وهذا مروي عن طائفة من السلف، منهم مجاهد، وابن زيد، ومقاتل بن حيان وغيرهم (١) . وكذلك رجحه محمد بن نصر المروزي (٢) – كما رجحه البخاري -؛ لأنهما لا يفارقان بين الإسلام والإيمان، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر. وهو اختيار ابن عبد البر، وحكاه عن أكثر أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وداود.
وأما من يفرق بين الإسلام والإيمان فإنه يستدل بهذه الآية (١٩٧ – أ / ف) على الفرق بينهما ويقول: نفي الإيمان عنهم لا يلزم منه نفي الإسلام كما نفي الإيمان عن الزاني والسارق والشارب وإن كان الإسلام عنهم غير منفي. وقد ورد هذا المعنى في الآية عن ابن عباس، وقتادة، والنخعي، وروي عن ابن زيد معناه – أيضا -، وهو قول الزهري، وحماد بن زيد، وأحمد، ورجحه ابن جرير وغيره (٣) .
واستدلوا به على التفريق بين الإسلام والإيمان. وكذا قال قتادة في هذه الآية قال: " قولوا أسلمنا ": شهادة أن لا إله إلا الله، وهو دين الله، والإسلام درجة الإيمان تحقيق في القلب ووالهجرة في الإيمان درجة، والجهاد درجة، والقتل في سبيل الله درجة.
стр. 142
خرجه ابن أبي حاتم.
فجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصل الدين، والإيمان ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب، فهؤلاء القوم لم يحققوا الإيمان في قلوبهم، وإنما دخل في قلوبهم تصديق ضعيف بحيث صح به إسلامهم، ويدل عليه: ﴿وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤] .
واختلف من فرق بين الإسلام والإيمان في حقيقة الفرق بينهما. فقالت طائفة: الإسلام: كلمة الشهادتين، والإيمان العمل. وهذا مروي عن الزهري (١) وابن أبي ذئب (٢) ، وهو رواية عن أحمد (٣) ، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى وغيره من أصحابه. ويشبه هذا: قول ابن زيد في تفسير هذه الآية قال: لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم فرد الله عليهم وقال: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فقال: الإسلام إقرار، والإيمان تصديق (٤) . وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث. وقد ضعف ابن حامد من أصحابنا هذا القول عن أحمد وقال: الصحيح: أن مذهبه: أن الإسلام قول وعمل ورواية واحدة؛ ولكن لا يدخل كل الأعمال في الإسلام كما يدخل في الإيمان، وذكر أن
стр. 143
المنصوص عن أحمد أنه لا يكفر تارك الصلاة، فالصلاة من خصال الإيمان دون الإسلام وكذلك اجتناب الكبائر من شرائط الإيمان دون الإسلام. كذا قال، وأكثر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد تكفير تارك الصلاة فلو لم تكن الصلاة من الإسلام لم يكن تاركها عنده كافرا. والنصوص الدالة على أن الأعمال داخلة في الإسلام كثيرة جدا. وقد ذهب طائفة إلى أن الإسلام عام والإيمان خاص، فمن ارتكب الكبائر خرج من دائرة الإيمان الخاصة إلى دائرة الإسلام العامة.
هذا مروي عن أبي جعفر محمد بن علي، وضعفه ابن نصر المروزي من جهة راويه عنه وهو فضيل بن يسار، وطعن فيه (١) ، وروي عن حماد ابن زيد نحو هذا – أيضا. وحكى رواية عن أحمد – أيضا -؛ فإنه قال في رواية الشالنجي (٢) في مرتكب الكبائر: يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام. ونقل حنبل عن أحمد معناه (٣) . وقد تأول هذه الرواية القاضي أبو يعلى وأقرها غيره، وهي اختيار أبي عبد الله بن بطة وابن حامد وغيرهما من الأصحاب. وقالت طائفة: الفرق بين الإسلام والإيمان: أن الإيمان هو التصديق تصديق القلب فهو علم القلب وعمله، والإسلام: الخضوع والاستسلام والانقياد؛ فهو عمل القلب والجوارح.
стр. 144
وهذا قول كثير من العلماء، وقد حكاه أبو الفضيل التميمي عن أصحاب أحمد، وهو قول طوائف من المتكلمين (١٩٧ - ب/ ف) ؛ لكن المتكلمون عندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان وتدخل في الإسلام.
وأما أصحابنا وغيرهم من أهل الحديث فعندهم أن الأعمال تدخل في الإيمان مع اختلافهم في دخولها الإسلام – كما سبق – فلهذا قال كثير من العلماء: إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران، فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه، وإن قرن بينهما كانا شيئين حينئذ.
