← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

ورواه البخاري في "تاريخه"، عن أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، قال: قال صالح بن كيسان: سمعت أبا بكر بن حزم، أنه بلغه أن أبا مسعود ﴿قال:﴾ نزل ﴿جبريل﴾ على النبي ﷺ بالصلاة - فذكر الحديث بطوله، وقال في آخره: قال صالح بن كيسان: وكان عطاء يحدث عن جابر في وقت الصلاة بنحو ما كان أبو مسعود يحدث. قال صالح: وكان عمرو بن دينار وأبو الزبير المكي يحدثان مثل ﴿ذلك، عن?﴾ جابر بن عبد الله. قال الدارقطني في "العلل": ورواه زفر بن الهذيل، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن [محمد] بن عمرو بن حزم، عن أُناس من أصحاب النبي ﷺ ، فذكر حديث المواقيت بطوله. ورواه زفر - أيضا -، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم - بمثله، مرسلاً. وزفر: قال الدارقطني: ثقة. وقد روي حديث صلاة جبريل بالنبي ﷺ الصلوات الخمس في مواقيتها في يومين مع بيان مواقيتها من رواية: ابن عباس، وجابر،

стр. 1752

وأبي سعيد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عمر، وأنس، ولم يخرج شيء منها في "الصحيح". وحكى الترمذي في كتابه عن البخاري، أنه قال: أصح شيء في المواقيت حديث جابر. وحديث جابر المشار إليه خرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي في "كتابه الكبير"، ولفظه: قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ حين مالت الشمس، فقال: قم يا محمد، فصل [الظهر] حين مالت الشمس، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر، فقال: قم يا محمد، فصل العصر، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه، فقال: قم، فصل المغرب، فقام فصلاها حين غابت الشمس. سواء، ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه فقال: قم، فصل العشاء، فقام فصلاها، ثم جاء جبريل حين سطع الفجر بالصبح، فقال: يا محمد، قم فصل، فقام فصلى الصبح،

стр. 1753

ثم جاءه من الغد، فقال: قم يا محمد فصل فقام فصلى الظهر ثم جاءه حين كان فيء الرجل مثليه فقال: قم يامحمد، فصل العصر، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتا واحداً لم يزل عنه، فقال: قم، فصل المغرب، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، فقال: قم، فصل العشاء، ثم جاءه للصبح حين أسفر جداً، فقال: قم فصل الصبح، ثم قال: ((ما بين هذين وقت كله)) . وذكر أبو داود في "كتابه" بعضه - تعليقاً. وخرجه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم، وقال: صحيح مشهور من حديث ابن المبارك، عن حسين بن علي بن حسين، عن وهب بن كيسان، عن جابر. قال: والشيخان لم يخرجاه لقلة حديث الحسين بن علي الأصغر. وحسين هذا: وثقة النسائي وغيره. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن هذا الحديث: ما ترى

стр. 1754

فيه، وكيف حال الحسين؟ فقال أبي: أماالحسين فهو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بالمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره. وإنما قال الإمام أحمد: ((ليس بالمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعضه غيره)) ، لأن قاعدته: أن ما انفرد به ثقة، فإنه يتوقف فيه حتى يتابع عليه، فإن توبع عليه زالت نكارته، خصوصاً إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والاتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان وابن المديني وغيرهما. وقال الترمذي: حديث جابر قد رواه عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وأبو الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، نحو حديث وهب بن كيسان، عن جابر. انتهى. ورواه - أيضا - بشير بن سلام الأنصاري المدني عن جابر - أيضا.

стр. 1755

وقد ذكرت أحاديث هذا الباب كلها بطرقها وعللها في "كتاب شرح الترمذي". وقد دل القرآن في غير موضع على مواقيت الصلوات الخمس، وجاءت السنة مفسرة لذلك ومبينة له: فمن ذلك: قوله الله تعالى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ . وقد ذكر غير واحد من الأئمة كمالك والشافعي: أن هذه الآية تدل على الصلوات الخمس، وروي معناه عن طائفة من السلف. فقال ابن عمر: دلوك الشمس: ميلها - يشير إلى صلاة الظهر حينئذ. وعن ابن عباس، قال: دلوك الشمس: إذا جاء الليل. وغسق الليل: اجتماع الليل وظلمته. وقال قتادة: دلوك الشمس: إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر. وغسق الليل: بدء الليل صلاة المغرب. وقد قيل: إن الله تعالى ذكر ثلاثة أوقات، لأن اصل

