Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
العدوي: ثنا أبو صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان)) .
سليمان بن المغيرة، لم يخرج له البخاري إلا هذا الحديث متابعة لحديث يونس بن عبيد، وإنما خرجه بعد إسناد حديث يونس؛ لما فيه من الزيادة في إسناده ومتنه.
أما في إسناده، ففيه: التصريح بسماع حميد له من أبي صالح، وسماع أبي صالح له من أبي سعيد.
وأما في المتن، فإن فيه: ذكر الصلاة إلى السترة، وليس هو في حديث يونس.
وكذلك رواه سليم بن حيان، عن حميد، ولم يقل - أيضا - ((إذا
стр. 1647
صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس)) .
وحينئذ؛ فلفظ الحديث الذي ساقه البخاري لسليمان بن المغيرة، وحمل حديث يونس عليه، ولم ينبه على ما في حديث سليمان من الزيادة.
وقد نبه على ذلك الإسماعيلي.
وكذلك روى مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد
الخدري، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا كان أحدكم يصلى فلا يدع أحدا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان)) .
خرجه مسلم.
وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد من رواية عطاء بن يسار وأبي الوداك.
وروي - أيضا - من رواية عطاء بن يسار، عنه.
وليس في حديث احد منهم ذكر الصلاة إلى السترة، وإنما تفرد بذكرها سليمان بن المغيرة في حديثه عن حميد بن هلال. والله اعلم.
وتابعه على ذكرها: ابن عجلان، عن زيد بن اسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه.
وقد خرج حديثه أبو داود وابن ماجه.
وليس ابن عجلان بذاك الحافظ.
وتابعه - أيضا -: داود بْن قيس، عَن زيد بْن أسلم.
خرج حديثه عبد الرزاق، عنه، بسياق مطول، وفيه: أن أبا سعيد دفع
стр. 1648
الفتى حتى صرعه، وانه لما سأله مروان عن ذلك قال: ما فعلت، إنما دفعت شيطانا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا أراد أن يمر بين يديك وبين سترتك احد فاردده، فإن أبى فاردده فإن أبى فقاتله؛ فإنما هو شيطان)) .
وخرج الإمام أحمد عن عبد الرزاق المرفوع منه خاصة.
وخرج من حديث زهير، عن زيد بن اسلم الحديث بنحو رواية مالك، من غير ذكر سترة.
وخرج مسلم حديث سليمان بن المغيرة: عن شيبان بن فروخ، عنه، وفي سياقه أشياء مخالفة لسياق البخاري.
منها: أن أبا سعيد دفع في نحر الشاب مرتين، وقال في الثانية: فمثل قائما، فنال من أبي سعيد، ثم زاحم الناس، فخرج فدخل على مروان. وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: ((فليدفع في نحره)) .
وفيما فعله أبو سعيد: دليل على دفع المار بين المصلي وبين سترته، وإن ازدحم الناس، ولم يجد المار سبيلا سوى ذلك.
ويدل عليه - أيضا -: قول النبي ﷺ : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر)) .
فإنه يدل على أن وقوفه أربعين ينتظر مسلكا يباح له المرور فيه خير له من المرور بين يدي المصلي، وإن لم يجد طريقا غيره.
стр. 1649
وقد قال بعض الشافعية والمالكية وبعض أصحابنا: لا يكره المرور حينئذ، ولا يمنع منه.
قال أصحابنا: لكن يضع المار شيئا يمر من ورائه، أو يخط خطا إذا لم يجد.
وكلام أحمد وأكثر أصحابنا ليس فيه شيء من هذا، وكذا كلام أكثر أصحاب الشافعي، والرجوع إلى ما فهمه الصحابي من الحديث الذي رواه وعمل به مستدلا به أولى.
وقول النبي ﷺ ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع)) . أمر بدفع المار، ونهى عن تمكينه من المرور، وظاهره الوجوب.
وقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه، وانه لا يعلم فيه خلافا ووقع في كلامه - أيضا - ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب، وهو قول كثير من أصحابنا والشافعية وغيرهم.
وروي أبو نعيم: ثنا سفيان، عن داود، عن الشعبي، قال: إذا مر الرجل بين يديك وأنت تصلي فلا ترده.
ولعله أراد إذا مر وذهب من بين يديه إلى الناحية الأخرى، فإنه لا يرده من حيث جاء، فإنه يصير مرورا ثانيا.
وهذا قول الجمهور، وخالف فيه بعض السلف، منهم ابن مسعود وسالم.
стр. 1650
وفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع، إذا كان للمار مندوحة عنه وكان المصلى قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته.
وسيأتي مزيد بيان لذلك في الباب الأتي - إن شاء الله.
