← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

٥٩٥ - حدثنا عمران بن ميسرة: ثنا محمد بن فضيل: ثنا حصين، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: سرنا مع النبي ﷺ ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله. قال: (أخاف أن تناوموا عن الصلاة) . قال بلال: [إني] اوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه، فنام، فاستيقظ رسول الله ﷺ وقد طلع حاجب الشمس، فقال: (يا بلال، أين ما قلت؟) قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط. قال: (إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال، قم فأذن بالناس بالصلاة) ، فتوضأ، فلما ارتفعت الشمس وأبياضت قام فصلى.

стр. 2207

(التعريس) : النزول للنوم. وقيل: يختص بآخر الليل، وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه. وفي الحديث: دليل على أن من نام قرب وقت الصلاة وخشي من أن يستغرق نومه الوقت حتى تفوته الصلاة، فوكل من يوقظه، أنه يجوز له أن ينام حينئذ، وقد ذكرنا ذلك في (باب: النوم قبل العشاء) . وقد كان النبي ﷺ إذا نام قرب طلوع الفجر ينام على حالة لا يستثقل معها في نومه، لتكون أقرب إلى استيقاظه. وقد روى الإمام أحمد حديث أبي قتادة هذا بسياق مطول، وفيه: وكان النبي ﷺ إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه، وإذا عرس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى، وأقام ساعده. وقد خرجه مسلم من طريق الإمام أحمد بدون هذه الزيادة. وظن جماعة، أنها في سياق حديث مسلم، فعزوها إليه، ومنهم: الحميدي وأبو مسعود الدمشقي، حتى إنه عزاها بانفرادها إلى مسلم، ولعلهم وجدوها في بعض نسخ (الصحيح) . والله أعلم. وقوله: (إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء) يدل على أن النائم تقبض روحه. وهذا مطابق لقول الله ? ﴿اللَّهُ

стр. 2208

يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . فدلت الآية على أن النوم وفاة، ودل الحديث على أن النوم قبض، ودلاً على أن النفس المتوفاة هي الروح المقبوضة. وفي حديث أبي جحيفة، عن النبي ﷺ في نومهم عن الصلاة، أنه قال لهم: (إنكم كنتم أمواتاً، فرد الله إليكم أرواحكم) . خرجه أبو يعلي الموصلي والأثرم وغيرهما. ويشهد لهذا: قول النبي ﷺ عند استيقاظه من منامه: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) . وفي حديث أنس، عن النبي ﷺ ، في قصة نومهم عن الصلاة، أن النبي ﷺ قال: (إن هذه الأرواح جارية في أجساد العباد، فيقبضها إذا شاء، ويرسلها إذا شاء) . خرجه البزار. وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال لما استيقظوا: (أي بلال) ، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ – بأبي [أنت] وأمي يا رسول الله – بنفسك. وفيه: دليل لمن لا يفرق بين الروح والنفس؛ فإنه أقر بلالاً على قوله: إن الله أخذ بأنفسهم، مع قوله: (إن الله قبض أرواحنا) .

стр. 2209

وقد قيل: إن ذاتهما واحدة وصفاتهما مختلفة، فإذا اتصفت النفس بمحبة الطاعة والانقياد لها نهى روح، وإن اتصفت بالميل إلى الهوى المضر والانقياد لها فهي نفس. وقد تسمى في الحالة الأولى نفساً – أيضا -، أمامع قيد، كقوله تعالى: ? ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ، وقوله ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] ، وأمامع الاطلاق، كقول النبي ﷺ في يمينه: (والذي نفسي بيده) . وفي الآية والحديث: دليل على أن قبض الأرواح من الأبدان لا يشترط له مفارقتها للبدن بالكلية، بل قد تقبض ويبقى لها به منه نوع اتصال كالنائم. ويستدل بذلك على أن اتصال الأرواح بالأجساد بعد الموت لإدراك البدن النعيم والعذاب، أو للسؤال عند نزول القبر لا يسمى حياة تامة، ولا مفارقتها للجسد بعد ذلك موتاً تاماً، وإلا لكان الميت يحيى ويموت في البرزخ مراراً كثيرة. وهذا يرد قول من أنكر إعادة الروح إلى الجسد عند السؤال والنعيم أو العذاب. وبسط القول في هذا يتسع، وقد ذكر في موضع آخر. وقد بين النبي ﷺ حكم الله في قضائه عليهم بالنوم عن الصلاة: وفي حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ في قصة نومهم عن الصلاة، أن النبي ﷺ قال: (إن الله لو شاء أن لا تناموا عنها لم تناموا، [ولكن] أراد أن يكون لمن بعدكم، فهذا لمن نام أو نسي) . خرجه الإمام أحمد.

стр. 2210

وخرج – أيضا - بإسناده، عن ابن عباس، أنه قال عقب روايته لهذا الحديث: ما يسرني به الدنيا وما فيها – يعني: للرخصة. وفي إسناده مقال. وقد روي عن مسروق مرسلاً، وأن هذا الكلام في آخره من قول مسروق، وهو أصح -: قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان. ويشبه هذا الحديث: [ما] ذكره مالك في (الموطأ) ، أنه بلغه، أن النبي ﷺ قال: (إنما أنسى لأسن) . وقد قيل: إن هذا لم يعرف له إسناد بالكلية. ولكن في (تاريخ المفضل بن غسان الغلأبي) : حدثنا سعيد بن عامر، قال: سمعت عبد الله بن المبارك قال: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : (إنما أنسى – أو أسهو – لأسن) . وقوله ﷺ : (يا بلال، قم فأذن للناس بالصلاة) دليل على أن الصلاة الفائتة يؤذن لها بعد وقتها عند فعلها، وهو مقصود البخاري بهذا. وقد خرج البخاري في (أبواب التميم) حديث النوم عن الصلاة من حديث عمران بن حصين، بسياق مطول، وفيه: أن النبي ﷺ لما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، فقال: (لا ضير – أو لا يضير -، ارتحلوا) ، فارتحلوا، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء، فتوضأ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس.