وبهذا يجمع بين حديث سؤال جبريل عن السلام والإيمان ففرق النبي ﷺ بينهما وبين حديث وفد عبد القيس حيث فسر فيه النبي ﷺ الإيمان المنفرد بما فسر به الإيمان المقرون في حديث جبريل. وقد حكى هذا القول أبو بكر الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة، وروي عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدل عليه (١) ، وهو أقرب الأقوال في هذه المسألة وأشبهها بالنصوص والله أعلم.
والقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مروي عن: الحسن، وابن سيرين، وشريك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيي بن معين، ومؤمل ابن إهاب، وحكى عن مالك - أيضا -، وقد سبق حكايته عن قتادة، وداود بن أبي هند، والزهري، وابن أبي ذئب، وحماد بن زيد، وأحمد (٢) ، وأبي خيثمة وكذلك (٣) حكاه أبو بكر بن السمعاني عن أهل
стр. 145
السنة والجماعة جملة.
فحكاية ابن نصر (١) وابن عبد البر عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيد؛ بل قد قيل: إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق، والله أعلم.
وخرج البخاري في هذا الباب حديث:
стр. 146
٢٧ - الزهري، عن (١) عامر بن سعد، عن أبيه أن النبي ﷺ أعطى رهطا وسعد جالس فترك رسول الله ﷺ رجلا هو أعجبهم إلي فقلت: ما لك يا رسول الله (٢) عن فلان؟ ! فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال: " أو مسلما " فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه (٣) فقلت يا رسول الله (٤) ! مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا، قال (٥) : " أو مسلما " فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله ﷺ ثم قال: " يا سعد! إني لأعطي الرجل وغيره أعجب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار "
خرجه من طريق شعيب، عن الزهري ثم قال: رواه يونس وصالح وابن معمر وابن أخي الزهري، عن الزهري (٦) .
وقد رواه ابن أبي ذئب - أيضا -، عن الزهري كذلك.
стр. 147
ورواه العباس الخلال (١) ، عن الوليد بن مسلم، عن ابن وهب. ورشدين بن سعد، عن يونس، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، وأخطئا في ذلك. نقله ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه (٢) . فهذا الحديث محمول عند البخاري على أن هذا الرجل كان منافقا، وأن الرسول ﷺ نفى عنه الإيمان وأثبت له الاستسلام دون الإسلام الحقيقي، وهو – أيضا – قول محمد بن نصر المروزي (٣) . وهذا غاية البعد، وآخر الحديث يرد على ذلك، وهو: قول النبي ﷺ : " إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه " فإن هذا يدل على أن النبي ﷺ وكله إلى إيمانه كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم ويمنع المهاجرين والأنصار.
وزعم علي بن المديني في كتاب " العلل " له أن هذا باب المزاح من النبي ﷺ ؛ فإنه كان يمزح ولا يقول إلا حقا، فأوهم سعدا أنه ليس بمؤمن؛ بل مسلم وهما بمعنى واحد كما يقول (١٩٨ - أ/ ف) لرجل يمازحه وهو يدعى أنه أخ لرجل فيقول: إنما أنت ابن أبيه أو ابن أمه، وما أشبه ذلك مما يوهم الفرق والمعنى واحد. وهذا تعسف شديد.
والظاهر – والله أعلم – أن النبي ﷺ زجر سعدا عن الشهادة بالإيمان؛
стр. 148
لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه، فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال: " إن كنت مادحا لا محالة فقل: أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحدا " (١) ، وأمره أن يشهد بالإسلام لأنه أمر مطلع عليه كما في " المسند " عن أنس مرفوعا: " الإسلام علانية، والإيمان في القلب " (٢) .
ولهذا كره أكثر السلف أن يطلق الإنسان على نفسه أنه مؤمن، وقالوا: هو صفة مدح، وتزكية للنفس بما غاب من أعمالها؛ وإنما يشهد لنفسه بالإسلام لظهوره، فأما حديث: " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ": فقد خرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعا (٣) . وقال أحمد: هو حديث منكر، ودراج له مناكير (٤) ، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره البخاري في هذا الباب من الآية والحديث إنما يطابق التبويب على اعتقاده أنه فرق بين الإسلام والإيمان.
