Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
٤١٠، ٤١١ - حديث: أبي هريرة وأبي سعيد الذي خرجه في الباب الماضي، خرجه من طريق عقيل، عن الزهري، ولفظه مثل لفظه، إلا أنه قال:
((في حائط المسجد))
والثاني:
قال:
стр. 1157
٤١٢ - ثنا حفص بن عمر: ثنا شعبة: أخبرني قتادة، قال: سمعت أنسا، قال: قال النبي ﷺ : ((لا يتفلن أحدكم بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت رجله)) .
وليس في لفظ الحديثين تخصيص ذلك بالصلاة، كما بوب عليه، ولكن هو في رواية أخرى لحديث أنس ذكرها في الباب الآتي.
وقد يفهم من تبويب البخاري اختصاص كراهة البصاق عن اليمين بحال الصلاة، وهو قول المالكية، كما سنذكره فيما بعد - أن شاء الله.
والأكثرون على خلاف ذلك.
قال معاذ: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت.
стр. 1158
خرجه ابن سعد.
وروي كراهته عن ابن مسعود وابن سيرين.
قال أحمد في رواية مهنا: يكره أن يبزق الرجل عن يمينه في الصلاة، وفي غير الصلاة؛ لأن عن يمينه ملك الحسنات.
يشير إلى حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبزق عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكا)) .
وقد خرجه البخاري فيما بعد.
وخرج أبي داود هذه اللفظة من حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ .
وخرج الطبراني بإسناد ضعيف، عن أبي أمامة، قال: قام النبي ﷺ ، فاستفتح الصلاة، فرأى نخامة في القبلة، فخلع نعله، ثم مشى إليها فحتها، يفعل ذلك ثلاث مرات، فلما قضى صلاته أقبل على الناس، فقال: ((أن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يقوم بين يدي الله مستقبل ربه ﵎، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره، فلا يتفلن أحدكم بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، وتحت قدمه اليسرى، ثم ليعرك فليشدد عركه، فإنما يعرك أذني الشيطان)) .
وروى وكيع في ((كتابه)) عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة،
стр. 1159
قال: المصلي لا يبزق في القبلة، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه كاتب الحسنات، ولكن عن شماله، أو خلف ظهره.
وقد قالَ كثير من السلف في قول الله : ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] : أن الذي عن اليمين كاتب الحسنات، والذي عن الشمال كاتب السيئات، منهم: الحسن، والأحنف بن قيس، ومجاهد، وابن جريج، والإمام أحمد.
وزاد ابن جريج، قال: أن قعد فأحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وأن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وأن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه.
وعلى هذا، فقد يخلو اليمين عن الملك إذا مشى أو رقد.
وحديث أبي أمامة فيه أن الذي على الشمال هو القرين.
يريد به: الشيطان الموكل بالعبد، كما في ((صحيح مسلم)) عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة)) . قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وإياي، ولكن الله أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بخير)) .
وقد ورد في حديث خرجه الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري - مرفوعاً -: ((أن القرين هو كاتب السيئات)) .
وإسناده شامي ضعيف.
стр. 1160
٣٦ - باب
ليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى
فيه حديثان:
أحدهما:
стр. 1161
٤١٣ - ثنا آدم: ثنا شعبة: ثنا قتادة، قال سمعت أنس بن مالك، قالَ: قال رسول الله ﷺ ((أن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه)) .
هذا مما صرح فيه بالسماع في جميع إسناده في هذه الرواية والتي قبلها، وهو من صحيح حديث قتادة، عن أنس.
والثاني
стр. 1162
٤١٤ - ثنا عليّ: ثنا سفيان: ثنا الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي
سعيد، أن النبي ﷺ أبصر نخامة في قبلة المسجد، فحكها بحصاة، ثم نهى أن يبزق الرجل بين يديه، أو عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى.
