← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

واستدل بعضهم: بأنه إذا أمر المعذور بالنوم والنسيان بالقضاء، فغير المعذور أولى. وفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن المعذور إنما أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارة له، والعامد ليس القضاء كفارة له؛ فإنه عاص تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق. ولهذا قال الأكثرون: لا كفارة على قاتل العمد، ولا على من حلف يميناً متعمداً فيها الكذب؛ لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا. وأيضا؛ فإذا قيل: إن القضاء إنما يجب بأمر جديد، وهو ألزم لكل من يقول بالمفهوم، فلا دليل على إلزام بالقضاء؛ فإنه ليس لنا أمر جديد يقتضي أمره بالقضاء، كالنائم والناسي. واستدل بعضهم للزوم العامد القضاء: بأن النبي ﷺ أمر المجامع في رمضان عمداً بالقضاء. كما خرجه أبو داود. وهو حديث في إسناده مقال؛ تفرد به من لا يوثق بحفظه وإتقانه. وأيضا؛ فيفرق بين من ترك الصلاة والصيام، ومن دخل فيهما ثم أفسدهما. فالثاني عليه القضاء، كمن أفسد حجه، والأول كمن وجب عليه الحج ولم يحج، وإنما أمره أن يحج بعد ذلك؛ لأن الحج فريضة العمر. ومذهب الظاهرية - أو أكثرهم: أنه لا قضاء على المتعمد. وحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق، وعن ابن بنت الشافعي. وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمداً، أنه لا يجزئه

стр. 2242

قضاؤهما. ذكره في عقيدته في آخر (مسنده) . ووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين، منهم: الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة. قال ابن بطة: أعلم أن للصلاة أوقاتاً، فمن قدمها على وقتها فلا فرض له من عذر وغيره، ومن اخرها عن وقتها مختاراً لذلك من غير عذر، فلا فرض له. فجعل الصلاة بعد الوقت لغير عذر، كالصلاة قبل الوقت، وقال في كل منهما: (إنه ليس بفرض) - يريد: أنها تقع نفلاً في الحالين. وقال البربهاري: الصلوات لا يقبل الله منها شيئاً إلا أن تكون لوقتها، إلا أن يكون نسياناً؛ فإنه معذور، يأتي بها إذا ذكرها، فيجمع بين الصلاتين إن شاء. وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة. وروي عن طائفة من السلف، منهم: الحسن. وحكى الخلاف في ذلك: إسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي. قال محمد بن نصر في (كتاب الصلاة) : إذا ترك الرجل صلاة

стр. 2243

مكتوبة متعمداً حتى ذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك خلافاً، إلا ما روي عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه، وجعل توبته وقضاءها رجوعاً منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية، وأوجب عليه قضاءها. وكان إسحاق يكفر بترك الصلاة، ويرى عليه القضاء إذا تاب، وقال: أخبرني عبد العزيز بن أبي رزمة، عن ابن المبارك، أنه سأله رجل عن رجل ترك صلاة أياماً، ثم ندم؟ قال: ليقض ما ترك من الصلاة. قال: ثم أقبل ابن المبارك علي، فقال: هذا لا يستقيم على الحديث. قال إسحاق: يقول: القياس على الأصل أن لا يقضي، وريما بنى على الأصل، ثم يوجد في ذلك الشيء بعينه خلاف البناء، فمن هاهنا خاف ابن المبارك أن يقيس تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنه قد كفر، فيجعله كالمشرك، ورأى أحكام المرتدين على غير أحكام الكفار، رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميرات المرتد، فأخذنا بالاحتياط، فرأى القضاء على تارك الصلاة عمداً، وكان يكفره إذا تركها عمداً حتى يذهب وقتها. قال إسحاق: وأكثر اهل العلم على إعادة الصلاة إذا تاب من تركها، والاحتياط في ذلك، فأمامن مال إلى ما قال الحسن: إذا ترك