стр. 149
وأما على قول الأكثرين بالتفريق بينهما: فإنما ينبغي أن يذكر في هذا الباب قوله ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] فإن الجمهور على أنه أراد استسلام الخلق كلهم له وخضوعهم فأما المؤمن فيستسلم ويخضع طوعا، وأما الكافر فإنه يضطر إلى الاستسلام عند الشدائد ونزول البلاء به كرها ثم يعود إلى شركه عند زوال ذلك كله كما أخبر الله عنهم بذلك في مواضع كثيرة من القرآن.
والحديث الذي يطابق الباب على اختيار المفرقين بين الإسلام والإيمان: قول النبي ﷺ في ذكر قرينه من الجن: " ولكن الله أعانني عليه فأسلم " (١) . وقد روي بضم الميم وفتحها؛ فمن رواه بضمها قال: المراد: أي أنا أسلم من شره، ومن رواه بفتحها، فمنهم من فسره بأنه أسلم من كفره فصار مسلما. وقد ورد التصريح بذلك في رواية خرجها البزار في " مسنده " (٢) بإسناد فيه ضعف.
ومنهم من فسره بأنه استسلم وخضع وانقاد كرها، وهو تفسير ابن عيينه وغيره، فيطابق على هذا ترجمة الباب، والله أعلم
стр. 150
٢٠ - فصل (١)
قال البخاري:
قال عمار: ثلاث من جمعهن جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.
هذا الأثر معروف من رواية أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن عمار، رواه عنه الثوري وشعبة وإسرائيل وغيرهم.
وروي عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق مرفوعا. خرجه البزار وغيره (٢) ، ورفعه وهم، قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وتردد أبو حاتم هل الخطأ منسوب فيه إلى عبد الرزاق أو معمر (٣) ، ومعمر ليس بالحافظ لحديث العراقيين كما ذكر ابن معين وغيره (٤) . وقد روي مرفوعا من وجهين آخرين ولا يثبت واحد منهما (٥) . وإنما ذكر البخاري قول عمار في باب " إفشاء السلام من الإسلام " لأنه لا يفرق بين الإسلام والإيمان - كما تقدم.
стр. 151
ثم خرج البخاري حديث:
стр. 152
٢٨ - عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي (١) ﷺ أي الإسلام خير؟ قال: " أن (٢) تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ".
وقد خرجه - فيما مضى - وبوب عليه باب " إطعام الطعام من الإسلام " (٣) وقول عمار فيه زيادة على هذا الحديث بذكر الإنصاف من النفس، وهو من أعز الخصال، ومعناه: (١٩٨ - ب / ف) أن يعرف الإنسان الحق على نفسه ويوفيه من غير طلب.
وفيه - أيضا -: زيادة الإنفاق من الإقتار؛ ويشهد لفضله: قوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة﴾ [الحشر: ٩] وقوله ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وفي " المسند " من حديث علي ابن أبي طالب أن ثلاثة تصدقوا: رجل كان له ألف درهم فتصدق بمائة، وآخر كان له مائة فتصدق بعشرة، وآخر كان له عشرة فتصدق بدرهم، فقال النبي ﷺ " أنتم في الأجر سواء " (٤) .
يعني أن كلا منهم تصدق بعشر ماله، فاعتبر الباقي بعد الصدقة؛ فمن تصدق بدرهم وبقي له بعده كثير ليس كمن تصدق بدرهم وبقي له بعده درهم آخر أو درهمان.
стр. 153
وروى مسدد: حدثنا أبو قدامة ثنا صفوان ابن عيسى: ثنا محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " سبق درهم مائة ألف درهم " قالوا: يا رسول الله! وكيف يسبق درهم مائة ألف درهم؟ قال: " رجل له درهمان فأخذ أجودهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخرج منه عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها " (١) .
٢٩ - مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال (١) : " أريت النار فرأيت (٢) أكثر أهلها النساء بكفرهن " قيل أيكفرون (٣) ؟ قال: " يكفرن العشير ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط "
وقال البخاري: كفر دون كفر (٤) . والكفر قد يطلق ويراد به الكفر الذي لا ينقل عن الملة مثل كفران العشير ونحوه عند إطلاق الكفر (٥) .
فأما إن ورد الكفر مقيدا بشيء فلا إشكال في ذلك كقوله تعالى ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ [النحل: ١١٢] . وإنما المراد هاهنا: أنه قد يرد إطلاق الكفر ثم يفسر بكفر غير ناقل عن الملة، وهذا كما قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ [المائدة: ٤٤] قال: ليس بالكفر الذي
стр. 156
تذهبون إليه؛ إنه ليس بكفر ينقل عن الملة ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ كفر دون كفر. خرجه الحاكم (١) وقال: صحيح الإسناد.