стр. 1756

الأوقات ثلاثة، ولهذا تكون في حالة جواز الجمع بين الصلاتين ثلاثة فقط، فدلوك الشمس: وقت لصلاة الظهر والعصر في الجملة، وغسق الليل: وقت لصلاة المغرب والعشاء في الجملة، ثم ذكر وقت الفجر بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ??. وقد ثبت في "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((يجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)) ، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ?. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ﴾ . [هود: ١٤٤] . فقوله: ﴿طَرَفِي النَّهَارِ﴾ يدخل فيه صلاة الفجر وصلاة العصر. وقد قيل: إنه يدخل فيه صلاة الظهر والعصر، لأنهما في الطرف الأخير، وزلف الليل يدخل فيه المغرب والعشاء. وكذا قال قتادة: إن زلف الليل يدخل فيه المغرب والعشاء، وإن طرفي النهار يدخل فيه الفجر والعصر. وروي عن الحسن، أنه قال في قوله: ﴿طَرَفِي النَّهَارِ﴾ ، قال: صلاة الفجر، والطرف الآخر الظهر والعصر ﴿وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ﴾ ? المغرب والعشاء. وكذلك قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه:١٣٠] .

стр. 1757

وفي الحديث الصحيح عن جرير البجلي - حديث الرؤية -: ((فان استطعتم ان لاتغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)) ، ثم قرأ: ﴿فسبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ ?. وقد ادرج اكثر الرواة القراءة في الحديث، وبين بعضهم: أن جريرا هو الذي قرأ ذلك، فبين أن صلاة الصبح وصلاة العصر يدخل في التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وأماالتسبيح من آناء الليل فيدخل فيه صلاة المغرب وصلاة العشاء. وقوله: ﴿واطراف النَّهَارِ﴾ يدخل في صلاة الفجر وصلاة العصر،

стр. 1758

وربما دخلت فيه صلاة الظهر؛ لأنها في أول طرف النهار الاخر. وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق ٣٩، ٤٠] . وقد قال ابن عباس وأبو صالح: إن التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل الغروب: الصبح وصلاة العصر. وقوله: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ ، قال مجاهد: الليل كله. وهذا يدخل فيه صلاة المغرب والعشاء، ويدخل فيه التهجد المتنقل به - أيضا. وقال خصيف: المراد بتسبيحه من الليل: صلاة الفجر المكتوبة، وفيه بعد. وأما ﴿َأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ ، فقال اكثر الصحابة، منهم: عمر، وعلي، والحسن بن علي، وأبو هريرة، وأبو أمامة وغيرهم: أنهما ركعتان بعد الغروب، وهو رواية عن ابن عباس، وروي عنه مرفوعاً، خرجه الترمذي بإسناد فيه ضعف. فاشتملت الآية على الصلوات الخمس مع ذكر بعض التطوع.

стр. 1759

وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨، ٤٩] . فقوله: ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ قد فسر بإرادة القيام إلى الصلاة، وهو قول زيد بن اسلم والضحاك، وفسر بالقيام من النوم، وهو قول أبي الجود، وفسر بالقيام من المجالس. وقوله: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ ، قال مجاهد: من الليل كله، يدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء وصلاة الليل المتطوع بها. وفسره خصيف بصلاة الفجر، وفيه نظر. ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ : ركعتا الفجر كذا قاله علي وابن عباس في

стр. 1760

رواية، وروي عن ابن عباس مرفوعاً. خرجه الترمذي وفيه ضعف. وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨] . قال الإمام أحمد: نا ابن مهدي: نا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس، فقال،: الصلوات الخمس في القران؟ فقال: نعم، فقرأ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قال: صلاة المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الفجر ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر، وقرأ: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ ? [النور:٥٨] . ورواه أدم بن أبي إياس في "تفسيره"، عن حماد بن سلمة، عن

