← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٢٣ - أبي سعيد، عن النبي (١) ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، فمنها (٢) ما يبلغ الثدي، ومنها مايبلغ (٣)

стр. 107

دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره " قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: " الدين " وهذا الحديث نص في أن الدين يتفاضل؛ وقد استدل عليه بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وأشار البخاري إلى ذلك في موضع آخر. ويدل عليه – أيضا – قول النبي ﷺ للنساء " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم (١٩٢ - ب / ف) من إحداكن " (١) . وفسر نقصان دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها؛ فدل على دخول الصوم والصلاة في اسم الدين. وقد صرح بدخول الأعمال في الدين طوائف من العلماء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم. فمن قال: الإسلام والإيمان واحد فالدين عنده مرادف لهما، وهو اختيار البخاري ومحمد بن نصر المروزي (٢) وغيرهما من أهل الحديث. ومن فرق بينهما، فاختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: إن الدين أعم منهما، فإنه يشمل الإيمان والإسلام والإحسان، كما دل عليه حديث جبريل، وقد أشار البخاري إلى هذا – فيما بعد -؛ لكنه من لا يفرق بين الإسلام والإيمان. ومن قال: الإيمان: التصديق، والإسلام: الأعمال، فأكثرهم جعل

стр. 108

الدين هو الإسلام وأدخل فيه الأعمال. وإنما أخرج الأعمال من مسمى الدين: بعض المرجئة. ومن قال: الإسلام: الشهادتان، والإيمان: العمل – كالزهري، وأحمد في رواية وهي التي نصرها القاضي أبو يعلي – جعل الدين هو الإيمان بعينه، وأجاب عن قوله تعالي ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] أن بعض الدين الإسلام. وهذا بعيد. وأما من قال: إن كلا من الإسلام والإيمان إذا أطلق مجردا دخل الآخر فيه، وإنما يفرق بينهما عند الجمع بينهما، وهو الأظهر؛ فالدين هو مسمى كل واحد منهما عند إطلاقه، وأما عند اقترانه بالآخر: فالدين أخص باسم الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد وكذلك الدين يقال:: دانه يدينه إذا قهره، ودان له إذا استسلم له وخضع وانقاد؛ ولهذا سمى الله الإسلام دينا فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ ﴿آل: عمران ١٩] ، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . وإنما فسر القمص في المنام: الدين؛ لأن الدين والإسلام والتقوى كل هذه توصف بأنها لباس، قال تعالى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] ، وقال أبو الدرداء: الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارة وينزعه أخرى، وفي الحديث: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ينزع منه سربال الإيمان " (١) .

стр. 109

وقال النابغة: الحمد لله الذي لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا وقال أبو العتاهية: إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا فهذه كلها كسوة الباطن وهو الروح وهو زينة لها، كما في حديث عمار: " اللهم زينا بزينة الإيمان " (١) . كما أن الرياش زينة للجسد وكسوة له، قال تعالى ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] . ومن هنا قال مجاهد والشعبي وقتادة والضحاك والنخعي والزهري وغيرهم في قوله تعالى ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] إن المعنى: طهر نفسك من الذنوب. وقال سعيد بن جبير: وقلبك ونيتك (٢) فطهر. وقريب منه: قول من قال: وعملك فأصلح (٣) . روى عن مجاهد وأبي روق والضحاك. وعن الحسن والقرظي (٤) قالا: خلقك حسنه.

стр. 110

فكنى بالثياب عن الأعمال (١٩٣ - أ / ف) وهي (١) الدين والتقوى والإيمان والإسلام، وتطهيره: إصلاحه وتخليصه من المفسدات له، وبذلك تحصل طهارة النفس والقلب والنية، وبه يحصل حسن الخلق؛ لأن الدين هو الطاعات التي تصير عادة وديدنا وخلقا، قال تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ [القلم: ٤] . وفسره ابن عباس بالدين (٢) .

стр. 111

١٦ - فصل (١) خرج البخاري ومسلم (٢) من حديث:

стр. 112

٢٣ - ابن عمر أن رسول الله ﷺ مر على رجل (١) وهو يعظ أخاه في الحياء فقال (٢) : " دعه؛ فإن الحياء من الإيمان ". هذا المعنى مروي عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، وقد سبق حديث أبي هريرة: " الحياء شعبة من الإيمان " (٣) . والحياء نوعان: أحدهما: غريزي، وهو خلق يمنحه الله العبد ويجبله عليه فيكفه عن ارتكاب القبائح والرزائل، ويحثه على فعل الجميل وهو من أعلى مواهب الله للعبد، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثر ما يؤثره الإيمان من فعل الجميل والكف عن القبيح، وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان ’ فهو وسيلة إليه كما قال عمر: من استحيى اختفى، ومن اختفى اتقى ومن اتقى وقي. وقال بعض التابعين تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع.