وعنه في هذه الآية قال: هو به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وكذا قال عطاء وغيره: كفر دون كفر. وقال النخعي: الكفران كفران: كفر بالله وكفر بالمنعم (٢) . واستدل البخاري لذلك بحديث ابن عباس الذي خرجه هاهنا، وهو قطعة من حديث طويل خرجه في " أبواب الكسوف " (٣) ، فإنه النبي ﷺ أطلق على النساء الكفر فسئل عنه فسره بكفر العشير.
وحديث أبي سعيد (٤) في هذا المعنى يشبه حديث ابن عباس. وقد خرج هذا المعنى من حديث ابن عمر، وأبي هريرة – أيضا – وفي المعنى – أيضا - حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " وقد خرجه البخاري (٥) في موضع آخر. وكذلك قوله ﷺ : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب
стр. 157
بعض (١) . وقوله من قال لأخيه: ياكافر، فقد باء بها أحدهما " (٢) . وللعلماء في هذه الأحاديث وما أشبهها مسالك متعددة: منهم: من حملها على من فعل ذلك مستحلا لذلك.
وقد حمل مالك حديث: " من قال لأخيه: يا كافر " على الحرورية المعتقدين لكفر المسلمين بالذنوب. نقله عنه أشهب (٣) وكذلك حمل (١٩٩ – أ / ف) إسحاق بن راهوية حديث " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر " (٤) على المستحل لذلك. نقله عنه حرب وإسحاق الكوسج. ومنهم من يحملها على التغليظ والكفر الذي لا ينقل عن الملة – كما تقدم عن ابن عباس وعطاء. ونقل إسماعيل الشالنجي عن أحمد – وذكر له قول ابن عباس المتقدم وسأله: ما هذا الكفر؟ - قال أحمد: هو كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف (٥) فيه.
قال محمد بن نصر المروزي (٦) :. واختلف من قال من أهل الحديث أن مرتكب الكبائر مسلم وليس بمؤمن هل يسمى كافرا كفرا لا ينقل عن الملة كما قال عطاء: كفر دون كفر، وقال ابن عباس وطاوس: كفر لا ينقل عن الملة (٧) ؟ على قولين لهم.
стр. 158
قال: وهما مذهبان في الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أهل الحديث. قلت: قد أنكر أحمد في رواية المروذي ما روي عن عبد الله بن عمرو أن شارب الخمر يسمى كافرا ولم يثبته عنه؛ مع أنه قد روي عنه من وجوه كثيرة وبعضها إسناده حسن، وروي عنه مرفوعا (١) .
وكذلك أنكر القاضي أبو يعلى جواز إطلاق كفر النعمة على أهل الكبائر، ونصب الخلاف في ذلك مع الزيدية من الشيعة، والإباضية من الخوارج. ورواية إسماعيل الشالنجي عن أحمد قد توافق ذلك. فمن هنا حكى محمد بن نصر عن أحمد في ذلك مذهبين (٢) .
والذي ذكره القاضي أبو عبد الله بن حامد شيخ القاضي أبو يعلى عن أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج عن الملة، وقد حكاه عن أحمد (٣) .
وقد روي عن جابر بن عبد الله أنه سئل: هل كنتم تسمون شيئا من الذنوب: الكفر أو الشرك؟ قال: معاذ الله؛ ولكنا نقول مذنبين. خرجه محمد بن نصر (٤) وغيره. وكان عمار ينهى أن يقال لأهل الشام الذين قاتلوهم بصفين: كفروا
стр. 159
وقال: قولوا فسقوا. قولوا ظلموا. وهذا قول ابن مبارك وغيره من الأئمة. وقد ذكر بعض الناس أن الإيمان قسمان:
أحدهما: إيمان بالله، وهو الإقرار والتصديق به.
والثاني: إيمان لله، وهو الطاعة والانقياد لأوامره.
فنقيض الإيمان الأول: الكفر، ونقيض الإيمان الثاني: الفسق؛ وقد يسمى كفرا؛ ولكن لا ينقل عن الملة.
وقد وردت نصوص اختلف العلماء في حملها عل الكفر الناقل عن الملة أو على غيره مثل الأحاديث الواردة في كفر تارك الصلاة، وتردد إسحاق بن راهوية فيما ورد في إتيان المرأة في دبرها أنه كفر هل هو مخرج عن الدين بالكلية أم لا؟
ومن العلماء من يتوقى الكلام في هذه النصوص تورعا ويمرها كما جاءت من غير تفسير مع اعتقادهم أن المعاصي لا تخرج عن الملة.
