← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فيأتيهم والشمس مرتفعة. إنما خرجه من هذين الوجهين، ليبين مخالفته لأصحاب الزهري في هذا الحديث. وقد خالفهم فيه من وجهين: أحدهما: أنه لم يذكر فيه النبي ﷺ ، وذكره أصحاب الزهري، كما خرجه البخاري هنا من رواية شعيب. وخرجه في أواخر " كتابه" من رواية صالح بن كيسان، ثم قال: زاد الليث، عن يونس: " وبعد العوالي أربعة أميال أو ثلاثة". وخرجه مسلم من رواية الليث وعمرو بن الحارث - كلاهما -، عن الزهري، به. ورواه أبو صالح، عن الليث، عن يونس، عن الزهري. وما ذكره البخاري في رواية شعيب من قوله: " وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه"، فهو من قول الزهري، أدرج في الحديث. قال البيهقي: وقد بين ذلك معمر، عنه. ثم خرجه من طريق معمر عنه، وقال في آخر حديثه: قال الزهري: والعوالي من المدينة على ميلين وثلاثة - أو حسبه قال: وأربعة. والوجه الثاني: أن مالكا قال في روايته: " ثم يذهب الذاهب إلى قباء"، كذا رواه أصحابه عنه، وكذا هو في " الموطا ". وخالفه سائر

стр. 1892

أصحاب الزهري، فقالوا: " إلى العوالي". وقد رواه خالد بن مخلد، عن مالك، فقال فيه: " العوالي"، وليس هو بمحفوظ عن مالك. قال النسائي: لم يتابع مالكاً احد على قوله في هذا الحديث: " إلى قباء " والمعروف: " إلى العوالي". وقال ابن عبد البر: رواه جماعة أصحاب الزهري عنه، فقالوا: " إلى العوالي"، وهو الصواب عند أهل الحديث. قال: وقول مالك: " إلى قباء " وهم لا شك فيه عندهم، ولم يتابعه أحد عليه. وكذا ذكر أبو بكر الخطيب وغيره. قلت: قد رواه الشافعي في القديم: أنا [أبو] صفوان ابن سعيد بن عبد الملك ابن مروان، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيها والشمس مرتفعة.

стр. 1893

ورواه عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، وقال: " إلى العوالي". وكذا رواه الواقدي، عن معمر، عن الزهري. وهذا لا يلتفت إليه. قال ابن عبد البر: إلا أن المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت؛ لأن العوالي مختلفة المسافة، فأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومثل هذا هي المسافة بين قباء وبين المدينة، وقباء من بني عمرو بن عوف، وقد نص على بني عمرو بن عوف في [حديث أنس] هذا إسحاق بن أبي طلحة. يشير إلى حديثه المتقدم، وخرجه من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ ، وقال فيه: " والعوالي من المدينة على عشرة أميال"، وكان الزهري ذكر في هذه الرواية أبعد ما بين العوالي والمدينة، كما ذكر في الرواية المتقدمة أقرب ما بينها وبين المدينة. وفي الباب حديث آخر: خرجه البخاري في " القسمة"، فقال: نا محمد ابن يوسف: نا الأوزاعي: نا أبو النجاشي، قال: سمعت رافع بن خديج [قال] : كنا نصلي مع النبي ﷺ العصر، فننحر جزرواً، فتقسم عشر قسم، فناكل لحماً نضيجاً قبل ان تغرب الشمس.

стр. 1894

قال الدارقطني: ابو النجاشي، اسمه: عطاء بن صهيب، ثقة مشهور، صحب رافع بين خديج ست سنين. والكلام هاهنا في مسألتين: احداهما: في حد وقت العصر: اوله واخره: فأمااوله: فحكى ابن المنذر فيه اقوالا، فقال: اختلفوا في اول وقت العصر: فكان مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وابو ثور يقولون: وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله. واختلفوا بعد، فقال بعضهم: اخر وقت الظهر اول وقت العصر، فلو ان رجلين صلى احدهما الظهر والاخر العصر حين صار ظل كل شيء مثله لكانا مصليين الصلاتين في وقتها، قال بهذا إسحاق، وذكر ذلك عن ابن المبارك. وأماالشافعي فكان يقول: اول وقت العصر إذا جاوز ظل كل شيء مثله ما كان، وذلك حين ينفصل من اخر وقت الظهر. قلت: هذا هو المعروف في مذهب أحمد وأصحابه، وحكى بعض المتأخرين رواية عنه كقول ابن المبارك وإسحاق، وهي غير معروفة. قال ابن المنذر: وحكي عن ربيعة قول ثالث، وهو: ان وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس. وفيه قول رابع، وهو: ان وقت العصر ان يصير

стр. 1895

الظل قائمتين بعد الزوال، ومن صلاها قبل ذلك لم تجزئه، وهذا قول النعمان - يعني: ابا حنيفة. وحكى ابن عبد البر، عن مالك مثل قول ابن المبارك وإسحاق، وعن الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور مثل قول الشافعي، وعن أبي حنيفة: آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثليه. قال: فخالف القياس في ذلك، وخالفه أصحابه فيه. وذكر الطحاوي رواية اخرى عن أبي حنيفة، أنه قال: آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله، كقول الجماعة. ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه، فترك بين الظهر والعصر وقتا مفرداً لا يصلح لاحدهما. قال: وهذا لم يتابع عليه - أيضا. وحكى ابن عبد البر، عن أبي ثور والمزني مثل قول ابن المبارك ومن تابعه، بالاشترك بين الوقتين إذا صار ظل كل شيء مثليه بقدر اربع ركعات، فمن صلى في ذلك الوقت الظهر والعصر كان مؤديا لها. وحكي عن عطاء وطاوس، ان ما بعد مصير ظل كل شيء مثله وقت الظهر والعصر معاً، قال طاوس: إلى غروب الشمس، وقال عطاء:

стр. 1896

إلى اصفرارها، وقد سبق ذكر قولها، وانه حكى رواية عن مالك. وقد نص الشافعي على ان وقت العصر لا يدخل حتى يزيد ظل الشيء على مثله، وكذلك قاله الخرقي من أصحابنا. واختلف أصحاب الشافعي في معنى قوله: "بالزيادة". فمنهم من قال: هي لبيان انتهاء الظل إلى المثل، والا فالوقت قد دخل قبل حصول الزيادة بمجرد حصول المثل، فعلى هذا تكون الزيادة من وقت العصر. ومنهم من قال: انها من وقت الظهر، وانما يدخل العصر عقبها، وقيل: انه ظاهر كلام الشافعي والعراقيين من أصحابه. ومنهم من قال: ليست الزيادة من وقت الظر ولا من وقت العصر، بل هي فاصل بين الوقتين. وهو اضعف الاقوال لهم. وأماالمنقول عن السلف، فاكثرهم حدده بقدر سير الراكب فرسخاً أو فرسخين قبل غروب الشمس. فروى مالك، عن نافع، أن عمر كتب إلى عماله: صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعاً، الا ان يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس بيضاء نقية، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة، قبل غروب الشمس. ورواه غيره: عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر.

стр. 1897

وروى ابو نعيم الفضل بن دركين: نا سعد بن أوس، عن بلال العبسي، ان عمر كتب إلى سعد: صل العصر وانت تسير لها ميلين او ثلاثة. نا يزيد بن مردانبه، قال: سالت أنس بن مالك عن وقت العصر، فقال: إذا صليت العصر ثم سرت ستة اميال حتى إلى غروب الشمس فذلك وقتها. نا ابن عيينة، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير، قال: تصلي العصر قدر ما تسير البعير المحملة فرسخين. نا ابن عيينة، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: فرسخ. وأمااخر وقت العصر، ففيه اقوال: أحدهما: أنه غروب الشمس، روي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وأبي جعفر محمد بن علي. والثاني: إلى مصير ظل كل شيء مثليه، روي عن أبي هريرة، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية. والثالث: حتى تصفر الشمس، روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو قول الاوزعي، وأحمد في

стр. 1898

رواية، وأبي يوسف، ومحمد. وفيه حديث، عن عبد الله بن عمرو، اختلف في رفعه ووقفه، وقد خرجه مسلم في "صحيحه" مرفوعاً. واكثر من قال بهذا القول والذي قبله، قالوا: لا يخرج وقت العصر بالكلية باصفرار الشمس ولا بمصير ظل كل شيء مثليه، انما يخرج وقت الاختيار، ويبقى ما بعده وقت ضرورة. وهل يكون التأخير اليه لغير ذوي الاعذار محرما، او مكروهاً كراهة تنزيه؟ فيه وجهان لأصحابنا. وقال الاصطخري من الشافعية: يخرج وقت العصر بالكلية حتى يصير ظل الشيء مثليه، ويصير بعد ذلك قضاء، ولم يوافقه على ذلك احد. والمشهور عند الشافعية: انه بعد مصير ظل كل شيء مثليه إلى اصفرار الشمس يجوز التأخير اليه بلا كراهة، ولكن يفوت وقت الفضيلة والاختيار، وقالوا: يفوت وقت الفضيلة بمصير ظل الشيء مثله ونصف مثله، ووقت الاختيار بمصير ظل الشيء مثليه، ووقت الجواز يمتد إلى اصفرار الشمس، ومن وقت الاصفرار إلى ان تغرب الشمس وقت كراهة لغير ذوي الاعذار. وحكى ابن عبد البر عن مالك وغيره من العلماء: ان من صلى العصر قبل اصفرار الشمس فقد صلاها في وقتها المختار، وحكاه اجماعاً، وحكاه عن الثوري وغيره. قال: وهذا يدل على ان

стр. 1899

اعتبار المثلين انما هو للاستحباب فقط. وحكى عن أبي حنيفة: ان وقت الاختيار بمتد إلى اصفرار الشمس. وحكى عن إسحاق وداود: اخر وقت العصر ان يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب، وسواء المعذور وغيره. وسيأتي القول في ذلك فيما بعد - ان شاء الله . وحكى الترمذي في "جامعه" عن أبي بكرة انه نام عن صلاة العصر، فاستيقط عند الغروب، فلم يصل حتى غربت الشمس. وهذا قد ينبني على ان وقت العصر يخرج بالكلية باصفرار الشمس، فتصير قضاء، والفوائت لا تقضي في اوقات النهي عند قوم من اهل العلم. ونهى عمر بن الخطاب من فاته شيء من العصر ان يطول فيما يقضيه منها، حشية ان تدركه صفرة الشمس قبل ان يفرغ من صلاته. والمسألة الثانية: هل الافضل تعجيل العصر في اول وقتها، او تأخيرها؟ فيه قولان: احدهما - وهو قول الحجازيين وفقهاء الحديث -: ان تعجيلها في اول وقتها افضل، وهو قول الليث، والاوزاعي، وابن مبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقول اهل المدينة: مالك وغيره. ولكن مالك

