Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
يجلسون إليها ويصلون عندها، وتسمى: أسطوان عائشة.
ويقال: إن النبي ﷺ صلى إليها المكتوبة بعد تحويل القبلة بضع عشرة يوما، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم.
وهي الأسطوانة الثالثة من المنبر، والثالثة من القبلة، والثالثة من القبر الشريف، وهي متوسطة في الروضة.
وأسطوانة التوبة، وهي التي ربط فيها أبو لبابة نفسه حتى تاب الله عليه.
وقد قيل: إن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف في رمضان طرح له فراشه، ووضع سريره وراءها.
وقد روي عن عمر مولى غفرة ومحمد بن كعب، أن أكثر نوافل النبي ﷺ كانت عندها.
وهي الأسطوانة الثانية من القبر الشريف، والثالثة من القبلة، والرابعة من المنبر.
وفي الحديث: دليل على أنه لا بأس أن يلزم المصلي مكانا معينا من المسجد يصلي فيه تطوعا.
وقد ورد في رواية التصريح بأن هذه الصلاة كانت تطوعا.
خرجه ابن ماجه، ولفظ حديثه: أن سلمة كان يأتي إلى سبحة الضحى فيعمد إلى الأسطوانة دون المصحف، فيصلي قريبا منها،
стр. 1612
فأقول له: ألا تصلي هاهنا، وأشير إلى بعض نواحي المسجد، فيقول: إني رأيت رسول الله ﷺ يتحرى هذا المقام.
وقوله: ((قريبا منها)) قد يحمل على أنه كان ينحرف عنها في صلاته، ولا يستقبلها استقبالا.
وخرج البزار، من رواية يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن ابن صفوان، قال: لما خرج النبي ﷺ من البيت سألت من كان معه: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قالوا: صلى ركعتين عند السارية الوسطى، عن يمينها.
ويزيد بن أبي زياد ليس بالحافظ.
وروى عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، سأل بلالا: أين صلى النبي ﷺ يعني: في الكعبة –؟ قَالَ: فأشار لَهُ بلال إلى السارية الثانية عِنْدَ
الباب. قال: صلى عن يمينها، تقدم عنها شيئا.
وعبد العزيز - أيضا - ليس بالحافظ.
وقد صرح أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم بأنه يستحب لمن صلى إلى سترة منصوبة أن ينحرف عنها ولا يستقبلها.
وصرح بذلك من أصحابنا: أبو بكر عبد العزيز وابن بطة والقاضي أبو يعلى وأصحابه.
وأخذوه من نص الإمام أحمد على أن الإمام يقوم عن
стр. 1613
يمين طاق المحراب.
وكذا قال النخعي.
واستدلوا بما روى علي بن عياش، عن الوليد بن كامل، عن المهلب بن حجر البهراني، عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود، عن أبيها: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى عود ولا إلى عمود ولا إلى شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمدا.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود.
وخرجه الإمام أحمد - أيضا من رواية بقية بن الوليد، عن الوليد بن كامل، عن حجر - أو ابن حجر - بن المهلب، عن ضبيعة بنت المقداد بن معد يكرب، عن أبيها، أن النبي ﷺ كان إذا صلى إلى عمود أو خشبة أو شبه ذلك لا يجعله نصب عينيه ولكن يجعله على حاجبه الأيسر.
ولعل هذه الرواية أشبه: وكلام ابن معين وأبي حاتم الرازي يشهد له.
والشاميون كانوا يسمون المقدام بن معد يكرب: المقداد، ولا ينسبونه - أحيانا، فيظن من سمعه غير منسوب أنه ابن الأسود، وإنما هو ابن معد يكرب وقد وقع هذا الاختلاف لهم في غير حديث من رواياتهم.
والمهلب بن حجر شيخ ليس بالمشهور.
والوليد، قال أبو حاتم: وهو
стр. 1614
شيخ. وقال البخاري: عنده عجائب.
قال القرطبي: لعل هذا كَانَ أول الإسلام؛ لقرب العهد بإلف عبادة الحجارة والأصنام، حتى تظهر المخالفة في استقبال السترة لما كانوا عليه من استقبالهم تلك المعبودات. انتهى.
وقد كره مالك أن يصلي إلى حجر في الطريق، فأما إلى حجارة كثيرة فجائز.
ذكره في ((تهذيب المدونة)) .
وقد ورد النهي عن أن يوطن الرجل له مكانا في المسجد يصلي فيه: من رواية تميم بن محمود، عن عبد الرحمن بن شبل، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان الذي في المسجد كما يوطن البعير.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وفي إسناده اختلاف كثير.
وتميم بن محمود، قال البخاري: في حديثه نظر.
وقد حمل أصحابنا حديث النهي على الصلاة المفروضة، وحديث الرخصة على الصلاة النافلة.