وحكاه ابن حامد في رواية عن أحمد، ذكر صالح بن أحمد وأبو الحارث أن أحمد سئل عن حديث أبي بكر الصديق " كفر بالله تبري من نسب وإن دق، وكفر بالله ادعاء إلى نسب لا يعلم " (١) قال أحدهما: قال
стр. 160
أحمد: قد روي هذا عن أبي بكر، والله أعلم، وقال الآخر: قال ما أعلم، قد كتبناها هكذا. قال أبو الحارث: قيل لأحمد: حديث أبي هريرة " من أتى النساء في أعجازهن فقد كفر " (١) فقال: قد روي هذا. ولم يزد على هذا الكلام. وكذا قال الزهري لما سئل عن قول النبي ﷺ : ليس منا من لطم الخدود " وما أشبهه من الحديث فقال: من الله العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم (٢) .
ونقل عبدوس بن (١٩٩ – ب / ف) مالك العطار أنه ذكر هذه الأحاديث التي ورد فيها لفظ الكفر فقال: نسلمها وإن لم نعرف تفسيرها ولا نتكلم فيه ولا نفسرها إلا بما جاءت (٣) .
ومنهم من فرق بين إطلاق لفظ الكفر فجوزه في جميع أنواع الكفر سواء كان ناقلا عن الملة أو لم يكن وبين إطلاق اسم الكافر، فمنعه إلا في الكفر الناقل عن الملة؛ لأن اسم الفاعل لا يشتق من الفعل الكامل، ولذلك قال في اسم المؤمن: لا يقال إلا للكامل الإيمان، فلا يستحقه من كان مرتكبا للكبائر حال ارتكابه وإن كان يقال: قد آمن، ومعه إيمانه. وهذا اختيار ابن قتيبة. وقريب منه: قول من قال: إن أهل الكتاب يقال: إنهم أشركوا وفيهم شرك كما قال تعالى ﴿سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة: ٣١] ولا
стр. 161
يدخلون في اسم المشركين عند الإطلاق؛ بل يفرق بينهم وبين المشركين كما في قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِين﴾ [البينة: ١] فلا يدخل الكتابية في قوله تعالى ﴿َ وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره. وكذلك كره أكثر السلف أن يقول الإنسان: أنا مؤمن، حتى يقول: إن شاء الله، وأباحوا أن يقول: آمنت بالله.
وهذا القول حسن، لولا ما تأوله ابن عباس وغيره في قوله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ [المائدة: ٤٤] ، والله أعلم.
٣٢ - ابن مسعود قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب رسول الله ﷺ : أينا لم يظلم نفسه (١) ، فأنزل الله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
معنى هذا: أن الظلم يختلف: فيه ظلم، ينقل عن الملة كقوله تعالى ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فإن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظم ذلك: أن يوضع المخلوق في مقام الخالق ويجعل شريكا له في الربوبية وفي الإلهية سبحانه وتعالى عما يشركون. وأكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين يراد به الكفار كقوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُون﴾ الآيات [إبراهيم: ٤٢] ، وقوله ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيل﴾
стр. 164
الآيات [الشورى: ٤٤] ومثل هذا كثير.
ويراد بالظلم: ما لا ينقل عن الملة، كقوله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات﴾ [فاطر: ٣٢] وقوله ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
وحديث ابن مسعود هذا صريح في أن المراد بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ أن الظلم هو الشرك، وجاء في بعض رواياته زيادة: قال " إنما هو الشرك " (١) .
وروى حمادة بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ، فدخل ذات يوم فقرأ فأتى على هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ إلى آخر الآية فانتعل وأخذ رداءه ثم أتى أبي ابن كعب فقال: يا أبا المنذر! أتيت قبل على هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ وقد ترى أنا نظلم ونفعل، فقال: يا أمير المؤمنين! إن هذا ليس بذلك، يقول الله تعالى ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . -، إنما ذلك الشرك. خرجه محمد بن نصر المروزي (٢) . وخرجه - أيضا - من طريق حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أن عمر أتى على هذه الآية، فذكره (٣) . وحماد بن سلمه مقدم على حماد بن زيد في علي بن زيد خاصة (٤) .
стр. 165
وروي - أيضا - بإسناده، عن سفيان، عن (٢٠٠ - أ/ف) ابن جريج، عن عطاء قال: كفر دون كفر وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسق (١) .