стр. 2244

صلاة متعمداً لا يقضيها، فهو كما قال ابن المبارك: الإعادة لا تستقيم على الحديث، ثم ترك القياس في ذلك، فاحتاط في القضاء. قال إسحاق: ولقد قال بعض أهل العلم: إذا ارتد عن الإسلام، ثم أسلم أعاد كل صلاة تركها في ردته، وحجته: أن ارتداده معصية، ومن كان في معصية لم يجعل له من الرخصة شيء كالباغي وقاطع الطريق. قلت: قد اعترف ابن المبارك وإسحاق بأن القياس أن تارك الصلاة إذا حكمنا بكفره أنه يكون مرتداً، ولا قضاء عليه، وإنما أوجبنا القضاء على المرتد احتياطاً. وفي وجوب القضاء على المرتد لما فاته في مدة الردة قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن أحمد. ومذهب الشافعي وغيره: الوجوب. وهذا الكلام من ابن المبارك وإسحاق يدل على أن من كفر تارك الصلاة عمداً كفره بذلك بمجرد خروج وقت الصلاة عليه، ولم يعتبر أن يستتاب، ولا أن يدعى إليها، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة - أيضا -، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا كالخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى. ثم قال محمد بن نصر: فأماالمروي عن الحسن، فإن إسحاق ثنا، قال: ثنا النضر، عن الاشعث، عن الحسن، قال: إذا ترك الرجل صلاة

стр. 2245

واحدة متعمداً، فإنه لا يقضيها. قال محمد بن نصر: قول الحسن هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمداً، فلذلك لم ير عليه القضاء؛ لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره. والمعنى الثاني: أنه إن لم يكن يكفره بتركها، فإنه ذهب إلى أن الله إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتى به بعد ذلك، فقد أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به، عن المأمور به. قال: وهذا قول غير مستنكر في النظر، لولا أن العلماء قد اجتمعت على خلافه. قال: ومن ذهب إلى هذا، قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها، وفي النائم - أيضا -: إنه لو لم يأتي الخبر عن النبي ﷺ ، أنه قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) ، لما وجب عليه في النظر قضاؤها - أيضا. انتهى ما ذكره ملخصاً. وقد اعترف بأن القياس يقتضي أنه لا يجب القضاء على من تركها متعمداً، فإنه إن كان كافراً بالترك متعمداً، فالقياس أن لا قضاء على الكافر، وإن كان مرتداً. وإن لم يكن كافراً بالترك، فالقياس أنه لا قضاء بعد الوقت؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس فيه أمر جديد، وإنما

стр. 2246

أمر بالقضاء من يكون القضاء كفارة له، وهو المعذور، والعامد لم يأت نص بأن القضاء كفارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنه عاص آثم يحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمني الغموس. وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن، مع عظمته وجلالته، وفضله وسعة علمه، وزهده وورعه؟ ولا يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحاً عن التابعين - أيضا - فيه شيئاً، إلا عن النخعي. وقد وردت آثار كثيرة عن السلف في تارك الصلاة عمداً، أنه لا تقبل منه صلاة، كما روي عن الصديق ﵁، أنه قال لعمر في وصيته له: إن لله حقاً بالليل لا يقبله بالنهار، وحقاً بالنهار لا يقبله بالليل. يشير إلى صلوات الليل والنهار. وفي حديث مرفوع: (ثلاثة لا يقبل لهم صلاة) ، ذكر منهم: (الذي لا يأتي الصلاة إلا دباراً) - يعني: [بعد] فوات الوقت. خرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو - مرفوعاً. وفي إسناده ضعف. ولكن مجرد نفي القبول لا يستلزم عدم وجوب الفعل، كصلاة

стр. 2247

السكران في مدة الأربعين، وصلاة الآبق والمرأة التي زوجها عليها ساخط. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فويل للمصلين … . ساهون﴾ [الماعون: ٤، ٥] ، وفسره الصحابة بإضاعة مواقيتها. وكذا قال ابن مسعود في المحافظة على الصلاة: أي المحافظة على مواقيتها، وأن تركها كفر. ففرقوا بين تركها وبين صلاتها بعد وقتها. وقد أمر النبي ﷺ بالصلاة خلف من أخبر أنه يضيع الصلاة ويصليها لغير وقتها، وهذا يدل على أن صلاتهم صحيحة. وقد سئل عن الأمراء وقتالهم؟ قال: (لا، ما صلوا، وكانت على هذا الوجه) ، فدل على إجزائها. قيل: السهو عن مواقيت الصلاة لا يستلزم تعمد التأخير عن الوقت الحاضر؛ فإنه قد يقع على وجه التهاون بتأخير الصلاة حتى يفوت الوقت - أحياناً - عن غير تعمد لذلك، وقد يكون تأخيرها إلى وقت الكراهة، أو إلى الوقت المشترك الذي يجمع فيه أهل الأعذار عند جمهور العلماء، وغيرهم على رأي طائفة من المدنيين. وهذه الصلاة كلها مجزئة، ولا يكون المصلي لها كالتارك بالإتفاق. وقد سئل سعيد بن جبير، عن قوله: ﴿فويل للمصلين … . ساهون﴾ ؟ فدخل المسجد، فرأى قوماً قد أخروا الصلاة، لا يتمون ركوعاً ولا سجوداً، فقال: الذي سألتني عنهم هم هؤلاء. وهذه الصلاة مثل الصلاة التي سماها النبي ﷺ : (صلاة المنافقين) .

