← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

٦٧ - باب المرور في المسجد

стр. 1402

٤٥٢ - حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا عبد الواحد: ثنا أبو بردة بن عبد الله، قال: سمعت أبا بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: ((من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفه مسلما)) . أبو بردة بن عبد الله، هو بريد بن عبد الله بن أبي بردة. وقد ذكرنا هذا الحديث في الباب الماضي، وإنما أعاده هاهنا: لأنه استنبط منه جواز المرور في المسجد، وقد ذكرنا حكمه في ((باب: الصلاة إذا دخل المسجد)) . وقد دل على جوازه - أيضا - قول الله تعالى: ﴿وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] ، على قول من تأول النهي: على قربان موضع الصلاة، وهو المسجد، وعابر السبيل: بالمجتاز، وقد سبق ذكره - أيضا.

стр. 1403

٦٨ - باب الشعر في المسجد

стр. 1404

٤٥٣ - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع: ابنا شعيب، عن الزهري: اخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله، هل سمعت النبي ﷺ يقول: ((يا حسان، أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس)) ؟ قال أبو هريرة: نعم. ليس في هذه الرواية التي خرجها البخاري هاهنا إنشاد حسان في المسجد، إنما فيه ذكر مدح حسان على أجابته عن النبي ﷺ والدعاء له على ذلك، وكفى بذلك على فضل شعره المتضمن للمنافحة عن رسول الله ﷺ ، والرد على أعدائه والطاعنين عليه، والمساجد لا تنزه عن مثل ذلك. ولهذا قال النبي ﷺ : ((إن من الشعر حكمة)) . وقد خرجه البخاري في موضع أخر من حديث أبي بن كعب - مرفوعا. وخرج - أيضا - من حديث البراء، أن النبي ﷺ قال لحسان: ((اهجهم - او هاجمهم - وجبريل معك)) .

стр. 1405

وإنما خص النبي ﷺ جبريل وهو روح القدس بنصرة من نصره ونافح عنه؛ لان جبريل صاحب وحي الله إلى رسله، وَهُوَ يتولى نصر رسله وإهلاك أعدائهم المكذبين لهم، كما تولى إهلاك قوم لوط وفرعون في البحر. فمن نصر رسول الله وذب عنه أعداءه ونافح عنه كان جبريل معه ومؤيدا له كما قال لنبيه ﷺ : ﴿مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] . وقد خرج البخاري في بدء الخلق عن ابن المديني، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: مر عمر في المسجد وحسان ينشد، فقال كنت انشد فيه، وفيه من هو خير منك ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((اجب عني، اللهم أيده بروح القدس)) ؟ قال: نعم. وهذا نوع إرسال من ابن المسيب؛ لأنه لم يشهد هذه القصة لعمر مع حسان عند أكثر العلماء الذين قالوا لم يسمع من عمر ومنهم من اثبت سماعه منه شيئا يسيرا.

стр. 1406

وقد خرج هذا الحديث مسلم، عن غير واحد، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن عمر مر بحسان - فجعل الحديث كله عن أبي هريرة متصلا. ورواية ابن المديني اصح، وكذا رواه جماعة عن الزهري. وروى ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما، يفاخر عن رسول الله ﷺ أو قالت: ينافح عن رسول الله ﷺ ، وتقول: قال رسول الله ﷺ : ((أن الله يؤيد حسان بروح القدس ما يفاخر - او ينافح - عن رسول الله ﷺ )) . خرجه الترمذي. وخرجه - أيضا - في طريق ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ مثله. وقال: حسن صحيح غريب، وهو حديث ابن أبي الزناد. يعني أنه تفرد به.

стр. 1407

وخرجه أبو داود من الطريقين - أيضا -. وكذلك خرجه الإمام أحمد، وعنده: ((ينافح عن رسول الله ﷺ بالشعر)) . وذكره البخاري في موضع اخرمن صحيحه - تعليقا -، فقال: وقال ابن أبي الزناد. وخرجه الطبراني، وزاد في حديثه: ((فينشد عليه الأشعار)) . وروى سماك، عن جابر بن سمرة، قَالَ: شهدت رسول الله ﷺ أكثر من مائة مرة في المسجد، وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم. خرجه الإمام أحمد. وخرجه النسائي، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه، ويذكرون حديث الجاهلية، وينشدون الشعر، ويضحكون، ويبتسم رسول الله ﷺ . وخرجه مسلم، إلا أنه لم يذكر الشعر. وقد روى ما يخالف هذا وهو النهي عن إنشاد الأشعار في المساجد: فروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه نهى