стр. 1163
وعن الزهري: سمع حميداً، عن أبي سعيد - نحوه.
ليس في هذه الرواية ذكر: أبي هريرة، كما في الروايتين المتقدمتين عن الزهري.
وفي هذه الرواية: أن سفيان بن عيينة تارة ذكر سماع الزهري له من حميد، وتارة عنعنه.
وعلي شيخ البخاري، هو: ابن المديني، وكانت له عناية بذلك.
وأما سماع حميد له من أبي هريرة وأبي سعيد، فقد صرح به إبراهيم بن سعد في رواية عن الزهري، وقد خرجه البخاري فيما تقدم.
ودل هذا الحديث - مع غيره من الأحاديث المتقدمة -: على أن المصلي يبزق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى.
وقد خرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه، أنه صلى مع النبي ﷺ فتنخع فدلكها بنعله اليسرى.
стр. 1164
وخرجه أبو داود، وعنده: عن يزيد، عن أخيه مطرف، عن أبيه، قال: أتيت رسول الله وهو يصلي، فبزق تحت قدمه اليسرى.
ورواه ابن المبارك عن الجريري، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يتنخم في المسجد، ثم دلكه بنعله اليسرى.
وخرجه الطبراني بإسناد ضعيف، وفيه: أنه كان يصلي على البلاط.
والبلاط خارج المسجد.
وروي إبراهيم بن طهمان، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان، عن محمد بن أبي عاصم، عمن رأى رسول الله ﷺ يصلي وفي رجليه نعلان، فبزق فمسح بساقه بنعله في التراب، والمسجد يومئذ فيه التراب.
وخرج أبو داود من حديث الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد، قال: رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على البوري، ثم مسحه
стр. 1165
برجله، فقيل له: لم فعلت هذا؟ قال: لأني رأيت رسول الله يفعله.
وهذا يدل على جوازه في المسجد إذا غيبه، وهو قول بعض أصحابنا، ونص عليهِ أحمد في رواية أبي طالب، قالَ: لا يبصق في المسجد تحت البارية، فإنه يبقى تحت البارية، وإذا كان حصى فلا باس به؛ لأنه يواري البصاق.
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن العطاء، قال: لا بأس بالتنخم في الحجر إذا غيبه.
يعني: حجر البيت.
وفي ((تهذيب المدونة)) : ولا يبصق في المسجد فوق الحصير ويدلكه ولكن تحته، ولا يبصق في حائط القبلة، ولا في مسجد غير محصب إذا لم يقدر على دفن البصاق فيه، وأن كان المسجد محصبا فلا بأس أن يبصق بين يديه وعن يمينه وعن يساره وتحت قدمه ويدفنه. انتهى.
ولعل هذا في غير الصَّلاة.
وروى أبو عبيد بإسناد عن عمر، أنه حصب المسجد، وقال: هو أغفر
للنخامة.
وقال: معناه: أستر لها وأشد تغطية.
قال أبو عبيد: فيه من الفقه الرخصة في البزاق في المسجد إذا دفن.
وقالت طائفة: لا يفعل ذلك في المسجد، بل خارج المسجد، ولا
стр. 1166
يبزق في المسجد إلا في ثوبه، أو يبزق في المسجد ويحذف بصاقه إلى خارج المسجد حتى يقع خارجاً منه.
وهذا هو أكثر النصوص عن أحمد.
وكان أحمد يبزق في المسجد في الصلاة، ويعطف بوجهه حتى يلقيه خارج المسجد عن يساره -: نقله عنه أبو داود.
وقال بكر بن محمد: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: ما ترى في الرجل يبزق في المسجد ثم يدلكه برجله؟ قال: هذا ليس هو في كل الحديث. قال: والمساجد قد طرح فيها بواري ليس كما
стр. 1167
كانت. قال: فأعجب إلي إذا أراد أن يبزق وهو يصلي أن يبزق عن يساره إذا كان البزاق يقع في غير المسجد، يقع خارجا، وإذا كان في مسجد ولا يمكنه أن يقع بزاقه خارجا أن يجعله في ثوبه.
