيد وبكر بن الهيثم قالا، ثنا عبد الله بن صالح، كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد بن المسيب (٢)، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجرتي، فقصصت رؤياي على أبي بكر، فقال: ليدفنن في حجرتك ثلاثة هم خير أهل الأرض. فلما توفي رسول الله ﷺ دفن في بيتها. فقال أبو بكر: هذا أحد أقمارك، وهو خيرها.
حدثنا شريح بن يونس، ثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة أن عائشة رضي الله تعالى عنها رأت قمرا خر من السماء يهوي حتى وقع في حجرتها، ثم جاء آخر يهوي حتى وقع في حجرتها، ثم جاء آخر يهوي حتى
стр. 599
وقع في حجرتها، فقصت رؤياها على أبي بكر، فقال: إن صدقت رؤياك، دفن في حجرتك ثلاثة هم خير أهل الأرض.
قال ابن علية، وأخبرني غير أيوب أن رسول الله ﷺ لما قبض، قال أبو بكر لعائشة رضي الله تعالى عنها: هذا أحد أقمارك، وهو خيرها.
١١٦٠ - حدثني عباس بن حاتم البزار بن أبي شيبة، أنبأ عيسى بن يونس، عن ابن (أبى) جريج، عن أبيه قال:
شكوا في قبر النبي ﷺ أين يدفنونه؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
إن النبي لا يحول من مكانه، يدفن حيث يموت. فنحوا فراشه، وحفروا له في موضع فراشه.
١١٦١ - حدثنا الوليد بن صالح وعبد الله بن أبي أمية قالا، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق (١)، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ ، كان أبو عبيدة ابن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل يحفر لأهل المدينة فكان يلحد. فدعى العباس بن عبد المطلب رجلين، فقال لأحدهما:
اذهب إلى أبي عبيدة بن الجراح، وقال للآخر: اذهب إلى أبي طلحة، اللهم، خر لنبيك. فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله ﷺ . قال: ولما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ ، يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته. وكان المسلمون قد اختلفوا في دفنه:
فقال قائل: ندفنه في المسجد، وقال قائل: ندفنه في مكان كذا. فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض. فرفع فراش رسول الله ﷺ الذي توفي عليه، وحفر له تحته، ثم دخل الناس أرسالا للصلاة عليه. حتى إذا فرغوا دخل النساء.
стр. 600
حتى إذا فرغ النساء دخل الصبيان. ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ ليلة الأربعاء.
١١٦٢ - حدثنا محمد بن سعد (١)، عن الواقدي في إسناده قال:
اختلفوا في دفن رسول الله ﷺ ، فقال قائل: يدفن بالبقيع، وقال قائل: يدفن عند منبره، وقال قائل: يدفن عند الجذع الذي كان يصلي إليه.
فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: عندي مما تختلفون فيه علم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من نبي يدفن إلا حيث يقبض. فخط حول فراشه، ثم حول رسول الله ﷺ بالفراش ناحية، ثم حفر له أبو طلحة، ولحد له.
١١٦٣ - حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ أبو عمران الجوني، ثنا أبو عسيم وشهد ذلك، قال: لما قبض النبي ﷺ قالوا: كيف نصلي عليه؟ قالوا: ادخلوا أرسالا. فكانوا يدخلون من الباب، ويخرجون من الباب الآخر، ولم يتقدمهم عليه إمام.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الحميد بن عمران، عن أبيه، عن أمه قالت:
كنت ممن دخل على النبي ﷺ وهو على سرير، فكنا صفوفا ندعو ونصلى، فرأيت أزواجه قد وضعن الجلالبيب عن رءوسهن يلتدمن في صدورهن، ونساء الأنصار يضربن الوجوه فذبحت حلوقهن من الصياح.
وقال الواقدي، ثنا موسى بن محمد قال:
وجدت في صحيفة لأبي: دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه والمهاجرون يسلمون، يقولون: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وكان أول من سلم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. ثم جعل المهاجرون يقولون كما قالا، وقالوا (٢) بعد السلام: إنا نشهد أنك قد بلغت الرسالة، ونصحت الأمة،
стр. 601
وجاهدت في سبيل الله حتى أعززت دينه، اللهم فاجعلنا ممن يتبع (١) القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه.
وحدثنا محمد بن سعد (٢)، عن محمد بن عبد الله وغيره، عن الزهري، عن عروة أنه لما كفن رسول الله ﷺ وضع في البيت، فدخل الناس أفواجا: الرجال، والنساء، والصبيان يصلون عليه، ثم يخرجون، لا يؤمهم إمام.
١١٦٤ - حدثنا خلف بن هشام، ثنا هشيم، ثنا يونس، عن الحسن ومغيرة، عن إبراهيم ومجالد، عن الشعبي، قالوا:
ألحد لرسول الله ﷺ .