стр. 1408

أن ينشد في المسجد الأشعار - في حديث ذكره. خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، قال: حديث حسن. وخرج أبو داود نحوه من حديث حكيم بن حزام، عن النبي ﷺ بإسناد فيه نظر وانقطاع. وروى أبو القاسم البغوي في معجمه من طريق ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام، عن أبيه، قال: أتى ابن الحمامة السلمي إلى النبي ﷺ وهو في المسجد؟ فَقَالَ: أني أثنيت عَلَى ربي تعالى ومدحتك. قَالَ: ((امسك عليك)) ، ثم قام رسول الله ﷺ ، فخرج به من المسجد، فقال: ((ما أثنيت به على ربك فهاته، وأما مدحي فدعه عنك)) ، فانشد حتى إذا فرغ دعا بلالاً، فأمره أن يعطيه شيئا، ثم اقبل رسول الله ﷺ على الناس، فوضع يده على حائط المسجد، فمسح به وجهه وذراعيه، ثم دخل.

стр. 1409

وهذا مرسل، وفيه جواز التيمم بتراب جدار المسجد، وهو رد على من كرهه من متأخري الفقهاء، وهو من التنطع والتعمق. وروى وكيع في كتابه عن مبارك بن فضالة، عن ظبيان بن صبيح الضبي، قال: كان ابن مسعود يكره أن ترفع الأصوات في المساجد، أو تقام فيها الحدود، أو ينشد فيها الأشعار، أو تنشد فيها الضالة. وروى أسد بن موسى في كتاب الورع: ثنا ضمرة، عن ابن عطاء الخراساني، عن أبيه، قال: كان أهل العلم يكرهون أن ينشد الرجل ثلاثة أبيات من شعر في المسجد حتى يكسر الثالث. وهذا تفريق بين قليل فيرخص فيه، وهو البيت والبيتان، وبين كثيرة، وهو ثلاثة أبيات فصاعدا. وقال ابن عبد البر: إنما ينشد الشعر في المسجد غباً من غير مداومة. قال: وكذلك كان حسان ينشد.

стр. 1410

وجمهور العلماء على جواز إنشاد الشعر المباح في المساجد، وحمل بعضهم حديث عمرو بن شعيب على أشعار الجاهلية، وما لا يليق ذكره في المساجد، ولكن الحديث المرسل يرد ذلك. والصحيح في الجواب: أن أحاديث الرخصة صحيحة كثيرة، فلا تقاوم أحاديث الكراهة في أسانيدها وصحتها. ونقل حنبل، عن أحمد، قال: مسجد النبي ﷺ خاصة لا ينشد فيه الشعر، ولا يمر فيه بقطع اللحم، يجتنب ذلك كله، كرامة لرسول الله ﷺ .

стр. 1411

٦٩ - باب أصحاب الحراب في المسجد

стр. 1412

٤٥٤ - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله: ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: اخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يوما في باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه، انظر إلى لعبهم.

стр. 1413

٤٥٥ - زاد إبراهيم بن المنذر: ثنا ابن وهب: اخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: رأيت النبي ﷺ والحبشة يلعبون بحرابهم. وخرجه في كتاب: المناقب من طريق عقيل، عن ابن شهاب، ولفظه: رأيت النبي ﷺ يسترني وان أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر، فقال النبي ﷺ : ((دعهم؛ أمنا بني أرفدة)) يعني: من الأمن. وإنما ذكر هنا رواية إبراهيم بن المنذر تعليقا؟ لزيادة في الحديث: ذكر الحراب.