стр. 1761

عاصم، قال: جاء نافع - ولم يذكر: أبا رزين. وروى آدم - أيضا -: نا شريك، عن ليث بن أبي سليم، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي البختري، عن ابن عباس، قال: جمعت هذه الآية الصلوات كلها - فذكره بمعناه، ولم يذكر فيه: صلاة العشاء. روي عن الحسن وقتادة في قوله تعالى ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ ، قال: صلاة المغرب والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ : صلاة الغداة، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا﴾ ، قال: العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ، قال: الظهر: خرجه البيهقي وغيره. وأماتأخير المغيرة بن شعبة وعمر بن عبد العزيز الصلاة يوماً، فإنما كان تأخيرهما كذلك عن وقت صلاتهما المعتادة ولم يؤخراها حتى خرج الوقت. وقد روى الليث هذا الحديث، عن الزهري، وفيه: ((أن عمر أخر العصر شيئاً)) . ولهذا ذكر عروة حديث عائشة في تعجيل النبي ﷺ لصلاة العصر،

стр. 1762

ولم يكن عمر بن … عبد العزيز يؤخر الصلاة كتأخير سائر بني أمية، إنما أخر العصر يوماً. وفي حديث أسامة بن زيد، عن الزهري، أن عمر كان قاعدا على المنبر، فأخر العصر شيئاً. وكان هذا في أيام ولايته للمدينة نيابة عن الوليد، ولم يكن - رحمة الله عليه - يظن أن توقيت الصلوات في هذه الأوقات الخمس كان بوحي من الله مع جبريل ﵇، بل كان يظن ان النبي ﷺ سن ذلك لأمته، وربما لم يكن بلغَهُ ما سنه النبي ﷺ من التوقيت، فكان يجري على العادة التي اعتادها الناس، حيث لم يكن في القران تصريح بمواقيت الخمس، ولم يبلغه ما سنه النبي ﷺ في ذلك بتعليم جبريل إياه، فلما بلغه ذلك اجتهد حينئذ على المحافظة على مواقيت الصلاة، وكان في أيام خلافته يوصي عماله بذلك، وكان يعتب على الحجاج وغيره من ولاة السوء تأخيرهم الصلاة عن مواقيتها. وفي رواية معمر، عن الزهري لهذا الحديث، قال: فما زال عمر يعلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا. وفي رواية حبيب بن أبي مرزوق، عن عروة لهذا الحديث، قال:

стр. 1763

فبحث عمر عن ذلك حتى وجد ثبته، فما زال عمر عنده علامات الساعات ينظر فيها حتى قُبض ﵀. وقد كان عمر بن عبد العزيز - أحياناً - قبل سماعه لهذا الحديث يؤخر الصلوات إلى آخر الوقت على ما جرت به عادة بني أمية. وفي "الصحيحين" عن أبي أمامة بن سهل، قال: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه الصلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي معه. وخرج مسلم من حديث عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها - أو يميتون الصلاة عن وقتها؟)) قال: فما تأمرني؟ قال: ((صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتهما معهم فصل، فانها لك نافلة)) . وقد روي هذا الحديث عن النبي ﷺ من روايات متعددة. وقد كان الصحابة يأمرون بذلك ويفعلونه عند ظهور تأخير بني أمية للصلاة عن أوقاتها، وكذلك أعيان التابعين ومن بعدهم من أئمة

стр. 1764

العلماء: قال [أحمد] وإسحاق: إنما يصلي في بيته ثم يأتي المسجد إذا صلى الأئمة في غير الوقت -: نقله عنهما ابن منصور. ومرادهما: إذا صلوا بعد خروج الوقت، فإن تأخير الصلاة عن وقتها عمداً في غير حال يجوز فيها الجمع لا يجوز إلا في صور قليلة مختلف فيها، فأماإن أخروا الصلاة عن أوائل وقتها الفاضلة، فإنه يصلي معهم ويقتصر على ذلك. وقد روى الشافعي بإسناده، عن ابن عمر، أنه أنكر على الحجاج إسفاره بالفجر، وصلى معه يومئذ. وقد قال النخعي: كان ابن مسعود يصلي مع الأمراء في زمن عثمان وهم يؤخرون بعض التأخير، ويرى أنهم يتحملون ذلك. وإنما كان يفعل ذلك في أيام إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة في زمن عثمان، فإنه كان أحيانا يؤخر الصلاة عن أول وقتها. وفي "مسند الإمام أحمد" أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة مرة،