وكان للإمام أحمد مكان يقوم فيه في الصلاة المكتوبة خلف الإمام، فتأخر يوماً فنحاه الناس وتركوه، فجاء بعد ذلك فقام في طرف الصف ولم يقم فيه، وقال: قد جاء أنه يكره أن يوطن الرجل مكانه.
стр. 1615
الحديث الثاني:
стр. 1616
٥٠٣ - حدثنا قبيصة: ثنا سفيان، عن عمرو بن عامر، عن أنس، قال: لقد أدركت كبار أصحاب محمد ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب.
وزاد شعبة، عن عمرو، عن أنس: حتى يخرج النبي ﷺ .
رواية شعبة قد أسندها البخاري في ((كتاب الأذان)) .
وخرج مسلم من رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، حتى أن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما.
فهذا الحديث: يدل على أن عادة أصحاب النبي ﷺ في زمنه كان التنفل إلى السواري قبل الصلاة المكتوبة وبعدها، وبخلاف الصلاة المكتوبة، فإنهم كانوا يصلونها صفوفاً صفوفاً، ولا يعتبرون لها سترةً، بل يكتفون بسترة إمامهم.
وروى وكيع، عن هشام بن الغاز، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية من سواري المسجد قال لي: اجلس وول ظهرك.
стр. 1617
٩٦ - باب
الصلاة بين السواري في غير جماعة
стр. 1618
٥٠٤ - حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: دخل النبي ﷺ البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحه وبلال، فأطال ثم خرج، فكنت أول الناس دخل على أثره، فسألت بلالاً: أين أصلي؟ فَقَالَ: بَيْن العمودين المقدمين.
стр. 1619
٥٠٥ – حَدَّثَنَا عبد الله بْن يوسف: أبنا مَالِك بْن أنس، عَن نَافِع، عَن ابن
عمر، أن رسوا الله ﷺ دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي، فأغلقها عليه، ومكث فيها، فسألت بلالاً حين خرج: ما صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: جعل عمودا عن يساره، وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه - وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة -، ثم صلى.
وقال إسماعيل: حدثني مالك، فقال: عمودين عن
стр. 1620
يمينه.
قد دل هذان الحديثان على أن البيت الحرام كان فيه ستة أعمدة حين دخله النبي ﷺ ، وكانت الأعمدة صفين، في كل صف ثلاثة أعمدة، فجعل النبي ﷺ الأعمدة الثلاثة التي تلي باب البيت خلف ظهره، وتقدم إلى الأعمدة المتقدمة، فصلى بين عمودين منها.
وفي رواية مالك التي ذكرها البخاري - تعليقا -: أنه جعل عمودين عن يمينه، وعمودا عن يساره.
وقد خرجها مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وهذا يدل على أنه كان إلى جهة الركن اليماني أقرب منه من جهة الحجر.
ويشهد لذلك - أيضا -: رواية سالم، عن أبيه، أنه سأل بلالا: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، بين العمودين اليمانيين.
وقد خرجها البخاري في ((الحج)) .
والمراد باليمانيين: ما يلي جهة الركن اليماني.
ويدل عليه - أيضا -: حديث مجاهد، عن ابن عمر، أنه سأل بلالا: أصلى النبي ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم، بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخل.
وقد خرجه البخاري في ((أبواب استقبال القبلة)) ، وقد مضى.
وقد روى عبد العزيز بن أبي رواد، قال: حدثني نافع، أن ابن عمر
стр. 1621
سأل بلالا: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فأشار له بلال إلى السارية الثانية عند الباب، قال: صلى عن يمينها، تقدم عنها شيئا.
خرجه الأزرقي.
وقوله: ((السارية الثانية عند الباب)) ، كأنه يريد السارية الثانية مما يلي الباب؛ فإن الباب يليه سارية من الصف المؤخر، ثم يليها سارية ثانية من الصف المقدم، وهي السارية الوسطى من ذلك الصف.
وقوله: ((صلى عن يمينها)) يوهم أنه جعلها عن يساره حتى يكون مصليا عن يمينها، وعلى هذا التقدير، فيكون قد جعل عمودا عن يمينه وعمودين عن يساره.
وهذا يخالف رواية مالك المتقدمة، وتلك الرواية مع ما عضدها وشهد لها أصح من رواية ابن أبي رواد، ويزيد بن أبي زياد التي ذكرناها في الباب الماضي.
وقوله في رواية ابن أبي رواد: ((تقدم عنها شيئا)) يدل على أنه صلى متقدما عنها إلى مقدم البيت، وسيأتي في الباب الذي يلي هذا أنه ﷺ جعل بينه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع.
وقد روى الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي الشعثاء - وهو: سليم المحاربي -، قال: خرجت حاجا، فجئت حتى دخلت البيت، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزقت بالحائط، فجاء ابن عمر فصلى إلى جنبي، فلما صلى قلت له: أين صلى رسول الله ﷺ -
стр. 1622
من البيت؟ قال: أخبرني أسامة بن زيد، أنه صلى هاهنا.