стр. 1900

يستحب لمساجد الجماعات ان يوخروا العصر بعد دخول وقتها قليلاً؛ وليتلاحق الناس إلى الجماعة. وقد تقدم انكار عروة على عمر بن عبد العزيز تأخيره العصر شيئا، وانكار أبي مسعود الانصاري على المغيرة تأخير العصر شياً. والاحاديث التي خرجها البخاري في هذا الباب كلها تدل على استحباب تعجيل العصر وتقديمها في اول وقتها. والقول الثاني: ان تأخير إلى اخر وقتها ما لم تصفر الشمس افضل، وهو قول اهل العراق، منهم: النخعي، والثوري، وابو حنيفة. قال النخعي: كان من قبلكم اشد تأخير للعصر منكم، وكان ابراهيم يعصر العصر - أي: يضيقها إلى اخر وقتها. وقال ابو قلابة وابن شبرمة: انما سميت العصر لتعصر. وقد روي هذا القول عن علي، وابن مسعود وغيرهما، وفيه احاديث مرفوعة، كلها غير قوية. قال العقيلي: الرواية في تأخير العصر فيها لين. وذكر الدارقطني انه لا يصح منها شيء يقاوم احاديث التعجيل؛ فانها احاديث كثيرة، واسانيدها صحيحة من اصح الاسانيد واثبتها. وقال: احاديث تأخير العصر لم يثبت، وانما وجهها - ان كانت محفوظة -: ان يكون ذلك على غير تعمد، ولكن للعذر والأمر يكون.

стр. 1901

١٤ - باب إثم من فاتته العصر

стр. 1902

٥٢٢ - حدثنا عبد الله بن يوسف: انا مالك عن، نافع، عن عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ قال: ((الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) . قال أبو عبد الله: ? ﴿يَتِرَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] : وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلاً، وأخذت ماله. فوات صلاة العصر: أريد به: فواتها في وقتها كله، كذا فسره ابن عبد البر وغيره. وقد فسره الاوزاعي: بفوات وقت الاختيار، بعد أن روى هذا الحديث عن نافع، قال الأوزاعي: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمس مصفراً. خرجه أبو داود في " سننه" ومحمد بن يحيى الهمداني في " صحيحه". وقد أدرج بعضهم هذا في الحديث:

стр. 1903

قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الوليد، عن الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فاتته صلاة العصر - وفواتها: أن تدخل الشمس صفرةٌ - فكأنما وتر أهله وماله)) ؟ فقال أبي: التفسير من قول نافع. انتهى. وقد تبين أنه من قول الأوزاعي كما سبق. وقد رويت هذه اللفظة من حديث حجاج والأوزاعي، عن الزهري، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ?. وروى هذا الحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ . خرجه من طريقه مسلم. ورواه حفص بن غيلان، عن سالم، وزاد فيه: " في جماعة". وهذه - أيضا - مدرجة، وكأنها في تفسير بعض الرواة، فسر فواتها المراد في الحديث بفوات الجماعة لها، وإن صلاها في وقتها، وفي هذا نظر. وعلى تفسير الأوزاعي يكون المراد: تأخيرها إلى وقت الكراهة، وإن صلاها في وقتها المكروه. وعلى مثل ذلك يحمل ما رواه مالك في " الموطأ" عن يحيى بن سعيد، أنه قال: إن الرجل ليصلي الصلاة وما قاتته، ولما فاتته من وقتها أعظم - أو أفضل - من أهله وماله. وقد رواه الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن يعلى بن مسلم،

стр. 1904

عن طلق بن حبيب، عن النبي ﷺ مرسلاً. ورواه جعفر بن عون، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن يعلى، عن طلق، عن النبي ﷺ . ورواه حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن طلق بن حبيب، قال: كان يقال - فذكره، ولم يذكر: النبي ﷺ . خرجه محمد بن نصر المروزي من هذه الوجوه كلها. وقد روي موصولاً من وجوه أخر: فروى وكيع في " كتابه" عن شعبة عن سعد بن إبراهيم، عن الزهري، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الرجل ليدرك الصلاة، وما فاته من وقتها خير له من أهله وماله". ورواه نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن شعبة، به. والزهري لم يسمع من ابن عمر عند جماعة، وقيل: سمع منه حديثاً أو حديثين. ورواه هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن

стр. 1905

القرشي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بنحوه. خرجه محمد بن نصر المروزي. والوليد هذا، لا أعرفه، إلا أن يكون الجرشي الحمصي، فإنه ثقة معروف. وروى إبراهيم بن الفضل المدني، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها، وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من اهله وماله)) . خرجه الدارقطني. وإبراهيم هذا، ضعيف جداً. ورواه - أيضا - يعقوب بن الوليد المدني، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه. ويعقوب هذا، منسوب إلى الكذب. قال ابن عبد البر في " الاستذكار": وقد روي هذا الحديث من وجوه ضعيفة. وزعم في " التمهيد" أن حديث أبي هريرة هذا حسن، وليس كما قال. قال ابن عبد البر: كان مالك - فيما حكى عنه ابن القاسم - لا يعجبه قول يحيى بن سعيد هذا - يعني: الذي حكاه عنه في " الموطا". وذكر ابن