وفي رواية سليمان بن المغيرة المخرجة في ((الصحيحين)) : ((إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد احد أن يمر بين يديه، فليدفعه)) : دليل من قبل مفهوم الشرط على أن من صلى إلى غير سترة فلا يرد من مر بين يديه، وهو قول ابن المنذر وبعض أصحابنا.
وأما أكثر أصحابنا فعندهم: أن رد المصلي لا يختص بمن كان يصلي إلى سترة، بل يشترك فيه من صلى إلى سترة ومن صلى إلى غير سترة ومر بقربه مار.
واستدلوا بعموم الأحاديث التي لَمْ يذكر فيها هذا الشرط، وجعلوا هذه الرواية المذكور فيها الشرط من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا يقتضي تخصيصه، إلا أن يكون له مفهوم، فيبنى على أنه: هل يخص العموم بالمفهوم، أم لا؟
وأما الشافعية، فقالوا يحرم المرور بين يدي المصلي إلى سترة وبين سترته، على الصحيح عندهم، ومن صلى إلى غير سترة كره المرور بين يديه، ولم يحرم.
وهل يدفعه المصلي؟ لهم فيه وجهان: أصحها
стр. 1651
عندهم: لا يدفعه؛ لمفهوم قوله: ((إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة)) .
وقوله ﷺ : ((فليدفعه)) ، وفي رواية مسلم: ((فليدفع في نحره)) ، وفي روايته: أن أبا سعيد دفع في نحر المار بين يديه، وفي رواية البخاري: أنه دفع في صدره.
وقد كان ابن عمر وغيره من الصحابة يدفعون المار بين أيديهم.
ونقل أبو طالب، عن أحمد، وذكر حديث أبي سعيد هذا، فقال أحمد: يمنعه فإن أبى عليه فهو في صلاته يدرأ عن نفسه ما استطاع.
وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء: رأيت أبا عبد الله - يعني: أحمد - إذا صلى فمر بين يديه احد دفعه دفعا رفيقا، فإن أبى إلا أن يمر دفعه دفعا شديدا.
وقال أبو الحارث: أخبرني بعض أصحابنا، أنه رأى أحمد يوم الجمعة يصلي في مسجد الجامع، فمر بين يديه رجل فرده، فأبى أن يرجع، فدفعه حتى رمى به.
وقال في رواية حنبل: إذا أراد أن يمر بين يديك رجل فامنعه ما قدرت.
وقد دل فعل أبي سعيد على أن المار إذا أبى أن يرجع بالدفع الأول فإنه يدفع في المرة الثانية اشد من
стр. 1652
الدفع الأول وكذلك فعله الإمام أحمد.
وأما قوله: ((فإن أبى فليقاتله)) ، إذن في قتاله في المرة الثانية.
وفي رواية ابن عمر: أن القتال في الرابعة، لكن في إسنادها ضعف كما سبق.
وقال أصحاب الشافعي: يدفعه دفع الصائل بالأسهل فالأسهل، ويزيد بحسب الحاجة، وإن أدى إلى قتله فمات منه فلا ضمان فيه كالصائل.
وحكى القاضي أبو يعلى ومن تابعه من أصحابنا عن أحمد في قتاله روايتين:
إحداهما: يقاتله، وذكروا نصوص أحمد السابقة.
والثانية: لا يفعل؛ فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي: يدرأ ما استطاع، وأكره القتال في الصلاة.
ذكره عنه الجوزجاني في ((كتابه المترجم)) ، وخالف في ذلك، وقال: بل يقاتله؛ فإنه شيطان لا حرمة له.
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) في قوله: ((فليقاتله)) : المراد بالمقاتلة: المدافعة، وأظنه كلاما خرج على التغليظ، ولكل شيء حد. قال: وأجمعوا على أنه لا يقاتله بسيف ولا بخاطفة ولا يبلغ معه مبلغا تفسد به صلاته.
وحكى عن أشهب، أنه قال: يرده بإشارة، ولا يمشي إليه؛ لأن مشيه إليه أشد من مروره بين يديه، فإن فعل لم تبطل صلاته إذا لم
стр. 1653
يكن عملا كثيرا.
قال ابن عبد البر: وقد بلغني أن عمر بن عبد العزيز - في أكبر ظني - ضمن رجلا دفع آخر مرّ بين يديه وهو يصلي، فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه، فدل على أنه لم يكن له أن يبلغ به ذلك.
وقد كان الثوري يدفع المار بين يديه دفعا عنيفا.
وذكر القاضي أبو يعلى من أصحابنا: أن أبا بكر أحمد بن سلمان النجاد روى بإسناده عن مالك، أنه بلغه أن رجلا في زمان عثمان مر بين يدي رجل وهو يصلي، فرماه فشجه، فأتوا عثمان، فقال: أيمر بين يدي وأنا أصلي؟ فقال عثمان: الذي صنعت أعظم.