وقد ذكرنا فيما تقدم عن حذيفة، أن المصلي له أن يبصق خلفه، وهذا إنما يكون بالتفات شديد بوجهه عن القبلة.
وقد روي هذا الحديث مرفوعا من حديث يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن طارق بن عبد الله المحاربي، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا كنت في الصلاة، فلا تبزق عن يمنيك ولا بين يديك، ولكن خلفك أو تلقاء شمالك أو تحت قدمك اليسرى)) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.
وصححه، وقال: العمل عليه عند أهل العلم.
وبوب عليه النسائي: ((الرخصة للمصلي أن يبزق خلفه أو تلقاء شماله)) .
وقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث، وهي قوله: ((خلفك)) ، وقال: لم يقل ذَلِكَ وكيع ولا عبد الرزاق.
قالَ الدارقطني: هي وهم من يحيى بن سعيد، ولم يذكرها جماعة
стр. 1168
من الحفاظ من أصحاب سفيان، وكذلك رواه أصحاب منصور عنه، لم يقل أحد منهم: ((ابزق خلفك)) .
وروى سليمان بن حرب عن شعبة، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ،: ((إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبزق عن يمينه ولا عن
يساره، ولا عن بين يديه، ولكن تحت قدمه اليسرى، فإن لم يستطع ففي ثوبه)) .
وأخطأ سليمان في قوله: ((ولا عن يساره)) ؛ فقد رواه أصحاب شعبة، عنه، وقالوا: ((ولكن عن يساره تحت قدمه)) -: ذكره ابن أبي حاتم.
وقد خرجه مسلم في ((صحيحه)) كذلك.
стр. 1169
واستدل ابن عبد البر بحديث تنخم النبي ﷺ في صلا ته على أن النحنحة ونحوها لا تبطل الصلاة إذا كانت لعذر. قال: لأن للتنخم صوتا كالتنحنح، وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق.
وقد أشار البخاري إلى ذلك في أواخر ((كتاب: الصلاة)) - أيضا -، ويأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى.
стр. 1170
٣٧ - باب
كفارة البزاق في المسجد
стр. 1171
٤١٥ - حدثنا آدم: ثنا شعبة: ثنا قتادة: قال: سمعت أنس بن مالك، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها)) .
قوله: ((خطيئة)) ظاهرة يقتضي أنه معصية، وجعل كفارة هذه المعصية دفنها.
وهذا يستدل به من يقول: إن البزاق لا يجوز في المسجد مع دفنه، كما لا يجوز لاحد أن يعمل ذنبا ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية.
وفي ((صحيح مُسْلِم)) عَن أبي ذر، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: ((عرضت عليَّ أعمال أمتي، حسنها وسيئها، فوجدت فِي محاسن أعمالها الأذى يماط عَن الطريق، ووجدت فِي مساوىء أعمالها النخامة تكون فِي المسجد لا تدفن)) .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان في ((صحيحة)) من حديث السائب بن خلاد، أن رجلا أم قوما فبزق في القبلة ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: ((لا يصلي لكم)) ، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك
стр. 1172
لرسول الله ﷺ ، فقال: ((نعم)) . وحسبت أنه قال:
((إنك آذيت الله ورسوله)) .
وخرج أبو داود وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)) من حديث حذيفة، عن النبي ﷺ ، قال: ((من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه)) .
وخرج ابن خزيمة وابن حبان من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال:
((يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه)) .
وقال أبو هريرة: إن المسجد لينْزوي من النخامة كما تنْزوي
стр. 1173
الجلدة من النار.
خرجه وكيع وابن أبي شيبة وغيروهما.
стр. 1174
٣٨ - باب
دفن النخامة في المسجد
стр. 1175
٤١٦ - حدثنا إسحاق بن نصر: أبنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه: سمع أبا هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه؛ فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكا، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فيدفنها)) .