стр. 1906

عبد البر أن سبب كراهة مالك لذلك - والله اعلم - أن وقت الصلاة كله يجوز الصلاة فيه، كما قال: " ما بين هذين وقت"، ولم يقل: أوله أفضل. والذي يصح عندي في ذلك: أن مالكا إنما أنكر قول يحيى بن سعيد؛ لأنه إنما صح عن النبي ﷺ أنه قال ذلك فيمن فاتته العصر بالكلية حتى غربت الشمس، فكأن مالكا لم ير أن بين اول الوقت ووسطه وآخره من الفضل ما يبلغ ذهاب الأهل والمال؛ لأن ذلك إنما هو في ذهاب الوقت كله. وفي هذا الحديث: أن ذهاب بعض الوقت كذهاب الوقت كله، وهذا لا يقوله أحد من العلماء، لا من فضل اول الوقت على آخره، ولا من سوى بينهما؛ لأن فوت بعض الوقت مباح، وفوت الوقت كله لا يجوز، وفاعله عاص لله إذا تعمد ذلك، وليس كذلك من صلى في وسط الوقت وآخره، وان كان من صلى في [أول] وقته أفضل منه. انتهى. وقد تقدم أن الأوزاعي حمله على من فوت وقت الاختيار، وصلى في وقت الضرورة، وهو يدل على انه يرى ان التأخير إليه محرم، كما هو أحد الوجهين لأصحابنا، وهو قول ابن وهب وغيره. ومنهم من حمله على من فوتها حتى غربت الشمس بالكلية.

стр. 1907

وظاهر تبويب البخاري يدل على ان الحديث محمول على من فوت العصر عمداً لتبويبه عليه: " باب: إثم من فاتته العصر". فأمامن نام عنها أو نسيها فإن كفارته أن يصليها إذا ذكرها، وإذا كان ذلك كفارة له فكأنه قد أدرك بذلك فضلها في وقتها. وفي هذا نظر، ولا يلزم من الإتيان بالكفارة إدراك فضل ما فاته من العمل، وفي الحديث: " من ترك الجمعة فليتصدق بدينار، أو بنصف دينار"، ولا يلزم من ذلك ان يلحق فضل من شهد الجمعة. ولهذا المعنى يقول مالك والأوزاعي وغيرهما فيمن صلى في الوقت صلاة فيها بعض نقص: إنها تعاد في الوقت، ولا تعاد بعده؛ لأن نقص فوات الوقت أشد من ذلك النقص المستدرك بالإعادة بعده، فلا يقوم الإتيان به خارج الوقت مقام الإتيان به في الوقت، بل الإتيان في الوقت بالصلاة على وجه فيه نقص أكمل من الإتيان بالصلاة كاملة في غير الوقت. ويدل على ما قاله البخاري: ما خرجه الإمام أحمد من رواية حجاج بن أرطاة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: " الذي تفوته صلاة العصر متعمداً حتى تغرب الشمس فكأنما وتر أهله وماله". ويدل عليه - أيضا - حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "

стр. 1908

من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فلم تفته". خرجه الإمام أحمد من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . ورواه ابو غسان وهشام بن سعد، عن زيد بن اسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمعناه. وقد روي ما يدل على أن الناسي لا تكون الصلاة فائتة له كالنائم: فروى الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة الأنصاري - فذكر قصة نومهم مع النبي ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس -، وفيه: قال: فقلت: يا رسول الله، هلكنا، فاتتنا الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : ((لم تهلكوا ولم تفتكم الصلاة، وإنما تفوت اليقطان ولا تفوت النائم)) - وذكر الحديث. وقد حمل بعض السلف هذا الحديث على من فاتته العصر بكل حال، وإن كان ناسياً. فروى زهير بن معاوية: نا أسيد بن شبرمة الحارثي، قال: سمعت سالما يحدث عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) قال: فقلت: وإن نسي؟ قال: وإن نسي، فصلاة ينساها أشد عليه من ذهاب أهله وماله.

стр. 1909

خرجه الدارقطني في أول كتابه " المختلف والمؤتلف". وذكر أن أسيد بن شبرمة، يقال: فيه " أسيد " - أيضا - بالضم، قال: ولا اعرف له غير هذا الحديث، وحديث آخر رواه عن الزهري. وقوله: " وتر أهله وماله ". قيل: معناه: حرب أهله وماله وسلبهما، من وترت فلاناً إذا قتلت حميمه، والوتر: الحقد، بكسر الواو، ولا يجوز فتحها، وذلك أبلغ من ذهاب الأهل والمال على غير هذا الوجه، لأن الموتور يهم بذهاب ما ذهب منه ويطلب ثأره حتى يأخذ به. وقيل: معناه: أفرد عن أهله وماله، من الوتر - بكسر الواو وفتحها -، وهو الفرد - أي: صار هو فرداً عن أهله وماله. وعلى هذا والذي قبله، فالمعنى: ذهاب جميع أهله وماله. وقيل: معناه: قلل ونقص، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] . و ((أهله وماله)) : روايتهما بنصب اللام، على أنه مفعول ثان لـ" وتر "؛ لأن ((وتر)) و ((نقص)) يتعديان إلى مفعولين، ولو روي بضم اللام على المفعول الأول لم يكن لحنا، غير أن المحفوظ في الرواية الأول -: قاله الحافظ أبو موسى المديني. وقال أبو الفرج ابن الجوزي في " كشف المشكل": في إعراب الأهل