خرجه الإمام أحمد وابن حبان في ((صحيحه)) .
وفيه: دليل على أنه صلى متقدما على الساريتين، وإن لم يكن جعلهما خلف ظهره، كما جعل الأعمدة الثلاثة المتأخرة التي تلي باب البيت، فإنه جعلها وراء ظهره في صلاته.
ومقصود البخاري بهذا الباب: أن من صلى بين ساريتين منفردا، كمن يصلي تطوعا؛ فإنه لا يكره له ذلك كما فعله النبي ﷺ في الكعبة، وكان ابن عمر يفعله.
وكذا لو صلى جماعة، وكان إمامهم، ووقف بين الساريتين وحده، وقد فعل ذلك سعيد بن جبير وسويد بن غفلة.
ورخص فيه سفيان للإمام وكرهه للمأمومين.
وإنما يكره ذلك؛ لصف تقطعه السواري، فلو صلى اثنان أو ثلاثة جماعة بين ساريتين لم يكره - أيضا -، هذا قول أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم من العلماء.
وعلى مثل ذلك حملوا ما ورد من النهي عنه - مرفوعا، وموقوفا.
فالمرفوع؛ روي من حديث سفيان، عن يحيى بن هانئ بن عروة المرادي، عن عبد الحميد بن محمود، قال: صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا قال انس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن خزيمة وابن
стр. 1623
حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم، وقال: صحيح.
وقال الترمذي: حديث حسن.
وعبد الحميد هذا ابن محمود المعولي البصري، روى عنه جماعة، وقال أبو حاتم: هو شيخ.
ويحيى بن هانئ المرادي، كوفي ثقة مشهور.
وروى هارون بن مسلم أبو مسلم، عن قتادة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: كنا ننهي أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طردا.
خرجه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم وصححه.
وقال ابن المديني: إسناده ليس بالصافي. قال: وأبو مسلم هذا مجهول.
وكذا قال أبو حاتم: هو مجهول.
وليس هو بصاحب الحناء؛ فإن ذاك معروف، وقد فرق بينهما مسلم في كتاب ((الكنى)) وأبو حاتم الرازي.
وفيه: عن ابن عباس - مرفوعا -، ولا يثبت.
стр. 1624
قال ابن المنذر: لا اعلم في هذا خبرا يثبت.
وقد روي النهي عنه، عن حذيفة وابن مسعود وابن عباس، وهو قول النخعي، وحكاه الترمذي عن أحمد وإسحاق.
وقد نص أحمد على كراهة الصلاة بين الأساطين مطلقا من غير تفصيل -: نقله عنه جماعة، منهم: أبو طالب وابن القاسم، وسوى في روايته بين الجمعة وغيرها.
ونقل عنه حرب: يكره ذلك، قلوا أو كثروا، وإن كانوا عشرة.
وصرح أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) بكراهة قيام الإمام بين السواري.
وأما القاضي أبو يعلى وأصحابه، فقالوا: إنما يكره ذلك لصف تقطعه السواري، وحملوا كلام أحمد على ذلك.
ويشهد له: ما نقله ابن منصور، عن أحمد، وقد سأله: هل يقوم الإمام بين الساريتين، يؤم القوم؟ قال: إنما يكره للصف، إذا كان يستتر بشيء فلا بأس.
قال إسحاق بن راهويه كما قال.
وكذا نقل حرب، عن إسحاق، أنه يكره ذلك للصف، ولا يكره لمن صلى وحده.
ورخص فيه ابن سيرين وأبو حنيفة ومالك وابن المنذر.
وفي
стр. 1625
((تهذيب المدونة)) للمالكية: لا بأس بالصلاة بين الأساطين لضيق المسجد.
وقد روي عن حذيفة، أنه كرهه لقطع الصفوف - أيضا.
قال أبو نعيم: ثنا زفر - وهو ابن عبد الله، عن حصين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يساف، قال: كان حذيفة يكره أن نقوم بين الأسطوانتين لتقطع الصفوف.
ومن أهل الحديث من حمل الكراهة على من صلى وحده مع الجماعة بين السواري، لأنه يصير فذا، بخلاف من صلى مع غيره.
وهذا بعيد جدا، ولا فرق في هذا بين ما بين السواري وغيرها.
стр. 1626
٩٧ - باب
стр. 1627
٥٠٦ - حدثنا إبراهيم بن المنذر: ثنا أبو ضمرة: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل، وجعل الباب قبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع صلى، يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي ﷺ صلى فيه.
قال: وليس على أحدنا بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء.
هذا الحديث: مما يدل على أن النبي ﷺ صلى في الكعبة تلقاء وجهه لما دخل، وجعل الباب وراء ظهره.
وقد خرج مسلم من حديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه سأل بلالا: أين صلى النبي ﷺ ؟ قال: بين العمودين، تلقاء وجهه.