стр. 113

وقال ابن سمعون (١) : رأيت المعاصي نذالة؛ فتركتها مروءة فاستحالت ديانة (٢) . والنوع الثاني: أن يكون مكتسبا، إما من مقام الإيمان كحياء العبد من مقامه بين يدي الله يوم القيامة فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه، أو من مقام الإحسان، كحياء العبد من اطلاع الله عليه وقربه منه، فهذا من أعلى خصال الإيمان. وفي حديث مرسل: " استحيي من الله كما تستحيي من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك "، وروى موصولا (٣) . وسئل النبي ﷺ عن كشف العورة خاليا، فقال: " الله أحق أن يستحيي منه (٤) . وفي حديث ابن مسعود المرفوع: " الاستحياء من الله: أن تحفظ (٥) الرأس وما وعي والبطن وما حوى وأن تذكر (٦) الموت والبلى، ومن أراد ترك

стр. 114

الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء ". خرجه الترمذي وغيره (١) . وخرج البخاري في " تفسيره " (٢) عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْه﴾ [هود: ٥] أنها نزلت في قوم كانوا يجامعون نساءهم ويتخلون فيستحيون من الله فنزلت الآية. وكان الصديق يقول: استحيوا من الله؛ فإني أذهب إلى الغائط فأظل متقنعا بثوبي حياء من ربي (٣) . وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه حياء من الله (٤) . قال بعض السلف: خف الله على قدر قدرته عليك، واستحيي منه على قدر قربه منك. وقد يتولد الحياء من الله من مطالعة النعم فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان.

стр. 115

فصل قال البخاري:

стр. 116

١٢ - باب (١) من الدين الفرار من الفتن

стр. 117

١٩ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري (١) قال: قال رسول الله ﷺ : " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن " (٢) . بوب البخاري على أن الفرار (١٩٣ - ب / ف) من الفتن من الدين؛ وليس في الحديث إلا الإشعار بفضل من يفر بدينه من الفتن؛ لكن لما جعل الغنم خير مال المسلم في هذه الحال دل على أن هذا الفعل من خصال الإسلام والإسلام هو الدين. وأصرح من دلالة هذا الحديث الذي خرجه في أول " الجهاد " من رواية الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ : "

стр. 118

مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله " قالوا: ثم من؟ قال: " مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره " (١) . وليس في هذا الحديث ذكر الفتن. وخرجه أبو داود (٢) ، وعنده: سئل النبي ﷺ : أي المؤمنين أكمل إيمانا؟ . فذكره. وهذا فيه دلالة على أن الاعتزال عن الشر من الإيمان. وفي " المسند " و" جامع الترمذي "، عن طاوس، عن أم مالك البهزية قالت: قال رسول الله: " خير الناس في الفتنة: رجل معتزل في ماله، يعبد ربه ويؤدي حقه، ورجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله " (٣) . وروي عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . خرجه الحاكم (٤) . وروي عن طاوس مرسلا. وخرج الحاكم - أيضا - من حديث أبي هريرة مرفوعا: " أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم أنجى الناس منها: صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمها، ورجل من وراء الدروب بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه " (٥) . وقد وقفه بعضهم.

стр. 119

فهذه الروايات المقيدة بالفتن تقضي على الروايات المطلقة. وحديث أبي سعيد الذي خرجه البخاري هنا لم يخرجه مسلم. وقد روي عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن، عن أبي سعيد؛ وهو وهم. وروي عن يحيي بن سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن نهار العبدي، عن أبي سعيد؛ وذكر " نهار " في إسناده: وهم. قاله الدارقطني (١) . فقوله ﷺ " يوشك " تقريب منه للفتنة، وقد وقع ذلك في زمن عثمان كما أخبر به ﷺ وهذا من جملة أعلام نبوته ﷺ . وإنما كان الغنم خير مال المسلم - حينئذ -؛ لأن المعتزل عن الناس بالغنم يأكل من لحومها ونتاجها ويشرب من ألبانها ويستمتع بأصوافها باللبس وغيره، وهي ترعى الكلأ في الجبال وترد المياه؛ وهذه المنافع والمرافق لا توجد في غير الغنم؛ ولهذا قال: " يتبع بها شعف الجبال " وهي رءوسها وأعاليها؛ فإنها تعصم من لجأ إليها من عدو. و" مواقع القطر " لأنه يجد فيها الكلأ والماء فيشرب منها ويسقي غنمه وترعى غنمه من الكلأ. وفي " مسند البزار "، عن مخول البهزي سمع النبي ﷺ يقول: " سيأتي على الناس زمان فيه غنم بين السجدتين (٢) تأكل من