стр. 1765

فقام ابن مسعود فتقرب، فصلى بالناس، وقال: أبن الله ورسوله علينا أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك. وفي "سنن أبي داود": عن صالح بن عبيد، عن قبيصة بن وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يكون عليكم أمراء من بعدي، يؤخرون الصلاة، فهي لكم وعليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلة)) . وهذا الحديث معلول من وجهين: أحدهما: أن قبيصة بن وقاص وإن عده بعضهم في الصحابة، فقد أنكر ذلك آخرون. والثاني: أن صالح بن عبيد، قال بعضهم: إنه لا يعرف حاله، منهم: الأثرم وغيره.

стр. 1766

وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عطاف بن خالد، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن رجل من جهينة، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ معناه. وفي هذا الإسناد ضعف. وخرج الإمام أحمد نحو من حديث عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وعاصم، ضعيف. وإن صحت هذه الأحاديث، فهي محمولة على من أخر الصلاة عن أول وقتها الأفضل إلى آخر الوقت، وحديث أبي ذر وما في معناه محمول على من أخرها عن الوقت حتى خرج الوقت، أو إلى وقت يكره تأخير الصلاة إليه، كتأخير العصر إلى أن تصفر الشمس، وقد روي ذلك عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعاً. وعلى هذا يدل كلام أحمد وإسحاق كما سبق ذكره، وإن الإمام إذا صلى في آخر الوقت فإنه يصلي معه ولا

стр. 1767

يصلي قبله في البيت، كما إذا أخرها عن الوقت. واستدل الإمام أحمد بقول ابن مسعود في الذين يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى، فأمرهم أن يصلوا للوقت، ثم يصلوا معهم. وقد خرجه مسلم في "صحيحه". وروي عن عطاء، أنه يكتفي بالصلاة معهم ولا يصلي في بيته ما لم يؤخروا حتى تغرب الشمس. ذكره عبد الرزاق، عن ابن جريج، عنه. وقال القاضي أبو يعلي من أصحابنا: إذا أخر الإمام الصلاة عن أول الوقت فإن وجد جماعة غيره في أول الوقت صلى مع الجماعة، وإلا انتظر الإمام حتى يصلي؛ لأن الجماعة عندنا فرض. وكذلك مذهب مالك وأصحابه: أن تأخير الصلاة لانتظار الجماعة أفضل من الصلاة في أول الوقت منفرداً. ونص الإمام أحمد في رجل أمره أبوه أن يصلي به، وكان أبوه يؤخر الظهر إلى العصر، أنه يصلي به. فإن كان يؤخر الصبح حتى تطلع الشمس لم يفعل. وللشافعي في ذلك قولان: أحدهما: ينتظر الإمام إذا أخرها عن أول الوقت.

стр. 1768

والثاني: يصلي في أول الوقت منفرداً، وهو أفضل من التأخير للجماعة. وقالت طائفة من أصحابه: الأفضل أن يجمع بين الأمرين، فيصلي في اول الوقت منفرداً، ثم يصلي مع الجماعة في أثناء الوقت، وإن أراد الاقتصار على صلاة واحدة فالتأخير للجماعة أفضل. ومنهم من ذكر احتمالا: ان فحش التأخير فالانفراد أول الوقت أفضل، وإن خف فالانتظار أفضل. واستدل صاحب "شرح المهذب" لتفضيل الجمع بينهما، بأن في "صحيح مسلم"، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، أنه "سيجيء قوم يؤخرون الصلاة عن أول وقتها" - وذكر الحديث المتقدم. وليس في "صحيح مسلم " ذكر أول الوقت ولا وجدناه في غيره - أيضا -، بل في الأحاديث ما يدل على خلاف ذلك، وأنهم يؤخرون الصلاة حتى يذهب وقتها. كذلك في حديث عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ . وقد خرجه الإمام أحمد وأبو داود. وقد استدل الإمام أحمد بأمر النبي ﷺ بالصلاة في الوقت عند تأخير الإمراء على أن الجمع بين الصلاتين لغير عذر غير جائز. وسيأتي زيادة بيان لذلك في موضع آخر - إن شاء الله .