وقال خلف بن هشام، قال هشيم:
بلغني أن اللبن نصب نصبا.
وحدثني بعض الدمشقيين، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى قال:
ألحد لرسول الله ﷺ ، ولم يشق، وبنوا عليه اللبن كما يبنى على القباب.
حدثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى قال:
لما وضع النبي ﷺ في قبره، التمسوا بناء، فقال المغيرة بن شعبة: أنا أنزل فأبني. فنزل فبنى.
١١٦٥ - حدثنا محمد بن الصباح، ثنا هشيم، عن منصور بن زاذان (٣)، عن الحسن قال:
جعلت في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء كان أصابها يوم خيبر. وإنما فعلوا ذلك لأن أرض المدينة سبخة. قال: ففرشت تحته.
стр. 602
حدثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد، عن سعيد بن- أحسب (١) - عبد العزيز، عن سليمان بن موسى أنه فرشت تحت رسول الله ﷺ قطيفة تقيه سبخ المدينة.
وقال الواقدي في إسناد له:
قذف شقران قطيفة للنبي ﷺ في قبره، وقال: لا يلبسها أحد بعده.
حدثني روح بن عبد المؤمن، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
جعل- أو بسط، أو فرش- في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء.
١١٦٦ - حدثني محمد بن سعد (٢)، عن الواقدي، عن مالك ومعمر، عن الزهري قال:
لما دفن رسول الله ﷺ ، رش على قبره الماء من قبل رأسه، من شقه الأيمن. رشه بلال. وجعل مسطوحا، وجعلت عليه، بعد، حصباء.
١١٦٧ - وحدثني هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن أبي جريج قال:
كان حائط البيت الذي دفن فيه النبي ﷺ قد استهدم وسقط بعضه بعضا، فبناه عمر بن عبد العزيز حين بنى المسجد أيام الوليد بن عبد الملك.
١١٦٨ - حدثنا عفان، ثنا هشيم، أنبأ إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت الشعبي قال:
دخل قبر النبي ﷺ علي ﵇، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد. قال: فتكلم بعضهم، فدخل عبد الرحمن بن عوف.
стр. 603
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن الثوري، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن أبي مرحب قال:
نزل في قبر النبي ﷺ أربعة، أحدهم عبد الرحمن بن عوف.
وقال الواقدي: الثبت أنه نزل في قبر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، والفضل، وأسامة، وشقران.
وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
نزل في قبر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، والفضل، وأسامة، وشقران. وقالت الأنصار: اجعلوا لنا في رسول الله ﷺ نصيبا. فدخل أوس بن خولي أحد بني الحبلي، من الخزرج، وكان بدريا. وسقط خاتم المغيرة بن شعبة في القبر.
فقال له علي ﵇: إنما أسقطته عمدا لتنزل فتأخذه وتقول (١): كنت آخر من نزل في قبر رسول الله ﷺ وأقربهم عهدا به. فنزل قثم ابن العباس، فأخرج خاتم المغيرة. فكان قثم آخر الناس عهدا بقبر رسول الله ﷺ .
حدثنا عمر بن محمد، ثنا هشيم، أنبأ يونس، عن عكرمة قال:
دخل في قبر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، والفضل، وأسامة. فقال رجل من الأنصار، يقال له ابن خولي: قد علمتم أني كنت أدخل قبور الشهداء ورسول الله ﷺ أفضل الشهداء، فأدخل معهم.
١١٦٩ - حدثني بكر بن الهيثم، حدثني أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق (٢)، عن أبيه إسحاق بن يسار، عن مقسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن الحارث، عن علي بن أبي طالب أنه قال:
إن المغيرة بن شعبة يخبركم أنه آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ ، وقد كان أحدث الناس عهدا برسول الله قثم بن العباس.
стр. 604
حدثني محمد بن أبان الطحان، ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن إسحاق (١) قال:
كان آخر الناس عهدا برسول الله (٢) ﷺ تمام بن العباس ابن عبد المطلب، أو قثم، نزل فأخرج خاتم المغيرة بن شعبة.
المدائني، عن ابن جعدبة، عن الزهري، عن علي بن الحسين ﵉ قال:
أحدث الناس عهدا بقبر رسول الله ﷺ الحسن بن علي، أمره أبوه فنزل فأخرج خاتم المغيرة.
حدثنا محمد بن الصباح، ثنا هشيم، ثنا مجالد، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة أنه كان يحدثهم هاهنا، يعني بالكوفة، قال: أنا أقرب الناس عهدا برسول الله ﷺ . ودفن ﷺ ، فخرج علي، فألقيت خاتمي، فقلت: يا با الحسن، خاتمي. قال: انزل، فخذه.
فنزلت، فأخذت الخاتم، ووضعت يدي على اللبن، ثم خرجت.
حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، قال سمعت أبا عمران الجوني، عن أبي عسيم قال:
لما وضع رسول الله ﷺ في لحده قال المغيرة: إنه قد بقي من قبل قدميه شيء لم يصلح. قالوا: فأدخل فأصلحه. قال: فمس قدميه، ثم قال: هيلوا علي التراب هيلا، حتى بلغ أنصاف ساقيه، ثم خرج، فقال: أنا أحدثكم عهدا برسول الله ﷺ .
١١٧٠ - حدثني محمد بن سعد (٣)، عن الواقدي، عن موسى بن عبيدة، عن مصعب بن محمد بن شرحبيل، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن أن النبي ﷺ قال في مرضه: من أصيب من أمتي بمصيبة بعدي، فليتعز بمصيبته بي عن مصيبته، فإن أحدا من أمتي لا يصاب بأشد من مصيبته بي.
стр. 605
١١٧١ - حدثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا غندر، أنبأ شعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن جرير بن عبد الله أنه سمع معاوية رضي الله تعالى عنه يقول:
توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين.
حدثنا محمد بن الصباح، ثنا هشيم، أنبأ داود بن أبي هند، عن الشعبي قال:
قبض رسول الله ﷺ وله ثلاث وستون سنة.
حدثنا أبو نصر التمار، ومحمد بن الصباح البزاز، عن شريك، عن أبي إسحاق.
كمثله.
أمر السقيفة:
١١٧٢ - حدثنا وهب بن بقية، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي قال:
لما قبض رسول الله ﷺ ، أتى عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح فقال له: ابسط يدك نبايعك فإنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله ﷺ . فقال: يا عمر، ما رأيت لك تهمة (١) منذ أسلمت قبلها، أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين؟
حدثنا عفان، ثنا معاذ بن معاذ، أنبأ ابن عون، أن محمد بن سيرين حدثهم قال:
لما توفي رسول الله ﷺ ، أتوا أبا عبيدة بن الجراح. فقال:
أتأتوني وفيكم ثالث ثلاثة؟ قال ابن عون: فقلت لمحمد: وما ثالث ثلاثة؟
قال: ألم تقرأ هذه الآية: ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا؟ (٢)
١١٧٣ - حدثنا محمد بن سعد، ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال:
سمعت عمر بن الخطاب وذكر بيعة أبى بكر، فقال: وليس فيكم من
стр. 606
تمد إليه الأعناق- أو قال: تقطع إليه الأعناق- مثل أبي بكر.
١١٧٤ - حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، ثنا حماد بن زيد، أنبأ يحيى بن سعيد، عن القاسم ابن محمد قال:
لما توفي رسول الله ﷺ ، اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فأتاهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح. فقام حباب بن المنذر، وكان بدريا، فقال:
منا أمير ومنكم أمير، فإنا والله ما ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط، ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم. قال: فقال عمر: إذا كان ذاك، قمت إن استطعت. فتكلم أبو بكر فقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم نصفين كشق الأبلمة (١) - قال حماد: يعني الخوصة.
فبايع أول الناس بشير بن سعد، أبو «النعمان بن بشير». قال: فلما اجتمع الناس على أبي بكر، قسم بينهم قسما، فبعث إلى عجوز من بني عدي بن النجار يقسمها مع زيد بن ثابت. فقال: ما هذا؟ قال: قسم قسمه أبو بكر.
فقالت: أترشوني عن ديني؟ قال: لا. قالت: أتخافوني أن أدع ما أنا عليه؟
قال: لا. قالت: فو الله لا آخذ منه شيئا. فرجع زيد إلى أبي بكر، فأخبره بما قالت. فقال: ونحن والله لا نأخذ مما أعطيناها شيئا أبدا.
١١٧٥ - حدثني عمرو بن محمد الناقد، أنبأ الحسين الجعفي، عن زائدة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر ابن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال:
لما قبض رسول الله ﷺ ، قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير.
قال: فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: بلى. قال: فأيكم يطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر بعد ذلك؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدم (٢) أبا بكر.
стр. 607
١١٧٦ - حدثني بكر بن الهيثم، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
بلغني أن عمر بن الخطاب أراد الخطبة يوم الجمعة، فعجلت الرواح حين صارت الشمس صكة (١) عمي. فلما سكت المؤذنون، خطب فقال: إني قائل مقالة لا أدري لعلها قدام أجلي. فمن وعاها، فليتحدث بها حيث انتهت به راحلته.