دفن النخامة في المسجد مأمور به، وهو كفارة لها كما في الحديث قبله، وقد ورد الأمر بالحفر لها والأبعاد فيه، كما في ((مسند الإمام أحمد)) من حديث عبد الرحمن بن أبي حدرد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا بزق أحدكم في المسجد فليحفر فليبعد، فإن يفعل فليبزق في ثوبه)) .
وقد ورد تعليل ذلك بخشية إصابتها للمصلين، ففي ((المسند)) عن
стр. 1176
سعد ابن أبي وقاص، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا تنخم أحدكم في المسجد فليبعدها، لا تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه)) .
وقال علي بن المديني: هو حسن الإسناد.
وهذا مما يدل على إن قرار المسجد وباطنه يجوز أن يجعل مدفنا للأقذار
الطاهرة.
وقد كان بعض الصحابة والتابعين يتفلى في المسجد ويقتل القمل ويدفنه في المسجد، روي ذلك عن معاذ وأبي هريرة وأبي إمامة وأبي العالية.
وهو مما يستدل به على طهارة دم القمل والبراغيث ونحوها.
وحكى بعض أصحابنا في جواز دفنها في المسجد وجهين، ولعلهما مبنيان على الخلاف في طهارة دمها ونجاسته.
ومذهب مالك: يكره قتلها في المسجد وإلقاؤها فيه.
وفي المسند بإسناد فيه بعض من لا يعرف، أن رجلا وجد
стр. 1177
في ثوبه قملة، فأخذها ليطرحها في المسجد، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تفعل، ردها في ثوبك حتى تخرج من المسجد)) .
وبإسناد تخر عن رجل من الأنصار، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا وجد أحدكم القملة فليصرها، ولا يلقيها في المسجد)) .
وقد قيل: أنه مرسل.
وكذلك خرجه أبو داود في مراسيله.
والذي قبله - أيضا - مرسل -: نص عليه الإمام أحمد، وذكر أن بعضهم
وصله، وأخطأ في وصله. والله أعلم.
стр. 1178
٣٩ - باب
إذا بدره البصاق فليأخذ بطرف ثوبه
стр. 1179
٤١٧ - حدثنا مالك بن إسماعيل: ثنا زهير: ثنا حُميد، عن أنس، أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة فحكها بيده، ورئي منه كراهية - أو رئي كراهية - لذلك وشدته عليه، فقال: ((إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه - أو إن ربه بينه وبين القبلة -، فلا يبزقن في قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)) ، ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه، ورد بعضه على بعض. قال: ((أو يفعل هكذا)) .
ومقصوده بتخريج هذا الحديث في هذا الباب: ذكر حكم البصاق في الثوب خاصة، وقد بينه ﷺ بقوله وفعله، كما سبق التنبيه على ذلك، وأن فيه إشارة إلى أن تلويث الثوب للحاجة إليه مما ينبغي التنزه عنه، كما قد يأنف منه بعض أهل الكبر والأنفة.
والمصلي إن كان في المسجد فالأولى أن يبصق في ثوبه ويدلكه بعضه ببعض، كما فعل النبي ﷺ ؛ ليذهب أثره، وهو أولى من البصاق في المسجد مع تغييبه؛ للاختلاف في جوازه.
وإن كان خارج المسجد، فقالت طائفة من أصحابنا: الأولى أن يبصق
стр. 1180
عن يساره؛ لما فيه من صيانة الثوب عن تلويثه بالمستقذرات.
وخرج مسلم من حديث القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن
رسول الله ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فاقبل عَلَى الناس، فقال: ((ما بال حدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أن يُستقبل فيتنخع فِي وجهه، فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عَن يساره تَحْت قدمه، فإن لَمْ يجد فيتفل هكذا)) . ووصف الْقَاسِم: فتفل فِي ثوبه، ثُمَّ مسح بعضه عَلَى بعض.