стр. 1414

وقد خرجه الإمام أحمد، عن عثمان بن عمر، عن يونس بهذا الإسناد، وقال فيه: ((يلعبون بحرابهم)) ولم يذكر: ((في المسجد)) . وخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، قال فيه: ((والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله ﷺ )) . وقد خرجه البخاري في ((عشرة النِّسَاء)) من رواية معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: ((كان الحبشة يلعبون بحرابهم، فيسترني رسول الله ﷺ وأنا أنظر، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو)) . كذا خرجه من رواية هشام بن يوسف، عن معمر. وقد روي عن عبد الرزاق، عن معمر، وفيه ذكر الحراب في المسجد. وعند الزهري في هذا الحديث إسناد أخر: رواه عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، خرجه البخاري في ((كتاب: السير)) ومسلم - أيضا - من رواية معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: بينا الحبشة يلعبون عند النبي ﷺ بحرابهم دخل عمر، فأهوى إلى الحصى فحصبهم بها، فقال: ((دعهم يا عمر)) . قال البخاري: وزاد علي: ثنا عبد الرزاق: أبنا معمر: ((في

стр. 1415

المسجد)) . فجمع عبد الرزاق في روايته لهذا الحديث من هذا الوجه - أيضا - بين ذكر الحراب والمسجد. وخرج - أيضا - في العيدين وفي ((السير)) من رواية أبي الأسود، عن عروة عن عائشة، قالت: كان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سالت رسول الله ﷺ ، وإما قال: تشتهين أن تنظري؟)) قلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: ((دونكم، بني أرفدة)) ، حتى إذا مللت قال: ((حسبك؟)) قلت نعم. قال: ((فاذهبي)) . وخرجه مسلم - أيضا. وفي هذه الرواية زيادة: ((الدرق)) ، وفيها زيادة: أن ذلك كان يوم عيد وليس فيه ذكر المسجد. وخرج مسلم من حديث جرير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاء حبش يزفون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي ﷺ ، فوضعت راسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم. وخرجه من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ومحمد بن بشر، عن هشام ولم يذكرا: ((في المسجد)) .

стр. 1416

وخرج مسلم - أيضا - من طريق ابن جريج: أخبرني عطاء: أخبرني عبيد بن عمير، قال: أخبرتني عائشة، أنها قالت للعابين: وددت أني أراهم، فقام رسول الله ﷺ وقمت على الباب أنظر بين أذنيه وعاتقيه، وهم يلعبون في المسجد. قال عطاء: فرس او حبش. قال: وقال لي ابن عتيق: بل حبش. وقد رَوَى أن ذَلِكَ العيد كَانَ يوم عاشوراء؛ فإنه كَانَ عيداً لأهل الجَاهِلِيَّة ولأهل الكتاب. فروى ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجه بن زيد، عن أبيه، أن يوم عاشوراء كان يوما تستر فيه الكعبة، وتقلس فيه الحبشة عند رسول الله ﷺ وذكر الحديث. خرجه الطبراني. والتقلس: اللعب بالسيوف ونحوها من آلات الحرب. لكن خرج الإمام أحمد، عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانت الحبشة يلعبون يوم عيد، فدعاني رسول الله ﷺ ، فكنت أطلع بين عاتقه فأنظر إليه، فجاء أبو بكر، فقال النبي ﷺ : ((دعها؛ فان لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا)) . وهذا يدل على أنه كان أحد عيدي المسلمين. وخرج - أيضا - من حديث أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة،

стр. 1417

عن عائشة، أن النبي ﷺ قال يومئذ: ((ليعلم يهود أن في ديننا فسحة، أني أرسلت بحنيفية سمحة)) . والمقصود من هذا الحديث: جواز اللعب بآلات الحرب في المساجد؛ فان ذلك من باب التمرين على الجهاد، فيكون من العبادات. ويؤخذ من هذا: جواز تعلم الرمي ونحوه في المساجد، ما لم يخشى الأذى بذلك لمن في المسجد، كما تقدم في الأمر بالإمساك على نصال السهم في المسجد لئلا تصيب مسلما، ولهذا لم تجر عادة المسلمين بالرمي في المساجد. وقد قال الأوزاعي: كان عمر بن عبد العزيز يكره النصال بالعشي، فقيل له: لم؟ قال: لعمارة المساجد. ولكن أن كان مسجد مهجور ليس فيه أحد، أو كان المسجد مغلقا ليس فيه إلا من يتعلم الرمي فلا يمنع جوازه حينئذ. والله أعلم. وحكى القاضي عياض، عن بعض شيوخه، أنه قال: إنما يمنع في المساجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس وتكتسب به، فأما الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة، وإصلاح آلات الجهاد مما لا امتهان للمسجد في عمله فلا بأس به. والله أعلم.