وقال ابن عبد البر: في ((الاستذكار)) . فإن دافعه مدافعة لا يقصد بها قتله فكان فيها تلف نفسه كانت عليه ديته كاملة في ماله.
وقد قيل: الدية على عاقلته.
وقيل: هي هدر على حسب ثنية العاض.
قال: وهذا كله يدل على نفي القود؛ لأنه فعل تولد من عمل أصله مباح.
قال: وقد كان أبو سعيد الخدري يشتد في هذا - وهو راوي الحديث - طلبا لاستعمال ظاهره.
ثم ذكر عن ابن أبي شيبة، أنه روى عن أبي معاوية، عن عاصم، عن ابن
سيرين، قال: كان أبو سعيد قائما يصلي،
стр. 1654
فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه، فمنعه، فأبى إلا أن يمضي، فدفعه أبو سعيد وطرحه، فقيل له: تصنع هذا بعبد الرحمن؟ فقال: والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذت.
قال: وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم، عن محمد بن سيرين، عن أبي العالية، عن أبي سعيد الخدري، قال: مر رجل من بني مروان بين يدي في الصلاة، فدفعته ثلاث مرات، فشكاني إلى مروان، فذكر ذلك لي، فقلت: لو أبى لأخذت بشعره.
قال عبد الرزاق: وأنا ابن جريج، قال: سمعت سليمان بن موسى يحدث، عن عطاء، قال: أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد الخدري، وهو يصلي، وعليه حلة له، ومروان أمير بالمدينة، فرده، فكأنه أبى، فلهزه في صدره، فذهب الفتى إلى أبيه، فاخبره، فدعا مروان أبا سعيد، فذكر ذلك له، فقال: نعم؛ قال النبي ﷺ : ((أردده، فإن أبى فجاهده)) .
وروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) : ثنا عبد الله بن عامر، عن زيد بن أسلم، قال: بينما أبو سعيد يصلي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدرأه، فأبى إلا أن يمر، فدفعه ولطمه، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أن أبى إلا أن يمر فاردده، فإن أبى إلا أن يمر فادفعه؛ فإنما تدفع الشيطان)) .
стр. 1655
عبد الله بن عامر الأسلمي فيه ضعف.
وزيد بن أسلم، إنما رواه عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، كما تقدم.
وتسمية المار الوليد بن عقبة غريب غير محفوظ.
وروى ابن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز -، ومر بين يديه رجل وهو يصلي، فجبذه حتى كاد يخرق ثيابه.
وبإسناده، عن سعيد بن جبير، أنه سئل: أدع أحدا يمر بين يدي؟ قال: لا. فقيل له: فإن أبى؟ قال: فما تصنع؟ قيل له: إن ابن عمر كان لا يدع أحدا يمر بين يديه. قال: أن ذهبت تصنع صنيع ابن عمر دق أنفك.
وفي هذا إشارة إلى شدة رد ابن عمر من مر بين يديه، وأن غيره لا يتمكن من مثل ذلك.
وقوله ﷺ : ((فإنما هو شيطان)) . تعليل للإذن في قتاله.
وقد اختلف في معناه:
فقيل: المعنى: أن معه الشيطان المقترن به، وهو يأمره بذلك وهو اختيار أبي حاتم وغيره.
ويدل عليه: حديث ابن عمر: ((فإن معه
стр. 1656
القرين)) .
وقيل: المراد: أن فعله هذا فعل الشيطان، فهو بذلك من شياطين الإنس، وهو اختيار الجوزجاني وغيره.
وروى الدراوردي، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أنه كان يصلي ومر بين يديه ابن لمروان، فضربه، فقال مروان: ضربت ابن أخيك؟ فقال: ما ضربت إلا شيطانا؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أبى فرده، فإن أبى فقاتله؛ فإنما هو شيطان)) .
وبكل حال؛ فيستدل به على تحريم المرور بين المصلي وسترته؛ لأنه جعله من عمل الشياطين، وأمر بالعقوبة عليه، وذلك من أدلة التحريم.
стр. 1657
١٠١ - باب
إثم المار بين يدي المصلي
стр. 1658
٥١٠ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن
عبيد الله، عن بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله: ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه)) .
قال أبو النضر: لا أدري: قال أربعين يوما، أو شهرا، أو سنة؟
وخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وخرجه - أيضا - من طريق وكيع، عن سفيان - هو: الثوري -، عن سالم أبي النضر - بمعنى حديث مالك.
ورواه ابن عيينة، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو الجهيم، أسأل
стр. 1659
زيد بن خالد الجهني: ما سمعت من النبي ﷺ يقول - فذكره من رواية زيد بن خالد، عن النبي ﷺ .
كذا رويناه في ((مسند الحميدي)) ، عن سفيان.
وكذا خرجه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن ابن عيينة، إلا أنه قال: ((أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله)) - ولم يذكر من أرسله.