стр. 2211

وقد خرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله ابن رباح، عن أبي قتادة، بسياق مطول، وفيه: فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره. قال: فقمنا فزعين، ثم قال: (اركبوا) ، فركبنا، فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة، فتوضأ وضوءاً دون وضوء، ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم – وذكر بقية الحديث – وفي آخره -: أن عمران بن حصين صدق عبد الله بن رباح، لما سمعه يحدث به عن أبي قتادة. وخرجه الإمام أحمد من حديث قتادة، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، وقال في حديثه: وأمر بلالاً فأذن، فصلى ركعتين، ثم تحول من مكانه، فأمره فأقام الصلاة، فصلى صلاة الصبح. وخرج مسلم – أيضا – من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - فذكر هذه القصة، وقال في آخر الحديث: فقال رسول الله ﷺ : (اقتادوا) ، فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ثم توضأ رسول الله ﷺ ، وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح.

стр. 2212

وقد اختلف علي الزهري في وصله بذكر أبي هريرة، وإرساله عن سعيد بن المسيب. وصحح أبو زرعة ومسلم وصله، وصحح الترمذي والدارقطني إرساله. وذكر الاختلاف في ذلك أبو داود، وخرجه من طريق معمر موصولاً، وذكر في حديثه، قال: فأمر بلالاً فأذن، وأقام وصلى. وذكر أبو داود: أن مالكاً وابن عيينة والأوزاعي وغيرهم لم يذكروا في حديثهم: الأذان. وخرجه مسلم من حديث أبي حازم، عن أبي هريرة، وفيه: أن النبي ﷺ توضأ ثم صلى سجدتين، وأقيمت الصلاة فصلى الغداة. وقد خرجه النسائي من حديث عطاء بن السائب، عن بريد بن أبي مريم، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر – فذكر الحديث، وقال في آخره: فأمر النبي ﷺ المؤذن فأذن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أمره فأقام، فصلى بالناس. وخرج الإمام أحمد وأبو داود ذكر الأذان والإقامة وصلاة ركعتي الفجر بينهما في هذه القصة، من حديث الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ . والحسن، لم يسمع من عمران عند الأكثرين. خرجه الإمام أحمد وأبو داود – أيضا - كذلك من حديث

стр. 2213

عمرو بن أمية الضمري. ومن حديث ذي مخبر الحبشي، عن النبي ﷺ . وخرج الإمام أحمد ذكر الأذان والإقامة من حديث إبن مسعود – أيضا – في هذه القصة. وقد اختلف العلماء فيمن فاتته صلاة وقضاها بعد وقتها: هل يشرع له أن يؤذن لها ويقيم، أم يقيم ولا يؤذن؟ وفي ذلك أقوال: أحدها: أنه يؤذن ويقيم، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في أحد أقواله، وأحمد في ظاهر مذهبه، وأبي ثور وداود. والثاني: يقيم ولا يؤذن، وهو قول الحسن والأوزاعي ومالك، والشافعي في قول له، وحكي رواية عن أحمد. لأن الأذان للإعلام بالوقت وقد فات، والإقامة للدخول في الصلاة وهو موجود. والثالث: إن أمل اجتماع الناس بالأذان، وإلا فلا، وهو قول للشافعي. لأن الأذان إنما يشرع لجمع الناس. والرابع: إن كانوا جماعة أذن وأقام، كما فعل النبي ﷺ ، وإن فاته وحده أقام ولم يؤذن، وهو قول إسحاق. والخامس: إن كان في سفر أذن وأقام، وإن كان في حضر أجزأته

стр. 2214

الإقامة -: نقله حرب، عن أحمد. ومأخذ الاختلاف بين العلماء: هل الأذان حق للوقت، أو حق لأقامة الصلاة المفروضة، أم حق للجماعة – وعلى هذا؛ فهو يشرع للجماعة بكل حال -، أم إذا كانوا متفرقين وكان الأذان يجمعهم؟ وعلى رواية حرب عن أحمد، فيكتفي بأذان أهل المصر عن الأذان للفائتة. قال أصحابنا والشافعية: ويشرع للفائتة رفع الصوت بالأذان، إلا أن يكون في مصر ويخشى التلبيس على الناس، فيسر به، وإنما كان أذان بلال في فلاة، ولم يكن معهم غيرهم. وقوله في حديث أبي قتادة الذي خرجه البخاري: (فاستيقظ وقد طلع حاجب الشمس) – إلى قوله -: (فلما ارتفعت الشمس وأبياضت قام فصلى) . وهذا قد يوهم أنه أخر الصلاة قصدا حتى زال وقت النهي. وقد خرجه البخاري في آخر (صحيحه) بلفظ آخر، وهو: (فقضوا حوائجهم وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس وأبيضت، فقام فصلى) . وهذا يشعر بأنه لم يكن التأخير قصداً، بل وقع اتفاقاً حتى كمل الناس قضاء حوائجهم – وهو كناية عن التخلي – ووضوئهم. وفي رواية مسلم لحديث أبي قتادة، أنه ﷺ سار حتى ارتفعت الشمس، ثم نزل فصلى. وخرج النسائي من حديث حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو

стр. 2215

بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: أدلج رسول الله ﷺ ثم عرس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس – أو بعضها -، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس، فصلى، وهي صلاة الوسطى. حبيب هذا، خرج له مسلم. وقال أحمد: لا أعلم به بأساً. وقال يحيى القطان: لم يكن في الحديث بذاك. وقد اختلف الناس في قضاء الفوائت في أوقات النهي عن الصلاة الضيقة والمتسعة: فقالت طائفة: لا يقضي الصلاة في وقت نهي ضيق خاصة، وهو وقت الطلوع والغروب والاستواء. هذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن سفيان الثوري. وتعلقوا بظاهر حديث أبي قتادة وابن عباس. ولذلك قالوا: إن من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح فسدت صلاته، كما سبق كذلك. وروي عن ابن عباس وكعب بن عجرة وأبي بكرة ما يدل على مثل ذلك. وحكي عن بعض المتأخرين من أصحابنا، ورواية عن أحمد، أنه لا يقضي الفائتة في وقت نهي. وهذا لا يصح عن أحمد. وجمهور العلماء: على أن الفوائت تقضى في كل وقت، سواء كان وقت نهي أو غيره.