стр. 1769

وأماتقديم الصلاة على وقتها في غير جمع فلا يجوز - أيضا -، فلو صلى الظهر قبل الزوال، والصبح قبل طلوع الفجر، والمغرب قبل غروب الشمس فعليه الاعادة، وسواء تعمد ذلك او لم يتعمده، هذا قول جمهور العلماء. قال ابن المنذر: اختلفوا في الصلاة قبل دخول الوقت، فروينا عن عمر وأبي موسى الاشعري، أنهما أعادا الفجر لأنهما كان صلياها قبل الوقت، وبه قال الزهري ومالك والأوزعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، وقد روينا عن ابن عباس، أنه قال في رجل صلى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس، قال: يجزئه. وقال الحسن: مضت صلاته. وبنحو ذلك قال الشافعي. وعن مالك فيمن صلى العشاء في السفر قبل غيبوبة الشفق جاهلا وساهياً يعيد ما كان في وقت، فإذا ذهب الوقت قبل أن يعلم أو يذكر فلا إعادة عليه. انتهى.

стр. 1770

وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن وقت الصلاة من فرائضها، وأنها لا تجزيء قبل وقتها، إلا شيء روي عن أبي موسى الأشعري وعن بعض التابعين، أجمع العلماء عن خلافه، فلم أر لذكره وجها؛ لأنه لا يصح عنهم، وقد صح عن أبي موسى خلافه بما وافق الجماعة، فصار اتفاقا صحيحاً. قلت: ليس هذا الاختلاف في جواز تقديم الصلاة على وقتها عمداً، إنما الاختلاف فيمن اجتهد وصلى ثم تبينت صلاته قبل الوقت، وقد مضى الوقت، فهذا في وجوب الإعادة فيه قولان للشافعي، والاختلاف المروي عن السلف يرجع إلى هذين القولين، وقد حكي رواية عن أحمد أنه لايلزمه القضاء. قال القاضي أبو يعلى الصغير في "تعليقه": قد تأولها أصحابنا. وما حكاه ابن المنذر عن مالك قد روي صالح بن أحمد

стр. 1771

وأبو الحارث، عن أحمد في المسافر إذا صلى العشاء قبل مغيب الشفق: أرجو. وتأوله بعض أصحابه عن الشفق الأبيض، وهو بعيد. وقد نقل ابن منصور، عن أحمد، أنه إذا صلى العشاء في السفر بعد غيبوبة الشفق الاحمر وقبل غيبوبة البياض، فإنه يجوز، وعلل بأنه أماأن يكون مصليا في الوقت عند من يرى أن الشفق الحمرة، وأماأن يكون جامعاً بين الصلاتين في السفر، وهو جائز. وهذا يدل على جواز الجمع في السفر في وقت الأولى مع التفريق بين الصلاتين، وعلى أن نية الجمع لا تشترط. وروى حرب، عن أحمد فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق، قال: لا ادري. وفيمن صلى العصر قبل مصير ظل الشيء مثله: انه يعيد، ولم يقيد هذا بالسفر. ولو كان معللا يجواز الجمع كما نقله عنه ابن منصور، لم يكن فرق بين العشاء والعصر، لأن كلتا الصلاتين تجمع إلى ما قبلها. والظاهر: أنه أراد بالشفق الحمرة؛ فإن أحمد متوقف في صلاة العشاء قبل مغيب البياض، على ما سيأتي ذكره - إن شاء الله .

стр. 1772

٢ - باب ﴿منِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٣١] قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] . فأمره بإقامة وجهه، وهو إخلاص قصده وعزمه وهمه للدين الحنيف، وهو الدين القيم، وهو فطرة الله التي فطر العباد عليها، فإن الله ركب في قلوب عباده كلهم قبول توحيده والإخلاص له، وإنما يغيرهم عن ذلك تعليم من عملهم الخروج عنه. ولما كان الخطاب له ﷺ لم تدخل فيه أمته معه قال بعد ذلك ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ ، فجعل ذلك حالا له ولأمته، وهو إنابتهم إليه، ويعني به: رجوعهم إليه، وأمرهم بتقواه، والتقوى تتضمن فعل جميع الطاعات وترك المعاصي والمخالفات. وخص من ذلك إقام الصلاة، فلم يذكر من أعمال الجوارح باسمه الخاص سواها، والمراد بإقامتها: الاتيان بها قائمة على وجهها التام،