стр. 120

الشجر وترد الماء، يأكل صاحبها من رسلها ويشرب من ألبانها ويلبس من أشعارها – أو قال من أصوافها _، والفتن ترتكس بين جراثيم العرب " (١) . وروي هذا المعنى عن عبادة بن الصامت من قوله. وواحد الجراثيم: جرثومة؛ وهي أصل الشيء. وفي هذا دلالة ‘على أن من خرج من الأمصار فإنه يخرج معه بزاد وما يقتات منه. وقوله: (١٩٤ – أ / ف) " يفر بدينه من الفتن " يعني: يهرب خشية على دينه من الوقوع في الفتن؛ فإن من خالط الفتن، وأهل القتال على الملك لم يسلم دينه من الإثم إما بقتل معصوم أو أخذ مال معصوم أو المساعدة على ذلك بقول ونحوه وكذلك لو غلب على الناس من يدعوهم إلى الدخول في كفر أو معصية حسن الفرار منه. وقد مدح الله من فر بدينه خشية الفتنة عليه فقال – حكاية عن أصحاب الكهف _ ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] . وروى عروة، عن كرز الخزاعي قال: سأل رسول الله ﷺ أعرابي: هل لهذا الإسلام من منتهى؟ قال: " من يرد الله به خيرا من عرب أو عجم أدخله عليه " قال: ثم ماذا؟ قال: " تقع فتن كالظلل " قال: كلا يا

стр. 121

نبي الله، قال: " بلى، والذي نفسي بيده لتعودون فيها أساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض وخير الناس يومئذ: رجل يتقي ربه ويدع الناس من شره " (١) . الأساود: جمع أسود، وهو أخبث الحيات وأعظمها. والصب: جمع صبوب، على أن أصله: صبب كرسول ورسل، ثم خفف كرسل؛ وذلك أن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ، ويروى " صي " على وزن حبلى " وفي "الصحيحين " عن حذيفة أن النبي ﷺ ذكر له الفتن فقال له: فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك؟ قال: " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " قال: فإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " (٢) . وقد اعتزل جماعة من أصحابه في الفتن في البوادي. وقال الإمام أحمد: إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء، فأما إذا لم يكن فتنة فالأمصار خير. فأما سكنى البوادي على وجه العبادة وطلب السياحة والعزلة فمنهي عنه، كما في الترمذي و" صحيح الحاكم "، عن أبي هريرة قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بشعب فيه عيينه من ماء عذب فأعجبه طيبه

стр. 122

وحسنه فقال: لو اعتزلت الناس وأقمت في هذا الشعب ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله ﷺ ، فاستأمره فقال: " لا تفعل؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاما " (١) . وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ وفيه: أن النبي ﷺ قال: " لم أبعث باليهودية ولا النصرانية؛ ولكني بعثت بالحنيفية السمحة " (٢) . وذكر باقيه بمعناه. وخرج داود من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله! ايذن لي بالسياحة، فقال النبي ﷺ : " إن سياحة أمتي: الجهاد في سبيل الله " (٣) . وفي " المسند " عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: " عليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام " (٤) . وفي مراسيل طاوس، عن النبي ﷺ قال: " لا رهبانية في الإسلام ولا سياحة ". وفي المعنى مراسيل أخر متعددة. قال الإمام أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيئ ولا من فعل النبيين ولا الصالحين. والسياحة على هذا الوجه قد (١٩٤ – ب / ف) فعلها طوائف ممن ينسب على عبادة واجتهاد بغير علم، ومنهم من رجع لما عرف ذلك. وقد كان في زمن ابن مسعود من المتعبدين خرجوا إلى ظاهر الكوفة