стр. 2216

وروي عن علي وابن عمر وابن عباس وأبي ذر. وهو مذهب النخعي والثوري والأوزاعي والثوري في رواية، ومالك والشافعي وأحمد. وكل هؤلاء رأوا أن النهي عن الصلاة في الأوقات المخصوصة إنما توجه إلى النفل دون الفرض، بدليل أمره ﷺ بذلك من صلى ركعة من الفجر ثم طلعت عليه الشمس أن يصلي معها أخرى، وقد تمت صلاته، وقد سبق ذكره. واستدلوا – أيضا - بعموم قوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا أدركها) . وهذا يعم كل وقت ذكر فيه، سواء كان في أوقات النهي أو غيرها. فإن قيل: فقد عارض ذلك عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي، فإنه لم يخص مفروضة من نافلة. قيل: تحمله على النافلة ونخص الفرض من عمومه؛ بدليل فرض الوقت؛ فإنه يجوز فعله في وقت النهي، كما يصلى العصر في وقت غروب الشمس، وهذا مجمع عليه، وليس فيه خلاف، إلا عن سمرة، وبدليل لمن طلعت عليه الشمس وهو يصلي الفجر أن يتمها؛ ولأن العمومين إذا تعارضا وكان أحدهما موجباً ملزماً، والآخر مانعاً حاظراً، فإنه يقدم الواجب الملزم، فإنه أحوط. ويدل عليه: أن النبي ﷺ لما دعا أبا سعيد بن المعلى وهو يصلي، فلم يجبه حتى سلم، أنكر عليه تأخره للإجابة، وقال

стр. 2217

له: (ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ﴾ ؟ [الأنفال: ٢٤] . وهذا يدل على أن عموم النص الموجب الملزم مقدم على عموم النص الحاظر المانع، وهو النهي عن الكلام في الصلاة. وهذا بخلاف النصوص العامة المبيحة، أو النادبة، فإنها لا تقدم على المانعة الحاظرة؛ ولهذا كان المرجح أنه لا يصلي في أوقات النهي. فأماصلاة الركعتين والإمام يخطب، كما دلت عليه السنة، فإنه لم يعارض نص الأمر للداخل إلى المسجد بالصلاة نص آخر يمنع الصلاة والإمام يخطب. وفي حديث أبي قتادة الذي خرجه مسلم، أنه صنع كما يصنع كل يوم. وهذا يدل على أنه صلى الصبح كما كان يصليها كل يوم من غير زيادة ولا نقص. وفي حديث ذي مخبر الحبشي، أنه قال: فصلى غير عجل. وهذا يرد الحديث المروي عن ابن عمر، أن النبي ﷺ صلى بهم الصبح ذلك اليوم، فقرأ بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:

стр. 2218

١] ، ثم قال: (صليت بكم بثلث القرآن، وربع القرآن) ، وقال: (إذا نسيت صلاة الفجر إلى صلاة العشاء فذكرتها، [فابدأ] ، فإنها كفارتها) .

стр. 2219

خرجه ابن عدي من رواية جعفر بن أبي جعفر الأشجعي، عن أبيه، عن أبن عمر. وجعفر هذا، قال البخاري فيه: منكر الحديث. وروى أبو داود في (المراسيل) : ثنا يوسف بن موسى: ثنا جرير، عن علي بن عمرو الثقفي، قال: لما نام النبي ﷺ عن صلاة الغداة استيقظ، فقال (لنغيظن الشيطان كما أغاظنا) ، فقرأ يومئذ بسورة المائدة في صلاة الفجر. وهذا غريب جداً. وظاهر الأحاديث يدل على أنه جهر في صلاته تلك بالقراءة؛ فإنه صلى كما كان يصلي كل يوم، وقد تقدم في كثير من الروايات أنه صلى ركعتي الفجر، ولم يذكر ذلك في بعض الروايات. وقد اختلف العلماء في قضاء ركعتي الفجر لمن نام عنها حتى تطلع الشمس: فذهب الأكثرون إلى أنها تقضى قبل الصلاة المفروضة، منهم: أبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود، وهو قول أشهب وغيره من أصحاب مالك. وسئل أحمد: هل قال أحد: لا يصلي ركعتي الفجر؟ قال: لا. وقال مالك: لا يركع ركعتي الفجر، ويبدأ بالمفروضة. قال: ولم

стр. 2220

يبلغنا أن النبي ﷺ ركعهما. ومالك إنما قال بحسب ما بلغه من الروايات في هذا الباب، وقد صح عند غيره أنه ﷺ ركعهما. وقد روي في بعض طرق حديث أبي قتادة في هذا الباب زيادة أخرى، وهي: أن النبي ﷺ بدأ بالوتر فقضاه. قال أبو بكر الأثرم: ثنا عبد الحميد بن أبان الواسطي: ثنا خالد بن عمرو، عن شعبة، عن ثابت البناني، عن أنس – وعن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة -، أن النبي ﷺ نام، فلم يستيقظ حتى ارتفعت الشمس، ثم استيقظ فقام، فأوتر، فصلى الركعتين، ثم صلى بأصحابه. وذكر: (أنس) في إسناده ليس بمحفوظ. وخالد بن عمرو، هو: القرشي الأموي الكوفي، ضعيف الحديث جداً. وذكر محمد بن يحيى الهمداني في (صحيحه) ، قال:: روى قتيبة، عن عبد الله بن الحارث، عن ثابت، عن بكر، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ لما أيقظهم حر الشمس أمرهم أن يوتروا. كذا ذكره تعليقاً، ولم يسنده.