стр. 1773

وفي ذلك دليل على شرف الصلاة وفضلها، وأنها اهم أعمال الجوارح. ومن جملة إقامتها المأموربه: المحافظه على مواقيتها، فمن صلى الصلاة لغير مواقيتها التي وقتها الله فلم يقم الصلاة، بل ضيعها وفرط فيها وسها عنها. قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة:٥٥] ، قال: يقيمون الصلاة بفرضها. وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القران فيها، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ ، فهذا إقامتها. خرجه كله ابن أبي حاتم. ولهذا مدح سبحانه الذين هم على صلاتهم يحافظون والذين هم

стр. 1774

على صلاتهم دائمون، وقد فسره ابن مسعود وغيره بالمحافظة على مواقيتها، وفسره بذلك مسروق والنخعي وغيرهما. وقيل لابن مسعود: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣] و ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:٣٤] ؟ قال: ذاك على مواقيتها. قيل له: ما كنا نرى ذلك إلا على تركها، قال: تركها الكفر. خرجه ابن أبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما. وكذلك فسر سعد بن أبي وقاص ومسروق وغيرهما السهو عن الصلاة بالسهو عن مواقيتها. وروي عن سعد مرفوعا، والموقوف أصح

стр. 1775

قال البخاري ﵀:

стр. 1776

٥٢٣ - نا قتيبة بن سعيد: نا عباد - هو: ابن عباد -، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة، ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بشيء نأخذه عنك، وندعو إليه من وراءنا. فقال: ((آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله)) ، ثم فسرها لهم: ((شهادة أن لا الله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا إِليَّ خمس ما غنمتم، وأنهى عن الدباء والحنتم والنقير والمقير)) . قد تقديم هذا الحديث في "كتاب: الايمان" و"كتاب: العلم" خرجه البخاري فيهما من حديث شعبة، عن أبي جمرة، وذكرنا شرحه في الموضعين المذكورين.

стр. 1777

والمقصود منه هاهنا: أمره لهم بإقامة الصلاة، وقد ذكرنا هاهنا تفسير إقامة الصلاة، وأن من جملته المحافظه على مواقيتها. وخرج أبو داود من حديث عباد بن الصامت، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … ((خمس صلوات افترضهن الله، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن واتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهدا أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إِن شاء غفر له، وإن شاء عذبه)) . وخرج ابن ماجه من حديث [أبي] قتادة، أن رسول الله ﷺ قال: ((قال الله تعالى: افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهداً: أنه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي)) . وخرج الأمام أحمد من حديث كعب بن عجرة: سمع النبي ﷺ يقول: ((قال ربكم: من صلى الصلاة لوقتها، وحافظ عليها ولم يضيعها استخفافا بحقها، فله علي عهد أن أدخله الجنة، ومن لم يصلها لوقتها، ولم يحافظ عليها وضيعها استخفافا بحقها، فلا عهد له، إن شئت عذبته،

стр. 1778

وإن شئت غفرت له)) . ومن حديث حنظلة الكاتب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من حافظ على الصلوات الخمس بركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة)) - او قال: ((وجبت له الجنة)) -، وفي رواية قال: ((حرم على النار)) . وروى محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح عن ابن سيرين، قال: نبئت أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يعلمان الناس الإسلام: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة التي افترض الله لمواقيتها، فان في تفريطها الهلكة.

стр. 1779

٣ - باب البيعة على إقام الصلاة

стр. 1780

٥٢٤ - حدثنا محمد بن المثنى: نا يحيى: نا إسماعيل: نا قيس، عن جرير بن عبد الله، قال: بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. خرج البخاري هذا الحديث فيما سبق في آخر " كتاب: الإيمان"، عن مسدد، عن يحيى - هو: ابن سعيد -، بمثله. والنبي ﷺ كان بايع الناس على الإسلام، وأركان الإسلام خمس: الشهادتان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان. وكان النبي ﷺ يبايع - أحياناً - عليهن كلهن، كما في " مسند الإمام أحمد" عن بشير بن الخصاصية، قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط عليَّ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أمااثنتين، فوالله ما

