Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
أبي الرجال، قال: مات أسعد بن زرارة في شوال، على رأس تسعة أشهر من الهجرة، ومسجد رسول الله ﷺ يؤمئذ يبنى.
وهذا يدل على أن بناء المسجد لم يتم إلا بعد تسعة أشهر من الهجرة.
وأما قول أنس: ((فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل)) .
لفظه: ((خرب)) رويت بالخاء المعجمة والباء الموحدة. ورويت: ((حرث)) بالحاء والثاء المثلثة.
قال الإسماعيلي: من قال: ((حرث)) . فهو محتمل؛ لأن ما حرث ولم يزرع أو زرع فرفع زرعه، كانت الأخاديد والشقوق باقية في الأرض.
يشير إلى أن ذلك يناسب قوله: ((فأمر بالحرث فسويت)) .
قال: ومن قال: ((خرب)) فهو صحيح؛ فهو جمع خربة أو خربة – بضم الخاء – وهو العيب، كالجحر والشق ونحوه.
قال: وأما ((الخرب)) فهو كقولك: مكان خرب - يعني: أنه يكون وصفا لمذكر.
قال: والحديث خارج على تأنيث هذا الحرف، فكأنه بالجمع أشبه.
وقال الخطابي: روي ((خرب)) - يعني: بكسر الخاء وبفتح الراء - قال الليث: هي لغة تميم خرب، والواحد خربة.
قال: وسائر الناس يقولون: ((خرب)) - يعني: بفتح الخاء وكسر الراء -، جمع خربة، كما قيل: كلم جمع كلمة. ولعل الصواب ((الخرب)) مضمومة الخاء جمع خربة وهي الخروق التي في الأرض، إلا أنهم يقولونها في كل ثقبة مستديرة.
قال: ولعل الرواية: ((الجرف)) جمع الجرفة، وهي جمع الجرف،
стр. 1262
كما قيل: خرج وخرجه، وترس وترسه.
قال: وأبين منها - إن ساعدت الرواية -: ((حدب)) جمع حدبة، لقوله: ((فسويت)) ، وإنما يسوى المكان المحدودب، أو ما فيه خروق، فأما الخرب فتبنى وتعمر. انتهى ما ذكره.
وفيه تكلف شديد، وتلاعب بهذه اللفظة بحسب ما يدخلها من الاحتمالات المستبعدة. والرواية التي رواها الحفاظ: ((خرب)) ، فإن كان مفردا، فإنما أنث
تسويته؛ لأن التأنيث يعود إلى أماكنه، والظاهر أنها كانت متعددة، وإن كان
((خرب)) ؛ - بالجمع - فتأنيثها واضح.
ومعنى تسوية الخرب: أن البناء الخراب المستهدم يصير في موضعه أماكن مرتفعة عن الأرض فتحتاج إلى أن تحفر وتسوى بالأرض، وهذا أمر واضح ظاهر، لا يحتاج إلى تكلف ولا تعسف.
وأما ((النخل)) فقد اخبر أنس أنه قطع، وصف قبلة للمسجد، وأما ((قبور المشركين)) فنبشت، وذكر أنهم بدءوا بنبش القبور، ثم بتسوية الخرب، ثم بقطع النخل.
والمقصود من تخريج الحديث في هذا الباب: أن موضع المسجد كان فيه قبور للمشركين، فنبشت قبورهم، وأخرجت عظامهم منها، وهذا يدل على أن المقبرة إذا نبشت وأخرج ما فيها من عظام الموتى لم تبق مقبرة، وجازت الصلاة فيها.
ويدل على كراهة الصلاة في المقبرة
стр. 1263
ولو كانت قبور المشركين؛ لما فيه من سد الذريعة إلى اتخاذ القبور مساجد، فإنه إذا تطاول العهد، ولم تعرف الحال، خشي من ذلك الفتنة.
وقد يقال مع ذلك: إن في نبش عظام المشركين للصلاة في أماكنها تباعدا في الصلاة عن مواضع العذاب والغضب، وهي مما يكره الصلاة فيها، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى.
وفي الحديث: دليل على طهارة الأرض بالاستحالة؛ فإن النبي ﷺ لم يأمر عند نبش الأرض بإزالة تراب القبور ولا تطهيرها، ولو فعل ذلك لما أهمل نقله؛ للحاجة إليه.
ويدل عليه - أيضا -: أن الصحابة كانوا يخوضون الطين في الطرقات ولا يغسلون أرجلهم - كما تقدم عنهم - والنجاسات مشاهدة في الطرقات، فلو لم تطهر بالاستحالة لما سومح في ذلك.
وهذا قول طائفة من العلماء من السلف، كأبي قلابة وغيره، ورجحه بعض أصحابنا، وهو رواية عن أبي حنيفة، والمشهور عنه: أن الأرض النجسة إذا جفت فإنه يصلى عليها، ولا يتيمم بها. ومذهب مالك والشافعي واحمد وغيرهم: أنها نجسة بكل حال.
وفي الحديث: دليل على أن قبور المشركين لا حرمة لها، وأنه يجوز نبش عظامهم، ونقلهم من الأرض للانتفاع بالأرض إذا احتيج إلى ذلك.