стр. 1910

والمال، قولان: أحدهما: نصبهما، وهو الذي سمعناه وضبطناه على أشياخنا في كتاب أبي عبيد وغيره، ويكون المعنى: فكأنما وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب. والثاني: رفعهما على من لم يسم فاعله، والمعنى: نقصنا. وكأنه يشير إلى أن النصب والرفع يبنى على الاختلاف في معنى " وتر": هل هو بمعنى: سلب، أو بمعنى: نقص؟ والله اعلم. وفي الحديث: دليل على تعظيم قدر صلاة العصر عند الله وموقعها من الدين، وأن الذي تفوته قد فجع بدينه وبما ذهب منه، كما يفجع من ذهب أهله وماله. وهذا مما يستدل به على أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها خصوصاً بعد الأمر بالمحافظة على الصلوات عموماً. وقد زعم بعض العلماء: أن هذا لا يختص بفوات العصر، وأن سائر الصلوات فواتها كفوات العصر في ذلك، وأن تخصيص العصر بالذكر إنما كان بسؤال سائل سأل عنه فأجيب، ورجحه ابن عبد البر، وفيه نظر. وقد يستدل له بما خرجه الإمام أحمد وغيره من حديث عمرو بن

стр. 1911

شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: " من ترك الصلاة سكراً مرةً واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها، فسلبها". واستدل من قال: إن جميع الصلوات كصلاة العصر في ذلك بما روى ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن نوفل بن معاوية الديلي، قال: قال رسول الله ﷺ : " من فاتته الصلاة فكأنما وتر اهله وماله". قال: وهذا يعم جميع الصلوات، فإن الاسم المعرف بالألف واللام كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وهذا ليس بمتعين؛ لجواز أن يكون الألف واللام هنا للعهد، كما في قوله تعالى ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة:١٠٦] على تأويل من فسرها بصلاة العصر. وحديث نوفل بن معاوية قد اختلف في إسناده ومتنه، وقد خرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين" في ضمن حديث آخر تبعا لغيره مخرجاً من حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، عن

стр. 1912

ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : " ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم" - الحديث. وعن الزهري: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، عن نوفل بن معاوية، مثل حديث أبي هريرة، إلا أن أبا بكر يزيد: " من الصلاة صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله". كذا خرجه البخاري في " علامات النبوة" من " صحيحه"، وخرجه مسلم في " كتاب الفتن". وكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري بهذا الإسناد لحديث نوفل. ورواه ابن أبي ذئب، عن الزهري، فأسقط من إسناده: عبد الرحمن بن مطيع. وكذلك روي عن معن، عن مالك، عن الزهري. قال النسائي: أخاف أن لا يكون محفوظاً، عن مالك، ولعله: معن، عن ابن أبي ذئب. وقد روي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن نوفل، وهو وهم على ابن أبي ذئب.

стр. 1913

وأماالاختلاف في متن الحديث، فقد روي عن [ابن] أبي ذئب أنه قال في الحديث: " من فاتته الصلاة" كما تقدم، وروي عنه أنه قال في حديثه: " من فاتته صلاة" وروي عنه في حديثه: " من فاتته صلاة العصر". وفي رواية له: " من فاتته الصلاة " وفي آخر الحديث - قلت لأبي بكر: ما هذه الصلاة؟ قال: هي العصر؛ سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "من فاتته صلاة العصر" - الحديث. وفي رواية: قال ابو بكر: لا أدري. وقد خرجه الإمام أحمد بالوجهين، وهذه الرواية إن كانت محفوظة فإنها تدل على أن الزهري سمعه من أبي بكر بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، كما سمعه من سالم، عن أبيه. وقد أشار الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله إلى أن الصحيح حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه كما سبق. ويدل على صحة ما ذكره: أن البيهقي خرج حديث ابن أبي ذئب، ولفظه: " من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله"، وزاد: قال ابن شهاب: فقلت: يا أبا بكر، أتدري أنت [أية] صلاة هي؟ قال ابن شهاب: بلغني أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله". قال: ورواه أبو داود الطيالسي، عن ابن أبي ذئب، وقال في آخره: قال الزهري: فذكرت ذلك لسالم، فقال: حدثني أبي، أن رسول الله ﷺ قال: " من ترك صلاة العصر".

стр. 1914

وأمارواية صالح بن كيسان، عن الزهري المخرجة في " الصحيحين"، فقد سبق لفظها، وهو: " إن في الصلاة صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله". ولحديث نوفل طريق آخر: من رواية جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن نوفل بن معاوية، أنه حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " من فاتته صلاةٌ فكأنما وتر أهله وماله". قال عراك: فأخبرني عبد الله بن عمر انه سمع رسول الله ﷺ يقول: " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر اهله وماله". خرجه النسائي. وخرجه - أيضا - من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك، أنه بلغه ان نوفل بن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : " من الصلاة، صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله"؛ قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هي صلاة العصر". وخرجه - أيضا - من طريق ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عراك، قال: سمعت نوفل بن معاوية يقول: صلاةٌ، من فاتته فكأنما وتر أهله وماله؛ قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : " هي صلاة العصر". ففي رواية ابن إسحاق وجعفر بن ربيعة، ان عراكا سمعه من نوفل، وفي حديث الليث ان عركا بلغه عن نوفل.