стр. 1781

أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك جشعت نفسي، وكرهت الموت. والصدقة، فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذود، هن رسل أهلي وحمولتهم. قال: فقبض رسول الله ﷺ يديه، ثم حرك يده، ثم قال: ((فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذاً؟)) قلت: يا رسول الله، أبايعك، فبايعته عليهم كلهن. وتارة كان يبايع على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع الشهادتين، كما بايع جرير بن عبد الله؛ فإن الصلاة والزكاة أفضل خصال الإسلام العملية. وتارة يكتفي بالبيعة على الشهادتين؛ لأن باقي الخصال حقوق لها ولوازم. وتارة كان يقتصر في المبايعة على الشهادتين فقط، لأنهما رأس الإسلام، وسائر الأعمال تبع لهما. وقد كان أحيانا يتآلف على الإسلام من يريد أن يسامح بترك بعض حقوق الإسلام، فيقبل منهم الإسلام، فإذا دخلوا فيه رغبوا في الإسلام فقاموا بحقوقه وواجباته كلها. كما روى عبد الله بن فضالة الليثي، عن أبيه، قال: علمني رسول الله ﷺ فكان فيما علمني: ((وحافظ على الصلوات الخمس)) . قال: قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمرني بأمر جامع، إذا أنا فعلته أجزأ عني. قال: ((حافظ على

стр. 1782

العصرين)) - وما كانت من لغتنا – قلت: وما العصران؟ قال: ((صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها)) . خرجه أبو داود وابن حبان في " صحيحه" والحاكم. وظن أن فضالة هو ابن عبيد، ووهم في ذلك، فليس هذا فضالة بن عبيد -: قاله ابن معين وغيره. وفي " المسند" من حديث قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن رجل منهم، أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أن يصلي صلاتين، فقبل منه. وفي رواية: على أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل منه. وفيه - أيضا - عن جابر، أن ثقيفاً إذ بايعت اشترطت على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد. قال رسول الله ﷺ : ((يصدقون ويجاهدون إذا أسلموا)) . قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: إذا أسلم على أن يصلي صلاتين يقبل منه، فإذا دخل يؤمر بالصلوات الخمس، وذكر حديث قتادة عن نصر بن عاصم الذي تقدم.

стр. 1783

٤ - باب الصلاة كفارة فيه حديثان: الأول: كفارة الصلاة: قال:

стр. 1784

٥٢٥ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن الأعمش: حدثني شقيق: حدثني حذيفة، قال: كنا جلوساً عند عمر، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله. قال: إنك عليه - أو عليها - لجريء. قلت: فتنة الرجل في أهله وماله ولده وجاره، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً. قال: يكسر أم يفتح؟ قال: يكسر. قال: إذن لا يغلق أبداً. قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقاً فسأله، فقال: الباب عمر. أصل الفتنة: الابتلاء والامتحان والاختبار، ويكون

стр. 1785

تارةً بما يسوء، وتارة بما يسر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] ، وقال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . وغلب في العرف استعمال الفتنة في الوقوع فيما يسوء. والفتنة نوعان: أحدهما: خاصة، تختص بالرجل في نفسه. والثاني: عامة، تعم الناس. فالفتنة الخاصة: ابتلاء الرجل في خاصة نفسه بأهله وماله وولده وجاره، وقد قال [تعالى] : ﴿?إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ؛ فإن ذلك غالباً يلهي عن طلب الآخرة والاستعداد لها، ويشغل عن ذلك. ولما كان النبي ﷺ يخطب على المنبر، ورأى الحسن والحسين يمشيان ويعثران وهما صغيران، نزل فحملهما، ثم قال: ((صدق الله ورسوله، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ، إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران فلم أصبر)) . وقد ذم الله تعالى من ألهاه ماله وولده عن ذكره، فقال: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] . فظهر بهذا: أن الأنسان يبتلى بماله وولده وأهله