стр. 1418

٧٠ - باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد

стр. 1419

٤٥٦ - حدثنا علي بن عبد الله: ثنا سفيان، عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة، قالت: أتتها بريرة تسألها في كتابتها، فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي. وقال أهلها: إن شئت أعطيتها ما بقي - وقال سفيان مرة: إن شئت أعتقتها ويكون الولاء لنا - فلما جاء رسول الله ﷺ ذكرته ذلك، فقال: ((ابتاعيها فأعتقيها؛ فإنما الولاء لمن أعتق)) ، ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر - وقال سفيان مرة: فصعد رسول الله ﷺ على المنبر - فقال: ((ما بال أقوام يشترطون شروطا ليس في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس فِي كِتَاب الله فليس لَهُ، وان اشترط مائة مرة)) . ورواه مَالِك، عَن يَحْيَى، عَن عمرة، أن بريرة – ولم يذكر: ((صعد المنبر)) . قال علي: قال يحيى وعبد الوهاب، عن يحيى عن عمرة - نحوه. وقال جعفر بن عون، عن يحيى: سمعت عمرة: سمعت عائشة.

стр. 1420

حاصل ما ذكره من الاختلاف في إسناد هذا الحديث: أن ابن عيينة رواه عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، فوصله كله. ورواه مالك في ((الموطإ)) ، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، أن بريرة أتت عائشة - فذكر الحديث، ولم يسند متنه عن عائشة، إلا أن النبي ﷺ قال لها: ((اشتريها وأعتقيها؛ فإنما الولاء لمن أعتق)) ، ولم يذكر صعوده على المنبر. وقد رواه بعضهم عن مالك، فأسنده كله عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة، كما رواه سفيان، وليس بمحفوظ عن مالك. وذكر البخاري، عن ابن المديني، أن يحيى - وهو: ابن سعيد - وعبد الوهاب - وهو: الثقفي - روياه عن يحيى بن سعيد، عن عمرة - نحوه. والظاهر: أنه أراد أنهما لم يذكرا عائشة في أوله كمالك. وإن جعفر بن عون رواه عن يحيى بن سعيد: سمعت عمرة، قالت: سمعت عائشة، فصرحت بسماعها من عائشة الحديث كله، وهذا يقوي رواية ابن عيينة. لكن خرجه الإمام أحمد، عن جعفر بن عون، ولم يذكر فيه السماع. وفي حديث ابن عيينة شك منه في لفظتين: إحداهما: هل قال في الحديث: ((ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر)) ؟ أو قال: ((فصعد على المنبر)) ؟

стр. 1421

وهذا اختلاف قريب؛ لأن المعنى متقارب، غير أن رواية: ((قام على المنبر)) تقتضي أنه خطب بذلك قائما، وليس في مجرد صعوده ما يقتضي قيامه. والثانية: شك سفيان: هل في الحديث: أن أهل بريرة قالوا لعائشة: ((أن شئت أعتقتها ويكون الولاء لنا)) ؟ أو قالوا: ((إن شئت أعطيتها ما بقي)) بدل: ((أعتقتها)) ؟ وقد خرج ابن خزيمة في مصنف له مفرد في الكلام على حديث بريرة: هذا الحديث، عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، وقال فيه: إنهم قالوا لعائشة: ((إن شئت فأعطي ما بقي، ويكون لنا الولاء)) . وقال: هذه اللفظة: ((فأعطي ما بقي)) وهم؛ ثنا بهذا الخبر عبد الله بن محمد، عن الزهري، عن سفيان، ولم يذكر هذه اللفظة، ورواه الثقفي عن يحيى، وليس فيه هذه اللفظة. قلت: قد تبين برواية البخاري، عن ابن المديني، عن سفيان، أنه كان يتردد في هذه اللفظة، ولا يجزم بها، وقد رواه الحميدي وغيره عن سفيان، ولم يذكروها، إنما ذكروا: لفظة العتق.