واختلفوا في نبش قبورهم لطلب ما يدفن معهم من مال، فرخص فيه كثير من العلماء. حكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة والشافعي. قال وكرهه مالك ولم يحرمه، وكان الناس يفعلون ذلك في أول
стр. 1264
الإسلام كثيرا.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه أمر بقبر أبي رغال، فأخبرهم أن معه غصنا من
ذهب، فنبشوه واستخرجوه منه.
ومن العلماء من كره ذلك، منهم الأوزاعي، وعلل بأنه يكره الدخول إلى مساكنهم؛ خشية نزول العذاب، فكيف بقبورهم؟
وكره بعض السلف نبش القبور العادية المجهولة؛ خشية أن يصادف قبر نبي أو صالح، وخصوصا بأرض الشام كالأردن.
ونص أحمد على أنه إذا غلب المسلمون على ارض الحرب فلا تنبش قبورهم.
وهذا محمول على ما إذا كان النبش عبثا لغير مصلحة، أو أن يخشى منه أن يفعل الكفار مثل ذلك بالمسلمين إذا غلبوا على أرضهم.
وفي الحديث: دليل على أن بيع الأرض التي في بعضها قبور صحيح، فإن النبي ﷺ طلب شراء هذا المربد.
وهذه المسألة على قسمين:
أحدهما: أن يكون المقبور في الأرض يجوز نبشه ونقله، كأهل الحرب، ومن دفن في مكان مغصوب، فهذا لا شك في صحة البيع للأرض كلها، وينقل المدفون فيها، كما أمر النبي ﷺ بنقل عظام المشركين من المربد.
стр. 1265
والثاني: أن يكون المقبور محترما لا يجوز نبشه، فلا يصح بيع موضع القبور خاصة.
وهل يصح في الباقي؟ يخرج على الخلاف المشهور في تفريق الصفقة.
ولو اشترى أرضا، فوجد في بعضها عظام موتى، ولم يعلم: هل هي مقبرة أم لا؟ فقال ابن عقيل من أصحابنا وبعض الشافعية في زمنه: لا يصح البيع في محل الدفن؛ لأن تلك البقعة إما أن تكون مسبلة، وإما أن تكون ملكا للميت قد وصى بدفنه فيها، فيكون أحق بها، ولا ينقل إلى الورثة.
وهذا الذي قالوه هو الأغلب، وإلا فيحتمل أن يكون الدفن في أرض مغصوبة أو مغارة للدفن، إلا أن هذا قليل أو نادر، فلا يعول عليه. والله أعلم.
والمنصوص عن أحمد: أنه إذا دفن في بيت من داره فلا بأس ببيعه، ما لم يجعل مقبرة مسبلة.
وفي الحديث: دليل على جواز قطع النخل لمصلحة في قطعه، وقد نص على جوازه أحمد: إذا كان في داره نخلة ضيقت عليه، فلا بأس أن يقطعها.
وكره جماعة قطع الشجر الذي يثمر، منهم: الحسن والأوزاعي وإسحاق، وكره أحمد قطع السدر خاصة لحديث مرسل ورد فيه، وقال: قل إنسان فعله إلا رأى ما يكره في الدنيا.
ورخص في قطعه آخرون. والله أعلم.
стр. 1266
٤٩ - باب
الصلاة في مرابض الغنم
стр. 1267
٤٢٩ - حدثنا سليمان بن حرب: ثنا شعبة، عن أبي التياح، عن أنس، قال: كان النبي ﷺ يصلي في مرابض الغنم.
ثم سمعته بعد يقول: كان يصلي في مرابض الغنم، قبل أن يبني المسجد.
هذا مختصر من الحديث الذي قبله، وإنما ترك الصلاة في مرابض الغنم بعد بناء المسجد؛ لاستغنائه عنها بالمسجد لا لنسخ الصلاة فيها، فإنه روي عنه أنه أذن في ذلك.
ففي ((صحيح مسلم)) عن جابر بن سمرة، أن رجلا قال للنبي ﷺ أصلي في مرابض الغنم؟ قال: ((نعم)) قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: ((لا)) .
وفيه أحاديث أخر، يأتي بعضها - إن شاء الله تعالى.
وقد روي الرخصة في ذلك عن ابن عمر، وأبي ذر، وأبي
стр. 1268
هريرة، وجابر ابن سمرة، وابن الزبير وغيرهم، وهو قول العلماء بعدهم.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم، إلا الشافعي، فإنه قال: لا أكره الصلاة في مراح الغنم، إذا كان سليما من أبوالها وأبعارها.
стр. 1269
٥٠ - باب
الصلاة في مواضع الإبل
стр. 1270
٤٣٠ - حدثنا صدقة بن الفضل: ثنا سليمان بن حيان: ثنا عبيد الله، عن
نافع، قال: رايت ابن عمر يصلي إلى بعيره، فقال: رايت النبي ﷺ يفعله.
سليمان بن حيان، هو: أبو خالد الأحمر.
وقد خرج الشيخان هذا الحديث في ((صحيحيهما)) من طريقة، ومن طريق المعتمر بن سليمان - أيضا -، عن عبيد الله بن عمر.
