← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الفقهاء)) ، عن يحيى بن يحيى، قال: سمعت مالكا، وسئل عَن نصراني أوصى بمال تكسى به الكعبة؟ فأنكر ذلك، وقال: الكعبة منزهة عن ذلك. وكذلك المساجد لا تجري عليها وصايا أهل الكفر. وكذلك قال محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة: لا يصح وقف النصراني على المسلمين عموما، بخلاف المسلم المعين، والمساجد من الوقف على عموم المسلمين -: ذكره حرب، عنه بإسناده. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن المرأة الفقيرة تجيء إلى اليهودي أو النصراني فتصدق منه؟ قَالَ: أخشى أن ذَلِكَ ذلة. وَقَالَ مهنا: قُلتُ لأحمد: يأخذ الْمُسْلِم من النصراني من صدقته شيئا؟ قال: نعم، إذا كان محتاجا. فقد يكون عن أحمد روايتان في كراهة أخذ المسلم المعين من صدقة الذمي، وقد يكون كره السؤال، ورخص في الأخذ منه بغير سؤال. والله أعلم. وأما وقفهم على عموم المسلمين كالمساجد، فيتوجه كراهته بكل حال، كما قاله الأنصاري. وقد ذكر أهل السير كالوا قدي ومحمد بن سعد إن رجلا من أحبار اليهود، يقال له: مخيريق، خرج يوم أحد يقاتل مع النبي ﷺ ، وقال: إن أصبت في وجهي هذا فمالي لمحمد يضعه حيث يشاء، فقتل يومئذ، فقبض رسول الله ﷺ أمواله، فقيل: أنه فرقها وتصدق بها،

стр. 1367

وقيل: أنه حبسها ووقفها. وروى ابن سعد ذلك بأسانيد متعددة، وفيها ضعف. والله أعلم. قال البخاري ﵀:

стр. 1368

٤٤٧ - حدثنا مسدد: ثنا عبد العزيز بن مختار: ثنا خالد الحذاء، عن عكرمة: قال لي ابن عباس ولابنه علي: إنطلقا إلى أبي سعيد، فاسمعا من حديثه، فإنطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا، حتى أتى على ذكر بناء المسجد. قال: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ ، فجعل ينفض التراب عنه، ويقول: ((ويح عمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)) . قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن. في هذا الحديث: حرص العالم المتسع علمه على أولاده ومواليه في تعليمهم العلم، حتى يرسلهم إلى غيره من العلماء، وإن كان هو أعلم وأفقه، لما يرجى من تعليمهم من غيره ما ليس عنده. وفيه: إن الصحابة كانوا يعملون في حوائطهم وهي بساتينهم

стр. 1369

وحدائقهم بأيديهم، وأن أحدهم كان إذا عمل في عمل دنياه ألقى رداءه واكتفى بإزاره، فإذا جاءه من يطلب العلم أخذ رداءه، وجلس معهم في ثوبين: إزار ورداء. وقول أبي سعيد: ((كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين)) ، يدل على إن أبا سعيد شهد بناء المسجد وعمل فيه، وهذا يدل على إن المراد بناء المسجد ثاني مرة لا أول مرة، فإن جماعة من أهل السير ذكروا إن النبي ﷺ بعدما فتح الله عليه خيبر بنى مسجده مرة ثانية، وزاد فيه مثله. وإنما استشهدنا لذلك بمشاركة أبي سعيد في بناء المسجد، ونقل اللبن؛ لأن أبا سعيد كان له عند بناء المسجد في المرة الأولى نحو عشر سنين أو دونها؛ لأن النبي ﷺ رده يوم أحد ولم يجزه، وله نحو ثلاث عشرة سنة، وكانت غزوة أحد في أواخر السنة الثالثة من الهجرة، ومن له عشر سنين أو دونها فبعيد أن يعمل مع الرجال في البنيان. ويدل على تجديد النبي ﷺ لعمارة مسجده أدلة أخر: منها: إن عثمان وسع مسجد النبي ﷺ في حياته بأذن النبي ﷺ ، فاشترى له مكانا من ماله، وزاده في المسجد. روى ثمامة بن حزن، قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال: إنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ : ((من يشتري بقعة آل فلان فيزيد ها في المسجد بخير له منها في الجنة)) ، فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن اصلي فيها ركعتين؟ قالوا: اللهم نعم - وذكر الحديث.