стр. 1422

ومقصود البخاري بتخريج الحديث في هذا الباب: أن النبي ﷺ خطب على المنبر في مسجده، وذكر في خطبته أحكام البيع والشراء، فدل على جواز مثل ذلك في المسجد. وقد روى مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قصة بريرة - أيضا -، وقال في حديثه: فقام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ((ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله)) ؟ - الحديث. وقد خرجه البخاري في موضع أخر. وظاهر هذا: يدل على أنه خطب بذلك على المنبر. وذكر البيع والشراء يقع على وجهين: أحدهما: أن يكون ذكرهما على وجه الإفاضة في حديث الدنيا أو في التجارة، فهذا من مباح الكلام في غير المسجد، وقد اختلف في كراهة مثله في المسجد، فكرهه طائفة من العلماء. قال أصحابنا، منهم ابن بطة وغيره: يكره الحديث فيه، إلا لمصلحة في الدين. قال أحمد في رواية حنبل: لا أرى لرجل إذا دخل المسجد إلا أن يلزم نفسه الذكر والتسبيح؛ فإن المساجد إنما بنيت لذكر الله . وروى حماد بن سلمة في ((جامعه)) : ثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن عمر بن الخطاب سمع ناسا يذكرون تجاراتهم

стр. 1423

في المسجد والدنيا، فقال: إنما بنيت المساجد لذكر الله، فإذا أردتم أن تذكروا تجاراتكم فاخرجوا إلى البقيع. وقال سعيد بن عبد العزيز: رأى أبو الدرداء رجلا يقول لصاحبه في المسجد: اشتريت وسق حطب بكذا وكذا. فقال أبو الدرداء: أن المساجد لا تعمر لهذا. وقال سفيان: عن رجل، عن الحسن: يأتي على الناس زمان لا يكون لهم حديث في مساجدهم إلا في أمر دنياهم، فليس لله فيهم حاجة، فلا تجالسوهم. وكره أبو مسلم الخولاني وغيره من السلف. وروي عن عمر، أنه بنى البطحاء خارج المسجد، وقال: من أراد أن يلغط فليخرج إليها. ورخص أصحاب الشافعي في التحدث بأمور الدنيا المباحة في المساجد، وأن حصل معه ضحك. واستدلوا بما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام. قال: وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم. وقد كان النبي ﷺ يختم مجالسه بكفارة المجلس، وأمر أن تختم المجالس به، وأخبر أنه إن كان المجلس لغوا كانت كفارة له، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة، فإذا وقع اللغو في المساجد ثم ختم المجلس بكفارته، فهو شبيه

стр. 1424

بالبصاق في المسجد ودفنها بعده، كما سبق. الثاني: أن يكون ذكر البيع والشراء على وجه الإخبار عن أحكامهما الشرعية، وما يجوز من ذلك وما لا يجوز، فهذا من نوع تعليم العلم، وهو من أجل القرب وأفضلها مع صلاح النية فيه. فإن أقترن بذلك إرادة الإنكار على من باع بيعا غير سائغ، أو شرط في بيعه شرطا غير سائغ، فقد اجتمع فيه حينئذ أمران: تعليم العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومثل هذا إذا أعلن به على المنابر في المساجد كان أبلغ في إشهاره ونشره وظهوره وارتداع المخالفين له، وهذا كله من أفضل القرب والطاعات. وحينئذ؛ ففي دخول هذا الحديث في تبويب البخاري نظر، فإن كان قد أشار إلى الاستدلال بهذا الحديث على جواز البيع والشراء في المسجد فهو أبعد وأبعد. وأما عقد البيع والشراء في المسجد: فقد ورد النهي عنه من حديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه. وخرج الترمذي والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم من

стр. 1425

حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك)) . وقد روي، عن ابن ثوبان - مرسلا، وهو أصح عند الدارقطني. وحكى الترمذي في ((جامعه)) قولين لأهل العلم من التابعين في كراهة البيع في المسجد. والكراهة قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وهو عند أصحابنا كراهة تحريم، وعند كثير من الفقهاء كراهة تنزيه. وللشافعي قَوْلِ: أنه لا يكره، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء وغيره. واختلف أصحابنا في انعقاد البيع في المسجد على وجهين. وفرق مالك بين اليسير والكثير، فكره الكثير دون اليسير، وحكي عن أصحاب أبي حنيفة نحوه.