ومن خشي أن لا يعقلها شيء، فإني لا أحل لأحد أن يكذب علي. ثم قال:
بلغني أن الزبير قال: «لو قد مات عمر، بايعنا عليا، وإنما كانت بيعة أبي بكر فلتة»، فكذب والله. لقد أقامه رسول الله ﷺ مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، فهل منكم من تمد إليه الأعناق مثله؟
١١٧٧ - وحدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عمر الواقدى، عن أبى معمر، عن المقبري، ويزيد ابن رومان مولى آل الزبير، عن ابن شهاب قال:
بينا المهاجرون في حجرة رسول الله ﷺ وقد قبضه الله إليه، وعلي بن أبي طالب والعباس متشاغلان به، إذ جاء معن بن عدي، وعويم ابن ساعدة فقالا لأبي بكر: «باب فتنة، إن لم يغلقه الله بك فلن يغلق أبدا.
هذا سعد بن عبادة الأنصاري في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يبايعوه».
فمضى أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح حتى جاءوا السقيفة، وإذا سعد على طنفسة متكئا على وسادة وعليه الحمى. فقال له أبو بكر، ما ترى يا أبا ثابت؟ فقال: أنا رجل منكم. فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجري شيئا في الأنصار، رد عليه الأنصارى، وإن عمل
стр. 608
الأنصاري شيئا في المهاجرين، رد عليه المهاجري، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، إن شئتم فرزنا، فرددناها جذعة، من ينازعني؟ فأراد عمر أن يتكلم.
فقال له أبو بكر: على رسلك، ثم قال أبو بكر: «نحن أول الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرمهم أنسابا، وأمسهم برسول الله ﷺ رحما.
وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الدين. نصرتم، وآويتم، وآسيتم، فجزاكم الله خيرا. فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء. ولن تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش. فقد يعلم ملأ منكم أن رسول الله ﷺ قال:
الأئمة من قريش. فأنتم أحقاء أن لا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم». فقال الحباب: «ما نحسدك ولا أصحابك. ولكنا نخشى أن يكون الأمر في أيدي قوم قتلناهم، فحقدوا علينا». فقال أبو بكر: إن تطيعوا أمري، تبايعوا أحد هذين الرجلين: أبا عبيدة- وكان عن يمينه- أو عمر ابن الخطاب، وكان عن يساره. فقال عمر: «وأنت حي؟ ما كان لأحد أن يؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله ﷺ . فابسط يدك». فبسط يده، فبايعه عمر، وبايعه أسيد بن حضير، وبايع الناس وازدحموا على أبي بكر. فقالت الأنصار: قتلتم سعدا. وقد كادوا يطئونه.
فقال عمر: اقتلوه، فإنه صاحب فتنة. فبايع الناس أبا بكر. قال، وقال ابن رومان: وقد يقال إن أول من بايع من الأنصار بشير بن سعد، وأتي بأبي بكر المسجد فبايعوه. وسمع العباس وعلي التكبير في المسجد، ولم يفرغوا من غسل رسول الله ﷺ ، فقال علي: ما هذا؟ فقال العباس:
«ما رده مثل هذا قط. لهذا ما قلت لك الذي قلت». قال: فخرج علي، فقال: يا با بكر، ألم تر لنا حقا في هذا الأمر؟ قال: بلى، ولكني خشيت الفتنة، وقد قلدت أمرا عظيما. فقال علي: وقد علمت أن رسول الله ﷺ أمرك بالصلاة، وأنك ثاني اثنين في الغار، وكان لنا حق ولم نستشر، والله يغفر لك. وبايعه.
стр. 609
١١٧٨ - وقال أحمد بن محمد بن أيوب، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق (١)، عن الزهري قال: لما قبض النبي ﷺ ، انحاز الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة، وانحاز المهاجرون إلى أبي بكر ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل، ورسول الله ﷺ في بيته لم يفرغ من أمره. فأتى أبا بكر آت، فقال:
أدرك الناس قبل أن يتفاقم الأمر.
١١٧٩ - حدثنا محمد بن مصفى الحمصي، ثنا بقية بن الوليد، عن الزبيري، عن الزهري قال:
خطب عمر الناس يوما، فقال: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فوقى الله شرها: اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة لتبايع سعد بن عبادة.
فقال الحباب بن المنذر: نحن كتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين منا أمير ومنكم أمير حتى يكون الأمر بيننا كشق الأبلمة. فتكلم أبو بكر، وكان رشيدا، فقال: نحن قريش، والأئمة منا، وأنتم إخواننا ووزراؤنا قد آويتم ونصرتم فجزاكم الله خيرا. فبايعوه إلا سعدا، فإنه راغ ثم أتى الشام.
١١٨٠ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله قال: قال العباس لعلي: «ما قدمتك إلى شيء إلا تأخرت (٢) عنه».