стр. 1370

خرجه النسائي والترمذي، وقال: حديث حسن. وروى عمرو بن جاوان، عن الأحنف بن قيس، قال: إنطلقنا حجاجا، فمررنا بالمدينة، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد، فإذا علي والزبير وطلحة وسعد، فلم يكن بأسرع من إن جاء عثمان، فقال لهم: إنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون إن رسول الله ﷺ قال: ((من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له)) ، فابتعته، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: أني قد ابتعته، فقال: ((اجعله في مسجدنا، وأجره لك)) ؟ قالوا: نعم - وذكر الحديث. خرجه الإمام أحمد والنسائي. وفي بعض الروايات: ((أحسبه قال: ابتعته بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفا)) . وروى ابن لهيعة: حدثني يزيد بن عمرو المعافري، قال: سمعت أبا ثور الفهمي، قال: دخلت على عثمان، فقال: قد قال رسول الله ﷺ : ((من يشتري هذه الربعة ويزيد ها في المسجد، وله بيت في الجنة؟)) فاشتريتها وزدتها في المسجد. خرجه البزار في ((مسنده)) . وخرج الإمام أحمد والنسائي من رواية أبي إسحاق السبيعي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أشرف عثمان - فذكر الحديث، وفيه:

стр. 1371

أنه قال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ قال: ((من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد ببيت له في الجنة؟)) فابتعته من مالي، فوسعت به المسجد فانتشد له رجال - وذكر بقية الحديث. وفي سماع أبي سلمة من عثمان نظر. وقد اختلف في إسناده على أبي إسحاق: فرواه، عنه: ابنه يونس وحفيده إسرائيل بن يونس، كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة. ورواه زيد بن أبي أنيسة وشعبة وغيروهما، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان. وقد خرج البخاري في ((صحيحه)) قطعة من هذا الحديث من رواية شعبة، ولم يذكر فيه المسجد، إنما ذكر خصالا أخر. وكذلك خرجه النسائي والترمذي من حديث زيد بن أبي أنيسة، وعند الترمذي: ((وأشياء عدها)) . وقال: صحيح غريب. وقال الدارقطني: قول شعبة ومن تابعه أشبه بالصواب. ومن الأدلة على أن النبي ﷺ جدد عمارة مسجده مرة ثانية: أن وفد بني حنيفة قدموا على النبي ﷺ وهو يبني مسجده، ومعلوم أن وفود العرب لم يفد منهم أحد على النبي ﷺ مسلما في

стр. 1372

السنة الأولى من الهجرة، هذا أمر معلوم بالضرورة لكل من عرف السير وخبرها، إنما قدمت الوفود مسلمين بعد انتشار الإسلام وظهوره وقوته، وخصوصا وفد بني حنيفة؛ فإنه قد ورد في ذمهم أحاديث متعددة في ((مسند الإمام أحمد)) والترمذي وغيرهما من الكتب، فكيف يظن بهم أنهم سبقوا الناس إلى الإسلام في أول سنة من سني الهجرة؟ ويدل على قدوم وفد بني حنيفة والنبي ﷺ يبني مسجده: ما رواه ملازم ابن عمرو: حدثني جدي عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: بنيت مع رسول الله ﷺ مسجد المدينة، فكان يقول: ((قدموا اليمامي من الطين؛ فإنه من أحسنكم لَهُ مسا)) . خرجه [..........] ابن حبان في ((صحيحه)) . وخرجه الإمام أحمد، وزاد في آخره: ((وأشدكم منكبا)) وعنده عن ملازم، عن سراج بن عقبة وعبد الله بن بدر، عن قيس. وخرجه النسائي بهذا الإسناد، عن طلق، قال: خرجنا وفدا إلى النبي ﷺ فبايعناه وصلينا معه - وذكر حديثا. فتبين بهذا: أنه إنما قدم في وفد بني حنيفة. وخرجه الدارقطني من رواية محمد بن جابر - وفيه ضعف -،

стр. 1373

عن قيس ابن طلق، عن أبيه، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهم يؤسسون مسجد المدينة. قال: وهم ينقلون الحجارة. قال: فقلت يا رسول الله، ألا ننقل كما ينقلون؟ قال: ((لا، ولكن اخلط لهم الطين يا أخا اليمامة، فأنت أعلم به)) . قال: فجعلت أخلطه، وهم ينقلونه. وخرجه الإمام أحمد من رواية أيوب، عن قيس، عن أبيه، قال: جئت إلى النبي ﷺ وأصحابه يبنون المسجد. قال: فكأنه لم يعجبه عملهم. قال: فأخذت المسحاة، فخلطت بها الطين. قال: فكأنه أعجبه أخذي للمسحاة وعملي، فقال: ((دعوا الحنفي والطين؛ فإنه أضبطكم للطين)) . وأيوب، هو: ابن عتبة، فيه لين. وأما نفض النبي ﷺ عن عمار التراب الذي أصابه من نقل اللبن، فقد بوب عليه البخاري في ((السير)) : ((مسح الغبار عن الناس في السبيل)) ، وخرج فيه هذا الحديث مختصرا، وفيه: فمر به النبي ﷺ ، فمسح عن رأسه الغبار، وقال: ((ويح عمار، يدعوهم إلى الله،