стр. 1426

٧١ - باب التقاضي والملازمة في المسجد

стр. 1427

٤٥٧ - حدثنا عبد الله بن محمد: ثنا عثمان بن عمر: أبنا يونس، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب، أنه تقاضي ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى: ((يا كعب!)) ، قال: لبيك يا رسول الله. قال: ((ضع من دينك هذا)) . وأومأ إليه، أي الشطر. قال: لقد فعلت يا رسول الله. قال: ((قم فاقضه)) . مقصود البخاري: الاستدلال بهذا الحديث على جواز تقاضي الغريم لغريمه في المسجد، ومطالبته بدينه، وملازمته له لطلب حقه؛ فان النبي ﷺ علم بذلك وسمعه ولم ينكره. وهذا مما يعتضد به من يجيز البيع والشراء في المسجد، كما دل عليه تبويب البخاري في الباب الماضي. ومن كره البيع، فرق بينه وبين التقاضي بأن البيع في المسجد ابتداء لتحصيل المال فيه، وذلك يجعل المسجد كالسوق المعد للتجارة، واكتساب الأموال، والمساجد لم تبن لذلك، ولهذا قال عطاء بن يسار وغيره لمن

стр. 1428

رأوه يبيع في المسجد: عليك بسوق الدنيا، فهذا سوق الآخرة. أما تقاضي الدين، فهو حفظ مال له، وقد لا يتمكن من مطالبته إلا في المسجد، فهو في معنى حفظ ماله من الذهاب، وفي معنى التحاكم إلى الحاكم في المسجد، كما سبق ذكره. وممن رخص في المطالبة لغريمه في المسجد: عطاء وابن جريج. وفي إشارة النبي ﷺ بيده، وإيمائه إليه، أن يضع الشطر: دليل على أن إشارة القادر على النطق في الأمور الدينية مقبولة كالفتيا ونحوها، وقد سبق ذكر ذلك في ((كتاب: العلم)) . ولم يكن هذا من النبي ﷺ حكما؛ لأنه لم يستوف شرائط الحكم من ثبوت الدين ونحوه، وإنما كان على وجه الإصلاح. والله أعلم.

стр. 1429

٧٢ - باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان

стр. 1430

٤٥٨ - حدثنا سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رجلا أسود - أو أمرأة سوداء - كان يقم المسجد، فمات، فسأل النبي ﷺ عنه، فقالوا: مات. فقال: ((أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلوني على قبره)) - أو ((على قبرها)) - فأتى قبره فصلى عليها)) . فيه: دليل على أن المسجد حسن مندوب إليه؛ فان هذا الذي كان يقم المسجد في عهد النبي ﷺ لم يكن حاله يخفى عليه. والقم: هو إخراج القمامة، وهي الزبالة. وقد روي من وجوه أخر أنها كانت امرأة، من غير شك: فروي إسماعيل بن أبي أويس: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: كانت سوداء تلتقط الخرق والعيدان من المسجد، فسأل عنها رسول الله ﷺ ، فقيل: ماتت من الليل، ودفنت، وكرهنا أن نوقظك، فذهب النبي ﷺ إلى قبرها، وصلى عليها، وقال: ((إذا مات أحد من المسلمين فلا تدعوا أن تؤذنوني به)) .

стр. 1431

وروى ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قال: كانت سوداء تقم المسجد، فتوفيت ليلا، فلما أصبح رسول الله ﷺ أخبر بموتها، فقال: ((ألا آذنتموني بها؟)) فخرج بأصحابه، فوقف على قبرها، فكبر عليها والناس خلفه، فدعا لها، ثم انصرف. خرجه ابن ماجه. وقد روي: أن هذه المرأة يقال لها: أم محجن: فروى محمد بن حميد الرازي: ثنا مهران بن أبي عمر، عن أبي سنان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ مر على قبر حديث عهد بدفن، ومعه أبو بكر وعمر، فقال: ((قبر من هذا؟)) قال أبو بكر: هذه - يا رسول الله - أم محجن، كانت مولعة بأن تلتقط الأذى من المسجد. قال: ((ألا آذنتموني؟)) قالوا: كنت نائما، فكرهنا أن نجهدك. قال: ((فلا تفعلوا؛ فإن صلاتكم على موتاكم تنور لهم في قبورهم)) قال: فصف بأصحابه؛ فصلى عليها. وفي هذا الإسناد ضعف. وروى أبو الشيخ الأصبهاني في ((كتاب ثواب الأعمال)) بإسناد له، عن عبيد بن مرزوق، قال: كانت بالمدينة إمرأة يقال لها: أم محجن، تقم