وفي هذا الحديث: زيادة: أنه صلى إلى الجدار الذي تلقاء وجهه حتى كان بينه وبينه قريب من ثلاثة أذرع.
وقد روي في حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن بلال هذه الزيادة - أيضا -، وانه صلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع.
وقد خرجها أبو داود من رواية ابن مهدي، عن مالك.
وقال جماعة، عن مالك،
стр. 1628
فيه: ((نحو من ثلاثة أذرع)) .
وقد خرجه النسائي كذلك من رواية ابن القاسم، عن مالك.
وقد روى حماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، أن معاوية قدم مكة، فدخل الكعبة، فأرسل إلى ابن عمر: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: صلى بين الساريتين بحيال الباب، فجاء ابن الزبير، فدخل، فقال لمعاوية: أما إنك قد علمت أني اعلم مثل الذي يعلم، ولكنك حسدتني.
خرجه الإمام أحمد.
وخرجه الأزرقي بسياق مطول، من حديث عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن أخيه شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان، قال: حج معاوية وهو خليفة - فذكر حديثا طويلا، وفيه: أنه فتح له باب الكعبة، فدخل وأرسل إلى ابن عمر، فجاءه، فقال له معاوية: يا أبا عبد الرحمن، أين صلى رسول الله ﷺ عام دخلها؟ فقال: بين العمودين المقدمين، واجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة - وذكر بقية الحديث في دخول ابن الزبير، وغير ذلك.
وقد ذكرنا هذا الحديث في ((باب الدنو من السترة)) .
وفي الحديث - أيضا - دليل على أن من دخل مسجدا وأراد أن يصلي فيه تطوعا، فالأولى له أن يصلي في صدر المسجد، لا
стр. 1629
عند بابه.
وقد روي أن النبي ﷺ صلى ليلة اسري به إلى المسجد الأقصى في صدر المسجد - أيضا -: فخرج الإمام أحمد من رواية حماد بن سلمة: ثنا أبو سنان، عن عبيد بن
آدم، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن اصلي - يعني: في بيت المقدس -؟ أن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر ﵁: ضاهيت اليهود، ولكن اصلي حيث صلى النبي ﷺ ، فتقدم إلى القبلة، فصلى، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس.
عبيد بن آدم، ذكره ابن حبان في ((ثقاته)) . وأبو سنان، هو: القسملي عيسى بن سنان، ضعفه الأكثرون، منهم: أحمد ويحيى. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال العجلي: لا باس به. وقال ابن خراش: صدوق.
وقد رواه أبو أسامة، عن أبي سنان عيسى بن سنان القسملي، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: صليت مع عمر في كنيسة مريم، في وادي جهنم، فلما انصرف قال: لقد كنت غنيا أن تصلي على باب من أبواب جهنم، ثم تنخع، فاخرج قميصه، فبزق فيه فقلنا: يا أمير المؤمنين، لو تفلت في الكنيسة، وهو مكان شرك؟ فَقَالَ: أنه وان كَانَ يشرك
стр. 1630
فِيهِ فإنه يذكر فِيهِ اسم الله كثيرا. قَالَ ثُمَّ دخلنا المسجد، فَقَالَ عُمَر: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((صليت ليله اسري بي فِي مقدم المسجد، ثُمَّ دخلت فِي الصخرة الَّتِيْ فِي بيت المقدس)) – وذكر بقية الحَدِيْث، وفي أخره: قَالَ: ((ثُمَّ انطلق بي إلى السماء، ففرضت عَلِيّ الصلاة، ثُمَّ رجعت إلى خديجة، وما تحولت عَن جانبها الآخر)) .
خرجه الإسماعيلي في ((مسند عمر)) في ترجمة: ((حديث: عبد الرحمن بن محمد والد المغيرة بن عبد الرحمن، عن عمر)) .
وقد كره بعض المتقدمين التطوع في مقدم المسجد من السحر:
فخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عامر الالهاني، قال: دخل المسجد حابس بن سعد الطائي من السحر - وقد أدرك النبي ﷺ ، فرأى الناس يصلون في مقدم المسجد، فقال: مراءون ورب الكعبة، أرعبوهم، فمن أرعبهم فقد أطاع الله ورسوله، فأتاهم الناس فأخرجوهم، فقال: أن الملائكة تصلي من السحر في مقدم المسجد.
وإنما خرجه في ((المسند)) لقول حابس: ((من أرعبهم فقد أطاع الله
ورسوله)) ، وهذا في حكم المرفوع.
وحابس بن سعد معدود من الصحابة.
стр. 1631
وقد روي - أيضا - النهي عن ذلك عن عمر بن الخطاب، وأنه ضرب من رآه في مقدم المسجد يصلي، وقال: ألم أنهكم أن تقدموا في مقدم المسجد بالسحر؛ إن له عوامر.