وفي رِوَايَة لَهُ: قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: كأني أنظر إلى رَسُول الله ﷺ يرد ثوبه بعضه عَلَى بعض.
وهذا يستدل به على أن البصاق على الأرض حيث أمكن فهو أولى من البصاق في الثوب؛ لأنه لم يأمر به إلا عند تعذر البصاق عن يساره، وليس المراد أنه لا يجوز فعله إلا عند تعذر البصاق على الأرض، بل المراد أنه لا حاجة إلى تلويث ثوبه بالبصاق مع القدرة على الاستغناء عنه.
فهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] ، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
وقد قال النبي ﷺ لزيد بن الحارثة: ((أنت أخونا ومولانا)) ، مع أنه كان يعلم أباه.
стр. 1181
٤٠ - باب
عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة، وذكر القبلة
стр. 1182
٤١٨ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((هل ترون قبلتي هاهنا؟ فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم؛ إني لأراكم من وراء ظهري)) .
стр. 1183
٤١٩ - حدثنا يحيى بن صالح: ثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن أنس بن مالك، قالَ: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة، ثُمَّ رقي المنبر، فقالَ في الصَّلاة وفي الركوع -: ((إني لأراكم من ورائي كما أراكم)) .
وروى قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: ((أقيموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعدي)) - وبما قال: ((من بعد ظهري - إذا ركعتم وسجدتم)) .
خرجه البخاري في ((باب: الخشوع في الصلاة)) كما سيأتي من حديث شعبة.
وخرجه مسلم من رواية شعبة وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.
وأظن أن البخاري عدل عنه هاهنا إلى حديث فليح عن هلال؛ لأن قتادة لم يصرح فيه بالسماع، وقد أكثر البخاري في ((كتابه))
стр. 1184
هذا من تخريج حديث فليح بن سليمان عن هلال بن علي.
وهو هلال بن أبي ميمونة. روى عنه مالك وغيره، وقد ذكر البخاري في ((تاريخه)) أنه سمع أنسا، ولم يذكر ابن أبي حاتم في ((كتابه)) أنه يروي عن أنس، وذكر أنه سأل أباه عنه، فقال: شيخ يكتب حديثه.
وأما فليح بن سليمان، فقال فيه ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي، وضعفه ابن معين - أيضا -، وقال: لا يحتج به. وحكي عن أبي كامل المظفر بن مدرك أنه كان يتقي حديثه، وضعفه أبو زرعة الرازي، وقال: هو واهي الحديث -: نقله عنه البرذعي، وضعفه علي بن المديني - أيضا - نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة في ((سؤالاته له)) .
وبكل حال؛ فرواية شعبة عن قتادة عن أنس، وإن لم يصرح بالسماع أقوى من رواية فليح عن هلال عن أنس. والله أعلم.
وخرج مسلم - أيضا - من حديث المختار بن فلفل، عن أنس،
стр. 1185
قال: صلى بنا
رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى أقبل علينا بوجهه، فقال: ((أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف؛ فإني أراكم أمامي ومن خلفي)) . ثم قال: ((والذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)) . قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: ((رأيت الجنة والنار)) .
وخرج – أيضا – من طريق الوليد بن كثير: حدثني سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله ﷺ ثم انصرف، فقال: ((يا فلان إلا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه، إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي)) .
دلت هذه الأحاديث على أن من رأى من يسيء صلاته فإنه يأمره بإحسان صلاته ويعظه ويبالغ في الوعظ؛ فإن القلوب تستجيب إلى الحق بالموعظة الحسنة ما لا تستجيب بالعنف، لا سيما إذا عم بالموعظة ولم يخص أحدا، وإن خصمه فإنه يلين له القول.
وقد قال الله تعالى لنبيه ﵇: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء:٦٣] وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] .