стр. 2248

وهكذا كانت صلاة الأمراء الذين أمر النبي ﷺ بالصلاة خلفهم نافلة، فإنهم كانوا يؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس، وربما أخروا الصلاتين إلى ذلك الوقت، وهو تأخير إلى الوقت المشترك لأهل الأعذار، وكغيرهم عند طائفة من العلماء. فليس حكمهم حكم من ترك الصلاة؛ فإن التارك هو المؤخر عمداً إلى وقت مجمع على أنه غير جائز، كتأخير صلاة الليل إلى النهار، وصلاة النهار إلى الليل عمداً، وتأخير الصبح إلى بعد طلوع الشمس عمداً. وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن نقص الفرائض يجبر من النوافل يوم القيامة. فروى أبو هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته شيئاً قال الرب ﵎: انظروا، هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة؟ ثم يكون سائر عمله على ذلك) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي - وهذا لفظه، وقال: حسن غريب - وابن ماجه. وله طرق عن أبي هريرة، أشهرها: رواية الحسن، وقد اختلفوا عليه في إسناده إلى أبي هريرة: فقيل: عن الحسن، عن

стр. 2249

أنس بن حكيم، عن أبي هريرة. وقيل: عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. وقيل غير ذلك. ورواه حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . خرجه النسائي. وقيل - بهذا الإسناد -: عن يحيى بن يعمر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . خرجه الإمام أحمد. وهذا إسناد جيد. وروي عن أبي هريرة من وجه آخر. وروى حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري، عن النبي ﷺ بمعنى حديث أبي هريرة. خرجه أبو داود وابن ماجه. وزرارة، قال الإمام أحمد: ما أحسبه لقي تميماً.

стр. 2250

وقد روي حديث أبي هريرة وتميم موقوفاً عليهما. وقد خرج الإمام أحمد هذا المعنى عن النبي ﷺ من طريق الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن رجل من بني يربوع، سمع النبي ﷺ يقول ذلك. وخرج - أيضا - من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج: سمعت رجلاً من كندة يقول: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا ينتقص أحدكم من صلاته شيئاً إلا أتمها الله من سبحته) . وخرجه أبو القاسم البغوي بنحو هذا اللفظ من حديث عائذ بن قرط، عن النبي ﷺ . وقد روي هذا المعنى - أيضا -، عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر وابن عباس، وفي إسنادهما ضعف.

стр. 2251

واختلف الناس في معنى تكميل الفرائض من النوافل يوم القيامة: فقالت طائفة: معنى ذلك أن من سها في صلاته عن شيء من فرائضها أو مندوباتها كمل ذلك من نوافله يوم القيامة، وأمامن ترك شيئاً من فرائضها أو سننها عمداً، فإنه لا يكمل له من النوافل؛ لأن نية النفل لا تنوب عن نية الفرض. هذا قول عبد الملك بن حبيب المالكي وغيره. وقالت طائفة: بل الحديث على ظاهره في ترك الفرائض والسنن عمداً وغير عمد. واليه ذهب الحارث المحاسبي وغيره. وهو قول طائفة من أصحابنا وابن عبد البر، إلا أنهم خصوه بغير العامد. وحمله آخرون على العامد وغيره، وهو الأظهر - إن شاء الله تعالى. وقولهم: (نية الفرض لا ينوب عنها نية النفل) إنما هو بالنسبة إلى أحكام تكليف العباد في الدنيا، فأمابالنسبة إلى فضل الله في الآخرة فلا؛ لأن فضله واسع لا حجر عليه، بل هو تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. مع أن في تأدية الفرائض بنية التطوع اختلافاً مشهوراً بين العلماء في الحج والصيام والزكاة، وكذا في الصلاة. وأيضا؛ فقد حكينا فيما سبق في (كتاب الإيمان) عن سفيان، أن من نسي صلاة فدخل مع قوم يصلونها، وهو ينوي أنها تطوع، أنها تقع عن الفرض الذي عليه. وقال أحمد بن أبي الحواري: قال لي الفريأبي: صل ركعتي الفجر في البيت، فإن مت قبل الفريضة أجزأتك من الفريضة.