стр. 1786

وبجاره المجاور له، ويفتتن بذلك، فتارةً يلهيه الاشتغال به عما ينفعه في آخرته، وتارةً تحمله محبته على أن يفعل لأجله بعض ما لا يحبه الله، وتارةً يقصر في حقه الواجب عليه، وتارةً يظلمه ويأتي إليه ما يكرهه الله من قول أو فعل، فيسأل عنه ويطالب به. فإذا حصل للأنسان شيء من هذه الفتن الخاصة، ثم صلى أو صام أو تصدق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر كان ذلك كفارةً له، وإذا كان الأنسان تسوؤه سيئته، ويعمل لأجلها عملاً صالحاً كان ذلك دليلاً على إيمانه. وفي " مسند بقي بن مخلد"، عن رجل سأل النبي ﷺ : ما الإيمان يا رسول الله؟ قال: ((أن تؤمن بالله ورسوله)) ، فأعادها ثلاثا، فقال له في الثالثة: ((أتحب أن أخبرك ما صريح الإيمان؟)) فقال: ذلك الذي أردت. فقال: ((إن صريح الإيمان إذا أسأت أو ظلمت أحداً: عبدك أو أمتك، أو واحداً من الناس، صمت أو تصدقت وإذا أحسنت استبشرت)) . وأماالفتن العامة: فهي التي تموج موج البحر، وتضطرب، ويتبع بعضها بعضاً كأمواج البحر، فكان أولهما فتنة قتل عثمان – ﵁، وما نشأ منها من افتراق قلوب المسلمين، وتشعب أهوائهم وتكفير بعضهم بعضاً، وسفك بعضهم دماء بعض، وكان الباب المغلق الذي بين الناس وبين الفتن عمر ﵁، وكان قتل عمر كسراً لذلك الباب، فلذلك لم يغلق ذلك الباب بعده أبداً.

стр. 1787

وكان حذيفة أكثر الناس سؤالاً للنبي ﷺ عن الفتن، وأكثر الناس علماً بها، فكان عنده عن النبي ﷺ علم بالفتن العامة والخاصة، وهو حدث عمر تفاصيل الفتن العامة، وبالباب الذي بين الناس وبينها، وأنه هو عمر، ولهذا قال: إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط، والأغاليط: جمع أغلوطة، وهي التي يغالط بها، واحدها: أغلوطة ومغلطة، والمعنى: أنه حدثه حديثاً حقاً، ليس فيه مرية، ولا إيهام. وهذا مما يستدل به على أن رواية مثل حذيفة يحصل بها لمن سمعها العلم اليقيني الذي لا شك فيه؛ فإن حذيفة ذكر أن عمر علم ذلك وتيقنه كما تيقن أن دون غد الليلة لما حدثه به من الحديث الذي لا يحتمل غير الحق والصدق. وقد كانت الصحابة تعرف في زمان عمر أن بقاء عمر أمان للناس من الفتن. وفي "مسند الإمام أحمد" أن خالد بن الوليد لما عزله عمر، قال له رجل: اصبر أيها الأمير، فإن الفتن قد ظهرت. فقال خالد: وابن الخطاب حي! إنما يكون بعده ﵄. وقد روي من حديث عثمان بن مظعون، أن النبي ﷺ سمى عمر: غلق الفتنة، وقال: ((لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين أظهركم)) .

стр. 1788

خرجه البزار. وروي نحوه من حديث أبي ذر. وروى كعب، أنه قال لعمر: أجدك مصراع الفتنة، فإذا فتح لم يغلق أبداً. الحديث الثاني:

стр. 1789

٥٢٦ - حدثنا قتيبة: ثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] . قال الرجل: يا رسول الله، إلي هذا؟ قال: ((لجميع أمتي كلهم)) . هذا الذنب الذي أصابه ذلك الرجل وسأل عنه النبي ﷺ فنزلت الآية بسببه كان من الصغائر، وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الصلاة إنما تكفر الصغائر دون الكبائر. وكذلك الوضوء، غير أن الصلاة تكفر أكثر مما يكفر الوضوء، كما قال سلمان الفارسي ﵁: الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر، والصلاة تكفر أكثر من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي وغيره. وقد سبق في حديث حذيفة: فتنة الرجل في أهله وماله وولده

стр. 1790

وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة؛ وذلك لأن أكثر ما يصيب الأنسان في هذه الإشياء تكون من الصغائر دون الكبائر. وقد ذكرنا في " كتاب الوضوء" الاختلاف في أن الوضوء: هل يكفر الصغائر خاصة، أم يعم الذنوب كلها؟ والأكثرون على أن لا يكفر سوى الصغائر، وقد ذهب قوم إلى أنه يكفر الكبائر … - أيضا -، وسنذكره فيما بعد – إن شاء الله .
следующие страницы →