стр. 1432

المسجد، فماتت، فلم يعلم بها النبي ﷺ فمر على قبرها، فقال: ((ما هذا القبر؟)) قالوا: أم محجن. فقال: ((التي كانت تقم المسجد؟)) قالوا: نعم. فصف الناس، وصلى عليها، ثم قال: ((أي العمل وجدت أفضل؟)) قالوا: يا رسول الله، أتسمع؟ قال: ((ما أنتم بأسمع منها)) ، فذكر أنها أجابته: قم المسجد. وهذا مرسل غريب. وقد ذكرنا فيما تقدم حديث الأمر باتخاذ المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب. وروى ابن جريج، عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: ((عرضت علي أجور أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد)) . خرجه أبو داود والترمذي. والمطلب لم يسمع من أنس -: قاله ابن المديني وغير واحد. وابن جريج، قال الدارقطني: لم يسمع من المطلب. قال: ويقال: أنه كان يدلسه عن ابن أبي سبرة وغيره من الضعفاء. وكنس المساجد وإزالة الأذى عنها فعل شريف، لا يأنف منه من يعلم آداب الشريعة، وخصوصا المساجد الفاضلة، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ -

стр. 1433

رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بيده، وقد سبق هذا الحديث. وروى وكيع: ثنا كثير بن زيد، عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب، أن عمر أتى مسجد قباء على فرس له، فصلى فيه ركعتين، ثم قال: يا أوفى، ائتني بجريدة، فأتاه بجريدة، فاحتجز عمر بثوبه، ثم كسحه. وقال أبو نعيم الفضل: ثنا أبو عاصم الثقفي، قال: كنت أمشي أنا والشعبي في المسجد، فجعل يطأطئ رأسه، فقلت: ماذا تأخذ؟ قَالَ: المشاط والصوف.

стр. 1434

٧٣ - باب تحريم تجارة الخمر في المسجد

стр. 1435

٤٥٩ - حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، قالت: لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فقرأهن على الناس، ثم حرم تجارة الخمر. ذكر الخمر بالتحريم - إما لشربه أو للتجارة فيه -: من جملة تبليغ دين الله وشرعه؛ وذلك لأنه تصان عنه المساجد؛ فأن الله ذكر في كتابة الذي يتلى في الصلوات في المساجد: الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، كما ذكر: الزنا والربا وسائر المحرمات من الشرك والفواحش، ولم يزل النبي ﷺ يتلو ذلك في المسجد في الصلوات وغيرها، ولم يزل يذكر تحريم ما حرمه الله في المساجد وفي خطبه على المنبر، وهذا الباب مما لا تدعو الحاجة إليه؛ لظهوره. ولكن يشكل في هذا الحديث أمران: أحدهما: أن تحريم التجارة في الخمر مما شرع من حين نزول تحريم الخمر، ولم يتأخر إلى نزول آيات الربا، فإن آيات الربا من أخرما نزل من

стр. 1436

القرآن، كما روى البخاري في ((التفسير)) من رواية الشعبي، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ آية الربا. وفي ((الصحيحين)) عن جابر، أنه سمع النبي ﷺ عام الفتح وهو بمكة يقول: ((أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) . وخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: ((يا أيها الناس، إن الله يعرض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرا، فمن كان عنده منها شيء فليبيعه ولينتفع به)) . قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال: ((أن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع)) . قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها. وهذا نص في تحريم بيعها مع تحريم شربها. والثاني: أن آيات الربا ليس فيها ذكر الخمر، فكيف ذكر تحريم التجارة في الخمر مع تحريم الربا؟ ويجاب عن ذلك: بأن مراد عائشة: أن النبي ﷺ أخبر بتحريم التجارة في الخمر مع الربا، وأن كان قد سبق ذكر تحريم بيع الخمر. وقد روى حجاج بن أرطاة - حديث عائشة -، عن الأعمش بإسناد البخاري، ولفظه: لما نزلت الآيات التي في سورة البقرة نهى رسول الله ﷺ عن الخمر والربا.