وذكر أن الشك في تمييز الأربعين من ابن عيينة.
وهذا كله وهم.
وممن نص على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد، عن النبي ﷺ وهم من ابن عيينة، وخطأ: ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل.
وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده، ولم يحفظه جيدا.
وقد روي عنه كقول مالك وسفيان على الصواب.
خرجه ابن خزيمة، عن علي بن خشرم، عنه.
ومن تكلف الجمع بين القولين من المتأخرين، فقوله ليس بشيء، ولم
стр. 1660
يأت بأمر يقبل منه.
وأبو الجهيم، هو: ابن الحارث بن الصمة، وقد سبق له حديث في ((التيمم)) .
وقد رواه الضحاك بن عثمان، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، قال: قَالَ: رسول الله ﷺ : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما)) - وذكر الحديث.
خرجه أبو العباس السراج في ((مسنده)) .
وهذا يوافق رواية ابن عيينة، وهو - أيضا - وهم.
وزيادته: ((والمصلي)) غير محفوظة - أيضا.
وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاري، ومسلم - أيضا - بعد: ((ماذا عليه)) : ((من الإثم)) ، وهي غير محفوظة.
وذكر ابن عبد البر: أن هذه اللفظة في رواية الثوري، عن سالم أبي النضر.
وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوري، مدرجة بلفظة: ((يعني: من الإثم)) ، فدل على إنها مدرجة من قول بعض الرواة، وتفسير للمعنى؛ فإن هَذَا يفهم من قوله: ((ماذا عَلِيهِ)) ، فإن ابن آدم لَهُ عمله الصالح وعليه عمله السيئ، كما قَالَ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] . وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وإذا كان هذا عليه فهو من سيئاته.
وفي المعنى أحاديث أخر، ليست على شرط البخاري:
стр. 1661
فروى عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((لو يعلم أحدكم ما له أن يمشي بين يدي أخيه معترضا وهو يناجي ربه، كان لأن يقف في ذلك المكان مائة عام أحب إليه أن يخطو)) .
خرجه أحمد، وهذا لفظه.
وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) بمعناه.
وخرجه ابن ماجه، ولم يذكر: ((وهو يناجي ربه)) ، وعنده: ((معترضا في الصلاة)) .
وعبيد الله بن عبد الله بن موهب، ضعفه يحيى. وقال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال ابن عدي هو حسن الحديث يكتب حديثه.
وخرج الطبراني من رواية ابن أخي ابن وهب، عن عمه: ثنا عبد الله بن عيا ش، عن أبي رزين الغافقي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: ((الذي يمر بين يدي الرجل وهو يصلي عمدا، يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة)) .
إسناده ليس بقوي.
стр. 1662
وقد روي موقوفا، بلفظ آخر، من وراية أبي عبد الرحمن المقري: ثنا موسى بن أيوب، قال: سمعت أبا عمران الغافقي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: لأن يكون الرجل رمادا يذرى به خيرا له من أن يمر بين يدي رجل متعمدا وهو يصلي.
خرجه ابن عبد البر وغيره.
وروى ابن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز - يقول: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي لأحب أن تنكسر فخذه ولا يمر بين يديه)) .
هذا مرسل.
وأبو أسامة، قد قيل: إنه كان يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشامي، ويسميه: ابن جابر، وابن تميم ضعيف، وابن جابر ثقة.
وذكر مالك في ((الموطإ)) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن كعب الأحبار، قال: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يخسف به خير له من أن يمر بين يديه.
وروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) : ثنا سليمان بن المغيرة، عن
стр. 1663
حميد بن هلال، قال: قَالَ عمر ﵁: لو يعلم المار بين يدي المصلي ما يصيب من الإثم ما مر أحد بَيْن يدي أحد، وهو يصلي.
وروى أبو بكر النجاد الفقيه الحنبلي، بإسناده عن ابن عمر، قال: لأن يكون الرجل رمادا يذري به خير من أن يمر بين يدي رجل وهو يصلي
وبإسناده، عن قتادة، أن عمر وأبا الدرداء قالا: لو يعلم المار بين يدي المصلي كان أن يقوم حولا أهون عليه من أن يمر بَيْن يديه.
وروى أبو النعيم – أيضا -: ثنا أبو خلدة، عن أبي العالية، قالا: إن الإنسان إذا صلى بين يديه ملك يكتب ما يقول، فما أحب أن يمر بين يدي شيء.
وفي هذا إشارة إلى علة كراهة المرور بين يدي المصلي، وهو قرب الملائكة منه، فالمار يصير دخيلا بين المصلي وملائكته الموكلين به.
وفي حديث أبي هريرة المتقدم: إشارة إلى أن المصلي مشتغل بمناجاة ربه، والرب تعالى يقرب المصلي له إليه، قربا لا يشبه قرب المخلوقين، كما سبق ذكره في ((أبواب: البصاق في القبلة)) .