стр. 1374

ويدعونه إلى النار)) . وقوله: ((ويح عمار)) ، ويح: كلمة رحمة -: قاله الحسن وغيره. وروي مرفوعا من حديث عائشة بإسناد فيه ضعف. وقيل: ويح: رحمة لنازل به بلية. وانتصابه بفعل مضمر، كأنه يقول: أترحم عمارا ترحما. وقوله: ((يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)) فيه: إخبار بأن ذلك سيقع له، ولهذا تعوذ عمار عند ذلك من الفتن. وفيه إشارة إلى أن عمارا على الحق من دون خالفه. وقد وقع في بعض نسخ ((صحيح البخاري)) زيادة في هذا الحديث، وهي: ((تقتله الفئة الباغية)) . وقد خرجه بهذه الزيادة الإمام أحمد عن محبوب بن الحسن، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، سمع أبا سعيد يحدث عن بناء المسجد - فذكره، وقال فيه: ((ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)) . وخرجه النسائي. وقد رواه يزيد بن زريع وغيره، عن خالد الحذاء. ولكن لفظة: ((تقتله الفئة الباغية)) لم يسمعها أبو سعيد من النبي ﷺ ؛ إنما سمعها من

стр. 1375

بعض أصحابه عنه. وقد خرج الإمام أحمد من رواية داود بن أبي هند، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ فذكر قصة بناء المسجد، وقال: حدثني أصحابي - ولم أسمعه -، أن النبي ﷺ جعل ينفض التراب عن عمار، ويقول: ((ويح ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية)) . وخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث شعبة، عن أبي مسلمة: سمعت أبا نضرة يحدث، عن أبي سعيد ألخدري، قال: أخبرني من هو خير منى أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: ((بؤس ابن سمية، تقتلك فئة باغية)) . وفي رواية له بهذا الإسناد تسمية الذي حدث أبا سعيد، وهو أبو قتادة. وفي رواية له - أيضا - قال: أراه - يعني: أبا قتادة. كذا قال أبو نضرة في روايته عن أبي سعيد، أن ذلك كان في حفر الخندق، والصحيح: أن ذلك كان في بناء المسجد. وقد روى الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: كنا نحمل اللبن لمسجد النبي ﷺ ، فكنا نحمل لبنة لبنة، وكان عمار يحمل

стр. 1376

لبنتين لبنتين، فقال رسول الله ﷺ : ((أبشر عمار، تقتلك الفئة الباغية)) . خرجه يعقوب بن شيبة في ((مسنده)) ، عن أبي مصعب، عن الدراوردي. وخرجه الترمذي عن أبي مصعب، لكنه اختصره، ولم يذكر فيه قصة بناء المسجد، وقال: حسن صحيح غريب من حديث العلاء. وإسناد في الظاهر على شرط مسلم، ولكن قد أعله يحيى بن معين، بأنه لم يكن في كتاب الدراوردي، قال: وأخبرني من سمع كتاب العلاء - يعني: من الدراوردي - ليس فيه هذا الحديث. قال يحيى: والدراوردي حفظه ليس بشيء، كتابه أصح. وهذا الحديث - أيضا - مما يدل على أن بناء المسجد الذي قيل لعمار فيه ذلك كان بعد فتح خيبر، لأن أبا هريرة أخبر أنه شهده. وروي شهود أبي هريرة لبناء المسجد من وجه أخر ليس فيه ذكر عمار. خرجه الإمام أحمد من رواية عمرو بن أبي عمرو، عن ابن عبد الله ابن حنطب، عن أبي هريرة، أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد، ورسول الله ﷺ معهم. قال: فاستقبلت رسول ﷺ وهو

стр. 1377

عارض لبنة على بطنه، فظننت أنها شقت عليه، فقلت ناولنيها يا رسول الله،. قال: ((خذ غيرها يا أبا هريرة؛ فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة)) . ولكن ابن حنطب، وهو: المطلب، ولا يصح سماعه من أبي هريرة. وروى الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه يوم صفين: يا أبه، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول، وهم يبنون المسجد، والناس ينقلون لبنة لبنة، وعمار ينقل لبنتين لبنتين، وهو يوعك، فقال له رسول الله ﷺ : ((انك لحريص على الأجر، وانك لمن أهل الجنة، وانك لتقتلك الفئة الباغية)) . خرجه يعقوب بن شيبة في ((مسنده)) بتمامه. وخرجه الإمام أحمد والنسائي في ((الخصائص)) - مختصرا. والحاكم. وفي إسناده اختلاف عن الأعمش. وهو - أيضا - مما يدل على تأخر بناء المسجد حتى شهده عمرو بن العاص وابنه عبد الله. وروى ابن عون، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: لما

