Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وقوله: ((وإنما يناجي ربه)) ، إشارة إلى أنه ينبغي إلى أنه ينبغي له أن يستحي من نظر الله إليه، وإطلاعه عليه وقربه منه، وهو قائم بين يديه يناجيه، فلو استشعر هذا لأحسن صلاته غاية الإحسان، وأتقنها غاية الإتقان، كما قال ﷺ : ((اعبد الله كأنك تراه)) .
وفي القرآن الإشارة إلى هذا بقوله : ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١] الآية.
وقوله ﷺ : ((لا تظنون أني لا أراكم، والله إني لأرى من خلفي منكم)) ، توبيخ لمن قصر في صلاته حيث يظن أن مخلوقا لا يراه، ثم يحسنها إذا ظن أنه يراه.
ومن هنا قال بعض العارفين: اتق الله أن يكون أهون الناظرين أليك.
وروى إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: ((من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو فذلك استهانة استهان بها ربه )) .
وروي موقوفا.
وروي بقية، عن ورقاء بن عمر، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - مرفوعا -: ((إذا صلى العبد في العلانية فأحسن، وصلى في السر فأحسن قال الله: هذا عبدي حقا)) .
لعل بقية دلسه عن ضعيف.
стр. 1192
وقوله: ((إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي)) ، هو فضيلة للنبي ﷺ خصه الله بها، فكان ينظر ببصيرته كما ينظر ببصره، فيرى من خلفه كما يرى من بين يديه.
وقد فسره الإمام أحمد بذلك في رواية ابن هانئ، وتأول عليه قوله تعالى:
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٩] .
كما روى ابن أبي نجيج، عن مجاهد في قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ - وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨، ٢١٩] ، أن النبي ﷺ كان يرى أصحابه في صلاته من خلفه، كما يرى من بين يديه.
وتأويل الآية على هذا القول: إن الله تعالى يرى نبيه ﷺ حين يقوم إلى صلاته، ويرى تقلب نظره إلى الساجدين معه في صلاته.
وقال الأثرم: قلت لأحمد: قول النبي ﷺ : ((إني لأراكم من وراء ظهري)) ؟ قال: كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. قلت: إن إنسانا قال لي: هو في ذلك مثل غيره، وإنما كان يراهم كما ينظر الإمام عن يمينه وشماله، فأنكر ذلك إنكارا شديدا.
стр. 1193
٤١ - باب
هل يقال: مسجد بني فلان
ابتدأ البخاري ﵀ من هنا في ذكر المساجد وأحكامها، فأول ما ذكره من ذلك: أنه يجوز نسبة المساجد إلى القبائل؛ لعمارتهم إياها، أو مجاورتهم لها.
وقد كره ذَلِكَ بعض المتقدمين، وتعلق بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] .
والصحيح: أن الآية لم يرد بها ذلك، وأنها نزلت في النهي عن أن يشرك بالله في المساجد في عبادته غيره، كما يفعل أهل الكتاب في كنائسهم وبيعهم.
وقيل: إن المراد بالمساجد الأرض كلها؛ فإنها لهذه الأمة مساجد وهي كلها
لله، فنهى الله أن يسجد عليها لغيره.
وقيل: إن المراد بالمساجد أعضاء السجود نفسها، وهي لله؛ فإنه هو خلقها وجمعها وألفها، فمن شكره على هذه النعمة أن لا يسجد بها لغيره.
وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] يدل - أيضا - على أنه لا يجوز إضافة المساجد إلى مخلوق إضافة ملك واختصاص.
стр. 1194
وأخذ بعض أصحابنا من ذلك كالوزير ابن هبيرة: أنه لا يجوز نسبة شيء من المساجد إلى بعض طوائف المسلمين للاختصاص بها، فيقال: هذه المساجد للطائفة الفلانية، وهذه للطائفة الأخرى، فإنها مشتركة بين المسلمين عموما.
وذكر بعض المتأخرين من أصحابنا في صحة اشتراط ذلك في وقفها وجهين.
وأما إضافة المسجد إلى ما يعرفه به فليس بداخل في ذلك، وقد كان النبي ﷺ يضيف مسجده إلى نفسه، فيقول: ((مسجدي هذا)) ، ويضيف مسجد قباء إليه، ويضيف مسجد بيت المقدس إلى إيلياء، وكل هذه إضافات للمساجد إلى غير الله لتعريف أسمائها، وهذا غير داخل في النهي. والله أعلم.
قال البخاري ﵀:
стр. 1195
٤٢٠ - ثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن
رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء، وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها.
стр. 1196
وجه الاستدلال من هذا الحديث على ما بوبه: أن فيه إضافة المسجد إلى بني زريق، وهذا وإن كان من قول عبد الله بن عمر ليس مرفوعا، إلا أن تعريف المسجد بذلك يدل على اشتهاره بهذه الإضافة في زمن المسابقة، ولم يشتهر في زمن النبي ﷺ بين المسلمين شيء إلا وهو غير ممتنع؛ لأنه لو كان محضورا لما أقر عليه، خصوصا الأسماء؛ فقد كان النبي ﷺ يغير أسماء كثيرة يكرهها من أسماء الأماكن والآدميين، ولم يغير هذا الاسم للمسجد، فدل على جوازه.