فالداخل بين المصلي وبين ربه في حال مناجاته له، وتقريبه إياه، وإقباله عليه، واستماعه
стр. 1664
منه ما يناجيه، ورده عليه جواب ما يتلوه من كتابه متعرض لمقت الله، ومستحق لعقوبته.
وهذا كله يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي، وهو الصحيح عند أصحابنا، والمحققين من أصحاب الشافعي.
وطائفة منهم ومن أصحابنا أطلقوا الكراهة.
وكذلك أطلقها غيرهم من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر وغيره.
وحكاه الترمذي عن أهل العلم.
وقد حمل إطلاق هؤلاء للكراهة على التحريم؛ فإن متقدمي العلماء كانوا يستعملون ذلك كثيرا.
وقد حكى ابن حزم في ((كتاب الإجماع)) الاتفاق على أن المار بين المصلي وسترته آثم.
وفي الحديث: دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي، سواء كان يصلي إلى سترة أو لم يكن، فإن كان يصلي إلى سترة حرم المرور بينه وبينها، إذا لم يتباعد عنها كثيرا.
وإن لم يكن بينه وبين القبلة سترة، أو كانت سترة وتباعد عنها تباعدا فاحشا، ففي تحريم المرور وجهان لا صحابنا:
أصحهما: التحريم؛ لعموم حديث أبي جهيم.
والثاني: يكره ولا يحرم، وهو قول أصحاب الشافعي.
والذي نص عليه الشافعي في ((كتاب اختلاف الحديث)) أنه مباح غير مكروه،
стр. 1665
واستدل عليه بحديث ابن عباس والمطلب بن أبي وداعة.
وفي قدر القرب الذي يمنع المرور فيه وجهان لأصحابنا
أحدهما: أنه محدود بثلاثة اذرع؛ لأنها منتهى المسنون في وضع السترة، على ما سبق.
والثاني: حده بما لو مشى إليه لدفع المار أو غيره، لم تبطل صلاته.
وجاء في حديث مرفوع من حديث ابن عباس: تقديره بقدر قذفة بحجر.
خرجه أبو داود وسنذكره فيما بعد - أن شاء الله تعالى.
стр. 1666
وحكي عن الحنفية، أنه لا يمنع من المرور إلا في محل سجود المصلي خاصة.
وحكى أبو بكر ابن العربي، عن قوم أنهم قدروه بمثل طول الرمح، وعن آخرين أنهم قدروه برمية السهم، وقالوا: هو حريم للمصلي. قال: وأخذوه من لفظ المقاتلة، ولم يفهموا المراد منها. قال: والمقاتلة هنا: المنازعة بالأيدي خاصة.
وقال الشافعي: قوله: ((فليقاتله)) - يعني: فليدفعه.
فإما من وقف في مجاز الناس الذي ليس لهم طريق غيره وصلى، فلا إثم في المرور بين يديه، صرح به أصحابنا وغيرهم؛ لأنه مفرط بذلك، فلا حرمة له.
وحكى القرطبي، عن أصحابهم المالكية، أن المصلي إذا كان في موضع لا يأمن المرور عليه اشترك هو والمار في ألاثم.
وهذا يدل على أنه يحرم المرور بين يديه - أيضا -، ولكنه يأثم المار والمصلي جميعا.
وكذلك قال بعض الشافعية: أنه إذا صلى على الطريق، أو قصر في الدفع شارك المار في الإثم، وحملوا رواية السراج المتقدمة: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما)) على ذلك.
وحكي عن بعض الفقهاء، أنه إن كان للمار مندوحة عن المرور، وكان المصلي متعرضا لذلك أثما جميعا، وإن لم يكن للمار مندوحة، ولا
стр. 1667
المصلي متعرضا لذلك فلا إثم على واحد منهما، وإن لم يتعرض المصلي لذلك، وكان للمار مندوحة إثم المار وحده، وإن لَمْ يتعرض المصلي لذلك، ولم يكن للمار مندوحة أثم المصلي وحده.
وقال أبو عمر ابن عبد البر، الإثم على المار بين يدي المصلي فوق الإثم على الذي يدعه يمر بين يديه، وكلاهما عاص إذا كان بالنهي عالما، والمار اشد إثما إذا تعمد ذلك، وهذا مما لا اعلم فيه خلافا.
كذا قال؛ مع أنه ذكر في موضع آخر: أن الدفع ليس بلازم، ولا يأثم من تركه، وإنه قول الثوري وغيره.
وخرج ابن أبي شيبة من رواية الأسود، قال: قال عبد الله - هو: ابن مسعود -: من استطاع منكم أن لا يمر بين يديه وهو يصلي فليفعل؛ فإن المار بين يدي المصلي انقص من الممر عليه.