وفي بعض هذه الروايات أنه خطب الناس على المنبر، واتفقت الأحاديث كلها على أنه أمر بإقامة الركوع، وفي بعضها: والسجود، وفي بعضها: والخشوع، وفي بعضها: أنه نهاهم عن مسابقته بالركوع والسجود والانصراف من المسجد بعد إتمام صلاته، وهذا كما أمر
стр. 1186
المصلي الذي أساء في صلاته أن يعود إلى الصلاة، وقال له: ((إنك لم تصل)) .
قال ميمون بن مهران: مثل الذي يرى الرجل يسيء صلاته فلا ينهاه كمثل الذي يرى النائم تنهشه الحية ثم لا يوقظه.
وعن يحيى بن أبي كثير نحوه.
ورأى ابن عمر رجلا لا يتم ركوعه وسجوده، فقال له لما فرغ: يا بن أخي، تحسب انك صليت؟! إنك لم تصل، فعد لصلاتك.
وكان المسور بن مخرمة وغيره من الصحابة إذا رأوا من لا يتم صلاته أمروه بالإعادة، ويقولون: لا يعصى الله ونحن ننظر، ما استطعنا.
قال النخعي: كانوا إذا رأوا الرجل لا يحسن الصلاة علموه.
قال سفيان: أخشى أن لا يسعهم إلا ذلك.
قال أبو خلاد: ما من قوم فيهم من يتهاون بالصلاة ولا يأخذون على يديه إلا كان أول عقوبتهم إن ينقص من أرزاقهم.
ورأى الإمام أحمد رجلا لا يتم
стр. 1187
ركوعه ولا سجوده، فقال: يا هذا، أقم صلبك في الركوع والسجود، وأحسن صلاتك.
وقيل له: الرجل يرى أهل المسجد يسيئون الصلاة؟ قال: يأمرهم. قيل له: إنهم يكثرون، وربما كان عامة أهل المسجد؟ قال: يقول لهم. قيل له: يقول لهم مرتين أو ثلاثا فلا ينتهون، يتركهم بعد ذلك؟ قال: أرجو أن يسلم - أو كلمة نحوها.
وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى الرجل إذا رأي الرجل لا يتم ركوعه ولا سجوده، ولا يقيم صلبه، ترى إن يأمره بالإعادة أو يمسك عنه؟ قال: إن كان يظن أنه يقبل منه أمره وقال له ووعظه حتى يحسن صلاته؛ فإن الصلاة من تمام الدين.
وقوله: ((إن كان يظن أنه يقبل منه)) ، يخرج على قوله: أنه لا يجب الأمر بالمعروف إلا لمن ظن أنه يقبل.
والمشهور عنه خلافه، وانه يجب مطلقا مع القدرة.
ويجب الأمر بإتمام الركوع والسجود وإقامة الصلب في الصلاة، وإن كان قد قال بعض الفقهاء: إن الصلاة صحيحة بدونه؛ لأن الخلاف إذا كان مخالفا للسنن الصحيحة فلا يكون عذرا مسقطا للأمر بالمعروف.
وأيضا؛ فالخلاف إنما هو في براءة الذمة منها، وقد اجمعوا على إنها صلاة ناقصة، ومصليها مسيء غير محسن، وجميع النصوص المذكورة في هذا الباب تدل على الأمر لمن لا يتم الركوع والسجود بإتمامها.
وفي ((المسند)) و ((سنن ابن ماجه)) ، عن علي بن شيبان الحنفي - وكان أحد الوفد -، قال: قدمنا على نبي الله ﷺ ، فلمح بمؤخر عينه إلى الرجل لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود، فلما قضى
стр. 1188
النبي ﷺ صلاته قال: ((يا معشر المسلمين، لا صلاة لامرئ لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود)) .