стр. 2221

وقد قال الإمام أحمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ قضى شيئاً من التطوع، إلا ركعتي الفجر والركعتين بعد العصر. وهذا يدل على انه لم يثبت عنده قضاء الوتر؛ ولهذا نص في رواية غير واحد من أصحابه على أنه تقضى السنن الرواتب دون الوتر. وروي عنه رواية أخرى، أنه يقضي الوتر. وعلى قوله بقضاء الوتر، فهل يقضى ركعة واحدة، أو ثلاث ركعات؟ على روايتين عنه. مأخذهما: أن الوتر، هل هو الثلاث، أو الركعة الواحدة، وما قبلها تطوع مطلق؟ وفي الأمر بقضاء الوتر بعد طلوع الفجر أحاديث متعددة يطول ذكرها. وممن أمر بقضاء الوتر من النهار: علي وابن عمر، وهو قول الأوزاعي ومالك وأبي ثور. وعن الأوزاعي، قال: يقضيه نهاراً، ولا يقضيه ليلاً بعد العشاء إذا دخل وقت وتر الليل؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة. وعن سعيد بن جبير، قال: يقضيه في الليلة التالية. وقالت طائفة: من فاته الوتر وحده لم يقضه، ومن فاته الوتر مع صلاة الفجر قضاه قبلها. وهذا قول إسحاق -: نقله عنه حرب. ويتخرج رواية عن أحمد مثله؛ لأنه يرى الوتر بعد طلوع الفجر قبل صلاة الغداة. وهل هو قضاء، أو أداء؟ حكي عنه فيه روايتان. والقول بأنه أداء يحكى عن مالك وإسحاق، وهو قول كثير من

стр. 2222

السلف؛ فإنه قد روي في وقت الوتر أنه من بعد صلاة الصبح، فمن لم يصل الصبح فوقت الوتر باقٍ في حقه، ولو طلع الفجر فكذا إذا لم يصل الغداة حتى تطلع الشمس. وروي من حديث ابن مسعود، أن النبي ﷺ صلى الصبح يومئذ وصلى بعدها الضحى. خرجه الهيثم بن كليب في (مسنده) . وقد خرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال لهم بعدما صلى بهم: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها) . ومن حديث خالد بن سمير، [عن عبد الله بن أبي قتادة] ، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال لهم: (فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحاً فليقض معها مثلها) . وقد ذهب إلى هذا سعد بن أبي وقاص وسمرة بن جندب، وأن من نام عن صلاة صلاها إذا ذكرها، وصلاها لمثلها من الغد. وأنكر ذلك

стр. 2223

عمران بن حصين، وأخذ بقوله جمهور العلماء. وقد قيل: إن هذه اللفظة في هذا الحديث وهم -: قاله البخاري والبيهقي وغيرهما. وقيل: معنى قوله: (فليصلها من الغد عند وقتها) ، أنه يصلي صلاة الغد الحاضرة في وقتها لئلا يظن أن وقتها تغير بصلاتها في غير وقتها. ولكن [ … ] خالد بن سمير فهم منه غير هذا، فرواه بما فهمه. وروى الحسن، عن عمران بن حصين، أنهم قالوا: يا رسول الله، ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ قال: (أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم؟) . خرجه الإمام أحمد. وأماما روي من ارتحال النبي ﷺ عن مكان نومه، وأمره بالارتحال، فقد روي التعليل بذلك بأنه منزل حضرهم فيه الشيطان. ففي (صحيح مسلم) من حديث أبي حازم، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال لهم: (ليأخذ كل رجل برأس راحلته؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان) قال: ففعلنا. وخرج أبو داود من رواية معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب،

стр. 2224

عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال لهم: (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة) . وقد استحب الانتقال لمن نام في موضع حتى فاته الوقت عن موضعه ذلك جماعة من العلماء، منهم: الشافعي وأحمد؛ لهذه الأحاديث. وحكى ابن عبد البر عن قوم أنهم أوجبوا ذلك، وعن قوم أنهم أوجبوه في ذلك الوادي الذي نام فيه النبي ﷺ خاصة. وقال قوم: لا يستحب ذلك؛ لأنه لا يطلع على حضور الشيطان في مكان إلا بوحي. وهذا قول محمد بن مسلمة ومطرف، وابن الماجشون من المالكية، وأبي بكر الأثرم. وهو ضعيف؛ فإن كل نوم استغرق وقت الصلاة حتى فات به الوقت فهو من الشيطان؛ فإنه هو الذي ينوم عن قيام الليل، ويقول للنائم: ارقد، عليك نوم طويل، كما أخبر بذلك النبي ﷺ . وقال في الذي نام حتى أصبح: (بال الشيطان في أذنه) . وأماكم الشياطين ينبغي تجنب الصلاة فيها، كالحمام والحش وأعطان الإبل. وأيضا؛ فقوله ﷺ : (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة) يدل على أن كل مكان غفل العبد فيه عن الصلاة حتى فات وقتها ينبغي أن لا يصلي فيه، سواء كان بنوم أو غيره. والله أعلم.