خرجه جعفر الفرياني في ((كتاب الصلاة)) .
قال القاضي أبو يعلى من أصحابنا: هذا يدل على كراهة التقدم في الصف الأول في صدر المسجد قبل السحر.
ويكره - أيضا - استناد الظهر إلى القبلة بين أذان الفجر والإقامة.
وكرهه ابن مسعود، وقال: لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتهم.
وقال النخعي: كانوا يكرهونه.
وقال الإمام أحمد: هو مكروه، وأمر من فعله أن يحول وجهه إلى القبلة.
وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه نهى أن يستند إلى القبلة في مواقيت الصلاة.
وهذا يعم سائر الصلوات، ولعله كرهه؛ لأن الداخل إلى المسجد يصلي عند دخوله، فإذا كان بين يديه رجل مسند ظهره إلى القبلة صلى مستقبل وجهه، وذلك مكروه، كما تقدم.
وقد روي فيه حديث مرفوع، يدل على الرخصة فيه في غير صلاة الفجر، من رواية عيسى بن المسيب، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، قال: بينما أنا جالس في مسجد رسول الله ﷺ ، مسندي ظهورنا إلى قبلة مسجده سبعة رهط، إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ صلاة الظهر حتى انتهى
стр. 1632
إلينا، فقال: ((ما يجلسكم ها هنا؟)) فقلنا: يا رسول الله، ننتظر الصلاة. قال: فارم قليلا، ثم رفع رأسه، فقال: ((أتدرون ما يقول ربكم؟)) - ثم ذكر حديثا طويلا في فضل المحافظة على الصلوات.
خرجه الإمام أحمد.
وعيسى بن المسيب، تكلم فيه.
وذكر مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع، قال: كنت اصلي وابن عمر مسند ظهره إلى جدار القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه.
قال ابن عبد البر: فيه الاستناد إلى حائط القبلة في المسجد، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يفعله من يستقبل الصلاة.
وقوله: ((وَقَالَ: ليس على احدنا باس أن يصلي في نواحي البيت شاء)) .
الظاهر أنه من قول نافع، وقد وافقه أكثر العلماء على ذلك، منهم: الثوري والشافعي.
وقد روي عن أحمد أنه لا يصلي في الكعبة إلا إلى الجهة التي صلى أليها النبي
ﷺ .
وحمله أصحابنا على الاستحباب، وقد سبق ذلك.
стр. 1633
٩٨ - باب
الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل
стр. 1634
٥٠٧ - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي البصري: ثنا معتمر بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، أنه كان يعرض راحلته فيصلي إليها. فقلت: أفرأيت إذا هبت الركاب؟ قال: كان يأخذ الرحل فيعد له، فيصلي إلى آخرته - أو قال: مؤخرته -، وكان ابن عمر يفعله.
قد ذكرنا في ((باب: الصلاة في مواضع الإبل)) الاختلاف في رفع هذا الحديث ووقفه، وحكم الاستتار بالبعير في الصلاة.
وقوله: ((يعرض راحلته)) بكسر الراء - أي: ينيخها، معترضة بينه وبين جهة القبلة.
وفيه لغة أخرى: يعرض - بضم الراء -، ذكرها صاحب ((كشف المشكل)) .
وقوله ((هبت الركاب)) ، معناه: قامت الإبل للسير -: قاله الهروي وغيره.
ويقال للنائم إذا قام من نومه: هب من منامه.
стр. 1635
والمراد إذا لم يكن عنده إبل باركة يستتر بها.
وقاله الخطابي: هبت أي هاجت، يقال: هب الفحل هبيبا إذا هاج. قال: يريد، أن الإبل إذا هاجت لم تهدا، ولم تقر، فتفسد على المصلي إليها صلاته.
وهذا الذي قاله في غاية البعد، وان كان محتملا في اللفظ، فليس هو المراد في الحديث.
وقوله: ((يأخذ الرحل)) : رحل البعير، هو: ما على ظهره مما يركب عليه، والراحلة: هي ما يرتحل الرجل - أي: يركبه في ارتحاله، بعيرا كان أو ناقة -: قاله الأزهري وغيره.
ومنه: قوله ﷺ ((الناس كإبل مائة، ليست فيها راحلة)) .
وقوله: ((فيعدله)) - بفتح الياء، وكسر الدال.
قال الخطابي: أي يقيمه تلقاء وجهه.
و ((آخرة الرحل)) - بكسر الخاء -: هي الخشبة التي يستند إليها الراكب على الرحل.
وقد سبق الخلاف في تقديرها: هل هو ذراع تام بالذراع الذي يذرع به، أو ذراع بعظم ذراع الإنسان،
стр. 1636
وهو نحو ثلثي ذراع مما يذرع به؟
ويقال في آخرة الرحل: مؤخرة الرحل.