стр. 123

وبنوا مسجدا يتعبدون فيه، منهم: عمرو بن هتبة، ومفضل العجلي، فخرج إليهم ابن مسعود وردهم على الكوفة وهدم مسجدهم وقال: إما أن تكونوا أهدى من أصحاب محمد أو تكونوا متمسكين بذنب الضلالة. وإسناده هذا صحيح عن الشعبي أنه حكى ذلك. وقد رأى عبد الله بن غالب الحداني رجلا في فلاة رزقه لا يدري من أين يأتيه فقال له: إن هذه الأمة لم تؤمر بهذا؛ إنما أمرت بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وتشييع الجنائز، فقبل منه وانتقل من ساعته إلى قرية فيها هذا كله. خرج حكايته ابن أبي الدنيا. وروي نحو هذه الحكاية – أيضا -، عن أبي غالب صاحب أبي أمامة الباهلي. خرجها حميد بن زنجوية. وكذلك سكنى البوادي لتنمية المواشي والأموال – كما جرى لثعلبة في ماله – فمذموم – أيضا. وفي " سنن ابن ماجه "، عن أبي هريرة مرفوعا: " ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ثم تجيء الجمعة فلا يشهدها وتجيء الجمعة فلا يشهدها (١) حتى يطبع على قلبه " (٢) . وخرجه الخلال من حديث جابر بمعناه (٣) – أيضا.

стр. 124

وخرج حميد بن زنجويه من رواية ابن لهيعه: ثنا عمر (١) مولى غفرة أنه سمع ثعلبة بن أبي مالك الأنصاري يقول: قال حارثة بن النعمان: قال رسول الله ﷺ : " يخرج الرجل في حاشية القرية في غنيمة يشهد الصلوات ويؤب إلى أهله إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال: لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى ملأ من هذه، فيرتفع حتى لا يشهد من الصلوات إلا الجمعة حتى إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال: لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كل أمن هذه فيرتفع حتى لا يشهد جمعة ولا يدري متى الجمعة حتى يطبع الله على قلبه ". وخرجه الإمام أحمد بمعناه (٢) . وفي " سنن أبي داود " والترمذي وغيرهما، عن أبي هريرة (٣) ، عن النبي ﷺ قال: " من سكن البادية جفا ".

стр. 125

وقال ابن مسعود في الذي يعود أعرابيا بعد هجرته: إنه ملعون على لسان محمد ﷺ . وفي " الصحيحين " (١) أن سلمة بن الأكوع قال: أذن لي رسول الله ﷺ في البدو. وفي رواية للبخاري أن سلمة لما قتل عثمان خرج إلى الربزة فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة (٢) . وفي " المسند " أن سلمة قدم المدينة فقيل له: ارتددت عن هجرتك يا سلمة؟ فقال: معاذ الله إني في إذن من رسول الله ﷺ ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ابدوا يا أسلم، فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب " فقالوا: يا رسول الله! إنا نخاف أن يضرنا ذلك في هجرتنا، قال: " أنتم مهاجرون حيث ما كنتم " (٣) . وفي الطبراني، عن ابن عمر أنه قيل له: يا أبا عبد الرحمن! قد

стр. 126

أعشبت القفار فلو ابتعت أعنزا فتنزهت تصح، فقال: لم يؤذن لأحد منا في البداء غير أسلم " (١) . وأسلم: هي: قبيلة سلمة بن الأكوع. وقد ترخص كثير من الصحابة من المهاجرين وغيرهم في سكنى البادية، كسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد، فإنهما لزما منزلهما بالعقيق فلم يكونا يأتيان المدينة (١٩٥ - أ / ف) في جمع ولا غيرها حتى لحقا بالله . خرجه بن أبي الدنيا في كتاب " العزلة ". وكان أبو هريرة ينزل بالشجرة وهي ذو الحليفة. وفي " صحيح البخاري "، عن عطاء قال: ذهبت مع عبيد بن عمير إلى عائشة وهي مجاورة بثبير فقالت لنا: انقطعت الهجرة منذ (٢) فتح الله على نبيه ﷺ مكة (٣) . وفي رواية له: قال: فسألنا عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه على الله ورسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء؛ ولكن جهاد ونية " (٤) . وهذا يشعر بأنها إنما كانت تبدو، لاعتقادها انقطاع الهجرة بالفتح.