стр. 1378

كان يوم الخندق، وجعل الناس يحملون لبنة لبنة، وجعل عمار يحمل لبنتين لبنتين، حتى اغبر شعر صدره، فقال له النبي ﷺ : ((ويحك يا ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية)) . خرجه [.........] . وخرجه مسلم مختصرا، أن النبي ﷺ قال لعمار: ((تقتله الفئة الباغية)) . وذكر حفر الخندق في هذا الحديث فيه نظر، والصواب: بناء المسجد، يدل على ذلك وجهان: أحدهما: أن حفر الخندق لم يكن فيه نقل لبن، إنما كان ينقل التراب، وإنما ينقل اللبن لبناء المسجد. والثاني: أن حديث أم سلمة قد روي بلفظ أخر، أنها قالت: ما نسيت الغبار على صدر رسول الله ﷺ ، وهو يقول: ((اللهم إن الخير خير الآخرة … فاغفر للأنصار والمهاجرة)) إذ جاء عمار فقال: ((ويحك - أو ويلك - يا بن سمية، تقتلك الفئة الباغية)) . وأم سلمة أين كانت من حفر الخندق؟ إنما كانت تشاهد بناء المسجد في المرة الثانية، لأن حجرتها كانت عند المسجد. وقد اختلف في حديث: ((تقتل عمار الفئة الباغية)) .

стр. 1379

فذكر الخلال في كتاب ((العلل)) : ثنا إسماعيل الصفار: سمعت أبا أمية الطرسوسي يقول: سمعت في حلقة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبي خيثمة والمعيطي ذكروا: ((تقتل عمار الفئة الباغية)) ، فقالوا: ما هي حديث صحيح. قال الخلال: وسمعت عبد الله بن إبراهيم يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روي في عمار: ((تقتله الفئة الباغية)) ثمانية وعشرون حديثا، ليس فيها حديث صحيح. وهذا الإسناد غير معروف، وقد روي عن أحمد خلاف هذا: قال يعقوب بن شيبة الدسوسي في ((مسند عمار)) من ((مسنده)) : سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي ﷺ في عمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) فقال أحمد: كما قال رسول الله ﷺ : ((قتلته الفئة الباغية)) . وقال: في هذا غير حديث صحيح، عن النبي ﷺ ، وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا. وقال الحاكم في ((تاريخ نيسابور)) : سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى العارض - وأثنى عليه - يقول: سمعت صالح بن محمد الحافظ - يعني: جزرة - يقول: سمعت يحيى بن معين وعلي بن المديني يصححان حديث الحسن، عن أمه، عن أم سلمة: ((تقتل عمارا الفئة الباغية)) .

стр. 1380

وقد فسر الحسن البصري الفئة الباغية بأهل الشام: معاوية وأصحابه. وقال أحمد: لا أتكلم في هذا، السكوت عنه أسلم. وقول النبي ﷺ في بناء المسجد: ((ويح عمار، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)) هو من جنس الارتجاز كما كان يقول في بناء المسجد في أول أمره: ((اللهم أن العيش عيش الآخرة … فاغفر للأنصار والمهاجرة)) ومثل ارتجازه عند حفر الخندق بقول ابن رواحة: ((اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا)) وروى محمد بن سعد: أبنا عبد الله بن نمير، عن الأجلح، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: لما بنى رسول الله ﷺ مسجده، جعل القوم يحملون، وجعل النبي ﷺ يحمل هو وعمار، فجعل عمر يرتجز، ويقول: نحن المسلمون نبني المساجدا وجعل رسول الله ﷺ يقول: ((المساجدا)) . وقد كان عمار اشتكى قبل ذلك، فقال بعض القوم: ليموتن عمار اليوم، فسمعهم النبي ﷺ فنفض لبنته، وقال: ((ويحك)) - ولم يقل: ويلك - ((يا ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية)) .

стр. 1381

وهذا مرسل. وخرجه البزار من رواية شريك، عن الأجلح، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن عمار، عن النبي ﷺ ، أنه قال له: ((تقتلك الفئة الباغية)) . ثم قال: رواه أبو التياح، عن عبد الله بن أبي الهذيل - مرسلا، لم يقل: عن عمار. قلت: وقد خرجه الطبراني بإسناد فيه نظر، عن حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يبني المسجد، وكان عمار يحمل صخرتين، فقال: ((ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية)) . والمرسل أشبه. والله أعلم. وروى حماد بن سلمة في ((جامعه)) ، عن أبي جعفر الخطمي، أن عبد الله بن رواحه كان يقول وهم يبنون مسجد قباء: أفلح من يعالج المساجدا فقال النبي ﷺ : ((المساجدا)) . يقرأ القرآن قائما وقاعدا. فقال النبي ﷺ : ((قاعدا)) . ولا يبيت الليل عنه راقدا فقال النبي ﷺ : ((راقدا)) . وفي هذا الارتجاز عند بناء المسجد فائدتان: إحداهما: ما في هذا الكلام من الموعظة الحسنة، والحث على العمل، فيوجب ذلك للسامعين النشاط في العمل، وزوال ما يعرض للنفس من الفتور والكسل عند سماع ثواب العمل وفضله، أو الدعاء لعامله بالمغفرة.