ومتى كان المسيء في صلاته جاهلا بما أساء فيه تعين الرفق في تعليمه، كما رفق النبي ﷺ بالذي قال له: والذي بعثك بالحق، لا أحسن غير هذه الصلاة، فعلمني، فعلمه.
وفي ((صحيح مسلم)) عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع النبي ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: رحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ فأبي هو وأمي -، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كرهني ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)) - أو كما قال رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام - وذكر بقية حديث.
فإن رأى من يفعل في صلاته مكروها لا يبطل الصلاة فأمره بتركه برفق كان حسنا.
стр. 1189
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: رجل رأى رجلا مشمرا كميه في الصلاة، أترى عليه أن يأمره؟ قال: يستحب له إن يصلي غير كاف شعرا ولا ثوبا، وليس هذا من المنكر الذي يغلظ ترك النهي عنه.
وصلى أحمد يوما خلف رجل، فكان إذا سجد جمع ثوبه بيديه، فلما فرغ قال أحمد لرجل إلى جانبه - وخفض صوته - قال النبي ﷺ : ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يكف شعرا ولا ثوبا)) ، ففطن الإمام بذلك، وعلم أنه أراده.
ورأى الفضيل بن عياض رجلا يفقع أصابعه في صلاته فزبره وانتهره فقال له الرجل: يا هذا، ينبغي لمن يقوم لله أن يكون ذليلا، فبكى الفضيل، وقال له: صدقت.
وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أن قد عقلنا عنه، ثم خرج علينا يوما، فقام حتى كاد أن يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف، فقال: ((عباد الله، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)) .
وقوله ﷺ : ((إني لأراكم من وراء ظهري)) ، وفي رواية: ((من خلفي)) ،
стр. 1190
وفي رواية: ((من بعدي)) - والمراد به: من خلفي -: فيه تحذير لهم من التقصير في الصلاة وراءه، فإنهم لو كانوا بين يديه لم يقصروا في الصلاة فكذا ينبغي أن يصلوا من خلفه؛ فإنه يراهم.
وفيه تنبيه على إن من كان يحسن صلاته لعلمه بنظر مخلوق إليه فإنه ينبغي أن يحسنها لعلمه بنظر الله إليه؛ فإن المصلي يناجي ربه، وهو قريب منه ومطلع على سره وعلانيته.
وقد روي حديث أبي هريرة بلفظ أخر، فيه: الإشارة إلى هذا المعنى من رواية ابن إسحاق: حدثني سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال صلى بنا رسول الله ﷺ ، فلما انصرف من صلاته رأى رجلا كان في أخر الصفوف، فقال: ((أي فلان، ألا تتقي الله في صلاتك، فلا تتم ركوعك وسجودك، ألا ينظر المصلي منكم كيف يصلي؟ وإنما يصلي لنفسه، وإنما يناجي ربه ، لا تظنون إني لا أراكم، والله إني لأرى من خلفي منكم كما أرى من بين يدي)) .
فقوله: ((ألا ينظر المصلي منكم كيف يصلي، وإنما يصلي لنفسه)) ، يشير إلى أن نفع صلاته يعود إلى نفسه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] ، فمن علم أنه يعمل لنفسه وانه ملاق عمله، ثم قصر في عمله وأساء كان مسيئا في حق نفسه، غير ناظر لها ولا ناصح.
стр. 1191
وقوله: ((وإنما يناجي ربه)) ، إشارة إلى أنه ينبغي إلى أنه ينبغي له أن يستحي من نظر الله إليه، وإطلاعه عليه وقربه منه، وهو قائم بين يديه يناجيه، فلو استشعر هذا لأحسن صلاته غاية الإحسان، وأتقنها غاية الإتقان، كما قال ﷺ : ((اعبد الله كأنك تراه)) .
وفي القرآن الإشارة إلى هذا بقوله : ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١] الآية.
وقوله ﷺ : ((لا تظنون أني لا أراكم، والله إني لأرى من خلفي منكم)) ، توبيخ لمن قصر في صلاته حيث يظن أن مخلوقا لا يراه، ثم يحسنها إذا ظن أنه يراه.