ولعله أراد أن المار انقص علما أو دينا أو خيرا من الممر عليه، ولم يرد - والله أعلم - أنه انقص منه إثما، اللهم إلا أن يحمل على ما إذا كان المصلي مفرطا بصلاته في موضع مرور الناس، والمار لا يجد بدا من مروره كما سبق.
стр. 1668
وقد روى عن جماعة من الصحابة، أن الصلاة تنقص بمرور المار:
فروى أبو نعيم: ثنا سليمان بن المغيرة - أظنه: عن حميد بن هلال -، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لو يعلم المصلي قدر ما ينقص من صلاته ما صلى أحدكم إلا إلى شيء يستره من الناس.
وهذا منقطع.
وقد روي عن ابن مسعود، أنه ينقص نصف صلاته.
قال أبو طالب: قلت لأحمد: قول ابن مسعود: أن ممر الرجل يضع نصف صلاته؟ قَالَ: نَعَمْ، يضع من صلاته، ولكن لا يقطعها، ينبغي له أن يمنعه.
وهذا الذي أشار إليه خرجه أبو بكر النجاد بإسناده، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: كان عبد الله إذا مر بين يديه رجل وهو يصلي التزمه حتى يرده. قال: وقال عبد الله: إن مرور الرجل بين يدي الرجل ليضع نصف صلاته.
قال القاضي أبو يعلي: وينبغي أن يكون هذا محمولا على ما إذا
стр. 1669
أمكنه أن يرده فلم يرده، فيكون قد اخل بفضيلة الرد.
كذا قال؛ وفيه نظر.
ومذهب أحمد وأصحابه: أن مرور الكلب الأسود يبطل الصلاة ويقطعها، سواء أمكنه الرد وتركه، أو تركه عجزا، كما سيأتي ذكره - أن شاء الله تعالى.
وعلى هذا؛ فلا يبعد القول بنقص كمال الصلاة بمرور غير الكلب، وإن عجز عَن دفع ذَلِكَ.
ولهذا المعنى رد طائفة من العلماء حديث قطع الصلاة بمرور الكلب وغيره، وقالوا: إنه مخالف للقرآن في قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ، كما ذكر ذلك الشافعي.
وقد روي: أن مرور الرجل بين يدي الرجل في صلاته يقطع صلاته.
وخرجه أبو داود في ((سننه)) بإسناد فيه نظر، أن النبي ﷺ صلى بتبوك إلى
نخلة، فأقبل غلام يسعى حتى مر بينه وبين قبلته، فقال: ((قطع صلاتنا، قطع الله
أثره)) . قال: فما قمت عليها إلى يومي هذا.
وهذا مما يستدل به على أن قطع الصلاة يراد به إذهاب كمال فضلها، دون إبطالها من أصلها، وإيجاب إعادتها، كما سيأتي ذكره - أن شاء الله تعالى.
стр. 1670
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في ((المسند)) : ثنا سويد بن سعيد: ثنا إبراهيم بن سعد: حدثني أبي، عن أبيه، قال: كنت أصلي، فمر رجل بين يدي فمنعته، فسألت عثمان بن عفان، فقال: لا يضرك يا ابن أخي.
وظاهر هذا: أنه لا ينقض الصلاة، ويحتمل أنه أراد أنه لم تبطل صلاته أو لعله أراد أنه إذا منعه من المرور فلا يضره إذا رجع ولم يمر.
وقد روي، عن عائشة ما يدل على أن المرور بين يدي المصلي إذا لم يقطع صلاته فهو جائز:
قال: عبد الله ابن الإمام أحمد في ((مسائله)) : ثنا أبي: ثنا حجاج: أبنا شعبة، قال: سمعت عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، قال: سمعت صفية بنت شيبة، قالت: كانت امرأة تصلي عند البيت إلى مرفقة، وكانت عائشة تطوف، فمرت عَائِشَة بينها وبين المرفقة، فقالت عائشة: إنما يقطع الصلاة الهر والكلب الأسود.
ولعل عائشة ﵂ كانت ترى أن المسجد الحرام لا يمنع فيه المرور بين يدي المصلي كما سبق، وإنما ذكرت أن الصلاة لا تقطع بذلك لئلا؛ تظن تلك المرأة بطلان صلاتها. والله أعلم.
стр. 1671
١٠٢ - باب
استقبال الرجل الرجل وهو يصلي
وكره عثمان أن يستقبل الرجل وهو يصلي.
وهذا إذا اشتغل به، فأما إذا لم يشتغل به، فقد قال زيد بن ثابت: ما باليت؛ إن الرجل لا يقطع صلاة الرجل.
حكى البخاري عن عثمان ﵁، أنه كره أن يستقبل الرجل وهو يصلي، وعن زيد بن ثابت، أنه قال: لا يبالي بذلك؛ إن الرجل لا يقطع صلاة الرجل.