ورواه - أيضا - شريك، عن عبيد الله كذلك.
وخالفهم ابن نمير ومحمد بن عبيد، فروياه عن عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر كان يفعل ذلك - ولم يرفعاه.
وزعم الدارقطني: أنه صحيح.
وتصرف الشيخين يشهد بخلاف ذلك، وان الصحيح رفعه؛ لان من رفعه فقد زاد، وهم جماعة ثقات.
والحديث نص في جواز الصلاة إلى البعير.
قال ابن المنذر: فعل ذلك ابن عمر وانس، وبه قال مالك والاوزاعي.
وقال أبو طالب: سالت أحمد: يصلي الرجل
стр. 1271
إلى بعيره؟ قال: نعم؛ النبي ﷺ فعل، وابن عمر.
وكلام أحمد هذا يدل على صحة رفع الحديث عنده، كما هي طريقة البخاري ومسلم.
وممن روى عنه الاستتار ببعيره في الصلاة: سويد بن غفلة، والأسود بن يزيد، وعطاء، والقاسم، وسالم.
وقال الحسن: لا بأس به.
قال ابن عبد البر: لا أعلم فيه خلافا.
ونقل البويطي، عن الشافعي: أنه لا يصلي إلى دابة.
قال بعض أصحابه المتأخرين: لعل الشافعي لم يبلغه الحديث، وقد وصانا باتباع الحديث إذا صح، وقد صح هذا الحديث، ولا معارض له.
وتبويب البخاري: يدل على أن هذا الحديث يؤخذ منه يجوز الصلاة في مواضع الإبل وأعطانها، وقد سبقه إلى ذلك بعض من تقدم.
وقد كتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن مسائل، منها: الصلاة في أعطان الإبل، فكتب له كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض احدهم ناقته بينه وبين القبلة، فيصلي إليها، وهي تبعر وتبول.
وروى وكيع، عن إسرائيل، عن جابر - هو: الجعفي -، عن عامر
стр. 1272
الشعبي، عن جندب بن عامر السلمي، أنه كان يصلي في أعطان الإبل ومرابض الغنم.
ورخص سفيان الثوري في الصلاة في أعطان الإبل، وذكره بعض المصنفين على مذهبه، وقال: رواه عنه القناد.
وأكثر أهل العلم على كراهة الصلاة في أعطان الإبل.
قال ابن المنذر: وممن روينا عنه أنه رأى الصلاة في مرابض الغنم، ولا يصلي في أعطان الإبل: جابر بن سمرة، وعبد الله بن عمر، والحسن، ومالك وإسحاق، وأبو ثور. انتهى.
وهو - أيضا - قول الشافعي وأحمد.
وقد روى ذلك عن النبي ﷺ من طرق متعددة، وقد سبق حديث جابر بن
سمرة، عن النبي ﷺ بالنهي عن الصلاة في أعطان الإبل، والأمر بالصلاة في مرابض
الغنم.
خرجه مسلم.
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في
((صحيحيهما)) من حديث ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل)) .
وصححه الترمذي، وإسناده كلهم ثقات، إلا أنه اختلف على ابن سيرين في رفعه ووقفه.
стр. 1273
قال الدارقطني: كانت عادة ابن سيرين أنه ربما توقف عن رفع الحديث توقيا.
وخرجه الترمذي من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، وذكر أنه اختلف في رفعه ووقفه - أيضا -، في كتاب ((العلل)) عن البخاري: أن المعروف وقفه.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث البراء بن عازب، قال: سئل
رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: ((لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين)) .
وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: ((صلوا فيها؛ فإنها بركة)) .
قال ابن عبد البر: هو أحسن أحاديث الباب، وأكثرها تواترا.
وروى الحسن، عن عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في أعطان الإبل.
стр. 1274
خرجه الإمام أحمد والنسائي وخرجه ابن ماجه وابن حبان في ((صحيحه)) ، ولفظهما: أن رسول الله ﷺ قال: ((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فأنها خلقت من الشياطين)) .
وفي رواية للإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: ((لاتصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها من الجن خلقت، إلا ترون عيونها وهبتها، إذا نفرت، وصلوا في مرابد الغنم؛ فإنها هي اقرب من الرحمة)) .
وخرجه الشافعي بإسناد فيه ضعف، ولفظه: ((إذا أدركتم الصلاة وانتم في مراح الغنم فصلوا فيها؛ فأنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم الصلاة وانتم فِي أعطان الإبل فاخرجوا مِنْهَا فصلوا؛ فأنها جن من جن خلقت إلا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ
بأنفها)) .
وله طرق متعددة عن الحسن.
قال ابن عبد البر: رواه عن الحسن خمسة عشر رجلا.
والحسن، سمع من عبد الله بن المغفل -: قاله الإمام أحمد.
وخرج مسلم حديثه
стр. 1275
عنه في ((صحيحه)) .
وخرج الإمام أحمد - بإسناد جيد -، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل)) .
وخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو - مرفوعا - من رواية يونس ابن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنه - مرفوعا.
ويونس وثقه غير واحد.