стр. 2225

وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي ﷺ توضأ وركع ركعتين في معرسه، ثم سار ساعة، ثم صلى الصبح. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أي سفر هو؟ قال: لا أدري. وهذا المرسل مما يستدل به على صحة الصلاة في موضع النوم، وأن التباعد عنه على طريق الندب. وروى وكيع، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، وقال: صلى رسول الله ﷺ الركعتين بعدما جاوز الوادي، ثم أمر بلالاً فأذن وأقام، ثم صلى الفريضة. وروي، عن عطاء بن يسار، أنها كانت في غزوة تبوك، وأن رسول الله ﷺ أمر بلالاً فإذن في مضجعه ذلك، ثم مشوا قليلاً، ثم أقام فصلوا. وكذا قال يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: اخبرت أن النبي ﷺ وهو بتبوك أمر بلالاً أن يحرسهم لصلاة الصبح، فرقدوا حتى طلعت الشمس، فتنحى النبي ﷺ عن مكانه ذلك، ثم صلى الصبح. وضعف ابن عبد البر هذا القول؛ فإن في (صحيح مسلم) من حديث ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلاً حتى أدركه الكرى عرس – وذكر الحديث بطوله. كذا في رواية مسلم.

стр. 2226

وخرجه ابن حبان في (صحيحه) بلفظين: هذا أحدهما. والآخر: فيه: غزوة حنين. ثم قال: إن صح ذكر (خيبر) في الخبر، فقد سمعه أبو هريرة عن صحابي آخر فأرسله، وإن كان (حنين) ، فقد شهدها أبو هريرة. قال: والنفس إلى أنها حنين أميل قلت: الصحيح: أن أبا هريرة قدم على النبي ﷺ بخيبر بعد فتحها. وقد خرج البخاري ذلك في (صحيحه) في (المغازي) من حديث أبي هريرة. وخرجه الإمام أحمد بإسناد آخر عن أبي هريرة. وفي (الصحيحين) عن سالم مولى ابن مطيع، قال: سمعت أبا هريرة يقول: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهباً ولا فضة – الحديث. ومن زعم: أن ذكر خيبر وهم، وإنما هو حنين فقد وهم، وسيأتي بسط ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى. وفي (المسند) و (سنن أبي داود) ، عن ابن مسعود، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فقال النبي ﷺ : من (يكلؤنا؟) فقال بلال: أنا – فذكر الحديث بطوله في نومهم وصلاتهم. وعن ذي مخبر الحبشي، أنه هو الذي كلأهم تلك الليلة. وهذا

стр. 2227

يدل على أنها ليلة أخرى غير ليلة بلال. وفي (مسند البزار) ، عن أنس، أنه هو الذي كلأهم تلك الليلة، ولكن إسناد ضعيف. وروي من حديث ابن مسعود، أنه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فقال القوم: عرس بنا. فقال: (من يوقظنا؟) قلت: أنا أحرسكم فأوقظكم، فنمت وناموا – وذكر الحديث. والله أعلم.

стр. 2228

٣٦ - باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت .

стр. 2229

٥٩٦ - ثنا معاذ بن فضالة: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر، أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، فقال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. قال النبي ﷺ : (والله ما صليتها) ، فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها [فصلى العصر] بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. تأخير النبي ﷺ العصر حتى غربت الشمس يوم الخندق لم يكن عن نوم بغير خلاف، وإنما اختلف. وقد أشار البخاري في (أبواب الخوف) إلى أنه كان اشتغالاً بالعدو. ويعضده: حديث علي، أن النبي ﷺ قال: (شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) – الحديث. وسيأتي ذلك مبسوطاً في موضعه – إن شاء الله. وفي حديث جابر، أن النبي ﷺ صلى العصر بعدما غربت الشمس

стр. 2230

ثم صلى بعدها المغرب. ولم يصرح فيه بأنه صلى بهم جماعة، لكن قوله: (فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها) مما يدل على أنه صلاها جماعة. وقد خرجه الإسماعيلي في (صحيحه) ، ولفظه: (فصلى بنا العصر) – وذكر باقيه. وهذا تصريح بالجماعة. [و] في حديث نومهم عن صلاة الفجر، أنه ﷺ صلى الفجر بأصحابه جماعة. وأكثر العلماء على مشروعية الجماعة للفوائت. فمن قال: إن صلاة الجماعة سنة، فهي عنده سنة للحاضرة والفائتة. ومن قال: صلاة الجماعة فرض – كما هو ظاهر مذهب الإمام أحمد -، فاختلف أصحابنا: هل الجماعة واجبة، أو لا؟ على وجهين. وممن قال بأن الجماعة مشروعة للفوائت: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. وحكي عن الليث بن سعد: أن قضاء الفائتة فرادى أفضل. وترده هذه الأحاديث الصحيحة. وفي الحديث: دليل على اتساع وقت المغرب؛ فإن النبي ﷺ وأصحابه قاموا بعد غروب الشمس، فنزلوا إلى بطحان، فتوضئوا، ثم صلوا العصر قبل المغرب، ثم صلوا المغرب، فلو كان وقت المغرب مضيقاً لكان قد وقعت صلاة العصر في وقت المغرب، ولم يكن فرغوا منها حتى فات وقت المغرب، فتكون صلاة المغرب حينئذ مقضية بعد وقتها. ويرجع الكلام في ذلك إلى من كان عليه صلاة فائتة، وقد ضاق وقت الصلاة الحاضرة عن فعل الصلاتين، فأكثر العلماء على أنه يبدأ بالحاضرة فيما بقي من وقتها، ثم يقضي الفائتة بعدها؛ لئلا تصير الصلاتان فائتتين،

стр. 2231

وهو قول الحسن وابن المسيب وربيعة والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق وطائفة من أصحاب مالك. وهؤلاء أوجبوا الترتيب، ثم أسقطوه بخشية فوات الحاضرة. وكذلك قال الشافعي، فإنه لا يوجب الترتيب، إنما يستحبه، فأسقط هاهنا استحبابه وجوازه، وقال: يلزمه أن يبدأ بالحاضرة، ويأثم بتركه. وقالت طائفة: بل يبدأ بالفائتة، ولا يسقط الترتيب بذلك، وهو قول عطاء والنخعي والزهري ومالك والليث والحسن بن حي. وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلال وصاحبه أبو بكر. وأنكر ثبوتها القاضي أبو يعلى، وذكر أن أحمد رجع عنها.