стр. 1915

قال ابو بكر الخطيب: الحكم يوجب القضاء في هذا الحديث لجعفر بن ربيعة بثبوت اتصاله للحديث؛ لثقته وحفظه. قال: ورواية الليث ليست تكذيباً؛ لأنه يجوز أن يكون عراك بلغه الحديث عن نوفل ثم سمعه منه، فرواه على الوجهين جميعاً. انتهى. وخرج الطحاوي حديث ابن إسحاق بزيادة حسنة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، قال: سمعت نوفل بن معاوية وهو جالس مع عبد الله بن عمر بسوق المدينة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله" فقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : " هي العصر". وهذه الرواية إن كانت محفوظة دلت على سماع عراك للحديث من نوفل وابن عمر. وقال البيهقي: الحديث محفوظ عنهما جميعاً؛ رواه عراك عنهما، أمابلاغاً او سماعاً. وهذا يدل على توقفه في سماع عراك له منهما.

стр. 1916

١٥ - باب من ترك العصر

стр. 1917

٥٥٣ - حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا هشام: أبنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بصلاة العصر؛ فإن النبي ﷺ قال: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله". قد سبق القول مبسوطا في حبوط العمل بترك بعض الفرائض وارتكاب بعض المحارم في " كتاب الايمان"، وبينا أن أكثر السلف والأمة على القول بذلك، وإمرار الاحاديث الواردة فيه على ما جاءت من غير تعسف في تأويلاتها، وبينا أن العمل إذا أطلق لم يدخل فيه الايمان وإنما يراد به أعمال الجوارح، وبهذا فارق قول السلف قول الخوارج؛ فإنهم أحبطوا بالكبيرة الإيمان [والعمل] ، وخلدوا بها في النار، وهذا قول باطل. وأماالمتأخرون فلم يوافقوا السلف على ما قالوه، فاضطربوا في تأويل هذا الحديث وما أشبهه، وأتوا بأنواع من التكلف والتعسف. فمنهم من قال: ترك صلاة العصر يحبط عمل ذلك اليوم. ومنهم من قال: إنما يحبط العمل الذي هو تلك الصلاة التي تركها

стр. 1918

فيفوته أجرها، وهذا هو الذي ذكره ابن عبد البر. وهو من أضعف الاقوال، وليس في الإخبار به فائدة: ومنهم من حمل هذا الحديث على ان من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فإنه يصير بذلك كافراً مرتداً، كما يقول ذلك من يقوله ممن يرى أن ترك الصلاة كفر. وهذا يسقط فائدة تخصيص العصر بالذكر، فإن سائر الصلوات عنده كذلك. وقد روي تقييد تركها بالتعمد: فروى عباد بن راشد، عن الحسن وأبي قلابة؛ أنهما كانا جالسين، فقال أبو قلابة: قال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ : " من ترك صلاة العصر متعمداً حتى تفوته فقد حبط عمله". خرجه الإمام أحمد. وأبو قلابة لم يسمع من أبي الدرداء. ورواه أبان بن أبي عياش - وهو متروك -، عن أبي قلابة، عن أم الدرداء، عن النبي ﷺ . وروى راشد أبو محمد، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني خليلي ﷺ : " لا تترك صلاةً مكتوبةً متعمداً، فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة". خرجه ابن ماجة. وخرجه البزار، ولفظه: " فقد كفر".

стр. 1919

وهذا مما استدل به على كفر تارك الصلاة المكتوبة متعمداً؛ فإنه لم يفرق بين صلاةٍ وصلاة. وروى إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن معاذ بن جبل، قال: أوصاني خليلي ﷺ فذكره بنحوه، وقال: " فقد برئت منه ذمة الله ". خرجه الإمام أحمد. ورواه - أيضا - عمرو بن واقد - وهو ضعيف -، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن معاذ. خرجه الطبراني ومحمد بن نصر المروزي. وخرجه المروزي - أيضا - من طريق سيار بن عبد الرحمن، عن يزيد بن قوذر، عن سلمة بن شريح، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ بنحوه، وقال: " فمن تركها متعمداً فقد خرج من الملة". وقال البخاري في " تاريخه": لا يعرف إسناده.

стр. 1920

وروى مكحول عن أم أيمن، أن النبي ﷺ قال: " لا تتركي الصلاة متعمداً؛ فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمةُ الله ورسوله". خرجه الإمام أحمد. وهو منقطع؛ مكحول لم يلق أم أيمن. ورواه غير واحد؛ عن مكحول، عن النبي ﷺ مرسلاً. ورواه عبد الرزاق، عن محمد بن راشد، عن مكحول، عن رجل، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ . قال عبد الرزاق: وأبنا شيخ من أهل الشام، عن مكحول، قال: ومن برئت منه ذمة الله فقد كفر. ورواه أبو فروة الرهاوي - وفيه ضعف -، عن أبي يحيى الكلاعي، عن جبير بن نفير، عن أميمة مولاة النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ بمعناه. خرجه محمد بن نصر المروزي. وذكر عن محمد بن يحيى الذهلي،