стр. 1382

والثانية: أن المتعاونين على معالجة الأعمال الشاقة كالحمل والبناء ونحوها قد جرت عادتهم بالاسترواح إلى استماع بعضهم إلى ما ينشده بعضهم، ويجيبه الأخر عنه، فإن كل واحد منهم يتعلق فكره بما يقول صاحبه، ويطرب بذلك، ويجيل فكره في الجواب عنه بمثله، فيخف بذلك على النفوس معالجة تلك الأثقال، وربما نسي ثقل المحمول بالاشتغال بسماع الارتجاز، والمجاوبة عنه. ويؤخذ من هذا أنواع من الاعتبار: منها: حاجة النفس إلى التلطف بها في حمل أثقال التكليف، حتى تنشط للقيام بها، ويهون بذلك عليها الأعمال الشاقة على النفس، من الطاعات. ومنها: احتياج الإنسان في حمل ثقل التكليف إلى من يعونه على طاعة الله، وينشط لها بالمواعظ وغيرها كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] وقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] . سئلت أم الدرداء: ما كان أفضل عمل أبي الدرداء؟ قالت: التفكر. قالت: ونظر إلى ثورين يخدان في الأرض، ثم استقلا بعملهما، فتعب أحدهما، فقام الأخر. فقال أبو الدرداء: في هذا تفكر استقلا بعملهما ما اجتمعا، وكذلك المتعاونون على ذكر الله . خرجه ابن أبي الدنيا في ((كتاب التفكر)) .

стр. 1383

٦٤ - باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد

стр. 1384

٤٤٨ - حدثنا قتيبة: ثنا عبد العزيز: حدثني أبو حازم، عن سهل، قال: بعث رسول الله ﷺ إلى امرأة: ((مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا اجلس عليهن)) .

стр. 1385

٤٤٩ - حدثنا خلاد: ثنا عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر، أن امرأة قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا؟ قال: ((إن شئت)) ، فعملت المنبر. في هذين الحديثين كليهما: أن النجار الذي صنع المنبر كان غلاما لامرأة. وحديث سهل مختصر، قد أتمه البخاري في مواضع، وقد سبق بتمامه في ((باب: الصلاة في المنبر والسطوح)) ، وفيه: أن سهلا سئل: من أي شيء المنبر؟ فقال: ما بقي في الناس أعلم به مني، هو من أثل الغابة، عمله فلان مولى فلانة - وذكر الحديث. وخرج ابن سعد وغيره من حديث عباس بن سهل بْن سعد، عن أبيه، أنه ذكر المنبر، فقال: لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، فذهبت أنا وذلك

стр. 1386

النجار إلى الخانقين، فقطعت هذا المنبر من أثلة. وخرج الطبراني بإسناد ضعيف، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فمر رومي فقال: لو دعاني محمد لجعلت له ما هو أرفق من هذا، فدعي لرسول الله ﷺ ، فجعل له المنبر أربع مراق - وذكر الحديث. وخرج ابن سعد عن الواقدي، بإسناد له، عن أبي هريرة - وبعض الحديث بإسناد أخر -، أن النبي ﷺ يخطب إلى جذع في المسجد قائما، فقال: ((إن القيام قد شق علي)) ، فقال له تميم الداري: إلا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور رسول الله ﷺ المسلمين في ذلك، فرأوا إن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله، أن لي غلاما - يقال له: كلاب - أعمل الناس، فقال رسول الله ﷺ : ((مره أن يعمله)) ، فأرسله إلى أثلة بالغابة، فقطعها، ثم عمل منها درجتين، ومقعدا، ثم جاء به فوضعه في موضعه اليوم - وذكر حديثا طويلا. وإسناده لا يعتمد عليه. وخرج أبو داود من طريق عبد العزيز بن أبي داود، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ لما بدن قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك يا رسول الله منبرا يجمع - أو يحمل - عظامك؟ قال: ((بلى)) ، فاتخذ له منبرا مرقاتين.

стр. 1387

وخرج الطبراني من رواية شيبة أبي قلابة عن الجريري، عن أبي نضرة عن جابر، أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فقيل له: أن الإسلام قد انتهى، وكثر الناس، فلو أمرت بصنعة شيء تشخص عليه، فقال لرجل: ((أتصنع المنبر؟)) قال: نعم. قال: ((ما اسمك؟)) قال: فلان. قال: ((لست صاحبه)) ، فدعا أخر، فقال: ((أتصنع المنبر؟)) فقال مثل مقالته، ثم دعا أخر، فقال: نعم - إن شاء الله - قال: ((ما اسمك؟)) قال: إبراهيم. قال: ((خذ في صنعته)) . وخرجه عبد بن حميد في ((مسنده)) عن علي بن عاصم، عن الجريري عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. وروى عبد الرزاق، عن رجل من أسلم - وهو إبراهيم بن أبي يحيى -، عن صالح مولى التوأمة، أن باقوم مولى العاص بن أمية صنع للنبي ﷺ منبره من طرفاء، ثلاث درجات. ورواه محمد بن سليمان بن مسمول، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن صالح مولى التوأمة: حدثني باقوم مولى سعيد بن العاص، قال: صنعت لرسول الله ﷺ منبرا من طرفاء الغابة، ثلاث درجات: القعدة، ودرجتيه. وكلا الإسنادين واه جدا.