وجمع بينهما بان الكراهة إذا اشتغل به المصلي عن صلاته، وعدم الكراهة إذا لم يشتغل به عن صلاته.
وقد روى في هذا حديث مرفوع يشهد لما قاله:
رواه عبد الأعلى الثعلبي، عن محمد بن الحنفية، أن النبي ﷺ نظر إلى رجل يصلي إلى رجل، فأمره أن يعيد الصلاة، فقال: يا رسول الله، إني قد أتممت؟ فقال: ((إنك صليت وأنت تنظر إليه مستقبله)) .
خرجه أبو داود في ((المراسيل)) .
وخرجه البزار في ((مسنده))
стр. 1672
والإسماعيلي في ((مسند علي)) ، وعندهما: عن ابن الحنفية، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
وعبد العلي هذا، ضعيف الحديث.
وقد علل الإعادة بالنظر إليه، وهو يشعر بأن نظره إليه ألهاه عن صلاته.
وقال البزار بعد تخريجه للحديث: إنما أمره بالإعادة؛ لاستقباله وجه الرجل من غير انحراف عنه.
وروى أبو نعيم: ثنا مسعر، قال: أراني أول من سمعته من القاسم، قال: ضرب عمر رجلين: أحدهما مستقبل الآخر وهو يصلي.
وهذا منقطع.
ونص أحمد على كراهة أن يصلي مستقبل رجل -: نقله عنه المروذي.
ونقل عنه ابنه صالح، أنه قال: هذا منهي عنه.
وعلل الأصحاب كراهة ذلك بان فيه تشبها بعبادة المخلوقين، فكره كما تكره الصلاة إلى صورة منصوبة.
وعلى هذا التعليل، فلا فرق بين أن يشتغل بالنظر إلى ذلك، أو لا يشتغل. والله اعلم.
وكره أصحاب الشافعي الصلاة إلى آدمي، يستقبله ويراه، وعللوه بأنه
стр. 1673
يشغل المصلي ويلهيه نظره إليه.
قال البخاري ﵀:
стр. 1674
٥١١ - ثنا إسماعيل بن خليل: أبنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، ذكر عندها ما يقطع الصلاة، فقالوا: يقطعها الكلب والحمار والمرأة، فقالت: لقد جعلتمونا كلابا؛ لقد رأيت النبي ﷺ يصلي، وإني لبينه وبين القبلة، وأنا مضطجعة على السرير، فتكون لي الحاجة، فأكره أن استقبله، فأنسل انسلالا.
وعن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - نحوه.
وقد روى هذا الحديث أبو معاوية، عن الأعمش، بالإسناد الثاني، وقال في حديثه: فأنسل من قبل رجلى السرير، كراهة أن استقبله بوجهي.
خرجه عنه الإمام أحمد.
ورواه ابن أبي زائدة، عن الأعمش بالإسنادين، وقال فيه: وأكره أن أستقبله بوجهي فأوذيه، فأنسل من قبل رجلى السرير.
وهذا يدل عل إنها كانت تعلم أن النبي ﷺ كان يكره أن يستقبله أحد بوجهه وهو يصلي، وكان ذلك ليلا، ولم يكن في البيوت مصابيح،
стр. 1675
كما صرحت به عائشة في حديثها الآخر، فدل على أن كراهة استقبال المصلي وجه إنسان والإنسان ليس هو لمعنى الاشتغال بالنظر إليه عن الصلاة، كما يراه البخاري. والله اعلم.
والظاهر: أن البخاري استدل بصلاة النبي ﷺ إلى عائشة على أنه لا تكره الصلاة مستقبل إنسان، وفي ذلك نظر؛ فإن عائشة لم تكن مستقبلة له، بل كانت مضطجعة، وإنما كره من كره استقبال وجه الآدمي.
стр. 1676
١٠٣ - باب
الصلاة خلف النائم
стр. 1677
٥١٢ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى: ثنا هشام: قال: حدثني أبي، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي، وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقضني فأوترت.
استدل البخاري بصلاة النبي ﷺ إلى عائشة بالليل على أنه لا تكره الصلاة خلف النائم.
وكذلك قال أصحاب الشافعي.
ونقل حرملة عن الشافعي، أنه إن كان النائم لا يحتشم من المصلي، ولا يحتشم المصلي منه كالزوجة فلا بأس به، وان النهي عن الصلاة خلف نائم يحتشمه.
والنهي الذي أشار إليه هو من رواية محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا تصلوا خلف النيام والمتحدثين)) .
خرجه أبو داود وابن ماجه.
وله طرق إلى محمد بن كعب، كلها واهية -: قاله أبو داود والعقيلي والبيهقي وغيرهم.
стр. 1678
وخرج البزار من رواية ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((نهيت أن أصلي إلى النيام والمتحدثين)) .
ابن أبي ليلى، ضعيف؛ لسوء حفظه.