واختلفوا في ضبطها:
فمنهم من ضبطها بضم الميم وسكون الهمزة، وكسر الخاء المعجمة.
وقد حكاها أبو عبيد، وانكرها ابن السكيت وغيره.
وقال بعضهم: لا يقال: مؤخرة ومقدم - بكسر -، إلا في العين خاصة، وإنما يقال في غيرها بالفتح.
وضبطها بعضهم بسكون الهمزة، وفتح الخاء وتخفيفها.
ذكره ثابت في ((دلائله)) وأنكر ذلك ابن قتيبة وغيره.
وضبطها الأصيلي في نسخته بالبخاري - فيما حكى عنه - بفتح الميم وسكون الواو وكسر الخاء.
وضبطها بعضهم بضم الميم وفتح الهمزة والخاء وتشديدها.
ذكره صاحب ((المشارق)) ، وانكرها صاحب ((النهاية)) .
وقال بعضهم: المحدثون يروونه بتشديد الخاء، والصواب: آخرة.
وقد تبين بهذا الحديث الذي ذكره البخاري في ((صحيحه)) جواز الاستتار بالراحلة وبالبعير، سواء كان مرتحلا أو غير مرتحل، اللهم إلا أن يكون غير المرتحل
هائجا، فيخشى من هيجانه إفساد الصلاة على من يصلي إليه كما ذكره الخطابي.
وجواز الاستتار برحل الراحلة.
وأما الشجر، فذكره البخاري في تبويبه، ولم يذكر فيه شيئا، وهو مأخوذ من الاستتار بالرحل؛ فإن الرحل خشب، والخشب
стр. 1637
مأخوذ من الشجر، فإذا ثبت جواز الاستتار في الصلاة بالخشب دل على جواز الاستتار بالشجر قبل قطعه.
وفيه حديث ليس على شرط البخاري، من رواية أبي إسحاق، عن حارثة ابن مضرب، عن علي، قال: لقد رايتنا ليلة بدر، وما فينا إنسان ألا نائم، إلا رسول الله ﷺ ، فإنه كان يصلي إلى شجرة، ويدعو حتى أصبح.
خرجه الإمام أحمد والنسائي.
وابن حبان في صحيحه، وعنده: ((تحت شجرة)) .
وقد رواه بعضهم، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي.
ورواه غيره، عن أبي إسحاق، عن البراء.
والصحيح: عن حارثة، عن علي -: قاله الدارقطني.
وخرج أبو داود بإسناد فيه نظر، أن النبي ﷺ نزل بتبوك إلى نخلة، فقال: ((هذه قبلتنا)) ، ثم صلى إليها.
وقد سبق حديث المقداد، أنه لم ير النبي ﷺ يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر.
стр. 1638
٩٩ - باب
الصلاة إلى السرير
стр. 1639
٥٠٨ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أعدلتمونا بالكلب والحمار؟! لقد رأيتني مضطجعة على السرير، فيجيء النبي ﷺ فيتوسط السرير فيصلي، فأكره أن أسنحه، فأنسل من قبل رجلي السرير حتى أنسل من لحافي.
زعم الإسماعيلي: أن هذا الحديث لا دلالة فيه على أن النبي ﷺ كان يصلي إلى السرير، وإنما يدل على أنه ﷺ كان يصلي على السرير.
قال: ولكن صلاته إلى السرير موجود في حديث الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يصلي والسرير بينه وبين القبلة.
وحديث الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة: خرجه البخاري فيما بعد، ولفظه: لقد رأيت النبي ﷺ يصلي وإني لبينه وبين القبلة، وأنا مضطجعة على السرير.
وخرجه - أيضا - من طريق الأعمش بهذا الإسناد، وبإسناد آخر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن
стр. 1640
عائشة، قالت: لقد رأيت النبي ﷺ يصلي وأنا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة.
وكذا خرجه مسلم من حديث الأعمش بالإسنادين، ومن طريق جرير عن منصور، كما خرجه البخاري في هذا الباب.
وهذه الألفاظ كلها ليس فيها تصريح بأنه كان يصلي تحت السرير.
ولكن خرجه الإمام أحمد، عن ابن نمير، عن الأعمش، بالإسنادين معا. فذكر الحديث -، وفيه: لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي مقابل السرير، وأنا عليه بينه وبين القبلة.
وقول عائشة: ((فأكره أن أسنحه)) .
قال الخطابي: قولها: ((أسنحه)) من قولك: سنح لي الشيء، إذا عرض، تريد: أني أكره أن أستقبله ببدني في صلاته. ومن هذا سوانح الطير والظباء، وهي ما يعترض الركب والمسافرين، فتجيء عن مياسرهم وتجوز إلى ميامنهم.
في الحديث: دليل على جواز أن يصلي المصلي إلى سترة شاخصة من الأرض، وإن كان فوقها إنسان نائم.
ونظيره: الصلاة إلى سرير الطفل وهو فيه.