يعني: أن الفسق قد يكون ناقلا عن الملة كما قال في حق إبليس ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه﴾ [الكهف: ٥٠] وقال ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] .
وقد لا يكون الفسق ناقلا عن الملة كقوله تعالى ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وقوله في الذين يرمون المحصنات ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] وقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَج﴾ [البقرة: ١٩٧] ، وفسرت الصحابة الفسوق في الحج بالمعاصي كلها، ومنهم من خصها بما ينهى عنه في الإحرام خاصة. وكذلك الشرك: منه ما ينقل عن الملة، واستعماله في ذلك كثير في الكتاب والسنة. ومنه: ما لا ينقل، كما جاء في الحديث: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ِ (٢) ، وفي الحديث: " الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل " (٣) ، وسمي الرياء: شركا.
стр. 166
وتأول ابن عباس على ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون﴾ [يوسف: ١٠٦] قال: إن أحدهم يشرك حتى يشرك بكلبه: لولا الكلب لسرقنا الليلة، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
وقد روي أنها نزلت في الرياء في العمل. وقيل للحسن: يشرك بالله؟ قال: لا؛ ولكن أشرك بذلك العمل عملا يريد به الله والناس، فذلك يرد عليه.
стр. 167
٢٩ - فصل (١)
خرج الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة وعن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب على الله؟ قال:: الحنيفية السمحة " (٢) . وخرجه الطبراني ولفظه: أي الإسلام أفضل؟ (٣) . وخرجه البزار في " مسنده ولفظه: أي الإسلام - أو أي الإيمان - أفضل؟ (٤) . وهذا الإسناد ليس على شرط البخاري؛ لأنه لا يحتج بابن إسحاق ولا بروايات داود بن الحصين، عن عكرمة فإنها مناكير عند ابن المديني، والبخاري لا يخالف في ذلك وإن كان قد خرج لهما منفردين.
وخرج البزار هذا الحديث من وجه آخر؛ لكن إسناده لا يصح (٥) .
стр. 168
وخرجه الطبراني من وجه ثالث، ولا يصح إسناده - أيضا (١) .
وخرج الإمام أحمد من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال لهم يوم زفن (٢) الحبشة في المسجد: " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة؛ إني أرسلت بحنيفية سمحة " (٣) .
وخرج - أيضا - من رواية معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ أنه قال: " إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية؛ ولكني بعثت بالحنيفية السمحة " (٤) . إسناده ضعيف.
وخرج البخاري من حديث:
стр. 169
٣٩ - معن بن محمد الغفاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ".
وهذا الحديث تفرد به البخاري، وتفرد بالتخريج لمعن الغفاري. ومعنى الحديث: النهي عن التشديد في الدين بأن يحمل الإنسان نفسه من العبادة مالا يحتمله إلا بكلفة شديدة، وهذا هو المراد بقوله ﷺ " لن يشاد الدين أحد إلا غلبه " يعني: أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة فمن شاد الدين غلبه وقطعه (١) .
стр. 170
وفي " مسند الإمام أحمد " (٢٠٠ - ب / ف) عن محجن بن الأدرع قال: أقبلت مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بباب المسجد إذا رجل يصلي قال: " أتقوله صادقا "؟ قلت: يا نبي الله! هذا فلان وهذا من أحسن أهل المدينة أو من أكثر أهل المدينة صلاة، قال: " لا تسمعه فتهلكه – مرتين أو ثلاث – إنكم أمة أريد بكم اليسر" (١) . وفي رواية له: " إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره " (٢) . وفي رواية له – أيضا – قال: " إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة ". وخرجه حميد بن زنجويه وزاد: " اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، الغدوة والروحة وشيء من الدلجة " وخرجه ابن مردويه وعنده: قال: " إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بها العسر " (٣) .
وفي " المسند " –أيضا -، عن بريدة قال: خرجت فإذا رسول الله ﷺ يمشي فلحقته فإذا بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود فقال لي: " أتراه يرائي؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: فترك يده من يدي ثم جمع بين يديه يصوبهما ويرفعهما ويقول " عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا؛ فإنه من يشاد (٤) هذا الدين يغلبه " (٥) .