ولقائل أن يقول: يجوز أن اشتهار المسجد بهذا الاسم لم يكن في عهد النبي ﷺ بالكلية، فلا يبقى في الحديث دلالة، وهذا كما قال أنس في حديث الاستسقاء: دخل رجل المسجد من نحو دار القضاء، والنبي ﷺ يخطب، وقد قالوا: إنما عرفت تلك الدار بهذا الاسم بعد النبي ﷺ بزمن.
وأحسن من هذا: الاستدلال بقول النبي ﷺ : ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في سواه)) - وقد خرجه البخاري في مواضع أخر -؛ فإن هذا تصريح من النبي ﷺ بإضافة المسجد إلى نفسه، وهو إضافة للمسجد إلى غير الله في التسمية، فدل على جواز إضافة المساجد إلى من بناها وعمرها. والله أعلم.
وسائر ما يتعلق بالحديث من ألفاضه المختلفة وتفسير غريبها، وما فيه من أحكام المسابقة ليس هذا موضعها، وله موضع أخر يأتي فيه - إن شاء الله تعالى.
стр. 1197
٤٢ - باب
القسمة وتعليق القنو في المسجد
قال أبو عَبْد الله: القنو: العذق. والإثنان: قنوان. والجماعة: قنوان، مثل: صنو وصنوان.
المقصود بهذا الباب: أن المسجد يجوز أن يوضع فيه أموال الفيء وخمس الغنيمة وأموال الصدقة ونحوها من أموال الله التي تقسم بين مستحقيها.
وقد ذكر القنو في تبويبه وفسره ولم يخرج حديثه.
وحديثه قد خرجه الترمذي من طريق السدي، عن أبي مالك، عن البراء، في قوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] ، قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته، وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو، فضربه بعصاه، فسقط من البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر
فيعلقه، فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ
стр. 1198
مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] .
وخرجه ابن ماجه، إلا أن عنده: عن السدي عن عدي بن ثابت، عن البراء.
وحسنه الترمذي وغربه، وفي بعض نسخه: صحيح.
وخرجه الحاكم، وقال: غريب، صحيح على شرط مسلم.
يشير إلى أنه خرج للسدي، إلا أن السدي كان ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة في التفسير للحديث الواحد.
وخرج ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ أمر للمسجد من كل حائط بقناء.
ومن حديث جابر، قال: أمر رسول الله ﷺ من كل جداد عشرة أوسق من التمر بعذق يعلق في المسجد للمساكين.
ومن حديث عوف بن مالك، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده عصى وأقناء معلقة في المسجد، قنو منها حشف، فطعن بالعصى في ذلك القنو، ثم قال: ((لو شاء رب هذه الصدقة لتصدق بأطيب منها، إن صاحب هذه الصدقة ليأكل الحشف يوم القيامة)) .
стр. 1199
وقد فسر البخاري القنو، فقال: هو العذق.
يعني: عذق النخلة الذي يكون فيه الرطب، وهو واحد، وتثنيته: قنوان - بكسر النون، وجمعه - قنوان - بالتنوين؛ قَالَ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام:٩٩] .
وشبهه بصنو وصنوان، فالصنو: الواحد مِمَّا لَهُ نظير يخرج مَعَهُ من أصله من النخل، وتثنيته: صنوان، وجمعه: صنوان. قَالَ تعالى: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد:٤] .
ومنه قول النبي ﷺ : ((عم الرجل صنو أبيه)) .
وما ينبغي إدخاله في هذا الباب: ما خرجه البخاري في ((الزكاة)) من رواية معن بن يزيد السلمي، قال: كان أبي أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله، ما إياك أردت، فخاصمته إلى
رسول الله ﷺ ، فقال: ((لك ما نويت يا زيد ولك ما أخذت يا معن)) .
ويتصل بهذا: التصدق في المسجد على السائل، وهو جائز، وقد كان الإمام أحمد يفعله، ونص على جوازه، وإن كان السؤال في المسجد مكروها.
وقال أبو داود في ((سننه)) : ((باب: السؤال في المسجد)) ، ثم خرج من طريق مبارك بن فضالة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
стр. 1200
عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفيكم من أطعم اليوم مسكينا؟)) قال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها فدفعتها إليه.
ومنع منه أصحاب أبي حنيفة، وغلظوا فيه حتى قال خلف بن أيوب منهم: لو كنت قاضيا لم أجز شهادة من تصدق على سائل في المسجد.
ومنهم من رخص فيه إذا كان السائل مضطرا، ولم يحصل بسؤاله في المسجد ضرر.
ولأصحابنا وجه: يكره السؤال والتصدق في المساجد مطلقا.