لكن رواه مالك عن هشام، عن أبيه، عن رجل من المهاجرين، أنه سأل عبد الله بن عمرو - فذكره، ولم يرفعه.
ورواه عبدة ووكيع، عن هشام: حدثني رجل من المهاجرين - فذكره، ولم يذكر في الإسناد: ((عروة)) .
قال مسلم في ((كتاب التمييز)) : وهو الصواب.
واختلف القائلون بالكراهة: هل تصح الصلاة في أعطان الإبل، أم لا؟ فقال الأكثرون: تصح، وهو رواية عن أحمد، وأنه يعيد الصلاة استحبابا.
والمشهور عن أحمد: أنها لا تصح، وعليه الإعادة.
وعنه رواية ثالثة: إن علم بالنهي لم تصح، وألا صحت.
وعلله أصحاب الشافعي بأنها تنفر، فربما قطعت على المصلي صلاته.
стр. 1276
وهذا ضعيف؛ لوجهين:
أحدهما: أنه يبطل بالصلاة إلى البعير، لكن في كلام الشافعي ما يدل على كراهته.
والثاني: أنه ينتقض بما إذا لم تكن الإبل في أعطانها، فإن الكراهة لا تنتفي بذلك.
والمنصوص عن الشافعي: التعليل بما ورد به النص، أنها خلقت من الشياطين.
قال الشافعي: وفي قول النبي ﷺ : ((لا تصلوا في أعطان الإبل؛ فأنها جن من جن خلقت)) دليل على أنه إنما نهى عنها، كما قال حين نام عن الصلاة: ((اخرجوا بنا من هذا الوادي، فإنه واد به شيطان)) . فكره أن يصلي قرب شيطان وكذا كره أن يصلي قرب الإبل؛ لأنها خلقت من جن، لا لنجاسة موضعها.
وذكر أبو بكر الأثرم معنى هذا - أيضا - وأنه إنما كره الصلاة في معاطن الإبل؛ لأنها خلقت من الشياطين.
وقد فسر ابن قتيبة خلق الإبل من الشياطين بأنها خلقت من جنس خلقت منه الشياطين. قال: وورد في حديث آخر أنها خلقت من أعيان الشياطين، يريد من نواحيها وجوانبها. قال: ولم تزل العرب تنسب
стр. 1277
جنسا من الإبل إلى الحوش، فتقول: ناقة حوشية، وهي أنفر الإبل وأصعبها، ويزعمون أن للجن إبلا ببلاد الحوش، وأنها ضربت في نعم الناس فنتجت منها هذه الحوشية، فعلى هذا يجوز أن يراد أنها خلقت من نتاج نعم الجن، لا من الجن نفسها. انتهى.
ويجوز أن خلقت في أصلها من نار، كما خلقت الجن من نار، ثم توالدت كما توالدت الجن. والله تعالى أعلم.
وزعم الخطابي أنها نسبت إلى الشياطين لما فيها من النفار والشرود. قال: والعرب تسمي كل مارد شيطانا.
وقال أبو عبيد: المراد: أنها في أخلاقها وطبائعها تشبه الشياطين.
وقد ورد في حديث آخر: ((إن على ذروة كل بعير شيطانا)) مع أن النبي ﷺ كان يصلي في السفر على بعيره النوافل، وهذا مما يستدل به من يقول: إن النهي عن الصلاة في الأعطان لا يمنع صحة الصلاة.
واختلفوا في تفسير أعطان الإبل.
فقال الشافعي: العطن: قرب البئر التي يستقى منها، وتكون البئر في موضع، والحوض قريبا منها، فيصب فيه فيملأ، فتسقى الإبل ثم تنحى عن البئر شيئا حتى تجد الواردة موضعا، فذلك العطن. قال: وليس العطن مراحها الذي تبيت فيه.
وكره أصحابه الصلاة في مأواها بالليل دون كراهة العطن.
стр. 1278
وقال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله -: العطن: الذي تقيم في المكان تأوي إليه.
وقال - في رواية ابنه صالح -: يعيد الصلاة إذا صلى في الموضع الذي تأوي إليه.
وقال أبو بكر الخلال: العطن: الذي تأوي إليه بالليل والنهار.
وقال أصحاب مالك: لا يصلي في أعطان الإبل التي في المناهل.
وهذا يشبه قول الشافعي، وهو وجه لأصحابنا - أيضا -، وأن العطن: هو موضع اجتماعها إذا صدرت عن المنهل، وبذلك فسره كثير من أهل اللغة.
وبكل حال؛ فليس الموضع الذي تنزله في سيرها عطنا لها، ولا تكره الصلاة فيه، والنبي ﷺ إنما كان يعرض بعيره ويصلي إليه في أسفاره، ولم يكن يدخل إلى أعطان الإبل فيعرض البعير ويصلي إليه فيها، فلا تعارض حينئذ بين صلاته إلى بعيره، وبين نهيه عن الصلاة في أعطان الإبل، كما توهمه البخاري ومن وافقه. والله أعلم.
وأما مواضع البقر فغير منهي عن الصلاة فيه عند أكثر العلماء، ومنهم: عطاء ومالك وابن المنذر، واستدل لَهُ بقول النبي ﷺ : ((أينما أدركتك الصلاة فصل، فهو مسجد)) .