وكان قال له: لما قبض رسول الله ﷺ : اخرج حتى أبايعك على أعين الناس، فلا يختلف عليك اثنان. فأبى وقال: أو منهم من ينكر حقنا ويستبد علينا؟ فقال العباس: سترى أن ذلك سيكون. فلما بويع أبو بكر، قال له العباس: ألم أقل لك يا علي؟
١١٨١ - علي بن محمد المدائني، عن ابن جعدبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب خطب خطبة، قال فيها: إن فلانا وفلانا قالا: «لو قد مات عمر، بايعنا عليا فتمت بيعته،
стр. 610
فإنما كانت معه إلى أبي بكر فلتة وقى الله شرها»، وكذبا. والله ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ولقد أقامه رسول الله ﷺ مقامه واختاره لدينهم على غيره، وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق (١) كما تقطع إلى أبي بكر؟ فمن بايع رجلا على غير مشورة، فإنهما (٢) أهل أن يقتلا. وإني أقسم بالله، ليكفن الرجال أو ليقطعن أيديهم وأرجلهم وليصلبن في جذوع النخل. وإني أخبركم أن الله لما قبض رسوله، اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر. وتكلم خطيب الأنصار فقال: نحن الأنصار، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط هنا، وإذا هم يريدون أن يخرجونا من أصلنا ويغصبونا أمرنا. فأردت أن أتكلم، وكنت قد زورت (٣) مقالة أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر. فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. وتكلم أبو بكر فما ترك كلمة أعجبتني إلا قالها مع أمثالها حتى سكت. فقال: ما كان من خبر فأنتم له أهل. ونحن، بعد، ممن نحن منه. ولن تعرف العرب الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وقد قال ﷺ : «هذا الشأن بعدي في قريش».
فقال الحباب بن المنذر، أحد بني سلمة: قد نعرف لكم فضلكم، ولكنا منا أمير ومنكم أمير (٤)، فذلك أحرى ألا يخالف أحد منا صاحبه، فإلا تفعلوا فأنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. ثم قال بشير بن سعد: الأمر بيننا وبينكم كشق الأبلمة. فقلت (٥): وأنت أيضا يا أعور؟ نشدتك بالله، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الأئمة من قريش»؟ قال: اللهم نعم، فرغم أنفي. قلت ففيم الكلام؟ وقال أبو بكر: أدعوكم إلى أي المهاجرين شئتم: عمر، أو غيره. فهي التي كرهت من كلام أبي بكر، ولأن أقدم فيضرب (٦) عنقي أحب إلي من أن أزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله ﷺ . ثم قال أبو بكر: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء وإخواننا في الدين، وأحب الناس إلينا. فأذهب الله عنهم نزغ الشيطان.
стр. 611
وقال الزهري: كان معن يقول: إني أحب أن لا أموت حتى أصدق رسول الله ﷺ ميتا كما صدقته حيا. واستشهد يوم اليمامة.
حدثنى ابن عباس، عن أبيه، عن أبي مخنف، عن محمد بن إسحاق (١) بنحوه.
١١٨٢ - وحدثني محمد بن سعد ثنا عفان، ثنا شعبة، أنبأ الجريري، عن أبي نضرة قال:
أبطأ أناس عن بيعة أبى بكر، (ف) قال: من أحق بهذا الأمر مني؟
ألست أول من صلى؟ ألست، ألست، وذكر خصالا فعلها مع النبي ﷺ .
١١٨٣ - حدثني هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ الجريري (٢)، عن أبي نضرة قال:
لما بايع الناس أبا بكر، اعتزل علي والزبير. فبعث إليهما عمر ابن الخطاب، وزيد بن ثابت. فأتيا منزل علي، فقرعا الباب، فنظر الزبير من قترة (٣) ثم رجع إلى علي فقال: هذان رجلان من أهل الجنة، وليس لنا أن نقاتلهما. قال: افتح لهما. ثم خرجا معهما حتى أتيا أبا بكر، فقال أبو بكر: يا علي أنت ابن عم رسول الله وصهره، فتقول: إني أحق بهذا الأمر، لاها الله لأنا أحق به منك. قال: لا تثريب، يا خليفة رسول الله، ابسط يدك أبايعك. فبسط يده فبايعه. ثم قال للزبير: تقول أنا ابن عمة رسول الله وحواريه وفارسه وأنا أحق بالأمر، لاها الله لأنا أحق به منك. فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، ابسط يدك. فبسط يده فبايعه.
стр. 612
١١٨٤ - المدائني، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمى، وعى ابن عون أن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر، ومعه فتيلة (١).
فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب، أتراك محرقا علي بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. وجاء علي، فبايع وقال:
كنت عزمت أن لا أخرج من منزلي حتى أجمع القرآن.
١١٨٥ - وقال أبو مخنف: لما استخلف عثمان، دخل العباس على على، فقال:
ما قدمتك قط إلا تأخرت. قلت لك وقد احتضر النبي ﷺ :
تعال، فاسأله عن هذا الأمر لمن هو بعده، فقلت: أكره أن لا يقول لكم، فلا نستخلف أبدا. ثم توفي، فقلت: أبايعك، فلا يختلف عليك اثنان.