стр. 127

وكان أنس بن مالك يسكن بقصره خارج البصرة، وكان ربما شهد الجمعة وربما لم يشهدها. وقد نص أحمد على كراهة المقام بقرية لا يقام فيها الجمعة وإن أقيمت فيها الجماعة. وقد يحمل ذلك على من كان بمصر جامع يجمع فيه، ثم تركه وأقام بمكان لا جمعة فيه. وفي كلامه إيماء إليه - أيضا. وقد يحمل كلامه على كراهة التنزيه دون التحريم. فأما المقام بقرية لا جمعة فيها ولا جماعة فمكروه. وقد قال أبو الدرداء لمعدان بن أبي طلحة: أين ينزل؟ فقال: بقرية دون حمص، فقال له: إن رسول الله ﷺ قال: " ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا يؤذن ولا يقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة؛ فإن الذئب يأكل القاصية ". خرجه النسائي (١) . وغيره وخرجه أحمد وأبو داود مختصرا (٢) . وفي رواية لأحمد: " فعليك بالمدائن ويحك يا معدان " (٣) . وفي " المسند " - أيضا -، عن معاذ، عن النبي ﷺ قال: " إن الشيطان

стр. 128

ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية والناحية؛ فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمساجد " (١) . فنهى عن سكنى الشعاب - وهي البوادي - وأمر بسكنى الأماكن التي فيها عامة الناس ومساجدهم وجماعتهم. وقد روي عن قتادة أنه فسر الشعاب في هذا الحديث بشعاب الأهواء المضلة المخالفة لطريق الهدي المستقيم. خرجه أبو موسى المديني عنه بإسناده. وفي هذا بعد؛ وإنما فسر بهذا المعنى قول النبي ﷺ : " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه (٢) .؛ فإن الأوزاعي فسره بالبدعة يخرج إليها الرجل من الجماعة. فأما الخروج إلى البادية أحيانا للتنزه ونحوه في أوقات الربيع وما أشبهه: فقد ورد فيه رخصة: ففي " سنن أبي داود " عن المقدام بن شريح، عن أبيه أنه قال أنه سأل عائشة: هل كان النبي ﷺ يبدو؟ فقالت: نعم إلى هذه التلاع، ولقد بدا مرة فأتى بناقة مخرمة فقال: " اركبيها يا عائشة وارفقي؛ فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع منه إلا شانه " (٣) . وخرج مسلم آخر الحديث دون أوله (٤) .

стр. 129

وورد النهي عنه؛ ففي " المسند " عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال " هلاك أمتي في اللبن " قيل: يا رسول الله! ما اللبن؟ قال: تحبون اللبن وتدعون الجماعات والجمع وتبدون " (١) . وفي إسناده: ابن لهيعة. وإن صح فيحمل على إطالة المقام بالبادية مدة أيام كثرة اللبن كلها وهي مدة طويلة يدعون فيها الجمع والجماعات. وعن أبي عبد الله الجدلي قال: فضل أهل الأمصار على (١٩٥ - ب / ف) أهل (٢) القرى كفضل الرجال على النساء، وفضل أهل القرى على أهل الكفور (٣) كفضل الأحياء على الأموات، وسكان الكفور كسكان القبور، وإن اللبن والعشب ليأكلان إيمان العبد كما تأكل النار الحطب. خرجه حميد بن زنجويه، وروى في إسناده عن مكحول معنى أوله. ونص أحمد - في رواية مهنا - على كراهية الخروج إلى البادية لشرب اللبن ونحوه تنزها لما به من ترك الجماعة؛ إلا أن يخرج لعلة، يعني: إنه إذا خرج تداويا لعله به جاز، كما أذن النبي ﷺ للعرنيين لما اجتووا المدينة أن يخرجوا إلى البادية ليشربوا من ألبان الإبل وأبوالها (٤) . قال أبو بكر الأثرم: النهي عن التبدي محمول على سكنى البادية

стр. 130

والإقامة بها، فأما التبدي ساعة أو يوما ونحوه فجائز. انتهى. وقد كان السلف كثير منهم يخرج إلى البادية أيام الثمار واللبن. قال الجريري: كان الناس يبدون ها هنا في الثمار - ثمار قصيرة -، وذكر منهم عبد الله بن شقيق وغيره. وكان علقمة يتبدا إلى ظهر النجف (١) . وقال النخعي: كانت البداوة إلى أرض السواد أحب إليهم من البداوة إلى أرض البادية. يعني أن الخروج إلى القرى أهون من الخروج إلى البوادي. وكان بعضهم يمتنع من ذلك لشهود الجماعة. فروى أبو نعيم بإسناده، عن أبي حرملة قال: اشتكى سعيد بن المسيب عينه فقيل له: يا أبا محمد! لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة ووجدت ريح البرية لنفع ذلك بصرك، فقال سعيد: وكيف أصنع بشهود العشاء والعتمة (٢) ؟ وما ذكره الأثرم من التفريق بين قصر المدة وطولها حسن؛ لكنه حد القليل باليوم ونحوه؛ وفيه نظر. وفي " مراسيل أبي داود " من رواية معمر، عن موسى بن شيبة قال: قال رسول الله ﷺ : " من بدا أكثر من شهرين فهي أعرابية " (٣) .