стр. 1641
وروى الإمام أحمد: ثنا محمد بن بكر: أبنا ابن جريج: أخبرني عطاء، عن عروة أن عائشة أخبرته، قالت: لقد كان النبي ﷺ يصلي وإني لمعترضة على السرير بينه وبين القبلة. قلت: أبينهما جدر المسجد؟ قالت: لا، في البيت إلى جدره.
وهذا يدل على أن سترته كانت جدار البيت دون السرير، ولعل السرير لم يكن مرتفعا شاخصا عن الأرض كمؤخرة الرحل.
ويدل على هذا: أن النبي ﷺ كان أحيانا إذا سجد يغمزها برجله، ولو كان السرير مرتفعا عن الأرض قدر ذراع أو قريب منه لم يتمكن من ذلك.
стр. 1642
١٠٠ - باب
يرد المصلي من مر بين يديه
ورد ابن عمر في التشهد وفي الكعبة، وقال: أن أبى إلا أن يقاتله قاتله.
رد ابن عمر في الكعبة قد ذكرناه في ((باب: السترة بمكة وغيرها)) .
وأما رده في التشهد، فقال أبو نعيم: ثنا فطر بن خليفة، عن عمرو بن دينار، قال: مررت بابن عمر بعد ما جلس في آخر صلاته حتى أنظر ما يصنع، فارتفع من مكانه فدفع في صدري.
قال: وثنا جعفر بن برقان، عن عمرو بن دينار، قال: أردت أن أمر بين يدي ابن عمر وهو يصلي، فانتهرني بتسبيحه.
قال: وثنا بشير بن مهاجر، قال: رأيت أنس بن مالك وهو جالس في صلاته لم ينصرف، فجاء رجل يريد أن يمر بينه وبين السارية، فأماطه.
стр. 1643
وروى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: انصرف الإمام من العصر، فقمت أبادر مجلس عبيد بن عمير، فمررت بين يدي ابن عمر وأنا لا أشعر، فقال: سبحان الله، سبحان الله - مرتين - وجثا على ركبتيه، ومد يديه حتى ردني.
وأما قول ابن عمر: ((أن أبى إلا أن تقاتله فقاتله)) . فقد خرجه عبد الرزاق في ((كتابه)) عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا تدع أحدا يمر بين يديك وأنت تصلي، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله.
وقد روي عن ابن عمر مرفوعا من رواية الضحاك بن عثمان، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين)) .
خرجه مسلم.
وفي رواية أخرى لابن ماجه: ((فإن معه العزى)) .
وروى النضر بن كثير أبو سهل السعدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ،
стр. 1644
قال: ((إذا كنت تصلي فمر بين يديك أحد، فرده، فإن أبى فرده، فإن أبى فقاتله؛ فإنه شيطان)) .
خرجه الدارقطني في ((المختلف والمؤتلف)) .
وقال في النضر هذا: فيه نظر.
وكذا قال أبو حاتم الرازي: شيخ فيه نظر. وكذا قال البخاري: فيه نظر. وقال في موضع آخر: عنده مناكير.
وخرجه الطبراني في ((الأوسط)) ، وقال: تفرد به النضر بن كثير.
ولفظه: ((فإن عاد الرابعة فقاتله)) .
وخرجه البزار، وقال: لا نعلم أسند قتادة عن نافع، عن ابن عمر إلا هذا، ولا رواه عن سعيد إلا النضر، وهو بصري مشهور لا بأس به.
وزعم ابن حبان: أنه يروي الموضوعات عن الثقات. فالله اعلم.
قال البخاري ﵀:
стр. 1645
٥٠٩ - حدثنا أبو معمر: ثنا عبد الوارث: ثنا يونس، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، أن أبا سعيد قال: قال النبي ﷺ .
وحدثنا آدم: ثنا سليمان بن المغيرة: ثنا حميد بن هلال
стр. 1646
العدوي: ثنا أبو صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان)) .
سليمان بن المغيرة، لم يخرج له البخاري إلا هذا الحديث متابعة لحديث يونس بن عبيد، وإنما خرجه بعد إسناد حديث يونس؛ لما فيه من الزيادة في إسناده ومتنه.
أما في إسناده، ففيه: التصريح بسماع حميد له من أبي صالح، وسماع أبي صالح له من أبي سعيد.
وأما في المتن، فإن فيه: ذكر الصلاة إلى السترة، وليس هو في حديث يونس.
وكذلك رواه سليم بن حيان، عن حميد، ولم يقل - أيضا - ((إذا
стр. 1647
صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس)) .
وحينئذ؛ فلفظ الحديث الذي ساقه البخاري لسليمان بن المغيرة، وحمل حديث يونس عليه، ولم ينبه على ما في حديث سليمان من الزيادة.
وقد نبه على ذلك الإسماعيلي.