فأبيت. ثم توفي عمر، فقلت: قد أطلق الله يدك، وليس عليك تبعة فلا تدخل في الشورى. فأبيت، فما الحيلة؟
١١٨٦ - المدائني، عن أبى جرى (٢)، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت:
لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة أشهر. فلما ماتت، ضرع إلى صلح أبي بكر، فأرسل إليه أن يأتيه. فقال له عمر:
لا تأته وحدك. فقال: وماذا يصنعون بي؟ فأتاه أبو بكر. فقال علي: والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنا نرى أن لنا في الأمر نصيبا استبد به علينا. فقال أبو بكر: والله لقرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي. فلم يزل علي يذكر حقه وقرابته، حتى بكى أبو بكر. فقال ميعادك العشية.
فلما صلى أبو بكر الظهر، خطب فذكر عليا وبيعته. فقال علي: إني لم يحبسني عن بيعة أبي بكر ألا أكون عارفا بحقه، ولكنا كنا نرى أن لنا في الأمر نصيبا استبد به علينا. ثم بايع أبا بكر. فقال المسلمون: أصبت وأحسنت.
المدائني، عن أبى جرى (٣)، عن الجريري، عن أبي نضرة أن عليا قعد عن بيعة أبى بكر (فقال:) ما يمنعك من بيعة وأنا كنت في هذا الأمر قبلك؟
стр. 613
١١٨٧ - حدثنا سلمة بن الصقر، وروح بن عبد المؤمن قالا، ثنا عبد الوهاب الثقفي، أنبأ أيوب، عن ابن سيرين قال:
قال أبو بكر لعلي رضي الله تعالى عنهما: أكرهت إمارة؟ قال:
لا ولكنى حلفت أن لا أرتدى بعد وفاة النبي ﷺ برداء حتى أجمع القرآن كما أنزل.
١١٨٨ - وحدثنى بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي ﵃ حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف. فلما أتاه، جرى بينهما كلام. فقال (١):
احلب حلبا لك شطره. والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك (٢) غدا (فقال على: وما ننفس (٣) على أبي بكر هذا الأمر ولكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا: إن لنا حقا لا يجهلونه. ثم أتاه فبايعه.
١١٨٩ - وحدثت عن الحسن بن عرفة، عن علي بن هشام (٤) بن البريد، عن أبيه، عن أبي الجحاف قال: لما بويع أبو بكر وبايعه الناس، قام ينادي ثلاثا: أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم. فقال علي: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله ﷺ في الصلاة، فماذا يؤخرك؟
١١٩٠ - المدائني، عن عبد الله بن جعفر، عن أبي عون قال:
لما ارتدت العرب، مشى عثمان إلى على. فقال: يا ابن عم، إنه لا يخرج أحد إلي. فقال: هذا العدو، وأنت لم تبايع. فلم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر. فقام أبو بكر إليه، فاعتنقا، وبكى كل واحد إلى صاحبه. فبايعه فسر المسلمون، وجد الناس في القتال، وقطعت البعوث.
стр. 614
١١٩١ - المدائني، عن أبي زكريا العجلاني، عن صالح بن كيسان قال:
قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن بعد وفاة النبي ﷺ ، فأتى عليا وعثمان فقال: أنتما الشعار دون الدثار (١)، أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي أمركم عليكم غيركم؟ فقال علي: أو غلبة تراها؟ إنما هو أمر الله يضعه حيث يشاء. قال: فلم يحتملها عليه أبو بكر واضطغنها عمر.
المدائني، عن عوانة وابن جعدبة قالا:
لم يبايع خالد بن سعيد أبا بكر إلا بعد ستة أشهر. فمر به أبو بكر وهو قاعد في سقيفة، فقال له: يا خالد ما رأيك في البيعة؟ قال: أبايع يا أبا بكر. فأتاه أبو بكر. فأدخله خالد الدار وبايعه. وقال غير المدائني:
بايع خالد أبا بكر بعد شهرين.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن يزيد بن عياض، عن ابن جعدبة، عن محمد بن المنكدر قال: جاء أبو سفيان إلى علي فقال: «أترضون أن يلي أمركم ابن أبي قحافة؟ أما والله، لئن شئتم لأملأنها عليه خيلا ورجلا». فقال: «لست أشاء ذلك، ويحك يا با سفيان إن المسلمين نصحة بعضهم لبعض وإن نأت دارهم وأرحامهم وإن المنافقين غششة بعضهم لبعض وإن قربت ديارهم وأرحامهم. ولولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلا، ما خليناه وإياها».