стр. 1921

أنه قال: هذه هي أم أيمن، فقال أبو فروة: أميمة - يعني: أنه أخطأ في تسميتها. فأسانيد هذا الحديث كلها غير قوية. وأماحديث بريدة، فصحيح، وقد رواه عن يحيى بن أبي كثير: هشام الدستوائي والأوزاعي، فأماهشام فرواه كما خرجه البخاري من طريقه، وأماالأوزاعي فخالفه في إسناده ومتنه. أماإسناده: فقيل فيه: عن الأوزاعي: حدثني يحيى، وثني أبو قلابة: حدثني أبو المهاجر، عن بريدة. وخرجه من هذا الوجه الإمام أحمد وابن ماجة. وقال الإمام أحمد في رواية مهنا: هو خطأ من الأوزاعي، والصحيح حديث هشام الدستوائي. وذكر – أيضا - أن أبا المهاجر لا أصل له، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأ، وذكره في هذا الإسناد من أصله خطأ، فإنه ليس من روايته، إنما هو من رواية أبي المليح،

стр. 1922

وكذا قاله الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله. وقيل: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي الميح، كما رواه هشام، عن يحيى. وخرجه من هذا الوجه الاسماعيلي في " صحيحه". وقيل: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن ابن بريدة. وقيل: عن الثوري، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن بريدة، بغير واسطة بينهما. وهذا كله مما يدل على اضطراب الأوزاعي فيه، وعدم ضبطه. وأمامتنه، فقال الأوزاعي فيه: إن بريدة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فقال: " بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله". كذلك خرجه الإمام أحمد وابن ماجة والإسماعيلي وغيرهم. فخالف هشأمافي ذلك؛ فإن هشأماقال في روايته: إن أبا المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم، فقال: بكروا بصلاة العصر؛ فإن رسول الله ﷺ قال: " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله". فلم يرفع منه غير هذا القدر، وجعل الذين كانوا معه في الغزوة في يوم الغيم، والذي أمر بالتكبير بصلاة العصر هو بريدة، وهو الصحيح.

стр. 1923

واللفظ الذي رواه الأوزاعي لو كان محفوظاً لكان دليلاً على تأخير العصر في غير يوم الغيم، ولكنه وهم. وقد خرج البخاري حديث بريدة فيما بعد وبوب عليه: " باب: التبكير بالصلاة في يوم غيم "، ثم خرج فيه حديث بريدة، عن معاذ بن فضالة، عن هشام، فذكره كما خرجه هاهنا، غير أنه لم يذكر: " في غزوة"، وقال فيه: عن بريدة: " بكروا بالصلاة"، ولم يقل: " صلاة العصر". قال الإسماعيلي: جعل الترجمة لقول بريدة، لا لما رواه عن النبي ﷺ ، وكان حق هذه الترجمة أن يكون الحديث المقرون بها ما فيه عن النبي ﷺ الامر بتعجيل العصر في اليوم الغيم. ثم ذكر حديث الأوزاعي بإسناده ولفظه، ثم قال: فإن كان هذا الإسناد لا يصح عنده كان ترك هذه الترجمة أولى. وإنما أراد البخاري قول بريدة في يوم غيم: " بكروا بالصلاة"، ولهذا ساق الرواية التي فيها ذكر الصلاة، ولم يسقه كما ساقه في هذا الباب بتخصيص صلاة العصر، يشير إلى أنه يستحب في الغيم التبكير بالصلوات والقول بالتبكير لجميع الصلوات في يوم الغيم مما لا يعرف به قائل من العلماء، ولم يرد بريدة ذلك إنما أراد صلاة العصر خاصة، ولا يقتضي القياس ذلك، فإن التبكير بالصلوات في الغيم مطلقا يخشى منه وقوع الصلاة قبل الوقت، وهو محذور، والأفضل أن لا يصلي

стр. 1924

الصلاة حتى يتيقن دخول وقتها. فإن غلب على ظنه، فهل يجوز له الصلاة حينئذ، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه جائز، وهو قول الثوري والشافعي وأكثر أصحابنا. والثاني: لا يجوز حتى يتيقن، وهو وجه لأصحابنا وأصحاب الشافعي. واستدل الأولون: بأن جماعة من الصحابة صلوا ثم تبين لهم أنهم صلوا قبل الوقت، فأعادوا، منهم: ابن عمر وأبو موسى، وهذا يدل على أنهم صلوا عن اجتهاد، وغلب على ظنهم دخول الوقت من غير يقين. وقال الحسن: شكوا في طلوع الفجر في عهد ابن عباس، فأمر مؤذنه فأقام الصلاة. خرجه ابن أبي شيبة. وقال ابو داود: " باب: المسافر يصلي ويشك في الوقت"، ثم خرج من حديث المسحاج بن موسى، أن أنسا حدثه، قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في السفر، فقلنا: زالت الشمس، أو لم تزل، صلى الظهر ثم ارتحل. والمنصوص عن أحمد: أنه لا يصلي الظهر حتى يتيقن الزوال في حضر ولا سفر، وكذا قال إسحاق في الظهر والمغرب والصبح؛ لأن هذه الصلوات لا تجمع إلى ما قبلها. ولكن وقع في كلام مالك