ومن هنا قال بعض العارفين: اتق الله أن يكون أهون الناظرين أليك.
وروى إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: ((من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو فذلك استهانة استهان بها ربه )) .
وروي موقوفا.
وروي بقية، عن ورقاء بن عمر، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - مرفوعا -: ((إذا صلى العبد في العلانية فأحسن، وصلى في السر فأحسن قال الله: هذا عبدي حقا)) .
لعل بقية دلسه عن ضعيف.
стр. 1192
وقوله: ((إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي)) ، هو فضيلة للنبي ﷺ خصه الله بها، فكان ينظر ببصيرته كما ينظر ببصره، فيرى من خلفه كما يرى من بين يديه.
وقد فسره الإمام أحمد بذلك في رواية ابن هانئ، وتأول عليه قوله تعالى:
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٩] .
كما روى ابن أبي نجيج، عن مجاهد في قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ - وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨، ٢١٩] ، أن النبي ﷺ كان يرى أصحابه في صلاته من خلفه، كما يرى من بين يديه.
وتأويل الآية على هذا القول: إن الله تعالى يرى نبيه ﷺ حين يقوم إلى صلاته، ويرى تقلب نظره إلى الساجدين معه في صلاته.
وقال الأثرم: قلت لأحمد: قول النبي ﷺ : ((إني لأراكم من وراء ظهري)) ؟ قال: كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. قلت: إن إنسانا قال لي: هو في ذلك مثل غيره، وإنما كان يراهم كما ينظر الإمام عن يمينه وشماله، فأنكر ذلك إنكارا شديدا.
стр. 1193
٤١ - باب
هل يقال: مسجد بني فلان
ابتدأ البخاري ﵀ من هنا في ذكر المساجد وأحكامها، فأول ما ذكره من ذلك: أنه يجوز نسبة المساجد إلى القبائل؛ لعمارتهم إياها، أو مجاورتهم لها.
وقد كره ذَلِكَ بعض المتقدمين، وتعلق بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] .
والصحيح: أن الآية لم يرد بها ذلك، وأنها نزلت في النهي عن أن يشرك بالله في المساجد في عبادته غيره، كما يفعل أهل الكتاب في كنائسهم وبيعهم.
وقيل: إن المراد بالمساجد الأرض كلها؛ فإنها لهذه الأمة مساجد وهي كلها
لله، فنهى الله أن يسجد عليها لغيره.
وقيل: إن المراد بالمساجد أعضاء السجود نفسها، وهي لله؛ فإنه هو خلقها وجمعها وألفها، فمن شكره على هذه النعمة أن لا يسجد بها لغيره.
وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] يدل - أيضا - على أنه لا يجوز إضافة المساجد إلى مخلوق إضافة ملك واختصاص.
стр. 1194
وأخذ بعض أصحابنا من ذلك كالوزير ابن هبيرة: أنه لا يجوز نسبة شيء من المساجد إلى بعض طوائف المسلمين للاختصاص بها، فيقال: هذه المساجد للطائفة الفلانية، وهذه للطائفة الأخرى، فإنها مشتركة بين المسلمين عموما.
وذكر بعض المتأخرين من أصحابنا في صحة اشتراط ذلك في وقفها وجهين.
وأما إضافة المسجد إلى ما يعرفه به فليس بداخل في ذلك، وقد كان النبي ﷺ يضيف مسجده إلى نفسه، فيقول: ((مسجدي هذا)) ، ويضيف مسجد قباء إليه، ويضيف مسجد بيت المقدس إلى إيلياء، وكل هذه إضافات للمساجد إلى غير الله لتعريف أسمائها، وهذا غير داخل في النهي. والله أعلم.
قال البخاري ﵀:
стр. 1195
٤٢٠ - ثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن
رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء، وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها.
следующие страницы →