وقد ورد
стр. 1279
فيه حديثان:
أحدهما: خرجه ابن وهب في ((مسنده)) عن سعيد بن أبي أيوب، عمن
حدثه، عن عبد الله بن مغفل صاحب النبي ﷺ ، أنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في معاطن الإبل، وأمر أن يصلى في مراح الغنم والبقر.
وفي إسناده جهالة.
والثاني: من حديث ابن لهيعة، عن حيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمان الحبلي حدثه، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مرابد الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر.
خرجه الإمام أحمد.
وهذا إسناد ضعيف. والله أعلم.
стр. 1280
٥١ - باب
من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد،
فأراد به الله -
وقال الزهري: اخبرني أنس: قال النبي ﷺ ((عرضت علي النار وأنا اصلي)) .
стр. 1281
٤٣١ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك عن زيد بن اسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، قال: انخسفت الشمس، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم قال: ((أريت النار، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع)) .
حديث ابن عباس هذا قد خرجه بطوله في ((أبواب صلاة الكسوف)) وخرج فيها - أيضا - معناه من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄.
وأما حديث أنس الذي علقه فهو قطعة من حديث طويل، فيه: أن النبي ﷺ صلى الظهر عند الزوال، ثم صعد المنبر فذكر الساعة، ثم قال: ((من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل)) . وفي آخره: قال: ((عرضت علي الجنة والنار - آنفا - في عرض هذا الحائط، فلم أر كالخير والشر)) .
وقد خرجه البخاري بتمامه في ((باب: وقت الصلاة عند الزوال)) ، كما سيأتي - إن شاء
стр. 1282
الله تعالى -، وخرج بعضه في ((كتاب: العلم)) فيما سبق.
وخرجه - أيضا - بمعناه من حديث قتادة، عن أنس في ((كتاب: الفتن)) .
وليس في حديث الزهري وقتادة عن أنس أن عرض الجنة والنار عليه كان في الصلاة.
وخرج - أيضا - في ((باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة)) من حديث فليح: ثنا هلال بن علي، عن أنس، قال: صلى لنا رسول الله ﷺ ، ثم رقي المنبر، فأشار بيده قبل قبلة المسجد، ثم قال: ((لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشر)) - ثلاثا.
وخرج مسلم من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، قال: انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ فذكر صلاته وخطبته بعد الصلاة، وانه قال فيها: ((ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت؛ مخافة أن يصيبني من لفحها)) - وذكر الحديث.
ومقصود البخاري بهذا الباب: أن من صلى لله ، وكان بين يديه شيء من جنس ما عبد من دون الله كنار وتنور وغير ذلك، فإن صلاته صحيحة، وظاهر كلامه أنه لا يكره ذلك - أيضا.
واستدل بعرض النار على النبي ﷺ في صلاته، وفي هذا الاستدلال
стр. 1283
نظر.
قال الإسماعيلي: ليس ما أراه الله من النار حتى أطلعها بمنزلة نار يتوجه المرء إليها وهي معبودة لقوم، ولا حكم ما أري ليخبرهم بما رآه كحكم من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائما موضوعا فجعله أمام مصلاه وقبلته. انتهى.
فأشار إلى الفرق من وجوه:
منها: أن من كره الصلاة إلى نار أو تنور، فإنما كره أن يتعمد المصلي ذلك، وعرض النار على النبي ﷺ لم يكن كذلك.
ومنها: أن المكروه استقبال نار الدنيا؛ لأنها هي التي عبدت من دون الله ، فأما نار جهنم فهي دار عقاب الكفار، فليست كنار الدنيا.
ومنها: أن ما أري النبي ﷺ من أمر الغيب لا يتعلق به أحكام أمور الدنيا.
ومن هنا قيل: إن جبريل لما شق قلب النبي ﷺ وغسله في طست من ذهب لم يجر على ذلك حكم استعمال أواني الذهب في الدنيا.
وقد كره أكثر العلماء الصلاة إلى النار، منهم: ابن سيرين، كره الصلاة إلى تنور، وقال: هو بيت نار.
وقال سفيان: يكره أن يوضع السراج في قبلة المسجد.
وقال إسحاق: السراج لا بأس به، والكانون أكرهه -: نقله عنه حرب.
стр. 1284
وقال مهنا: سألت أحمد عن السراج والقنديل يكون في قبلة المسجد؟ قال: أكرهه، وأكره كل شيء؛ حتى كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئا حتى المصحف. وكان ابن عمر يكره أن يكون بينه وبين القبلة شيء.
ونقل الفرج بن الصباح البرزاطي عن أحمد، قال: إذا كان التنور في قبلة لا يصلى إليه؛ كان ابن سيرين يكره أن يصلي إلى التنور.
ووجه الكراهة: أن فيه تشبها بعباد النار في الصورة الظاهرة، فكره ذلك، وإن كان المصلي يصلي لله، كما كرهت الصلاة في وقت طلوع الشمس وغروبها لمشابهة سجود المصلي فيه سجود عباد الشمس لها في الصورة، وكما تكره الصلاة إلى صنم والى صورة مصورة.