стр. 1388

وقد روي عن ابن سيرين، أن باقوم الرومي أسلم، فلم يدر به سهيل بن عمرو، ومات ولم يدع وارثا، فدفع النبي ﷺ ميراثه إلى سهيل. ذكر ذلك ابن منده في كتاب ((معرفة الصحابة)) . وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: الغلام اسمه: مينا. ومولاته: لا نعلم أحدا سماها. ثم رواه بإسناده، عن هارون بن موسى، ثنا محمد بن يحيى، قال: قال إسماعيل بن عبد الله: الذي عمل المنبر: غلام الأنصارية، واسمه: مينا. ومما يدخل في هذا الباب: حديث قيس بن طلق، عن أبيه، في استعانة النبي ﷺ به في بناء المسجد في عمل الطين، وقد سبق في الباب الماضي.

стр. 1389

٦٥ - باب من بنى مسجدا

стр. 1390

٤٥٠ - حدثنا يحيى بن سليمان: ثنا وهب: أخبرني عمرو، أن بكيرا حدثه، أن عاصم بن عمر بن قتادة حدثه، أنه سمع عبيد الله الخولاني، أنه سمع عثمان بن عفان يقول - عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول الله ﷺ : أنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من بنى مسجدا)) - قال بكير: حسبته أنه قال: ((يبتغى به وجه الله)) - بنى الله له مثله في الجنة)) . لما أراد عثمان ﵁ هدم مسجد النبي ﷺ واعادة بنائه على وجه أحسن من بنائه الأول كره الناس لذلك لما فيه من تغير بناء المسجد عن هيئة بنيانه في عهد النبي ﷺ ، فإن عمر لما بناه أعاد بناءه على ما كان عليه في عهد النبي ﷺ ، وإنما وسعه وزاد فيه، فلهذا أكثر الناس القول على عثمان. وخرج مسلم من حيث محمود بن لبيد، أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد، فكره الناس ذلك، فأحبوا أن يدعه على هيئته، فقال: سمعت

стр. 1391

رسول الله ﷺ يقول: ((من بنى مسجدا لله بنى الله له في الجنة مثله)) . وقد اتفق صاحبا ((الصحيحين)) على تخريج حديث عثمان من رواية عبيد الله الخولاني عنه؛ لاتصال إسناده، وتصريح رواته بالسماع. وتفرد مسلم بتخريج حديث محمود بن لبيد عن عثمان. وخرجه الترمذي وصححه، وقال: محمود بن لبيد أدرك النبي ﷺ . يشير بذلك إلى أنه لا يستنكر من عثمان؛ فإن له رؤية من النبي ﷺ ، فكيف ينكر أن يروي عن عثمان؟ وقد اختلف فِي صحبة محمود بن لبيد، وقد أنكر ابن المديني حَدِيْث محمود بن لبيد، عَن عُثْمَان، وقال: في إسناده بعض الشيء، ومحمود بن لبيد أدرك عثمان. ومسلم ومن وافقه يكتفون في اتصال الإسناد بإمكان اللقى، وغيرهم يعتبر ثبوت اللقى. وقد ذكر الهيثم بن كليب في ((مسنده)) عن صالح بن محمد الحافظ، أنه قال: لا احسب محمود بن لبيد سمع من عثمان شيئا.

стр. 1392

وخرجه ابن جرير الطبري من رواية محمود بن لبيد، عن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وليس ذكر: ((أبان)) في إسناده بمحفوظ. وقد ذكرنا في الباب الماضي من غير وجه، عن عثمان، أن النبي ﷺ أمره أن يوسع في المسجد، وضمن له بيتا في الجنة؛ فلهذا - والله أعلم - ادخل عثمان هدم المسجد وتجديد بنيانه على وجه هو أتقن من البيان الأول مع التوسعة فيه في قوله: ((من بنى مسجدا لله بنى الله له بيتا في الجنة)) . وهذا يرجع إلى قاعدة الجزاء على العمل من جنسه، كما أن من اعتق رقبة اعتق الله بكل عضو منه عضوا منها من النار، ومن نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الاخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما في الدنيا ستره الله في الآخرة، والراحمون يرحمهم الرحمن. ومثل هذا كثير، فمن بنى لله مسجدا يذكر فيه اسم الله في الدنيا بنى الله له في الجنة بيتا. وأما قوله: ((مثله)) ، فليس المراد أنه على قدره، ولا على صفته في بنيانه، ولكن المراد - والله أعلم - أنه يوسع بنيانه بحسب توسعته، ويحكم بنيانه بحسب إحكامه، لا من جهة الزخرفة ويكمل انتفاعه بما يبنى له في