وفي ((صحيح مسلم)) عن جرير البجلي، أن قوما جاءوا إلى النبي ﷺ فيهم - أي: الحاجة -، فصلى النبي ﷺ الظهر، ثم خطب فحث على الصدقة، فجاء رجل بصرة من فضة كادت كفه تعجز عنها، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب.
وفي ((المسند)) و ((سنن)) أبي داود والنسائي، عن أبي سعيد، أن رجلا دخل المسجد في هيئة رثة والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فحث النبي ﷺ على الصدقة، فألقى الناس ثيابا - وذكر الحديث.
خرج البخاري في هذا الباب حديثا واحدا، علقه ها هنا وفي ((أبواب: قسم الفيء)) من أواخر ((كتاب: السير)) ، وعلق بعضه في ((باب: فكاك
стр. 1201
الأسير)) .
فقال هاهنا:
стр. 1202
٤٢١ - وقال إبراهيم - يعني: ابن طهمان -: عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: أتي النبي ﷺ بمال من البحرين، فقال: ((انثروه في المسجد)) - وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة، ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله، أعطني؛ فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال له رسول الله ﷺ : ((خذ)) ، فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، مر بعضهم يرفعه إلي. قال: ((لا)) . قال: فارفعه أنت علي. قال: ((لا)) . قال: فنثر منه، ثم ذهب يقله. فقال: يا رسول الله، مر بعضهم يرفعه علي. قال: ((لا)) . قال: فارفعه أنت علي. قال: ((لا)) . فنثر منه، ثم احتمله، فألقاه على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا؛ عجبا من حرصه. فما قام رسول الله ﷺ وثم منها درهم.
هذا المال كان من جزية أهل البحرين، وهم مجوس هجر، وكان قد قدم به أبو عبيدة بن الجراح، وقد خرج حديثه البخاري في موضع آخر من حديث عمرو بن عوف الأنصاري.
وفي هذا الحديث: دليل على أن النبي ﷺ لم يكن له بيت مال
стр. 1203
يضع فيه أموال الفيء، إنما كان يضعه في المسجد ويقسمه من يومه ولا يحبسه.
وفيه: دليل على أن مال الفيء لا يخمس؛ فإنه لم يذكر فيه أنه أخرج خمسه، وإنما ذكر أنه ما كان يرى أحدا إلا أعطاه.
وفيه: دليل على أن مال الفيء مما يعطى منه الغني والفقير؛ لأن العباس كان من أغنى قريش وأكثرهم مالا، ولكنه أدعى المغرم وقد عرف سببه، وهو مفاداة نفسه، ومفاداة عقيل ابن عمه، وكانا وقعا في أسارى بدر، ففدى العباس نفسه وعقيلا.
قيل: إنه فدى بثمانين أوقية ذهب. وقيل: بألف دينار.
وفيه: بيان احتقار النبي ﷺ للدنيا وإن كثرت؛ فإنه لما خرج إلى الصلاة ومر بالمال لم يلتفت إليه.
وقد روى حميد بن هلال، أن ذلك المال كان بعثه العلاء بن الحضرمي من البحرين، وكان ثمانين ألفا.
وفيه: التعجب من حرص الحريص على المال والمستكثر منه.
ويصدق هذا: قوله ﷺ : ((لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)) .
وكاهل الإنسان: ما بين كتفيه.
стр. 1204
وقد كان العباس ﵁ عظيما جسيما شديد القوة، فالظاهر أنه حمل مالا كثيرا، ولم يمنعه النبي ﷺ ، فدل على جواز قسمة الفيء بين أهله على غير التسوية.
وفي حديث حميد بن هلال، قال: لم يكن يومئذ عدد ولا وزن، ما كان إلا قبضا.
وفيه: جواز قسمة مال الفيء في المسجد ووضعه فيه، وهو مقصود البخاري بتخريج هذا الحديث في هذا الباب.
стр. 1205
٤٣ - باب
من دعي لطعام في المسجد ومن أجاب فيه
стр. 1206
٤٢٢ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، سمع أنسا، قال: وجدت النبي ﷺ في المسجد معه ناس، فقمت، فقال لي: ((آرسلك أبو طلحة؟)) قُلتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((لطعام؟)) قلت: نعم. فقال لمن حوله: ((قوموا)) ، فانطلق وانطلقت بين أيديهم.
هذا مختصر من حديث طويل فيه ذكر معجزة النبي ﷺ في تكثيره للطعام القليل حتى شبع منه سبعون أو ثمانون رجلا.
وقد خرج البخاري في موضع آخر من حديث أبي هريرة حديثا طويلا، فيه: أنه دخل مع النبي ﷺ بيته فوجد لبنا في قدح، فأمره أن يدعو له أهل الصفة - وذكر الحديث بطوله.
والصفة كانت في مؤخر المسجد، فكانوا يأوون إليها ويقيمون بها.
فدلت هذه الأحاديث كلها على جواز أن يدعى من في المسجد إلى الطعام، ويجيب إلى الدعوة إذا دعي فيه.