стр. 171
وفي " المسند " – أيضا -، عن عاصم بن هلال، عن غاضرة بن عروة الفقيمي، عن أبيه: كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله ﷺ " إن دين الله في يسر " – قالها ثلاثا (١) . وفي المعنى أحاديث أخر. وقوله ﷺ : سددوا وقاربوا وأبشروا ". التسديد: هو إصابة الغرض المقصود، وأصله من تسديد السهم إذا أصاب الغرض المرمى إليه ولم يخطه. والمقاربة: أن يقارب الغرض وإن لم يصبه؛ لكن يكون مجتهدا على الإصابة فيصيب تارة ويقارب تارة أخرى، أو تكون المقاربة لمن عجز عن الإصابة كما قال تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] وقال النبي ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (٢) .
وفي " المسند " و" سنن أبي داود "، عن الحكم بن حزن الكلفي أنه سمع النبي ﷺ يقول على المنبر يوم الجمعة: " أيها الناس! إنكم لن تطيقوا – أو لن تفعلوا – كل ما أمرتكم؛ ولكن سددوا وأبشروا " (٣) . وقيل: أراد التسديد: العمل بالسداد – وهو القصد والتوسط في العبادة – فلا يقصر فيما أمر به وولا يتحمل منها مالا يطيقه.
قال النضر بن شميل: السداد: القصد في الدين والسبيل، وكذلك
стр. 172
المقاربة المراد بهما: التوسط بين التفريط والإفراط، فهما كلمتان بمعنى واحد.
وقيل: بل المراد بالتسديد: التوسط في الطاعات بالنسبة إلى الواجبات والمندوبات، وبالمقاربة: الاقتصار على الواجبات. وقيل فيهما غير ذلك. وقوله " أبشروا " يعني: أن من قصد المراد فليبشر. وخرج البخاري في موضع آخر من " صحيحه " من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: " سددوا وقاربوا وأبشروا " (١) . وقوله" واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " يعني أن هذه الأوقات الثلاثة أوقات العمل والسير إلى الله، وهي / أول النهار وآخره، وآخر الليل. فالغدوة: أول النهار، والروحة آخره، والدلجة: سير آخر الليل.
وفي " سنن أبي داود " عن النبي ﷺ قال: " إذا سافرتم فعليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل " (٢) . فسير آخر الليل محمود في سير الدنيا بالأبدان وفي سير القلوب إلى الله بالأعمال.
وخرج البخاري (٢٠١ – أ / ف هذا الحديث في أواخر كتابه، وزاد فيه: " والقصد القصد تبلغوا " (٣) ، يعني أن من دام على سيره إلى الله في
стр. 173
هذه الأوقات الثلاثة مع الاقتصاد بلغ، ومن لم يقتصد؛ بل بالغ واجتهد فربما انقطع في الطريق ولم يبلغ.
وقد جاء في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: " إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله؛ فإن المنبت لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى " (١) .
والمنبت: هو المنقطع في سفره قبل وصوله، فلا سفر قطع ولا ظهره الذي يسير عليه أبقى حتى يمكنه السير عليه بعد ذلك؛ بل هو كالمنقطع في المفاوز، فهو إلى الهلاك أقرب، ولو أنه رفق براحلته واقتصد في سيره عليها لقطعت به سفره وبلغ إلى المنزل.
كما قال الحسن: نفوسكم مطاياكم؛ فأصلحوا مطاياكم تبلغكم إلى ربكم ، والله أعلم
٤١ - زيد بن أسلم، عن (١) عطاء بن يسار، عن أبي (٢) سعيد الخدري (٣) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان أزلفها (٤) ، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها؛ إلا أن يتجاوز الله عنها "
وخرج البخاري – أيضا – من حديث:
стр. 176
٤٢ - همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي (١) ﷺ قال " إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها ".
إحسان الإسلام تفسر بمعنيين: أحدهما: بإكمال واجتناب محرماته. ومنه الحديث المشهور المروي في " السنن": " من حسن إسلام المرء
стр. 177
تركه ما لا يعنيه (١) فكمال حسن إسلامه – حينئذ – بترك ما لا يعنيه وفعل ما يعنيه. ومنه حديث ابن مسعود الذي خرجاه في" الصحيحين " أن النبي ﷺ سئل: أنؤاخذ بأعمالنا في الجاهلية؟ فقال: " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" (٢) . فإن المراد بإحسانه في الإسلام: فعل واجباته والانتهاء عن محرماته، وبالإساءة في الإسلام: ارتكاب بعض محظوراته التي كانت ترتكب في الجاهلية.