قال أحمد في رواية الميموني: لا تصل إلى صورة منصوبة في وجهك.
وقد سبق ذكر كراهة الصلاة إلى الصور.
وأما استثناء إسحاق من ذلك السراج، فقد أشار حرب إلى الاستدلال له بما خرجه من طريق أسباط، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال بينما رسول الله ﷺ يصلي على حصير - وبين يديه مصباح - قال: فجاءت الفأرة، فأخذت الفتيلة: فألقتها على الحصير، وأحرقت منه قدر الدرهم، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الفويسقة لتضرم على أهل البيت)) .
وقد خرجه أبو داود، وليس عنده ذكر الصلاة على الحصير، ولا
стр. 1285
أن بين يديه مصباحا.
ولو وضع بين يدي المصلي في صلاته نار لم تبطل صلاته، ويزيلها عنه بحسب القدرة.
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ فأم، فسمعناه يقول: ((أعوذ بالله منك)) . ثم قال: ((ألعنك بلعنة الله)) - ثلاثا - وبسط يديه كأنه تناول شيئا، فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك. قال: ((إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار؛ ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر - ثلاث مرات -، ثم أردت آخذه، والله؛ لولا دعوة أخينا سليمان ﵇ لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة)) .
وخرج الإمام أحمد من حديث سماك بن حرب، سمع جابر بن سمرة يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر، فجعل يهوي بيده فسأله القوم حين انصرف، فقال: ((إن الشيطان كان يلقي علي شرر النار؛ ليفتنني عن الصلاة، فتناولته، فلو أخذته ما انفلت مني حتى يناط إلى سارية من سواري المسجد ينظر إليه ولدان أهل المدينة)) .
стр. 1286
٥٢ - باب
كراهية الصلاة في المقابر
стр. 1287
٤٣٢ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا)) .
قد سبق استدلال ابن المنذر بهذا الحديث - أيضا - على كراهة الصلاة في
المقبرة، وكذلك الخطابي وغيره.
ووجه ذلك: أن النبي ﷺ أمرهم بأن يصلوا في بيوتهم، ولا يتخذوها قبورا بترك الصلاة فيها، فدل على أن القبور ليس فيها صلاة، وان البيت يكره إخلاءه عن الصلاة، لما فيه من تشبيه بالمقابر الخالية عن الصلاة.
ولكن قد يقال: النهي عن تشبيه البيوت بالمقابر في إخلائها عن الصلاة إنما يراد منه أن المقابر تخلو عن الصلاة فيها في الواقع المشاهد؛ فإنها ليست محلا لصلاة الأحياء عادة. ومن فيها من الأموات لا يقدرون على الصلاة، فصارت خالية عن الصلاة عادة.
وهذا إخبار بحسب الغالب، وإلا فقد شوهد صلاة بعض الموتى في قبورهم، ورئي ذلك في المنام واليقظة، ولكنه نادر، فنهى عن تشبيه
стр. 1288
بيوت الأحياء بمقابر الأموات في إخلائها عن الصلاة فيها لذلك.
وقد قال الحسن: من أوى إلى فراشه طاهرا، وذكر الله حتى تغلبه عيناه كان فراشه له مسجدا، ومن أوى إلى فراش غير طاهر، ولم يذكر الله كان فراشه له قبرا.
يشير إلى أنه يصير كالقبر لخلوه عن الذكر، والنائم عن الذكر يصير له كالمسجد.
وحينئذ فلا يبقى في الحديث تعرض لمنع الصلاة في المقابر شرعاً، حيث كان المراد ذكر امتناع الصلاة فيها في الواقع.
وقد قال بعضهم في قوله: ((ولا تتخذوها قبورا)) : أنه نهى عن الدفن في البيوت، وهذا بعيد جداً.
قال الخطابي: لا معنى لقول من تأوله على النهى عن دفن الموتى في البيوت، فقد دفن النبي ﷺ في بيته الذي كان يسكنه.
وأكثر العلماء على جواز الدفن في البيوت، ووصى يزيد بن عبد الله بن الشخير أن يدفن في داره، فدفن فيها، وشهد الحسن جنازته، ولم ينكر ذلك أحد.
قال أحمد: لا بأس أن يشتري الرجل موضع قبره، ويوصي أن يدفن فيه إذا مات، قد فعل ذلك عثمان بن عفان وعائشة وعمر بن عبد العزيز ﵃.
وقال - أيضا -: ما أحب أن يدفن في بيته، يدفن في المقابر مع المسلمين.
وقال فيمن وصى أن يدفن في داره: يدفن في المقابر مع المسلمين. وإن دفن في داره
стр. 1289
أضر بالورثة، والمقابر مع المسلمين أعجب إلي.
وتأوله بعض أصحابنا على أنه نقص من قيمة الدار بدفنه فيها أكثر من مقدار ثلث مال الموصي.
وهذا بعيد جدا، بل ظاهر هذه الرواية يدل على أن من وصى في دفنه بمكروه أو بما هو خلاف الأفضل أنه لا تنفذ وصيته بذلك.