وقد ورد الرخصة في الأكل في المسجد.
وقد بوب ابن ماجه
стр. 1207
في ((كتابه)) : ((باب: الأكل في المسجد)) وخرج فيه: من رواية ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث: حدثني سليمان بن زياد الحضرمي، أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم.
وهذا إسناد جيد؛ وسليمان وثقة ابن معين. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
وخرج الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي في ((الشمائل)) من رواية ابن لهيعة، عن سلمان بن زياد، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ طعاما في المسجد، لحما قد شوي.
وروى الإمام أحمد: ثنا هارون بن معروف: ثنا مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال كنا يوما عند رسول الله ﷺ في الصفة، فوضع لنا طعام فأكلنا.
стр. 1208
وروى - أيضا - عن وكيع: ثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ أتي بفضيخ في مسجد الفضيخ، فشربه، فلذلك سمي.
عبد الله بن نافع، ضعفوه.
وقد اختلف في جواز الأكل في المسجد وكراهته، فأجازه طائفة من أصحابنا وغيرهم؛ لهذا الحديث؛ ولان الظاهر من حال النَّبِيّ ﷺ فِي اعتكافه أنه كَانَ يفطر فِي المسجد؛ فإن عائشة قالت: كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، إلا أن يقال: أن ذلك داخل في حاجة الإنسان.
والظاهر من أهل الصفة: أنهم كانوا يأكلون في المسجد، وقد سبق حديث البراء بن عازب أنهم كانوا إذا جاعوا ضربوا القنو المعلق في المسجد للصدقة فأكلوا منه.
وذهب طائفة إلى كراهته؛ لأنه دناءة، وحكي عن الشافعي، وهو وجه لأصحابنا.
ومن قال بهذا أجاز للمعتكف أن يدخل بيته للأكل، كما يدخل لقضاء حاجته.
ويعضد هذا: قول النبي ﷺ في المساجد: ((إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن)) .
خرجه مسلم.
وقد تقدم في أواخر ((أبواب: الوضوء)) .
стр. 1209
٤٤ - باب
القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء
стр. 1210
٤٢٣ - حدثنا يحيى بن موسى: ثنا عبد الرزاق: ابنا ابن جريج: أخبرني ابن شهاب، عن سهل بن سعد، أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد.
هذا مختصر من حديث سهل في قصة المتلاعنين.
وكان غرض البخاري منه قول سهل: ((فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد)) ، وكان النبي ﷺ هو الذي لا عن بينهما، فدل ذلك على جواز الحكم في المسجد والتلاعن فيه بين الزوجين؛ فإنه ﷺ حكم عليهما بالتلاعن ولاعن بينهما.
ولا خلاف نعلمه بين العلماء في جواز الملاعنة في المساجد بين الزوجين المسلمين، وإنما اختلفوا: هل ذلك مستحب أو واجب أو مباح:
فأوجبه الشافعي في قول له، واستحبه في قوله الآخر، وأكثر أصحابنا، ومنهم من قال: هو جائز غير مستحب.
стр. 1211
وقال ابن عبد البر: لا يختلفون أن اللعان لا يكون إلا في المسجد الجامع؛ لان النبي ﷺ لاعن في مسجده.
وأما القضاء في المسجد، فقد بوب البخاري عليه في آخر ((صحيحه)) في ((كتاب: الأحكام)) ، فقال: ((باب: من قضى ولاعن في المسجد)) . ولاعن عمر عند منبر النبي ﷺ . وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمن عند المنبر. وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد. وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارج المسجد.
ثم خرج حديث سهل في اللعان.
ثم قال: ((باب: من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حد أمر أن يخرج من المسجد فيقام)) . وقال عمر: أخرجاه من المسجد فاضرباه. ويذكر عن علي نحوه.
ثم خرج فيه من حديث أبي هريرة، قال: أتى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربعا قال: ((ابك جنون؟)) قال: لا. قال: ((اذهبوا به فارجموه)) – وذكر الحديث.
وذكر غيره ممن كان يقضي في المسجد: شريح، والحسن، والشعبي، ومحارب بن دثار، ويحيى بن يعمر، وابن أبي ليلى، وبه قال أبو حنيفة ومالك واحمد وإسحاق.
قال أحمد: لم يزل الناس يقضون في المساجد.
وقال مالك: هو من أمر الناس القديم.
وكرهه الشافعي.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز، ورواية عن
стр. 1212
أبي حنيفة.
وقال سفيان الثوري: لا باس أن يقضي القاضي في المسجد؛ كان شريح والقضاة يفعلون ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز كتب أن لا يقضي القاضي في المسجد.
وكان الشعبي يقضي بين أهل الذمة والنساء إذا لم يصلين على باب داره.
وأما إقامة الحد في المسجد، ففي النهي عنه حديث خرجه الترمذي، وفي إسناده مقال.