стр. 1925

وأحمد وغيرهما من الأئمة تسمية الظن الغالب يقينا، ولعل هذا منه. والله اعلم. وقد اختلف العلماء في الصلاة في يوم الغيم: فقال الشافعي: ويحتاط ويتوخى أن يصلي بعد الوقت أو يحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف خروج الوقت. وقال إسحاق نحوه. ولا يستحب عند الشافعي التاخير في الغيم مع تحقق دخول الوقت، إلا في حال يستحب التاخير في الصحو كشدة الحر ونحوه. وحكى بعض أصحابنا مثل ذلك عن الخرقي، وحكاه – أيضا - رواية عن أحمد. وعن أبي حنيفة رواية باستحباب تاخير الصلوات كلها مع الغيم. وقالت طائفة: يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء مع الغيم، وهو قول أبي حنيفة والثوري وأحمد، وحكي - أيضا - عن الحسن والأوزاعي، ونقله ابن منصور عن إسحاق. وقال النخعي: كانوا يؤخرون الظهر ويعجلون العصر، ويؤخر المغرب في يوم الغيم. قال ابن المنذر: روينا عن عمر، أنه قال: إذا كان يوم الغيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر. قال أصحابنا: يستحب ذلك مع تحقق دخول الوقت. واختلفوا في

стр. 1926

تعليل ذلك: فمنهم من علل بالاحتياط لدخول الوقت، ولو كان الأمر كذلك لاستوت الصلوات كلها في التأخير. ومنهم من علل بأن يوم الغيم يخشى فيه وقوع المطر، ويكون فيه ريح وبرد غالبا، فيشق الخروج إلى الصلاتين المجموعتين في وقتين، فإذا أخر الأولى وقدم الثانية خرج لهما خروجاً واحداً، فكان ذلك أرفق به، وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه. واختلفوا: هل يختص ذلك بمن يصلي جماعة، أو تعم الرخصة من يصلي وحده؟ وفيه وجهان: ومن المتأخرين من قال: المعنى في تأخير الأولى من المجموعتين في يوم الغيم وتعجيل الثانية: أن تعجيل الأولى منهما عن الوقت غير جائز، وتعجيل الثانية جائز في حال الجمع، والجمع يجوز عند أحمد للأعذار، والاشتباه في الوقت نوع عذر؛ فلهذا استحب تأخير الأولى حتى يتيقن دخول الوقت دون الثانية، فهذا احتياط للوقت لكن مع وقع الصلاة في الوقت المشترك فكان اولى. وقد نص أحمد على ان المسافر حال اشتباه الوقت عليه في الصحو – أيضا - يؤخر الظهر ويعجل العصر؛ لهذا المعنى، وهو يدل على ان التفريق بين المجموعتين في وقت الأولى لا يضر وأن نية الجمع لا تشترط، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في أول " أبواب المواقيت". ويدل – أيضا - على أنه يجوز تعجيل الثانية من المجموعتين، وإن لم يتيقن دخول وقتها،

стр. 1927

ويستحب تأخير الاولى منهما حتى يتيقن دخول وقتها في السفر والغيم، وهذا أشبه بكلام الإمام أحمد. ومن أصحابنا من استحب تأخير الظهر وتعجيل العصر في الغيم دون المغرب لما في تأخيرها من الكراهة؛ فإن وقتها مضيق عند كثيرٍ من العلماء، والمنصوص عن أحمد خلافه. وروي عن ابن مسعود، قال: إذا كان يوم الغيم فعجلوا الظهر والعصر، وأخروا المغرب والإفطار. وعن عبد العزيز بن رفيع، قال: عجلوا صلاة العصر؛ فإنه بلغنا ان رسول الله ﷺ قال: " عجلوا الصلاة" –يعني: صلاة في اليوم الغيم. وفي رواية، قال: قال رسول الله ﷺ : " عجلوا الصلاة في يوم غيم، وأخروا المغرب". وكان الربيع بن خثيم إذا كان يوم غيم قال لمؤذنه: أغسق، أغسق - يعني: أخر حتى يظلم الوقت. وروي استحباب التبكير بالصلاة في اليوم الغيم من وجوه: فخرج محمد بن نصر المروزي في " كتاب الصلاة" بإسناد فيه ضعف عن أبي سعيد الخدري - مرفوعاً -، قال: " أربع من كن فيه بلغ حقيقة الإيمان" -

стр. 1928

فذكر منها -: " ابتدار الصلاة في اليوم الدجن". وخرج ابن وهب في " مسنده" بإسناد ضعيف - أيضا -، عن أبي الدرداء - مرفوعاً -، قال: " تعجيل الصلاة في اليوم الدجن من حقيقة الإيمان". وروى ابن سعد في " طبقاته" بإسناده، أن عمر بن الخطاب ﵁ وصى ابنه عند موته بخصال الإيمان، وعد منها: تعجيل الصلاة في يوم الغيم. وقال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير: ست من كن فيه فقد استكمل الإيمان، فذكر منها: التبكير بالصلاة في اليوم الغيم.

стр. 1929

١٦ - باب فضل صلاة العصر فيه حديثان: أحدهما: قال:

стр. 1930

٥٥٤ - حدثنا الحميدي: ثنا مروان بن معاوية: ثنا إسماعيل، عن قيس، عن جرير بن عبد الله، قال: كنا عند النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا". ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] . قال إسماعيل: افعلوا لا تفوتنكم. هذا الحديث نص في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، ومفهوم قوله في حق الكفار: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] . قال الشافعي وغيره: لما حجب أعداءه في السخظ دل على أن أولياءه يرونه في الرضا.
следующие страницы →