стр. 2252

وروي عن بعض الصحابة، أنه دخل المسجد ولم يكن صلى الظهر، وإن الإمام يصلي العصر، فصلى معه وهو يظن أنها الظهر، فاعتد بها عن العصر، ثم صلى الظهر. خرجه الجوزجاني. واستدل الأولون بالأحاديث التي فيها: أن من ضيع بعض حدود الصلاة، أنه لا عهد له عند الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ولا حجة في ذلك؛ لأن الله إذا شاء أن يغفر لعبد أكمل فرائضه من نوافله، وذلك فضل من عنده يفعله مع من يشاء أن يرحمه ولا يعذبه. واستدلوا - أيضا - بما روى موسى بن عبيدة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي، عن النبي ﷺ ، قال: (مثل المصلي مثل التاجر، لا يخلص له ربحه حتى يأخذ رأس ماله، فكذلك المصلي لا يقبل له صلاة نافلة حتى يؤدي الفريضة) . خرجه البزار والهيثم بن كليب في (مسنديهما) والإسماعيلي. وموسى بن عبيدة، ضعيف جداً من قبل حفظه، وقد تفرد بهذا. وخرج أبو الشيخ الأصبهاني من طريق أبي أمية، عن الحسن، عن

стр. 2253

أبي هريرة - مرفوعاً -: (من صلى المتكوبة فلم يتم ركوعها ولا سجودها، ثم يكثر من التطوع، فمثله كمثل من لا شف له حتى يؤدي رأس ماله) . وأبو أمية، هو: عبد الكريم، متروك الحديث. و (الشف) : من أسماء الأضداد، يكون بمعنى الزيادة، وبمعنى النقص. وخرجه إسحاق بن راهويه في (مسنده) ، عن كلثوم بن محمد بن أبي سدرة، عن عطاء الخراساني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: (إذا صلى الرجل الصلاة المكتوبة، فلم يتم ركوعها ولا سجودها وتكبيرها والتضرع فيها، كان كمثل التاجر لا شف له، حتى يفي رأس ماله) . وكلثوم، ضعفه ابن عدي وغيره. وعطاء، لم يسمع من أبي هريرة. ومعنى هذه الأحاديث - إن صح منها شيء -: أن النوافل يكمل بها نقص الفرائض، فلا يسلم له شيء من النوافل حتى يكمل نقص الفرائض؛ ولهذا شبهه بالتاجر الذي [لا] يخلص له ربح حتى يستوفي رأس ماله، ويظهر هذا في المضارب بمال غيره، ولهذا يقول الفقهاء: إن ربحه وقاية لرأس المال. ومن هنا؛ قال طائفة من السلف - منهم: ابن عباس وأبو أمامة -: إنما النافلة للنبي ﷺ خاصة. يعنون: أن غيره تكمل فرائضه بنوافله، فلا يخلص له نافلة، فنوافله جبرانات لفرائضه. وروى إسحاق بن راهويه في (مسنده) : ثنا عبد الل بن واقد: ثنا حيوة بن شريح، عن أبي الأسود، عن ابن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: (من كان عليه من رمضان شيء، فأدركه رمضان ولم يقضه لم يتقبل منه، ومن صلى تطوعاً وعليه مكتوبة، لم يتقبل منه) . عبد الله بن واقد، هو: أبو قتادة الحراني، تكلموا فيه. وهذا غريب من حديث حيوة، وإنما هو مشهور من حديث أبن لهيعة. وقد خرجه الإمام أحمد عن حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة،

стр. 2254

عن النبي ﷺ ، قال: (من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه، فإنه لا يتقبل منه) . ولم يذكر في حديثه: (الصلاة) . وقد روي مرفوعاً. وقال أبو زرعة: الصحيح المرفوع. ونفي القبول لا يستلزم [نفي] الصحة بالكلية، وقد سبق ذكر ذلك غير مرة. ويدل على ذلك: أن في تمام الحديث الذي خرجه الإمام أحمد: (من أدرك رمضان، وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه) ، ومعلوم أنه يلزمه قضاؤه بعد رمضان مع الإطعام. ولا يعلم في لزوم القضاء خلاف، إلا عن ابن عمر من وجه فيه ضعف، والخلاف مشهور في وجوب الإطعام مع القضاء. وقد نقل إبراهيم الحربي، عن أحمد، انه سئل عن حديث النبي ﷺ : (لا صلاة لمن عليه صلاة) ؟ قال: لا أعرف هذا اللفظ. قال الحربي: ولا سمعت بهذا عن النبي ﷺ . وهذا يدل على أن الحديث الذي خرجه إسحاق لا أصل له.