стр. 131

وروى حميد بن زنجوية بإسناده، عن خلف بن خليفة، عن أبي هاشم قال: بلغني أن من نزل السواد أربعين ليلة كتب عليها الجفا. وعن معاوية بن قرة قال: البداوة شهران فما زاد فهو تعرب (١) .

стр. 132

فصل قال البخاري:

стр. 133

١٨ - باب (١) من قال: إن الإيمان هو العمل؛ لقول الله تعالى ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] . وقال عدة من أهل العلم في قوله ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] : عن قول لا إله إلا الله. وقال ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] . ثم خرج حديث:

стр. 134

٢٦ - أبي هريرة أن النبي (١) ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ قال: " إيمان بالله ورسوله " قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله " قيل: ثم ماذا؟ قال: " حج مبرور ". مقصود البخاري بهذا الباب: أن الإيمان كله عمل؛ مناقضة لقول من قال: إن الإيمان ليس فيه عمل بالكلية؛ فإن الإيمان أصله تصديق بالقلب، وقد سبق ما قرره البخاري أن تصديق القلب كسب له وعمل، ويتبع هذا التصديق قول اللسان. ومقصود البخاري هاهنا: أن يسمى عملا - أيضا -،، أما أعمال الجوارح فلا ريب في دخولها في اسم العمل، ولا حاجة إلى تقرير

стр. 135

ذلك؛ فإنه لا يخالف فيه أحد، فصار الإيمان كله – على ما قرره – عملا. والمقصود بهذا الباب: تقرير أن قول اللسان: عمله؛ واستدل لذلك بقوله تعالى ﴿وَتِلْك َ (١) الْجَنَّةُ الَّتِي (١٩٦ - أ / ف) أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] وقوله ﴿ ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] . ومعلوم أن الجنة إنما يستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان، وبها يخرج من يخرج من أهل النار فيدخل الجنة – كما سبق ذكره. وفي " المسند "، عن معاذ بن جبل مرفوعا: " مفتاح الجنة: لا إله إلا الله " (٢) . وحكى البخاري عن عدة من أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] : عن قول لا إله إلا الله؛ ففسروا العمل بقول كلمة التوحيد. وممن روي عنه هذا التفسير: ابن عمر، ومجاهد (٣) . ورواه ليث بن أبي سليم، عن بشير بن نهيك، عن أنس موقوفا (٤) . روي عنه مرفوعا – أيضا – خرجه الترمذي وغربه (٥) .

стр. 136

وقال الدارقطني: ليث غير قوي، ورفعه غير صحيح (١) . وقد خالف في ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا وغيرهم كأبي عبد الله بن بطة، وحملوا العمل في هذه الآيات على أعمال الجوارح؛ واستدلوا بذلك على دخول الأعمال في الإيمان. وأما حديث أبي هريرة: فهو يدل على أن الإيمان بالله ورسوله عمل لأنه جعله أفضل الأعمال، والإيمان بالله ورسوله الظاهر أنه إنما يراد به الشهادتان مع التصديق بهما؛ ولهذا ورد في حديث: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " (٢) وفي رواية ذكر الإيمان بالله ورسوله " بدل الشهادتين "؛ فدل على أن المراد بهما واحد؛ ولهذا عطف في حديث أبي هريرة على هذا الإيمان " الجهاد " ثم " الحج "، وهما مما يدخل في اسم الإيمان المطلق؛ لكن الإيمان بالله أخص من الإيمان المطلق، فالظاهر أنه إنما يراد بهما الشهادتان مع التصديق بهما، فإذا سمى الشهادتين عملا دل على أن قول اللسان عمل. وقد كان طائفة من المرجئة يقولون: الإيمان قول وعمل – موافقة لأهل الحديث -، ثم يفسرون العمل بالقول ويقولون: هو عمل اللسان. وقد ذكر الإمام أحمد هذا القول عن شبابه بن سوار وأنكره عليه وقال: هو أخبث قول ما سمعت أن أحدا قال به ولا بلغني. يعني أنه بدعة لم يقله أحد ممن سلف (٣) .