وهو قول الجمهور، وكان ابن أبي ليلى يقيم حد الجلد في المسجد
ومذهب مالك: لا باس في المسجد بخفيف الأدب، ولا باس بضرب الخصم فيه إذا تبين لدده -: نقله صاحب ((تهذيب المدونة)) .
стр. 1213
٤٥ - باب
إذا دخل بيتاً يصلي حيث شاء أو حيث أمر؟
ولا يتجسس
стр. 1214
٤٢٤ - ثنا عبد الله بن مسلمة: ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك، أن النبي ﷺ أتاه في منزله، فقال: ((أين تحب أن اصلي لك من بيتك؟)) . قال: فأشرت له إلى مكان، فكبر النبي ﷺ ، وصففنا خلفه، فصلى ركعتين.
هذا مختصر من حديث طويل قد خرجه بتمامه في الباب الذي بعد هذا.
ومعنى تبويبه هاهنا: أن الداخل إلى بيت غيره: هل يصلي حيث شاء من
البيت، أم حيث أمر؟ وسقط حرف الاستفهام من الكلام.
واستدل بهذا الحديث على أنه يصلي حيث أمر لا حيث شاء.
وفي هذا نظر؛ حيث شكا إليه أنه لا يقدر على حضور مسجد الجماعة، وفي مثل هذه الحادثة ينبغي أن يرجع إلى اختيار صاحب البيت في مكان الصلاة؛ لأنه أعلم بما يصلح من بيته لاتخاذه مسجدا، والحق له في ذلك.
وأما من دخل إلى بيت غيره على هذا الوجه، وأراد لصلاة فيه فلا يتوقف على أمر صاحب البيت، كما صلى النبي ﷺ -
стр. 1215
بأنس وأمه ولم يستاذنهما، بل قال لهم: ((قوموا، فلأصلي لكم)) . وقد سبق.
ولعل البخاري الحق الصلاة في بيت غيره إذا دخل إليه بالجلوس فيه؛ فإنه إذا أمر بالجلوس في مكان معين منه فلا ينبغي له الجلوس في غيره، لكن ذاك بعد الأمر، فإن لم يوجد أمر فله الجلوس حيث شاء.
قال سفيان الثوري: إذا دخلت فاجلس حيث يأمرك صاحب الدار؛ فإن صاحب الدار اعرف بعورة داره؛ بلغنا ذلك عن النبي ﷺ .
ومتى كان في البيت مسجد للصلاة فيه فالداخل إذا أراد الصلاة يصلي فيه بغير استئذان.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن جابر، قال: قلت: يا رسول الله، أن أبي ترك دينا ليهودي، فقال: ((سنأتيك يوم السبت إن شاء الله)) . وذلك في زمن الثمر مع استجداد النخل، فلما كان صبيحة يوم السبت جاءني رسول الله ﷺ ، فلما دخل علي في مالي دنى إلى الربيع فتوضأ منه، ثم قال إلى المسجد فصلى ركعتين، ثم دنوت به إلى خيمة لي فبسطت له: بجادا من شعر وطرحت خدية من قتب من شعر حشوها ليف، فاتكا عليها، فلم البث إلا قليلا حتى طلع أبو بكر ﵁، فكأنه نظر إلى ما عمل النبي الله ﷺ ، فتوضأ وصلى ركعتين، فلم البث إلا قليلا حتى جاء عمر ﵁، فتوضأ وصلى ركعتين كأنه نظر إلى صاحبيه، فدخلا، فجلس أبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه - وذكر الحديث.
стр. 1216
٤٦ - باب
المساجد في البيوت
وصلى البراء بن عازب في مسجد في داره في جماعة.
مساجد البيوت، هي أماكن الصلاة منها، وقد كان من عادة السلف أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدة للصلاة فيها.
وقد قدمنا في آخر ((كتاب: الحيض)) أن النبي ﷺ كان يصلي في مسجد بيت ميمونة، وهي مضطجعة إلى جانبه، وهي حائض.
وروى جعفر بن برقان، عن شداد مولى عياض بن عامر، عن بلال، أنه جاء إلى النبي ﷺ يؤذنه بالصلاة، فوجده يتسحر في مسجد بيته.
خرجه الإمام أحمد.
وروى محمد بن سعد: ابنا قبيصة: ابنا سفيان: عن أبيه، قال: أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلي فيه عمار بن ياسر.
وبإسناد: عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: أول من بنى مسجدا يصلي فيه عمار بن ياسر.
стр. 1217
وهذه المساجد لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد المسبلة، فلا يجب صيانتها عن نجاسة ولا جنابة ولا حيض. هذا مذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء.
ومنع إسحاق من جلوس الجنب فيها والحائض -: نقله عنه حرب.
وأجاز الاعتكاف فيها للمرآة خاصة طائفة من فقهاء الكوفيين، منهم: النخعي والثوري وأبو حنيفة.
وعنه وعن الثوري: أن المرأة لا يصح اعتكافها في غير مسجد بيتها.
وقول الأكثرين أصح.
وقد روي عن ابن عباس، أنه سئل عن اعتكاف المرأة في مسجد بيتها؟ فقال: بدعة، وأبغض الأعمال إلى الله البدع، لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة.