وخالفه سُفْيَان، فرواه وكيع، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن مجاهد -
مرسلا، وهو أصح.
وكره طائفة الصلاة إلى النائم مطلقا، منهم: أحمد وإسحاق.
وعلل ذلك أصحابنا؛ بأنه لا يؤمن أن يكون من النائم ما يشغل المصلي.
وأجاب من ذهب إلى هذا عن حديث عائشة، بأن الحاجة دعت إليه؛ لضيق البيت.
وعن أحمد، أنه تختص الكراهة بالفريضة دون
стр. 1679
النافلة؛ جمعا بين حديث عائشة وحديث ابن عباس.
ولعل هذا القول اقرب مما قبله.
وإذا خالف وصلى، فلا إعادة عليه في ظاهر مذهب أحمد وإسحاق، وهو قول جمهور العلماء.
وعن أحمد، أنه يعيد الفريضة.
قال القاضي أبو يعلى: يحتمل أن هذا على الاستحباب دون الإيجاب.
وسئل النخعي عن الرجل يصلي إلى نائم ومضطجع: أيكون له سترة؟ قَالَ:
لا. قيل له: فيستر الجالس؟ قال: نعم.
وأما الصلاة خلف المتحدث، فكرهها أكثر العلماء.
روى سفيان، عن أبي إسحاق، عن معد يكرب، عن عبد الله، قال: لا تصلوا إلى قوم يتحدثون.
خرجه الأثرم.
وخرجه أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) ، ولفظه: لا تصلوا بين يدي قوم يمترون.
وهذا يدل على كراهة الصلاة أمام المتحدثين - أيضا.
قال ابن المنذر: روينا عن ابن مسود وسعيد بن جبير، أنهما كرها الصلاة إلى المتحدثين. وبه قال أحمد وأبو ثور. ورخص فيه الزهري والنعمان.
стр. 1680
وحكى الخطابي، عن الشافعي، أنه كرهه - أيضا.
وعلل أحمد الكراهة بأن المتحدث يشغل المصلي إليه.
وفرق سعيد بن جبير بين المتحدثين بذكر الله وغيره، فكره الصلاة إلى المتحدث بغير الذكر، دون الذاكر.
خرجه حرب الكرماني وغيره.
ولا إعادة على من صلى إلى متحدث عند الجمهور.
ونقل حرب، عن أحمد، أنه قال: نهى النبي ﷺ عنه. وقال: الفريضة أشد.
وكأنه ذهب إلى أنه يعيد.
стр. 1681
١٠٤ - باب
التطوع خلف المرأة
стр. 1682
٥١٣ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن
عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ، ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما.
قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
دل هذا الحديث على أن من صلى إلى امرأة بين يديه، وليست معه في صلاة واحدة فإن صلاته صحيحة، وقد نص على ذلك سفيان وأحمد وإسحاق، ولا نعلم فيه خلافا.
وإنما اختلفوا: إذا كانا في صلاة واحدة، وليس بينهما سترة.
وقد سبق ذكر ذلك في ((باب: إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد)) .
ولكن يجيء على قول من يقول: إن مرور المرأة يبطل الصلاة، وإن قيامها وجلوسها واضطجاعها كمرورها، أنه تبطل الصلاة باستقبالها.
وقد حكي رواية عن أحمد، ونص أحمد على أن المرأة إذا كانت بين يدي المصلي، وهي في غير صلاة فلا بأس به، واحتج بحديث عائشة -: نقله عنه حرب.
стр. 1683
وكره الشافعي أن يستتر الرجل بالمرأة في صلاته؛ لما يخشى من فتنتها للمصلي، وشغلها لقلبه.
وهذا إذا كان بحيث ينظر إليها، فأما إن كان ذلك في ظلمة الليل، كما في حديث عائشة، فقد أمن من ذلك.
ولم يفرق الشافعي وأحمد بين النفل والفرض.
وظاهر تبويب البخاري يدل على التفريق بينهما، وأن الرخصة في النفل خاصة.
وقد نص أحمد على مثل ذلك في رواية أخرى عنه، وأن الرخصة في صلاة النبي ﷺ إلى المرأة كان مخصوصا به؛ لأنه كان يملك نفسه، وغيره يخشى عليه الفتنة، وهذه دعوى لا دليل عليها.
стр. 1684
١٠٥ - باب
من قال: لا يقطع الصلاة شيء
стр. 1685
٥١٤ - حدثنا عمر بن حفص بن غياث: ثنا أبي: ثنا الأعمش: ثنا إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.
قال الأعمش: وحدثني مسلم، عن مسروق عن عائشة، ذكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة، فقالت: شبهتمونا بالحمير والكلاب، والله لقد رأيت النبي ﷺ يصلي وأنا على السرير، بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي النبي ﷺ ، فانسل من عند رجليه.
следующие страницы →