المدائني، عن الربيع بن صبيح، عمن حدثه، عن الحسين، عن أبيه أن أبا سفيان جاء إلى علي ﵇، فقال يا علي، بايعتم رجلا من أذل قبيلة من قريش، أما والله لئن شئت لأضر منها عليه من أقطارها ولأملأنها عليه خيلا ورجالا. فقال له علي: إنك طال ما غششت الله ورسوله، والإسلام، فلم ينقصه ذلك شيئا، إن المؤمنين وإن نأت ديارهم وأبدانهم نصحة بعضهم لبعض وإنا قد بايعنا أبا بكر وكان والله لها أهلا.
стр. 615
١١٩٢ - المدائني، عن أبي زكريا العجلاني عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن أبا سفيان كان حين قبض النبي ﷺ غائبا، بعث به مصدقا.
فلما بلغته وفاة النبي ﷺ ، قال: من قام بالأمر بعده؟ قيل:
أبو بكر. قال: «أبو الفصيل؟ أنى لا أرى فتقا لا يرتقه إلا الدم». وقال الواقدي: أجمع أصحابنا أن أبا سفيان كان حين قبض رسول الله ﷺ حاضرا.
١١٩٣ - حدثني روح بن عبد المؤمن، حدثني علي بن المدائني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح أن سعد بن عبادة خرج إلى الشام فقتل بها.
المدائني، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان، وعن أبي مخنف، عن الكلبي وغيرهما أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر، وخرج إلى الشام. فبعث عمر (١) رجلا وقال: ادعه إلى البيعة واختل له، وإن أبى فاستعن بالله عليه. فقدم الرجل الشام، فوجد سعدا في حائط بحوارين، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشيا أبدا. قال: فإني أقاتلك. قال: وإن قاتلتني. قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟ قال: أما من البيعة فإني خارج. فرماه بسهم فقتله. وروي أن سعدا رمي في حمام. وقيل:
كان جالسا يبول، فرمته الجن فقتلته. وقال قائلهم (٢):
قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده … رميناه بسهمين فلم تخط فؤاده
١١٩٤ - حدثني محمد بن سعد، عن عبد الله الحميدي المكي، ثنا سفيان بن عيينه، عن الوليد بن كثير عن سعيد بن المسيب قال:
لما قبض رسول الله ﷺ ، ارتجت مكة. فقال أبو قحافة:
ما هذا؟ قالوا: قبض رسول الله ﷺ . قال (٣): فمن ولي أمر
стр. 616
الناس بعده؟ قالوا: ابنك. فقال: أرضي بذلك بنو هاشم، وبنو عبد شمس، وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: فإنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع. ثم ارتجت مكة حين مات أبو بكر رجة دون الأولى، فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: مات أبو بكر. قال: رزء جليل.
١١٩٥ - حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال:
لما ولي أبو بكر رضي الله تعالى عنه، خطب (١) الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فقد وليتكم ولست بخير (كم) (٢)، ولكن القرآن نزل، وسن رسول الله ﷺ السنن، فعلمنا. اعلموا أن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور. وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له حقه. وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه. أيها الناس إنما أنا متبع، ولست بمبتدع. فإذا أحسنت فأعينوني (٣) وإن زغت فقوموني.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى قال: حدثت أن الحسن كان يقول:
قد علم أنه خيرهم، ولكن المؤمن يغض نفسه.
١١٩٦ - حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله ويزيد بن عياض، عن الزهري قال:
خطب أبو بكر حين بويع واستخلف، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه على الأمر كله علانيته وسره، ونعوذ بالله من شر ما يأتي في الليل والنهار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا (٤) قدام الساعة. فمن أطاعه رشد، ومن عصاه هلك. ألا وإني قد وليتكم ولست بخيركم. ألا (٥) وقد كانت بيعتي
стр. 617
فلتة وذلك أنى خشيت فتنة. وايم الله ما حرصت عليها يوما قط ولا ليلة، ولا طلبتها، ولا سألت الله إياها سرا ولا علانية، وما لي فيها راحة. ولقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة ولا بد أن. ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني.
فعليكم بتقوى الله. وإن أكيس الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور.
وإني متبع ولست بمبتدع. وإن أضعف الناس عندي الشديد حتى آخذ منه الحق، وإن أشد الناس عندي الضعيف حتى آخذ له الحق. وإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني. واعلموا أيها الناس أنه لم يدع قوم الجهاد قط إلا ضربهم الله بذل. ولم تشع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم البلاء. أيها الناس ابتغوا كتاب الله واقبلوا نصيحته فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. واحذروا يوما ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع. فليعمل اليوم عامل ما استطاع من عمل يقربه إلى الله قبل ألا يقدر على ذلك.
أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله ورسوله. فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم.
١١٩٧ - المدائني، عن جعفر بن سليمان الضبعي (١)، عن أبى عمران الجوني قال، قال سلمان الفارسي حين بويع أبو بكر: «كرداذ وناكرداذ (٢)»، أي عملتم وما عملتم، لو بايعوا عليا لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.