خرجه حرب الكرماني.
وروى عمرو بن دينار، عن جابر، أنه سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد بيتها؟ قَالَ: لا يصلح، لتعتكف فِي مسجد؛ كما قال الله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [القرة: ١٨٧] .
خرجه الأثرم.
وجابر هذا يحتمل أنه جابر بن عبد الله الصحابي، ويحتمل أنه جابر بن زيد أبو الشعثاء التابعي.
واعتكف أبو الأحوص صاحب ابن مسعود في مسجد بيته.
ورخص فيه الشعبي.
стр. 1218
وهؤلاء جعلوا مساجد البيوت حكمها حكم المساجد في الاعتكاف، ولو كان هذا صحيحا لاعتكف أزواج النبي ﷺ في مساجد بيوتهن، وإنما كن يعتكفن في مسجد النبي ﷺ .
وأما إقامة الجماعة للصلوات في مساجد البيوت فلا يحصل بها فضيلة الصلاة في المساجد، وإنما حكم ذلك حكم من صلى في بيته جماعة وترك المسجد.
قال حرب: قلت لأحمد: فالقوم نحو العشرة يكونون في الدار، فيجتمعون وعلى باب الدار مسجد؟ قال: يخرجون إلى المسجد، ولا يصلون في الدار، وكأنه قال: إلا أن يكون في الدار مسجد يؤذن فيه ويقام. انتهى.
ومتى كان المسجد يؤذن فيه ويقام ويجتمع فيه الناس عموما، فقد صار مسجدا مسبلا، وخرج عن ملك صاحبه بذلك عند الإمام أحمد، وعامة العلماء، ولو لم ينو جعله مسجدا مؤبدا.
ونقل أبو طالب عن أحمد فيمن بنى مسجدا من داره، أذن فيه وصلى مع الناس، ونيته حين بناه وأخرجه أن يصلي فيه، فإذا مات رد إلى الميراث؟ فقال أحمد: إذا أذن فيه ودعا الناس إلى الصلاة فلا يرجع بشيء، ونيته ليس بشيء.
ووجه هذا: أن الإذن للناس في الصلاة إذا ترتب عليه صلاة الناس، فإنه يقوم مقام الوقف بالقول مع حيازة الموقوف عليه، ورفع يد الواقف،
стр. 1219
فيثبت الوقف بذلك، ونية رجوعه إلى ورثته كنية توقيت الوقف، والوقف لا يتوقت بل يتأبد، وتلغو نيته توقيته.
وقال حرب - أيضا - سمعت إسحاق يقول: الاعتكاف في كل مسجد خارج من البيت جائز، وان كانت الدار عظيمة مما يجتمع أهل المحلة في مسجد تلك الدار، ويدخلها غير أهل الدار لما جعل المسجد لله جاز الاعتكاف فيه - أيضا -، فأما رجل جعل مسجدا لنفسه، ولم يجعله للجماعة ترفقا بنفسه، فإنه لا يكون فيه اعتكاف، ولا فضل الجماعة - أيضا -، إلا أن يكون به عذر، ولا يمكنه أن يستقل إلى المسجد، فحينئذ يكون له فضل الجماعة في ذلك المسجد، فإن اعتكف فيه كان له اجر، ولا يسمى معتكفا؛ لان الاعتكاف إنما يكون في موضع بارز.
وبكل حال؛ فينبغي أن تحترم هذه البقاع المعدة للصلاة من البيوت، وتنظف وتطهر.
قال الثوري في المساجد التي تبنى في البيوت: ترفع ولا تشرف، وتفرغ للصلاة، ولا تجعل فيها شيئا.
وقد روي من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب.
стр. 1220
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان فِي
((صحيحهما)) .
خرجه الترمذي من وجه آخر مرسلا، من غير ذكر: ((عائشة)) .
وقال: هو أصح.
وكذلك أنكر الإمام أحمد وصله.
وقال الدارقطني: الصحيح المرسل.
وخرجه الإمام أحمد - أيضا - من رواية ابن إسحاق: حدثني عمر بن عبد الله بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عمن حدثه من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا، وان نصلح صنعتها ونطهرها.
стр. 1221
وخرجه أبو داود بنحو هذا اللفظ من حديث سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ .
وقد اختلف في تفسير ((الدور)) في هذه الأحاديث:
فقيل: المراد بها البيوت، وبذلك فسره الخطابي وغيره.
وخرج ابن عدي حديث عائشة، ولفظه: إن النبي ﷺ أمر بتنظيف المساجد التي في البيوت.
وقال أكثر المتقدمين: المراد بالدور هنا: القبائل، كقوله ﷺ : ((خير دور الأنصار دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعده، وفي كل دور الأنصار خير)) .
وبهذا فسر الحديث سفيان الثوري ووكيع بن الجراح وغيرهما.
وعلى هذا: فالمساجد المذكورة في الحديث هي المساجد المسبلة في القبائل والقرى؛ دون مساجد الأمصار الجامعة.