стр. 1393

الجنة بحسب كمال انتفاع الناس بما بناه لهم في الدنيا، ويشرف على سائر بنيان الجنة كما تشرف المساجد في الدنيا على سائر البنيان، وإن كان لا نسبة لما في الدنيا إلى ما في الآخرة، كما قال النبي ﷺ : ((ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع)) . وقد دل على ما قلناه: ما خرجه الإمام أحمد من حديث أسماء بنت يزيد، عن النبي ﷺ ، قال: ((من بنى لله مسجدا في الدنيا فإن الله يبني له بيتا أوسع منه في الجنة)) . وخرجه بمعناه من حديث حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ . ومن حديث واثلة بن الاسقع، عن النبي ﷺ ((من بنى مسجدا يصلى فيه بنى الله له في الجنة أفضل منه)) . وخرج البزار والطبراني من حديث أبي هريرة - مرفوعا - ((من بنى لله بيتا يعبد الله فيه من حلال بنى الله له بيتا في الجنة من در وياقوت)) .

стр. 1394

وقيل: أن الصحيح وقفه على أبي هريرة. وأما اللفظة التي شك فيها بكير بن الاشج، وهي قوله: ((يبتغي به وجه الله)) ، فهذا الشرط لا بد منه، ولكن قد يستفاد من قوله: ((من بنى مسجدا لله)) أنه أريد به: من بنى مسجدا خالصا لله. وقد روى المثنى بن الصباح؛ عن عطاء، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: ((من بنى مسجدا لا يريد به رياء ولا سمعة بنى الله له بيتا في الجنة)) . خرجه الطبراني. والمثنى، فيه ضعف. وبكل حال؛ فالإخلاص شرط لحصول الثواب في جميع الأعمال؛ فإن الأعمال بالنيات، وإنما لا مريء ما نوى، وبناء المساجد من جملة الأعمال، فإن كان الباعث على عمله ابتغاء وجه الله حصل له هذا الأجر، وإن كان الباعث عليه الرياء والسمعة أو المباهاة فصاحبه متعرض لمقت الله وعقابه، كسائر من عمل شيئا من إعمال البر

стр. 1395

يريد به الدنيا كمن صلى يرائي، أو حج يرائي، أو تصدق يرائي. ولكن روى عن قتادة، أنه قال: كل بناء رياء فهو على صاحبه لا له، ألا من بنى المساجد رياء فهو لا عليه ولا له. خرجه ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عنه. وهذا فيه نظر، ولو كان النفع المتعدي يمنع من عقاب المرائي به لما عوقب العالم والمجاهد والمتصدق للرياء وهم أول من تسعر به النار يوم القيامة. وأما من بنى المساجد من غير رياء ولا سمعة، ولم يستحضر فيه نية الإخلاص، فهل يثاب على ذلك، أم لا؟ فيه قولان للسلف. وقد روى عن الحسن البصري وابن سيرين، أنه يثاب على إعمال البر والمعروف بغير نية، لما من النفع المتعدي. وقد سبق ذكر ذلك في أواخر ((كتاب الإيمان)) . والله أعلم. وبناء المساجد المحتاج إليها مستحب، وعده بعض أصحابنا من فروض الكفايات، ومراده: أنه لا يجوز أن يخلي مصر أو قرية يسكنها المسلمون من بناء مسجد فيها.

стр. 1396

ويدل لهذا: مما روى موسى بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن زياد أبي حمزة الحبطي، عن أبي شداد - رجل من أهل دما -، قال: جاءنا كتاب النبي ﷺ في قطعة ادم: ((من محمد النبي إلى أهل عمان، سلام: أما بعد؛ فأقروا بشهادة أن لا اله إلا الله، وأني رسول الله، وأدوا الزكاة، وخطوا المساجد كذا وكذا، والا غزوتكم)) . خرجه البزار والطبراني. وخرجه أبو القاسم البغوي في ((معجمه)) - مختصرا -، وعنده: عبد العزيز بن نزار الحبطي. وقد سماه ابن أبي حاتم: عبد العزيز بن زياد الحبطي. وسماه البخاري: في ((تاريخه)) : عبد العزيز بن شداد. وكانه وهم، ولا يعرف بغير هذا الحديث.