١١٩٨ - محمد بن سعد، عن الواقدي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة قال: لما بلغ عمر في حجته التي رجع منها فطعن، أن رجالا يقولون إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقال: إن كانت فلتة فقد وقى الله شرها، وإن حدث بي حدث فالأمر إلى الستة الذين قبض رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.
стр. 618
مرثية أبو بكر:
١١٩٩ - قال: ورثي أبو بكر الصديق رسول الله ﷺ بقصيدة، منها قوله:
فجعلنا بالنبي وكان فينا … إمام كرامة ونعم الإمام
وكان قوامنا والرأس منا … فنحن اليوم ليس لنا قوام
نموج ونشتكي ما قد لقينا … ويشكو فقده البلد الحرام
فلا تبعد فكل كريم قوم … سيدركه ولو كره الحمام
فقدنا الوحي إذ وليت عنا … وودعنا من الله الكلام
لقد أورثتنا ميراث صدق … عليك به التحية والسلام
مرثية عمر رضي الله تعالى عنه:
١٢٠٠ - قال عمر شعرا كتبنا منه أبياتا وهي:
ما زلت مذ وضع الفراش لجثته … وثوى، مريضا خائفا أتوقع
شفقا عليه أن يزول مكانه … عنا فيبقى بعده التفجع
فليبكه أهل المدينة كلهم … والمسلمون بكل أرض تجزع
نفسي فداؤك من لنا في أمرنا … أم من نشاوره إذا نتوجع (١)
مرثية علي بن أبي طالب:
١٢٠١ - وقال علي بن أبي طالب شعرا كتبنا منه أبياتا وهي:
ألا طرق الناعي بليل فراعني … وأرقني لما استقل مناديا
فقلت له لما رأيت الذي أتى … لغير رسول الله إن كنت ناعيا
فو الله لا أنساك أحمد ما مشت … بي العيس أو جاوزت في الأرض واديا
وكنت متى أهبط من الأرض تلعة … أرى أثرا منه جديدا وعافيا
стр. 619
جواد تشظي الخيل عنه كأنما … يرين به ليثا عليهن ضاريا (١)
ليبك رسول الله خيل كثيرة … تثير غبارا كالضبابة عاليا
مرثية حسان:
١٢٠٢ - وقال حسان في قصيدة له (٢):
ما بال عينك لا تنام كأنما … كحلت مؤاقيها (٣) بكحل الأرمد
جزعا على المهدي أصبح ثاويا … يا خير من وطيء الحصى لا تبعد
يا ويح أنصار النبي ورهطه … بعد المغيب في سواء المسجد (٤)
جنبي يقيك الترب لهفي ليتني … غيبت قبلك في بقيع الغرقد
أأقيم بعدك في المدينة بينهم … يا ويح نفسي ليتني لم أولد
بأبي وأمي من شهدت وفاته … في يوم الاثنين النبي المهتدي
فظللت بعد وفاته متلددا … يا ليتني جرعت سم الأسود
والله أسمع ما بقيت بهالك … إلا بكيت على النبي محمد
ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا … سودا وجوههم كلون الإثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره … وفضول نعمته بنا لم نجحد
والله أهداه لنا وهدى به … أنصاره في كل ساعة مشهد
صلى الإله ومن يحف بعرشه … والطيبون على المبارك أحمد
فرحت نصارى يثرب ويهودها … لما توارى في الضريح الملحد
١٢٠٣ - وقال حسان أيضا (٥):
يا لهف نفسي عليه حين ضمنه … بطن الضريح علي وابن عباس
مادت بي الأرض حتى كدت أدخلها … بعد النبي رسول الله والآسى
стр. 620
مرثية صفية بنت عبد المطلب:
١٢٠٤ - وقالت صفية بنت عبد المطلب:
يا عين جودي بدمع منك منحدر … ولا تملي وبكي سيد البشر
بكى رسول الله فقد هدت مصيبته … جميع قومى وأهل البدو والحضر
ولا تملى بكاءك الدهر معولة … عليه ما غرد القمري بالسحر
١٢٠٥ - وقالت أيضا:
ألا يا رسول الله كنت رجائيا (١) … وكنت بنا برا ولم تك جافيا
كأن على قلبي لذكر محمد … وما خفت من بعد النبي المكاويا
أفاطم حي الله رب محمد … على جدث أمسى بيثرب ثاويا
فدى لرسول الله نفسي وخالتي … وأمي وعمي قصرة (٢) وعياليا
فلو أن رب الناس أبقاك بيننا … سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية … وأدخلت جنات من العدن راضيا
ويتلوه في الجزء التالي نسب الزبير بن عبد المطلب وذكر حلف الفضول. والله المستعان وعليه التكلان