قال البخاري ﵀:
стр. 1222
٤٢٥ - ثنا سعيد بن عفير: ثنا الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري، أن عتبان بن مالك - وهو من
стр. 1223
أصحاب رسول الله ﷺ ممن شهد بدرا من الأنصار -، أنه أتى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في
بيتي، فأتخذه مصلى، فقال رسول الله ﷺ : ((سأفعل، إن شاء الله)) . قال عتبان: فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حين دخل البيت، ثم قال: ((أين تحب أن أصلي من بيتك)) قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ فكبر، فقمنا خلفه، فصففنا فصلى ركعتين، ثم سلم. قال: وحبسناه على خزيرة صنعناها له. قال: فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد، فاجتمعوا فقال قائل منهم: أين مالك بن الدخيشن - أو ابن
الدخشن؟ فقال بعضهم: ذلك منافق، لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله؟)) قال: الله ورسوله أعلم. قال: فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين. فقال رسول الله ﷺ : ((فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله)) .
стр. 1224
قال ابن شهاب: ثم سألت بعد ذلك الحصين بن محمد الأنصاري - وهو أحد بني سالم، وهو من سراتهم - عن حديث محمود بن الربيع، فصدقه بذلك.
عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف، شهد بدرا وأحدا - كما في هذا الحديث - ولم يذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا، وكان ذهب بصره في عهد النبي ﷺ ، وكان يؤم قومه وهو ضرير البصر وهو شيخ كبير إلى أن توفي في زمن معاوية.
والظاهر: أنه لما اشتكى إلى النبي ﷺ لم يكن قد ذهب بصره بالكلية، بل كان قد ساء بصره، كذا وقع في ((صحيح مسلم)) من رواية الأوزاعي، عن الزهري وهو معنى قوله في هذه الرواية: ((أنكرت بصري)) .
ولكن رواه مالك، عن الزهري، وقال فيه: إن عتبان قال: ((وأنا رجل ضرير البصر)) .
وقد خرجه البخاري في موضع آخر.
وروى سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك: ثنا محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك، قال: أصابني في بصري
стр. 1225
بعض الشيء، فبعثت إلى
رسول الله ﷺ : إني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلى، ففعل.
وهذا من روايات الأكابر عن الأصاغر - أعني: رواية أنس بن مالك، عن محمود بن الربيع.
ورواه حماد بن سلمة: ثنا ثابت، عن أنس: حدثني عتبان بن مالك، أنه
عمي، فأرسل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، تعال فخط لي مسجدا. فجاء رسول الله ﷺ فذكر الحديث.
ولعل هذه الرواية أشبه، وحماد بن سلمة مقدم في ثابت خاصة على غيره.
وقد خرجه مسلم في أول ((صحيحه)) من هذين الوجهين.
وروى هذا الحديث قتادة، واختلف عليه فيه:
فرواه شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ لم يذكر في إسناده: ((عتبان)) .
وخالفه حجاج بن حجاج، فرواه عن قتادة، عن أبي بكر بن أنس، عن محمود بن عمير بن سعد، أن عتبان أصيب ببصره - فذكر الحديث.
خرجه النسائي في ((كتاب اليوم والليلة)) من الطريقين.
وقوله: ((محمود بن عمير بن سعد)) ، الظاهر أنه وهم؛ فقد رواه علي بن زيد بن جدعان، قال: حدثني أبو بكر بن أنس، قال: قدم أبي الشام وافدا وأنا معه، فلقينا محمود بن الربيع، فحدث أبي حديثا عن عتبان بن مالك، فلما قفلنا انصرفنا إلى المدينة، فسألنا عنه، فإذا هو حي،
стр. 1226
فإذا بشيخ كبير أعمى، فسألناه عن الحديث، فقال: ذهب بصري على عهد النبي ﷺ وذكر الحديث بطوله.
خرجه الإمام أحمد.
فتبين بهذه الرواية أن أبا بكر بن أنس سمعه من محمود بن الربيع عن عتبان، ثم سمعه من عتبان.
وقد اعتذر عتبان - أيضا - بأن السيول تحول بينه وبين مسجد قومه الذي يصلي بهم فيه، فطلب من النبي ﷺ أن يأتيه في بيته فيصلي فيه، حتى يتخذه مصلى.
وفي هذا: استحباب اتخاذ آثار النبي ﷺ ومواضع صلواته مصلى يصلى فيه.
وقد ذكر ابن سعد، عن الواقدي، أن بيت عتبان الذي صلى فيه النبي ﷺ يصلي فيه الناس بالمدينة إلى يومه ذاك.
ويشهد لهذا المعنى - أيضا -: قول عمر ﷺ للنبي ﷺ : ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ فَنَزَلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] .
وقد نقل أحمد بن القاسم وسندي الخواتيمي، عن الإمام أحمد،
стр. 1227
أنه سئل عن إتيان هذه المساجد؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم: أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته فيتخذه مصلى، وعلى ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي ﷺ وأثره، فلا بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا، وأكثروا فيه.