стр. 2232

٣٧ - باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة. يدخل تحت تبويب البخاري ﵀ هاهنا مسألتان: إحداهما. أن من نسي صلاة، ثم ذكرها، فإنه يعيدها مرة واحدة، ولا يعيدها مرة ثانية. وهذا قول جمهور أهل العلم. وروي عن سمرة بن جندب، أنه يعيدها إذا ذكرها، ثم يعيدها من الغد لوقتها. وق سبق عنه في النوم كذلك. وروي مرفوعاً: فخرج أبو داود من حديث أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال لهم لما قضى الصلاة التي نام عنها: (إذا سها أحدكم عن الصلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت) . وخرج الإمام أحمد من طريق حماد، عن بشر بن حرب، قال: سمعت سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من نسي صلاة فليصلها حين

стр. 2233

يذكرها، ومن الغد للوقت) . خرجه الإمام أحمد. وخرجه - أيضا - من طريق همام، عن بشر، عن سمرة، قال: أحسبه مرفوعاً - فذكره. قال أحمد في رواية أبي طالب: هو موقوف. يعني: أن رفعه وهم. وبشر بن حرب، ضعفه غير واحد. وخرجه البزار في (مسنده) من طريق أولاد سمرة، به، أن النبي ﷺ كان يأمرنا إذا نام أحدنا عن الصلاة أو نسيها حتى يذهب حينها التي تصلى فيه أن نصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة. وفي إسناده يوسف السمتي، وهو ضعيف جداً. وفيه: دليل على أنه لا يجب قضاؤها على الفور. المسألة الثانية: إذا نسي صلاةً، ثم ذكرها بعد أن صلى صلوات في مواقيتهن، فإنه يعيد تلك الصلاة المنسية وحدها. وهذا هو معنى ما حكاه عن النخعي. وهذا يبنى على أصل، وهو: أن ترتيب القضاء، هل هو واجب، أم لا؟ وفيه اختلاف، سيذكر في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى. ومذهب الشافعي: أنه مستحب غير واجب، وحكي رواية عن أحمد،

стр. 2234

وجزم بها بعض الأصحاب. ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد - في المشهور عنه -: أنه واجب. ثم اختلفوا: فقال أبو حنيفة ومالك: يجب الترتيب فيما دون ست صلوات، ولا يجب في ست صلوات فصاعداً. وقال أحمد: يجب بكل حال. وحكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه. فمن قال: إنه غير واجب، قال: لا يجب الترتيب بين الصلوات الفوائت في القضاء، ولا بين الفائت والحاضر. ومن قال: إنه واجب، فهل يسقط الترتيب عندهم بنسيان الثانية حتى يصلي صلوات حاضرة، أم لا يسقط بالنسيان؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يسقط بالنسيان، وهو قول النخعي، كما ذكره البخاري عنه، وقول الحسن وحماد والحكم وأبي حنيفة والحسن بن حي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق. والثاني: لا يسقط بالنسيان - أيضا -، فيعيد الفائتة وما صلى بعدها. وحكي رواية عن أحمد، حكاها بعض المتأخرين عنه، والله أعلم بصحتها عنه. وأماملك، فعنده: إن ذكر قبل أن يذهب وقت الحاضرة، وقد بقي منه قدر ركعة فصاعداً أعادهما، وإن بقي دون ذلك، أو كان الوقت قد

стр. 2235

ذهب بالكلية أجزأه. وأماإن صلى الحاضرة، وعليه فائتة، وهو ذاكر لها: فمن اشترط الترتيب أوجب قضاء ما صلاه وهو ذاكر للفائتة. ومن لم يوجب الترتيب، لم يوجب سوى قضاء الفائتة. ويحتمله كلام النخعي الذي حكاه عنه البخاري، ولكن روي عنه صريحاً خلافه. فروى مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا ترك صلاة متعمداً عاد، وعاد كل صلاة صلاها بعدها. فيكون الذي حكاه البخاري عنه محمولاً على حال النسيان، أو يكون عن النخعي روايتان. وكان الإمام أحمد لشدة ورعه واحتياطه في الدين يأخذ في مثل هذه المسائل المختلف فيها بالاحتياط، وإلا فإيجاب سنين عديدة فيها صلاة واحدة فائتة في الذمة لا يكاد يقوم عليه دليل قوي. والذي صح عن ابن عمر في ذلك، إنما هو في صلاة واحدة فائتة ذكرت مع اتساع وقت الحاضرة لهما، فلا يلزم ذلك أن يكون حكم الصلوات إذا كثرت أو تأخر قضاؤها حتى صلى صلوات كثيرة في أوقاتها كذلك. وبهذا فرق أكثر العلماء بين أن تكثر الفوائت أو تقل. ولم ير مالك إلا إعادة الصلاة التي وقتها باق خاصة، فإن إيجاب إعادة صلوات سنين عديدة لأجل صلاة واحدة فيه عسر عظيم، تأباه قواعد الحنيفية السمحة. وقد أخبرني بعض أعيان علماء شيوخنا الحنبليين، أنه رأى النبي ﷺ في منامه، وسأله عما يقوله الشافعي وأحمد في هذه المسائل: أيهما أرجح؟ قال: ففهمت منه ﷺ ، أنه أشار إلى رجحان ما يقوله الشافعي ﵀.