وفي حديث ابن مسعود هذا حديث أبي سعيد – الذي علقه البخاري هنا في أول الباب (٣) – دليل على أن الإسلام إنما يكفر ما كان قبله من الكفر ولواحقه التي اجتنبها المسلم بإسلامه، فأما الذنوب التي فعلها في الجاهلية إذا أصر عليها في الإسلام فإنه يؤاخذ بها، فإنه إذا أصر عليها في الإسلام لم يكن تائبا منها فلا يكفر عنه بدون التوبة منها.
وقد ذكر ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا كأبي بكر بن عبد العزيز ابن جعفر وغيره، وهو قول طوائف من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وهو اختيار الحليمي.
стр. 178
ثم وجدته منصوصا عن الإمام أحمد؛ فنقل الميموني في " مسائله " عن أحمد قال: بلغني عن أبي حنيفة أنه كان يقول: لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية، والنبي النبي ﷺ يقول في غير حديث: " إنه يؤاخذ "، يعني: حديث شقيق، عن ابن مسعود: أزاد (١) " إذا أحسنت في الإسلام ". انتهى
وكذلك حكى الجوزجاني عن أهل الرأي أنهم قالوا: إن من أسلم وهو مصر على الكبائر، كفر (٢٠١ – ب / ف) الإسلام كبائره كلها، ثم أنكر عليهم وجعله من جملة أقوال المرجئة. وخالف في ذلك آخرون، وقالوا: بل يغفر له في الإسلام كل ما سبق منه في الجاهلية من كفر وذنب وإن أصر عليها في الإسلام. وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء من أصحابنا وغيرهم كابن حامد والقاضي وغيرهما واستدلوا بقول النبي ﷺ " الإسلام يهدم ما كان قبله ". خرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص (٢) .
وأجاب الأولون عنه: بأن المراد أنه يهدم ما كان قبله مما ينافيه الإسلام من كفر وشرك ولواحق ذلك مما يكون الإسلام توبة منه وإقلاعا عنه جميعا بينه وبين الحديثين المتقدمين. واستدلوا بقوله تعالى ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
стр. 179
وأجاب الأولون بأن المراد: يغفر لهم ما سلف مما انتهوا عنه. وتأول بعض أهل القول الثاني حديث ابن مسعود على أن إساءته في الإسلام ارتداده عنه إلى الكفر، فيؤاخذ بكفره الأول والثاني. ومنهم من حمله على إسلام المنافق. وهذا بعيد جدا. ومتى ارتد عن الإسلام أو كان منافقا فلم يبق معه الإسلام حتى يسيء فيه. والاختلاف في هذه المسألة مبني على أصول:
أحدها: قول جمهور أهل السنة والجماعة، والخلاف فيه عن الإمام احمد لا يثبت. وقد تأول ما روي عنه في ذلك المحققون من أصحابه كابن شاقلا والقاضي في كتاب " المعتمد " وابن عقيل في " فصوله ". وأما المعتزلة: فخالفوا في ذلك، وقال من قال منهم كالجبائي (١) بناء على هذا: إن الكافر لا يصح إسلامه مع إصراره على كبيرة كان عليها في حال كفره. وهذا قول باطل لم يوافقهم عليه أحد من العلماء.
стр. 180
الأصل الثاني: أن التوبة هل من شرط صحتها إصلاح العمل بعدها أم لا؟ وفي ذلك اختلاف بين العلماء، وقد ذكره ابن حامد من أصحابنا وأشار إلى بناء الخلاف في هذه المسألة على ذلك، والصحيح عنده وعند كثير من العلماء: أن ذلك ليس بشرط.
والأصل الثالث: أن بعض الذنوب قد يعفى عنها بشرط اجتناب غيرها، فإن لم يحصل الشرط لم يحصل ما علق به. وهذا مأخذ أبي بكر عبد العزيز من أصحابنا، وجعل من هذا الباب أن الصغائر إنما تكفر باجتناب الكبائر، فإن لم يجتنب الكبائر وقعت المؤاخذة بالصغائر والكبائر. وهذا فيه خلاف يذكر في موضع آخر إن شاء الله. وجعل منه أن النظرة الأولى يعفى عنها بشرط عدم المعاودة، فإن أعاد النظرة أخذ بالأولى والثانية.
والأصل الرابع: أن التوبة من الذنب هي الندم عليه بشرط الإقلاع عنه والعزم على عدم العود إليه، فالكافر إذا أسلم وهو مصر على ذنب آخر صحت توبته مما تاب منه وهو الكفر دون الذنب الذي لم يتب منه؛ بل هو مصر عليه.
وخرج النسائي حديث مالك الذي علقه البخاري هنا، وزاد في أوله: " كتب الله كل حسنة كان أزلفها " (١) .