وفي رواية ابن القاسم: أن أحمد ذكر قبر الحسين، وما يفعل الناس عنده - يعني: من الأمور المكروهة المحدثة.
وهذا فيه إشارة إلى أن الإفراط في تتبع مثل هذه الآثار يخشى منه الفتنة، كما كره اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وقد زاد الأمر في ذلك عند الناس حتى وقفوا عنده، واعتقدوا أنه كاف لهم، واطرحوا ما لا ينجيهم غيره، وهو طاعة الله ورسوله.
وقد رأى الحسن قوما يزدحمون على حمل نعش بعض الموتى الصالحين، فقال: في عمله فتنافسوا.
يشير إلى أن المقصود الأعظم متابعته في عمله، لا مجرد الازدحام على حمل نعشه.
وكذلك من يبالغ في تزيين المصحف وتحسينه، وهو مصر على مخالفة أوامره وارتكاب مناهيه.
وقد روى عن عمر ﵁ ما يدل على كراهة ذلك - أيضا -:
فروي عن المعرور بن سويد، قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها، فلما انصرف رأى الناس مسجدا فبادروه، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه النبي
ﷺ . فقال: هكذا
стр. 1228
هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له صلاة فليمض.
وقال نافع: كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله ﷺ تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت.
وقال ابن عبد البر: كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان؛ وذلك – والله أعلم – مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى فِي مثل ذَلِكَ.
ذكره فِي ((الاستذكار)) فِي الكلام عَلَى حَدِيْث: ((اشتد غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .
وقال: ذكر مالك [.. ..] بإثر هذا الحديث حديث عتبان بن مالك؛ ليبين لك أن معنى هذا الحديث مخالف للذي قبله.
قال: والتبرك والتأسي بأفعال رسول الله ﷺ إيمان به وتصديق، وحب في الله وفي رسوله.
وفي الحديث: دليل على أن المطر والسيول عذر يبيح له التخلف عن الصلاة في المسجد.
وقد روي: أن النبي ﷺ لم يرخص له:
قال الإمام أحمد: ثنا سفيان، عن الزهري، فسئل سفيان: عمن هو؟ قال: هو محمود - إن شاء الله -، أن عتبان بن
стр. 1229
مالك كان رجلا محجوب البصر، وانه ذكر للنبي ﷺ التخلف عن الصلاة، فقال: ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم. فلم يرخص له.
وكذا رواه محمد بن سعد، عن سفيان.
وهو يدل على أن سفيان شك في إسناده، ولم يحفظه.
وقال الشافعي: أبنا سفيان بن عيينة: سمعت الزهري يحدث، عن محمود ابن الربيع، عن عتبان بن مالك، قال: قلت: يا رسول الله، إني محجوب البصر، وإن السيول تحول بيني وبين المسجد، فهل لي من عذر؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم. فقال له النبي ﷺ : ((لا أجد لك من عذر إذا سمعت النداء)) . قال سفيان: وفيه قضية لم أحفظها.
قال الشافعي: هكذا حدثنا سفيان، وكان يتوقاه، ويعرف أنه لم يضبطه.
قال: وقد أوهم فيه - فيما نرى -، والدلالة على ذلك: ما أبنا مالك، عن ابن شهاب - ثم ذكر حديث عتبان المتقدم، على ما رواه الجماعة عن الزهري.
قال البيهقي: اللفظ الذي رواه ابن عيينة في هذا الإسناد إنما هو في قصة ابن أم مكتوم الأعمى.
قلت: وقد اشتبهت القصتان على غير واحد، وقد سبق عن الإمام أحمد أنه ذكر أن ابن أم مكتوم سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته ليتخذه
стр. 1230
مصلى، وإنما هو عتبان بن مالك.
وقد اشتبه على بعض الرواة محمود بن الربيع الراوي له عن عتبان، فسماه محمود بن لبيد، وهو - أيضا - وهم، وقد وقع فيه بعض الرواة للحديث عن مالك.
وقال يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن محمود بن الربيع - أو الربيع بين محمود - شك يزيد.
وقد روي عن ابن عيينة بإسناد آخر: خرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ، من طريق عبيد الله بن محمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة - إن شاء الله -، عن عتبان بن مالك، أنه سأل رسول الله ﷺ عن التخلف عن الصلاة، فقال: ((أتسمع النداء؟)) قَالَ: نَعَمْ. فَلَمْ يرخص لَهُ.
وهذا الإسناد غير محفوظ، ولهذا شك فيه الراوي - إما عن سفيان أو غيره -، وقال: ((إن شاء الله)) ، وإنما أراد حديث محمود بن الربيع.
وأما ابن أم مكتوم، فقد خرجه مسلم من رواية يزيد بن الأصم، عن أبي
هريرة، قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، أنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة)) قال: نعم. قال: ((فأجب)) .
следующие страницы →