стр. 137

لعل مراده إنكار تفسير قول أهل السنة: الإيمان قول وعمل بهذا التفسير؛ فإنه بدعة وفيه عي وتكرير؛ إذ العمل على هذا القول بعينه، ولا يكون مراده إنكار أن القول يسمى عملا. ولكن روي عنه ما يدل على إنكار دخول الأقوال في اسم الأعمال، فإنه قال في رواية أبي طالب – في رجل طلق امرأته واحدة ونوى ثلاثا، قال بعضهم: له نيته، ويحتج بقوله: " الأعمال بالنيات " قال أحمد: ما يشبه هذا بالعمل؛ إنما هذا لفظ كلام المرجئة يقولون: القول هو عمل. لا يحكم عليه بالنية ولا هو من العمل. وهذا ظاهر في إنكار تسمية القول عملا بكل حال وأنه لا يدخل تحت قوله " الأعمال بالنيات ". وكذلك ذكر أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب " السنة ". وهذا على إطلاقه لا يصح؛ فإن كنايات الطلاق كلها أقوال ويعتبر لها النية، وكذلك ألفاظ الإيمان والنذور أقوال ويعتبر لها النية وألفاظ عقود البيع (١٩٦ - ب /ف) والنكاح وغيرهما أقوال ويؤثر فيها النية عند أحمد، كما تؤثر النية [في] (١) بطلان نكاح التحليل وعقود التحليل على الربا. وقد نص أحمد على أن من أعتق أمته وجعل عتقها صداقها أنه يعتبر له النية، فإن أراد نكاحها بذلك وعتقها انعقدا بهذا القول. وكذلك ألفاظ الكفر المحتملة تصير بالنية كفرا.

стр. 138

وهذا كله يدل على أن الأقوال تدخل في الأعمال ويعتبر لها النية. ومسألة الطلاق المذكورة فيها عن أحمد روايتان – أيضا. وقد خرج أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الطلاق " له بدخول القول في العمل، وأن الأقوال تدخل في قوله ﷺ " الأعمال بالنيات " وأبو عبيد محله من معرفة لغة العرب المحل الذي لا يجهله عالم. وقد اختلف الناس لو حلف لا يعمل عملا أو لا يفعل فعلا فقال قولا هل يحنث أم لا؟ وكذا لو حلف ليفعلن أو ليعملن هل يبر بالقول أم لا؟ وقد حكى القاضي أبو يعلي في ذلك اختلافا بين الفقهاء، وذكر هو في كتاب " الأيمان " له أنه لا يبر ولا يحنث بذلك. وأخذه من رواية أبي طالب، عن أحمد – التي سبق ذكرها – واستدل له بأن الأيمان يرجع فيها إلى العرف، والقول لا يسمى عملا في العرف؛ ولهذا يعطف القول على العمل كثيرا فيدل على تغايرهما عرفا واستعمالا. ومن الناس من قال: القول يدخل في مسمى الفعل ولا يدخل في مسمى العمل. وهو الذب ذكره ابن الخشاب النحوي (١) وغيره. وقد ورد تسمية القول فعلا في القرآن في قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] .

стр. 139

فصل قال البخاري:

стр. 140

١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] . فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله (١) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقوله ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢) [آل عمران: ٨٥] . معنى هذا الكلام: أن الإسلام يطلق باعتبارين: أحدهما: باعتبار الإسلام الحقيقي وهو دين الإسلام الذي قال الله فيه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ وقال ﴿ ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ . والثاني: باعتبار الاستسلام ظاهرا مع عدم إسلام الباطن إذا وقع خوفا كإسلام المنافقين، واستدل بقوله تعالى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وحمله عل الاستسلام خوفا وتقية.

стр. 141

وهذا مروي عن طائفة من السلف، منهم مجاهد، وابن زيد، ومقاتل بن حيان وغيرهم (١) . وكذلك رجحه محمد بن نصر المروزي (٢) – كما رجحه البخاري -؛ لأنهما لا يفارقان بين الإسلام والإيمان، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر. وهو اختيار ابن عبد البر، وحكاه عن أكثر أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وداود. وأما من يفرق بين الإسلام والإيمان فإنه يستدل بهذه الآية (١٩٧ – أ / ف) على الفرق بينهما ويقول: نفي الإيمان عنهم لا يلزم منه نفي الإسلام كما نفي الإيمان عن الزاني والسارق والشارب وإن كان الإسلام عنهم غير منفي. وقد ورد هذا المعنى في الآية عن ابن عباس، وقتادة، والنخعي، وروي عن ابن زيد معناه – أيضا -، وهو قول الزهري، وحماد بن زيد، وأحمد، ورجحه ابن جرير وغيره (٣) . واستدلوا به على التفريق بين الإسلام والإيمان. وكذا قال قتادة في هذه الآية قال: " قولوا أسلمنا ": شهادة أن لا إله إلا الله، وهو دين الله، والإسلام درجة الإيمان تحقيق في القلب ووالهجرة في الإيمان درجة، والجهاد درجة، والقتل في سبيل الله درجة.