стр. 2236

ومما يدل على صحة ذلك: حديث عمران بن حصين، عن النبي ﷺ ، أنه قال: (لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم) . فهذا يدل على أن من عليه صلاة واحدة لم يأمره الله بأن يصلي زيادة عليها. قال البخاري ﵀:

стр. 2237

٥٩٧ - ثنا أبو نعيم وموسى بن إسماعيل، قالا: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، قال: (من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، [لا كفارة] لها إلا ذلك؛ ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ) . قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: ﴿?وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ . وقال حبان: ثنا همام: ثنا قتادة: ثنا أنس، عن النبي ﷺ نحوه. هذا الحديث قد رواه جماعة عن همام، وجماعة عن قتادة. وقد خرجه مسلم من طريق همام وأبي عوانة وسعيد والمثني، كلهم عن قتادة، عن أنس، وليس في رواية أحد منهم: التصريح بقول قتادة: (ثنا أنس) ، كما ذكر البخاري أن حباناً رواه عن همام. وإنما احتاج إلى ذلك؛ لما عرف من تدليس قتادة. ولفظ رواية سعيد، عن قتادة التي خرجها مسلم: (من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها

стр. 2238

إذا ذكرها) . ولفظ حديث المثني، عن قتادة، عنده: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها) . وقد دل الحديث على وجوب القضاء على النائم إذا استيقظ، والناسي إذا ذكر، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد. وذكر ابن عبد البر أن محمد بن رستم روى عن محمد بن الحسن، أن النائم إذا فاته في نومه أكثر من خمس صلوات لا قضاء عليه، إلحاقاً للنوم الطويل إذا زاد على يوم وليلة بالإغماء، والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده، ويكون الأمر عنده بالقضاء في النوم المعتاد، وهو ما تفوت فيه صلاة أو صلاتان أو دون خمس أو أكثر. وأخذ الجمهور بعموم الحديث. وقوله: (فليصل إذا ذكر) استدل به من يقول بوجوب قضاء الصلوات على الفور؛ وهو قول أبي حنيفة ومالك. وأحمد يوجبه بكل حال، قلت الصلوات أو كثرت. واستدلوا - أيضا -: بقوله: (لا كفارة لها إلا ذلك) . وذهب الشافعي إلى أن القضاء على التراخي، كقضاء صيام رمضان، وليس الصوم كالصلاة عندهم، فإن الصيام لا يجوز تأخيره حتى يدخل نظيره من العام القابل والصلاة عندهم بخلاف ذلك. واستدلوا - أيضا -: بتأخير النبي ﷺ الصلاة حتى خرج من الوادي. وفيه نظر؛ فإن ذلك تأخير يسير لمصلحة تتعلق بالصلاة، وهو التباعد عن موضع يكره الصلاة فيه. وقد روي عن سمرة بن جندب، فيمن عليه

стр. 2239

صلوات فائتة، أنه يصلي مع كل صلاة صلاة. وقد روي عنه - مرفوعاً. خرجه البزار بإسناد ضعيف. ولأصحاب الشافعي فيما إذا كان الفوائت بغير عذر في وجوب القضاء على الفور وجهان. وحمل الخطأبي قوله: (لا كفارة لها إلا ذلك) على وجهين: أحدهما: أن المعنى أنه لا يجوز له تركها إلى بدل، ولا يكفرها غير قضائها. والثاني: أن المعنى أنه لا يلزمه في نسيانها كفارة ولا غرامة. قال: إنما عليه أن يصلي ما فاته. وقد روي عن أبي هريرة - مرفوعاً -: (من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها) . خرجه الطبراني والدارقطني والبيهقي من رواية حفص بن أبي العطاف. واختلف عليه في إسناده إلى أبي هريرة. وحفص هذا، قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال يحيى بن يحيى: كذاب. فلا يلتفت إلى ما تفرد به. وأماتلاوته قوله تعالى: ﴿?وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وقد رواه

стр. 2240

قتادة - مرة -، فقال: ﴿للذِكْرِى﴾ ومرة، قال: ﴿لِذِكْرِي﴾ ، كما هي القراءة المتواترة. وكان الزهري - أيضا - يقرؤها: ﴿للذِكْرِى﴾ . وهذه القراءة أظهر في الدلالة على الفور؟ لأن المعنى: أدَّ الصلاة حين الذكرى، والمعنى: أنه يصلي الصلاة إذا ذكرها. وبذلك فسرها أبو العالية والشعبي والنخعي. وقال مجاهد: ﴿?َأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ : أي تذكرني. قال: فإذا صلى عبد ذكر ربه. ومعنى قوله: أن قوله: ﴿?َأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ - أي: لأجل ذكري بها. والصلاة إنما فرضت ليذكر الله بها، كما في حديث عائشة المرفوع: (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) . خرجه الترمذي وأبو داود. فأوجب الله على خلقه كل يوم وليلة أن يذكروه خمس مرار بالصلاة المكتوبة، فمن ترك شيئاً من ذكر الله الواجب عليه سهواً فليعد إليه إذا ذكره، كما قال تعالى: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ [الكهف: ٢٤] ، فقد أمره إذا نسي ربه أن يذكره بعد ذلك، فمن نسي الصلاة فقد نسي ذكر ربه، فإذا ذكر أنه نسي فليعد إلى ذكر ربه بعد نسيانه. وأماترك الصلاة متعمداً، فذهب أكثر العلماء إلى لزوم القضاء له، ومنهم من يحكيه إجماعاً. واستدل بعضهم بعموم قول النبي ﷺ : (اقضوا الله الذي له، فالله أحق بالقضاء) .