стр. 1290
٥٣ - باب
الصلاة في موضع الخسف والعذاب
ويذكر أن علياً - رضوان الله عليه - كره الصلاة بخسف بابل.
هذا مروي عن علي من وجوه:
فروى وكيع عن سفيان، عن عبد الله بن شريك العامري، عن عبد الله بن أبي المحل، عن علي أنه كره الصلاة في الخسوف.
ورواه غير وكيع، فقال: عن عبد الله بن أبي المحل، عن أبيه، عن علي.
قال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يسأل عن الأرض الخسف: أيصلى فيها؟ فكره ذلك، وقال: حديث علي - وذكر هَذَا الحديث.
وروى يعقوب بن شيبة، عن أبي النعيم: ثنا المغيرة بن أبي الحر الكندي: حدثني حجر بن عنبس، قال: خرجنا مع علي إلى الحرورية، فلما وقع في أرض بابل قلنا: أمسيت يا أمير المؤمنين، الصلاة! الصلاة! قال: لم أكن أصلي في أرض قد خسف الله بها.
وخرجه وكيع، عن مغيرة بن أبي الحر، به بنحوه.
стр. 1291
وهذا إسناد جيد، والمغيرة بن أبي الحر وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وحجر بن عنبس، قال ابن معين: شيخ كوفي مشهور.
وروي عن علي مرفوعا.
خرجه أبو داود من طريق ابن وهب: ثنا ابن لهيعة ويحيى بن أزهر، عن عمارة بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري، أن عليا مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبي نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة.
وخرجه - أيضا - من وجه آخر عن ابن وهب: أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي، بمعناه.
وقال ابن عبد البر: هو إسناد ضعيف، مجمع على ضعفه، وهو منقطع غير متصل، وعمارة بن سعد والحجاج وأبو صالح مجهولون.
قلت: الموقوف أصح، وضعف أبو الحسين ابن المنادي الجميع. والله أعلم.
стр. 1292
قال البخاري ﵀:
стр. 1293
٤٣٣ - ثنا إسماعيل بن عبد الله: حدثني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن
عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم)) .
هذا الحديث: نص في المنع من الدخول على مواضع العذاب، إلا على أكمل حالات الخشوع والاعتبار، وهو البكاء من خشية الله وخوف عقابه الذي نزل بمن كان في تلك البقعة، وان الدخول على غير هذا الوجه يخشى منه إصابة العذاب الذي أصابهم.
وفي هذا تحذير من الغفلة عن تدبر الآيات فمن رأى ما حل بالعصاة ولم يتنبه بذلك من غفلته، ولم يتفكر في حالهم، ويعتبر بهم فليحذر من حلول العقوبة به، فإنها إنما حلت بالعصاة لغفلتهم عن التدبر وإهمالهم اليقظة والتذكر.
وهذا يدل على أنه لا يجوز السكنى بمثل هذه الأرض، ولا الإقامة بها، وقد صرح بذلك طائفة من العلماء، منهم: الخطابي وغيره، ونص عليه أحمد.
قال مهنا: سألت أحمد عمن نزل الحجر: أيشرب من مائها ويعجن به؟ قال: لا، إلا لضرورة، ولا يقيم بها.
стр. 1294
وعلى هذا: فيتوجه أن من صلى بها لغير ضرورة، ولم يكن في صلاته على حالة الخشوع والخشية التي رخص النبي ﷺ في الدخول عليها أن لا تصح صلاته، على قياس قول من قال: إن الصلاة في المقبرة وأعطان الإبل لا تصح، إلا أن يفرق: بأن النهي هنا عن الدخول لا يخص الصلاة، بخلاف النهي عن الصلاة في المقبرة والأعطان، فيتخرج حينئذ الصلاة فيها على الصلاة في الأرض المغصوبة، كما سبق ذكره.
وأحمد - في رواية - مع جماعة من أهل الظاهر: يوجبون الإعادة على من صلى في أرض غصب، وكذلك إسحاق - في رواية عنه -، إذا كان عالما بالنهي.
وأما الوضوء من مائها: فقد صرح طائفة من الظاهرية بأنه لا يصح، ويتخرج على قواعد الإمام أحمد وأصحابه على الخلاف عندهم في الوضوء بالماء المغصوب.
وقد ورد النهي عن الوضوء بخصوصه في حديث خرجه الطبراني في ((أوسطه)) من رواية ابن إسحاق: حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: مر رسول الله ﷺ بالحجر واستقى الناس من بئرها، ثم راح فيها، فلما استقل أمر الناس ألا يشربوا من مائها، ولا يتوضئوا منه، وما كان من عجين عجن بشيء من مائها أن يعلف به، ففعل الناس.
وروى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن العباس بن سهل بن سعد - أو عن العباس بن سعد -، أن رسول الله ﷺ حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله ﷺ للناس: ((لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من
стр. 1295
عجين عجنتم به فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا)) .
وهذا مرسل.