стр. 142

خرجه ابن أبي حاتم. فجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصل الدين، والإيمان ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب، فهؤلاء القوم لم يحققوا الإيمان في قلوبهم، وإنما دخل في قلوبهم تصديق ضعيف بحيث صح به إسلامهم، ويدل عليه: ﴿وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤] . واختلف من فرق بين الإسلام والإيمان في حقيقة الفرق بينهما. فقالت طائفة: الإسلام: كلمة الشهادتين، والإيمان العمل. وهذا مروي عن الزهري (١) وابن أبي ذئب (٢) ، وهو رواية عن أحمد (٣) ، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى وغيره من أصحابه. ويشبه هذا: قول ابن زيد في تفسير هذه الآية قال: لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم فرد الله عليهم وقال: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فقال: الإسلام إقرار، والإيمان تصديق (٤) . وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث. وقد ضعف ابن حامد من أصحابنا هذا القول عن أحمد وقال: الصحيح: أن مذهبه: أن الإسلام قول وعمل ورواية واحدة؛ ولكن لا يدخل كل الأعمال في الإسلام كما يدخل في الإيمان، وذكر أن

стр. 143

المنصوص عن أحمد أنه لا يكفر تارك الصلاة، فالصلاة من خصال الإيمان دون الإسلام وكذلك اجتناب الكبائر من شرائط الإيمان دون الإسلام. كذا قال، وأكثر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد تكفير تارك الصلاة فلو لم تكن الصلاة من الإسلام لم يكن تاركها عنده كافرا. والنصوص الدالة على أن الأعمال داخلة في الإسلام كثيرة جدا. وقد ذهب طائفة إلى أن الإسلام عام والإيمان خاص، فمن ارتكب الكبائر خرج من دائرة الإيمان الخاصة إلى دائرة الإسلام العامة. هذا مروي عن أبي جعفر محمد بن علي، وضعفه ابن نصر المروزي من جهة راويه عنه وهو فضيل بن يسار، وطعن فيه (١) ، وروي عن حماد ابن زيد نحو هذا – أيضا. وحكى رواية عن أحمد – أيضا -؛ فإنه قال في رواية الشالنجي (٢) في مرتكب الكبائر: يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام. ونقل حنبل عن أحمد معناه (٣) . وقد تأول هذه الرواية القاضي أبو يعلى وأقرها غيره، وهي اختيار أبي عبد الله بن بطة وابن حامد وغيرهما من الأصحاب. وقالت طائفة: الفرق بين الإسلام والإيمان: أن الإيمان هو التصديق تصديق القلب فهو علم القلب وعمله، والإسلام: الخضوع والاستسلام والانقياد؛ فهو عمل القلب والجوارح.

стр. 144

وهذا قول كثير من العلماء، وقد حكاه أبو الفضيل التميمي عن أصحاب أحمد، وهو قول طوائف من المتكلمين (١٩٧ - ب/ ف) ؛ لكن المتكلمون عندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان وتدخل في الإسلام. وأما أصحابنا وغيرهم من أهل الحديث فعندهم أن الأعمال تدخل في الإيمان مع اختلافهم في دخولها الإسلام – كما سبق – فلهذا قال كثير من العلماء: إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران، فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه، وإن قرن بينهما كانا شيئين حينئذ. وبهذا يجمع بين حديث سؤال جبريل عن السلام والإيمان ففرق النبي ﷺ بينهما وبين حديث وفد عبد القيس حيث فسر فيه النبي ﷺ الإيمان المنفرد بما فسر به الإيمان المقرون في حديث جبريل. وقد حكى هذا القول أبو بكر الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة، وروي عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدل عليه (١) ، وهو أقرب الأقوال في هذه المسألة وأشبهها بالنصوص والله أعلم. والقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مروي عن: الحسن، وابن سيرين، وشريك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيي بن معين، ومؤمل ابن إهاب، وحكى عن مالك - أيضا -، وقد سبق حكايته عن قتادة، وداود بن أبي هند، والزهري، وابن أبي ذئب، وحماد بن زيد، وأحمد (٢) ، وأبي خيثمة وكذلك (٣) حكاه أبو بكر بن السمعاني عن أهل

стр. 145

السنة والجماعة جملة. فحكاية ابن نصر (١) وابن عبد البر عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيد؛ بل قد قيل: إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق، والله أعلم. وخرج البخاري في هذا الباب حديث:
следующие страницы →