стр. 1397

٦٦ - باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد

стр. 1398

٤٥١ - حدثنا قتيبة: ثنا سفيان، قال قلت لعمرو: أسمعت جابر بن عبد الله يقول: مر رجل في المسجد، ومعه سهام، فقال له رسول الله ﷺ : ((امسك بنصالها)) ؟ قال: نعم. وخرجه في موضع أخر من كتابه بلفظ أخر، وهو: أن رجلا مر في المسجد باسهم، قد أبدى نصولها، فأمره أن يأخذ بنصولها، لا تخدش مسلما. خرجه مسلم من رواية أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ أمر رجلا كان يتصدق بالنبل في المسجد أن لا يمر بها الا وهو اخذ بنصولها. وقد خرج البخاري في الباب الذي يلي هذا: حديث موسى، عن النبي ﷺ ، قال: ((من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ

стр. 1399

على نصالها، لا يعقر بكفه مسلما)) . وخرجه مسلم - أيضا. وفي الحديث: ذكر علة ذلك، وهو: خشية أن تصيب مسلما من حيث لا يشعر صاحبها، وسوى في ذلك بين السوق والمسجد؛ فان الناس يجتمعون في الأسواق والمساجد فليس للمسجد خصوصية بذلك حينئذ. لكن؛ قَدْ يقال: أن المسجد يختص بقدر زائد عَن السوق، وَهُوَ: أنه قَدْ روي النهي عن إشهار السلاح فيه ونثر النبل. خرجه ابن ماجه من رواية زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعا -: ((خصال لا ينبغين في المسجد: لا يتخذ طريقا، ولا يشهر فيه سلاحا، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيئ، ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص فيه من احد، ولا يتخذ سوقا)) . ورفعه منكر وزيد بن جبيرة ضعيف جدا، متفق على ضعفه.

стр. 1400

وخرج - أيضا -: النهي عن سهل السيوف في المسجد، من حديث واثلة - مرفوعا - بإسناد ضعيف جدا. وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى: لا يسل السيف في المسجد. خرجه وكيع في كتابه. وقال أصحابنا: لا يشهر السلاح في المسجد.

стр. 1401

٦٧ - باب المرور في المسجد

стр. 1402

٤٥٢ - حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا عبد الواحد: ثنا أبو بردة بن عبد الله، قال: سمعت أبا بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: ((من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفه مسلما)) . أبو بردة بن عبد الله، هو بريد بن عبد الله بن أبي بردة. وقد ذكرنا هذا الحديث في الباب الماضي، وإنما أعاده هاهنا: لأنه استنبط منه جواز المرور في المسجد، وقد ذكرنا حكمه في ((باب: الصلاة إذا دخل المسجد)) . وقد دل على جوازه - أيضا - قول الله تعالى: ﴿وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] ، على قول من تأول النهي: على قربان موضع الصلاة، وهو المسجد، وعابر السبيل: بالمجتاز، وقد سبق ذكره - أيضا.

стр. 1403

٦٨ - باب الشعر في المسجد

стр. 1404

٤٥٣ - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع: ابنا شعيب، عن الزهري: اخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله، هل سمعت النبي ﷺ يقول: ((يا حسان، أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس)) ؟ قال أبو هريرة: نعم. ليس في هذه الرواية التي خرجها البخاري هاهنا إنشاد حسان في المسجد، إنما فيه ذكر مدح حسان على أجابته عن النبي ﷺ والدعاء له على ذلك، وكفى بذلك على فضل شعره المتضمن للمنافحة عن رسول الله ﷺ ، والرد على أعدائه والطاعنين عليه، والمساجد لا تنزه عن مثل ذلك. ولهذا قال النبي ﷺ : ((إن من الشعر حكمة)) . وقد خرجه البخاري في موضع أخر من حديث أبي بن كعب - مرفوعا. وخرج - أيضا - من حديث البراء، أن النبي ﷺ قال لحسان: ((اهجهم - او هاجمهم - وجبريل معك)) .

стр. 1405

وإنما خص النبي ﷺ جبريل وهو روح القدس بنصرة من نصره ونافح عنه؛ لان جبريل صاحب وحي الله إلى رسله، وَهُوَ يتولى نصر رسله وإهلاك أعدائهم المكذبين لهم، كما تولى إهلاك قوم لوط وفرعون في البحر. فمن نصر رسول الله وذب عنه أعداءه ونافح عنه كان جبريل معه ومؤيدا له كما قال لنبيه ﷺ : ﴿مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] . وقد خرج البخاري في بدء الخلق عن ابن المديني، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: مر عمر في المسجد وحسان ينشد، فقال كنت انشد فيه، وفيه من هو خير منك ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((اجب عني، اللهم أيده بروح القدس)) ؟ قال: نعم. وهذا نوع إرسال من ابن المسيب؛ لأنه لم يشهد هذه القصة لعمر مع حسان عند أكثر العلماء الذين قالوا لم يسمع من عمر ومنهم من اثبت سماعه منه شيئا يسيرا.
следующие страницы →