وقد خرج البخاري حديث ابن عمر هذا في ((قصص الأنبياء)) من ((كتابه)) هذا من حديث عبد الله بن دينار ونافع وسالم، عن ابن عمر. وفي رواية عبد الله ونافع: أنهم نزلوا الحجر. وفي حديث سالم: أنه مر بالحجر وتقنع بردائه، وهو على الرحل.
وخرج مسلم حديث سالم، وفيه: ثم زجر فأسرع حتى خلفها.
وحمل أبو الحسين ابن المنادي من متقدمي أصحابنا النهي عن دخولها وعن شرب مائها على الكراهة دون التحريم. والله أعلم.
стр. 1296
٥٤ - باب
الصلاة في البيعة
وقال عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور.
وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل.
روى حجاج بن منهال: ثنا ربيعة بن كلثوم، عن نافع، قال: قال عمر: إنا لا ينبغي لنا أن ندخل كنيسة فيها تصاوير.
وروى وكيع في ((كتابه)) ، عن عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، عن أبيه، عن أسلم مولى عمر، قال: قال عمر: إنا لا ندخل كنائسكم التي فيها تصاوير.
وعن سفيان، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تماثيل.
وقال سفيان: لا بأس بالصلاة فيها إذا لم يكن فيها تمثال، وإن وجد غيرها فهو أحب إلي.
وكره مالك الصلاة في البيع والكنائس؛ لنجاستها من أقدامهم، ولما فيها من الصور، وقال: لا ينزل بها إلا من ضرورة -: ذكره صاحب ((التهذيب)) .
ورخص أكثر أصحابنا في دخول ما ليس فيه صور منها، والصلاة فيها. وكرهه بعضهم، منهم: ابن عقيل
стр. 1297
ومنهم من حكى في الكراهة عن أحمد روايتين، والمنصوص عن أحمد: كراهة دخولها في أعيادهم ومجامعهم فيها.
ويستدل للكراهة فيما فيه صور: بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، وبأنه محل الشياطين، فتكره الصلاة فيه كالحمام والحش.
ويدل على كراهته - أيضا -: خروج النبي ﷺ من الوادي الذي ناموا فيه عن الصلاة، وقال: ((إن هذا الوادي حضرنا فيه شيطان)) .
وكره أصحاب الشافعي الصلاة فيها، مع الصحة.
وحكى ابن المنذر وغيره: الرخصة فيها عن طائفة من العلماء، منهم: أبو موسى، والحسن، والشعبي، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، واختاره ابن المنذر.
وأكثر المنقول عن السلف في ذلك قضايا أعيان لا عموم لها، فيمكن حملها على ما لم يكن فيه صور.
وصرح كثير من أصحابنا بتحريم الدخول إلى بيت فيه صور على جدرانه، وإن كان لا يقدر على إزالتها، وسواء كان حماما أو غيره، منهم: ابن بطة، والقاضي وأبو يعلى.
وذكر صاحب ((المغني)) أن ظاهر كلام أحمد أنه مكروه غير محرم، وحكاه - أيضا - عن مالك، وعن أكثر أصحاب الشافعي أنه محرم، وذكر في أثناء كلامه: أن دخول البيع والكنائس جائز، ولو كان
стр. 1298
فيها صور، وجعله دليلا له، وهو يشعر بأنه محل إجماع.
ولعل الفرق: أن صور البيع والكنائس تقر ولا يلزم إزالتها، كما يقر أصل البيع والكنائس، وبخلاف الصور في بيوت المسلمين؛ فإنه يجب إزالتها ومحوها.
قال البخاري:
стр. 1299
٤٣٤ - ثنا محمد: ثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ : ((أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله)) .
((محمد)) : شيخ البخاري، شيخ البخاري، الظاهر أنه: ابن سلام البيكندي. وشيخه، هُوَ: عبدة بْن سُلَيْمَان الكلابي.
وهذا الحَدِيْث: يدل على تحريم التصوير في المساجد المبنيه على القبور، والصور التي في البيع والكنائس في معناها؛ لأنها صور مصورة على صور أنبيائهم وصالحيهم للتبرك بها - في
стр. 1300
زعمهم -، وكنائسهم وبيعهم منها ما هو على القبور أكابرهم، ومنها ما هو على أسمائهم، فالكل ملتحق بما بنى على القبور في المعنى، فلهذا ذكر النبي ﷺ هذا الكلام عند ذكر الكنائس، وما فيها من الصور، وكفى بذلك ذما للكنائس المصور فيها، وأنها بيوت ينزل على أهلها الغضب والسخط، فلا ينبغي للمسلم أن يصلي فيها.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود من رواية قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا تجتمع قبلتان في ارض)) .
وقال طاووس: لا ينبغي لبيت رحمة أن يكون عند بيت عذاب. وفسره أبو عبيد وغيره: بأنه لا ينبغي الجمع بين المساجد والكنائس في ارض واحدة.
فالجمع بين فعل الصلاة التي وضعت لأجلها المساجد، بين الكفر المفعول في الكنائس في بقعة واحدة أولى بالنهي عنه، فكما أنهم لا يمكنون من فعل عباداتهم في المساجد، فكذا لا ينبغي للمسلمين أن يصلوا صلواتهم في معابد الكفار التي هي موضع كفرهم.
следующие страницы →