стр. 1437

وإنما أراد النبي ﷺ والله أعلم - بتحريم التجارة في الخمر مع الربا ليعلم بذلك أن الربا الذي حرمه الله يشمل جميع أكل المال مما حرمه الله من المعاوضات، كما قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] ، فما كان بيعا فهو حلال، وما لم يكن بيعا فهو ربا حرام: أي: هو زيادة على البيع الذي أحله الله. فدخل في تحريم الربا جميع أكل المال بالمعاوضات الباطلة المحرمة، مثل ربا الفضل فيما حرم فيه التفاضل، وربا النساء فيما حرم فيه النسأ، ومثل أثمان الأعيان المحرمة، كالخمر والميتة والخنزير والأصنام، ومثل قبول الهدية على الشفاعة، ومثل العقود الباطلة، كبيع الملامسة والمنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والمخابرة، والسلف فيما لا يجوز السلف فيه. وكلام الصحابة في تسمية ذلك ربا كثير، وقد قالوا: القبالات ربا، وفي النجش أنه ربا، وفي الصفقتين في الصفقة أنه ربا، وفي بيع الثمرة قبل صلاحها أنه ربا. وروي: أن غبن المسترسل ربا، وأن كل قرض جر نفعا فهو ربا. وقال ابن مسعود: الربا ثلاثة وسبعون بابا.

стр. 1438

وخرجه ابن ماجه والحاكم عنه مرفوعا. وخرج الإمام أحمد وابن ماجه، أن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وأن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة. يشير عمر إلى أن أنواع الربا كثيرة، وأن من المشتبهات ما لا يتحقق دخوله في الربا الذي حرمه الله، فما رابكم منه فدعوه. وفي ((صحيح مسلم)) عن عمر، أنه قال: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا. وبعض البيوع المنهي عنها نهي عنها سدا لذريعة الربا، كالمحاقلة، والمزابنة، وكذلك قيل في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن بيعتين في بيعة، وعن ربح ما لم يضمن، وبسط هذا موضعه ((البيوع)) . وإنما أشرنا هنا إلى ما يبين كثرة أنواع أبواب الربا، وأنها تشمل جميع المعاوضات المحرمة، فلذلك لما نزل تحريم الربا نهى النبي ﷺ عن الربا، وعن بيع الخمر؛ ليبين أن جميع ما نهى عن بيعه داخل في الربا المنهي عنه. والله أعلم.

стр. 1439

٧٤ - باب الخدم للمسجد وقال ابن عباس ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران:٣٥] : للمسجد يخدمها. هذا من رواية عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقاله - أيضا -: مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والربيع بن أنس وغيرهم. وقال قتادة والربيع وغيرهما: كانوا يحررون الذكور من أولادهم للكنيسة يخدمها، فكانت تظن أن ما في بطنها ذكرا، فلما وضعت أنثى اعتذرت من ذلك إلى الله، وقالت: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦] ؛ لأن الأنثى لا تقوى على ما يقوى عليه الذكر من الخدمة، ولا تستطيع أن تلازم المسجد في حيضها ومع الله، فقال الله : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران:٣٧]- يعني: أن الله قبل نذرها، وأن كان أنثى؛ فإنه أعلم بما وضعت، وهذا كان في دين بني إسرائيل. وقد ذكر طائفة من المفسرين: أن هذا كان شرعا لهم، وأن شرعنا غير موافق له. وخالفهم آخرون:

стр. 1440

قال القاضي أبو يعلى في ((كتاب أحكام القرآن)) : هذا النذر صحيح في شريعتنا، فإنه إذا نذر الإنسان أن ينشئ ولده الصغير على عبادة الله وطاعته، وأن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين صح النذر. وهذا الذي قاله حق؛ فقد قال النبي ﷺ : ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) ، فلو نذر أحد أن يخدم مسجداً لله لزمه الوفاء بذلك مع القدرة، وأما إن نذر أن يجعل ولده لله ملازما لمسجد يخدمه ويتعبد فيه، فلا يبعد أن يلزمه الوفاء بذلك، فإنه نذر طاعة فيلزمه أن يجرد ولده لما نذره له، ويجب على الولد طاعة أبيه إذا أمره بطاعة الله . وقد نص الإمام أحمد على أن الكافرين إذا جعلا ولدهما الصغير مسلما صار مسلما بذلك. ولو وقف عبده على خدمة الكعبة صح -: نص عليه أحمد - أيضا. ونص في عبد موقوف على خدمة الكعبة أنه إذا أبى أن يخدم بيع واشترى بثمنه عبد يخدم مكانه. وروى سعيد بن سالم القداح، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، أن معاوية أخدم الكعبة عبيدا بعث بهم إليها، ثم اتبعت ذلك الولاة بعده. خرجه الأزرقي.
следующие страницы →