стр. 2241

واستدل بعضهم: بأنه إذا أمر المعذور بالنوم والنسيان بالقضاء، فغير المعذور أولى. وفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن المعذور إنما أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارة له، والعامد ليس القضاء كفارة له؛ فإنه عاص تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق. ولهذا قال الأكثرون: لا كفارة على قاتل العمد، ولا على من حلف يميناً متعمداً فيها الكذب؛ لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا. وأيضا؛ فإذا قيل: إن القضاء إنما يجب بأمر جديد، وهو ألزم لكل من يقول بالمفهوم، فلا دليل على إلزام بالقضاء؛ فإنه ليس لنا أمر جديد يقتضي أمره بالقضاء، كالنائم والناسي. واستدل بعضهم للزوم العامد القضاء: بأن النبي ﷺ أمر المجامع في رمضان عمداً بالقضاء. كما خرجه أبو داود. وهو حديث في إسناده مقال؛ تفرد به من لا يوثق بحفظه وإتقانه. وأيضا؛ فيفرق بين من ترك الصلاة والصيام، ومن دخل فيهما ثم أفسدهما. فالثاني عليه القضاء، كمن أفسد حجه، والأول كمن وجب عليه الحج ولم يحج، وإنما أمره أن يحج بعد ذلك؛ لأن الحج فريضة العمر. ومذهب الظاهرية - أو أكثرهم: أنه لا قضاء على المتعمد. وحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق، وعن ابن بنت الشافعي. وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمداً، أنه لا يجزئه

стр. 2242

قضاؤهما. ذكره في عقيدته في آخر (مسنده) . ووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين، منهم: الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة. قال ابن بطة: أعلم أن للصلاة أوقاتاً، فمن قدمها على وقتها فلا فرض له من عذر وغيره، ومن اخرها عن وقتها مختاراً لذلك من غير عذر، فلا فرض له. فجعل الصلاة بعد الوقت لغير عذر، كالصلاة قبل الوقت، وقال في كل منهما: (إنه ليس بفرض) - يريد: أنها تقع نفلاً في الحالين. وقال البربهاري: الصلوات لا يقبل الله منها شيئاً إلا أن تكون لوقتها، إلا أن يكون نسياناً؛ فإنه معذور، يأتي بها إذا ذكرها، فيجمع بين الصلاتين إن شاء. وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة. وروي عن طائفة من السلف، منهم: الحسن. وحكى الخلاف في ذلك: إسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي. قال محمد بن نصر في (كتاب الصلاة) : إذا ترك الرجل صلاة

стр. 2243

مكتوبة متعمداً حتى ذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك خلافاً، إلا ما روي عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه، وجعل توبته وقضاءها رجوعاً منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية، وأوجب عليه قضاءها. وكان إسحاق يكفر بترك الصلاة، ويرى عليه القضاء إذا تاب، وقال: أخبرني عبد العزيز بن أبي رزمة، عن ابن المبارك، أنه سأله رجل عن رجل ترك صلاة أياماً، ثم ندم؟ قال: ليقض ما ترك من الصلاة. قال: ثم أقبل ابن المبارك علي، فقال: هذا لا يستقيم على الحديث. قال إسحاق: يقول: القياس على الأصل أن لا يقضي، وريما بنى على الأصل، ثم يوجد في ذلك الشيء بعينه خلاف البناء، فمن هاهنا خاف ابن المبارك أن يقيس تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنه قد كفر، فيجعله كالمشرك، ورأى أحكام المرتدين على غير أحكام الكفار، رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميرات المرتد، فأخذنا بالاحتياط، فرأى القضاء على تارك الصلاة عمداً، وكان يكفره إذا تركها عمداً حتى يذهب وقتها. قال إسحاق: وأكثر اهل العلم على إعادة الصلاة إذا تاب من تركها، والاحتياط في ذلك، فأمامن مال إلى ما قال الحسن: إذا ترك

стр. 2244

صلاة متعمداً لا يقضيها، فهو كما قال ابن المبارك: الإعادة لا تستقيم على الحديث، ثم ترك القياس في ذلك، فاحتاط في القضاء. قال إسحاق: ولقد قال بعض أهل العلم: إذا ارتد عن الإسلام، ثم أسلم أعاد كل صلاة تركها في ردته، وحجته: أن ارتداده معصية، ومن كان في معصية لم يجعل له من الرخصة شيء كالباغي وقاطع الطريق. قلت: قد اعترف ابن المبارك وإسحاق بأن القياس أن تارك الصلاة إذا حكمنا بكفره أنه يكون مرتداً، ولا قضاء عليه، وإنما أوجبنا القضاء على المرتد احتياطاً. وفي وجوب القضاء على المرتد لما فاته في مدة الردة قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن أحمد. ومذهب الشافعي وغيره: الوجوب. وهذا الكلام من ابن المبارك وإسحاق يدل على أن من كفر تارك الصلاة عمداً كفره بذلك بمجرد خروج وقت الصلاة عليه، ولم يعتبر أن يستتاب، ولا أن يدعى إليها، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة - أيضا -، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا كالخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى. ثم قال محمد بن نصر: فأماالمروي عن الحسن، فإن إسحاق ثنا، قال: ثنا النضر، عن الاشعث، عن الحسن، قال: إذا ترك الرجل صلاة

стр. 2245

واحدة متعمداً، فإنه لا يقضيها. قال محمد بن نصر: قول الحسن هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمداً، فلذلك لم ير عليه القضاء؛ لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره. والمعنى الثاني: أنه إن لم يكن يكفره بتركها، فإنه ذهب إلى أن الله إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتى به بعد ذلك، فقد أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به، عن المأمور به. قال: وهذا قول غير مستنكر في النظر، لولا أن العلماء قد اجتمعت على خلافه. قال: ومن ذهب إلى هذا، قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها، وفي النائم - أيضا -: إنه لو لم يأتي الخبر عن النبي ﷺ ، أنه قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) ، لما وجب عليه في النظر قضاؤها - أيضا. انتهى ما ذكره ملخصاً. وقد اعترف بأن القياس يقتضي أنه لا يجب القضاء على من تركها متعمداً، فإنه إن كان كافراً بالترك متعمداً، فالقياس أن لا قضاء على الكافر، وإن كان مرتداً. وإن لم يكن كافراً بالترك، فالقياس أنه لا قضاء بعد الوقت؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس فيه أمر جديد، وإنما
следующие страницы →