وكذلك روى مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد
الخدري، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا كان أحدكم يصلى فلا يدع أحدا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان)) .
خرجه مسلم.
وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد من رواية عطاء بن يسار وأبي الوداك.
وروي - أيضا - من رواية عطاء بن يسار، عنه.
وليس في حديث احد منهم ذكر الصلاة إلى السترة، وإنما تفرد بذكرها سليمان بن المغيرة في حديثه عن حميد بن هلال. والله اعلم.
وتابعه على ذكرها: ابن عجلان، عن زيد بن اسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه.
وقد خرج حديثه أبو داود وابن ماجه.
وليس ابن عجلان بذاك الحافظ.
وتابعه - أيضا -: داود بْن قيس، عَن زيد بْن أسلم.
خرج حديثه عبد الرزاق، عنه، بسياق مطول، وفيه: أن أبا سعيد دفع
стр. 1648
الفتى حتى صرعه، وانه لما سأله مروان عن ذلك قال: ما فعلت، إنما دفعت شيطانا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا أراد أن يمر بين يديك وبين سترتك احد فاردده، فإن أبى فاردده فإن أبى فقاتله؛ فإنما هو شيطان)) .
وخرج الإمام أحمد عن عبد الرزاق المرفوع منه خاصة.
وخرج من حديث زهير، عن زيد بن اسلم الحديث بنحو رواية مالك، من غير ذكر سترة.
وخرج مسلم حديث سليمان بن المغيرة: عن شيبان بن فروخ، عنه، وفي سياقه أشياء مخالفة لسياق البخاري.
منها: أن أبا سعيد دفع في نحر الشاب مرتين، وقال في الثانية: فمثل قائما، فنال من أبي سعيد، ثم زاحم الناس، فخرج فدخل على مروان. وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: ((فليدفع في نحره)) .
وفيما فعله أبو سعيد: دليل على دفع المار بين المصلي وبين سترته، وإن ازدحم الناس، ولم يجد المار سبيلا سوى ذلك.
ويدل عليه - أيضا -: قول النبي ﷺ : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر)) .
فإنه يدل على أن وقوفه أربعين ينتظر مسلكا يباح له المرور فيه خير له من المرور بين يدي المصلي، وإن لم يجد طريقا غيره.
стр. 1649
وقد قال بعض الشافعية والمالكية وبعض أصحابنا: لا يكره المرور حينئذ، ولا يمنع منه.
قال أصحابنا: لكن يضع المار شيئا يمر من ورائه، أو يخط خطا إذا لم يجد.
وكلام أحمد وأكثر أصحابنا ليس فيه شيء من هذا، وكذا كلام أكثر أصحاب الشافعي، والرجوع إلى ما فهمه الصحابي من الحديث الذي رواه وعمل به مستدلا به أولى.
وقول النبي ﷺ ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع)) . أمر بدفع المار، ونهى عن تمكينه من المرور، وظاهره الوجوب.
وقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه، وانه لا يعلم فيه خلافا ووقع في كلامه - أيضا - ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب، وهو قول كثير من أصحابنا والشافعية وغيرهم.
وروي أبو نعيم: ثنا سفيان، عن داود، عن الشعبي، قال: إذا مر الرجل بين يديك وأنت تصلي فلا ترده.
ولعله أراد إذا مر وذهب من بين يديه إلى الناحية الأخرى، فإنه لا يرده من حيث جاء، فإنه يصير مرورا ثانيا.
وهذا قول الجمهور، وخالف فيه بعض السلف، منهم ابن مسعود وسالم.
стр. 1650
وفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع، إذا كان للمار مندوحة عنه وكان المصلى قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته.
وسيأتي مزيد بيان لذلك في الباب الأتي - إن شاء الله.
وفي رواية سليمان بن المغيرة المخرجة في ((الصحيحين)) : ((إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد احد أن يمر بين يديه، فليدفعه)) : دليل من قبل مفهوم الشرط على أن من صلى إلى غير سترة فلا يرد من مر بين يديه، وهو قول ابن المنذر وبعض أصحابنا.
وأما أكثر أصحابنا فعندهم: أن رد المصلي لا يختص بمن كان يصلي إلى سترة، بل يشترك فيه من صلى إلى سترة ومن صلى إلى غير سترة ومر بقربه مار.
واستدلوا بعموم الأحاديث التي لَمْ يذكر فيها هذا الشرط، وجعلوا هذه الرواية المذكور فيها الشرط من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا يقتضي تخصيصه، إلا أن يكون له مفهوم، فيبنى على أنه: هل يخص العموم بالمفهوم، أم لا؟
وأما الشافعية، فقالوا يحرم المرور بين يدي المصلي إلى سترة وبين سترته، على الصحيح عندهم، ومن صلى إلى غير سترة كره المرور بين يديه، ولم يحرم.
وهل يدفعه المصلي؟ لهم فيه وجهان: أصحها
следующие страницы →