стр. 2255

وقد اختلف العلماء فيمن عليه قضاء رمضان: هل يجوز له أن يتنفل بالصيام قبل القضاء، أم لا؟ فيه قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد. وأكثر العلماء على جوازه، وروي عن طائفة من السلف المنع منه. وقال هشام بن عروة، عن أبيه: مثل الذي يتطوع بالصوم وعليه قضاء رمضان، كمثل الذي يسبح وهو يخاف أن تفوته المكتوبة. وكذلك لو كان عليه صلاة فائتة، فتطوع قبل قضائها، فإن كان التطوع بسنتها الراتبة، فهو جائز، بل يستحب عند جمهور العلماء، خلافاً لمالك، وقد سبق ذلك، وإن كان تطوعاً مطلقاً، فقال أصحابنا: لا يجوز؛ لأن القضاء عندهم على الفور، بخلاف قضاء رمضان؛ فإنه على التراخي حتى يتضايق وقته في شعبان. وفي انعقاده - لو فعل - وجهان، وحكي روايتان. ورجح بعضهم عدم الانعقاد، وحمل حديث تكميل الفرائض بالنوافل على السنن الرواتب، أو على من تطوع ونسي أن عليه فائتة. والذين لا يرون على العامد القضاء بالكلية، لا يتصور هذه المسألة عندهم، لأنهم يقولون: ليس يلزمه قضاء بالكلية.

стр. 2256

٣٨ - باب قضاء الصلوات الأولى فالأولى

стр. 2257

٥٩٨ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى: ثنا هشام: ثنا يحيى - هو: ابن أبي كثير -، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: جعل عمر [يوم الخندق] يسب كفارهم، فقال: ما كدت أصلي العصر حتى غربت الشمس. قال: فنزلنا بطحان، فصلى بعدما غربت الشمس، ثم صلى المغرب. إنما في هذا الحديث ترتيب الفائتة مع الحاضرة، وأنه يقدم الفائتة على الحاضرة، ثم يصلي الحاضرة، وقد سبق هذا الحديث والكلام عليه. وفي الباب: أحاديث في قضاء الفوائت وترتيبها، ليست على شرط البخاري، وكأنه أشار بالتبويب إليها، ولكنه اقتصر على حديث جابر؛ لما لم يكن في الباب على شرطه غيره. وقد روي عن جابر من وجه ضعيف، أنه ﷺ صلى فوائت ورتبها. فروى حماد بن سلمة، عن عبد الكريم أبي أمية، عن مجاهد، عن جابر، أن النبي ﷺ شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى الظهر، ثم أمره فأذن وأقام وصلى العصر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب، ثم أمره [فإذن] وأقام وصلى العشاء، وقال:

стр. 2258

(ما [على] وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم) . خرجه البزار في (مسنده) . وقال: لا نعلم رواه بهذا الإسناد، إلا مؤمل – يعني: عن حماد -، وقد رواه بعضهم، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي عبيدة، عن عبد الله. انتهى. وعبد الكريم أبو أمية، متروك الحديث، مع أن البخاري حسن الرأي فيه. وقد روى أبو الزبير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا رسول الل ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً، فأذن وأقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. خرجه الإمام أحمد من طريق هشيم، عن أبي الزبير. وقال الترمذي: ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله. وخرجه النسائي من طريق هشام الدستوائي، عن أبي الزبير – ولم

стр. 2259

يذكر فيه: الأذان، وإنما ذكر الإقامة لكل صلاة، وزاد في آخره: قال: ثم طاف علينا، فقال: (ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم) . وكذا رواه الأوزاعي عن أبي الزبير، وفي حديث: حتى إذا كان قريباً من نصف الليل فقام رسول الله ﷺ ، فبدأ بالظهر فصلاها، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء بإقامة إقامة. وخرجه أبو يعلي الموصلي من طريق يحيى بن أبي أنيسة – وهو ضعيف جداً -، عن زبيد الأيامي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ وذكر في حديثه: الأذان والإقامة لكل صلاة. وروى سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة، حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل، حتى كفينا، وذلك قول الله : ﴿وكفى الله … . عزيزاً﴾ [الأحزاب: ٢٥] . قال: فدعا رسول الله ﷺ بلالاً، فاقام صلاة الظهر، فصلاها وأحسن صلاتها، كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر، فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب، فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء، فصلاها كذلك. قال: وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف: ﴿فرجالاً أو ركباناً﴾ [البقرة: ٢٣٩] . خرجه الإمام أحمد – وهذا لفظه – والنسائي وابن خزيمة وابن

стр. 2260

حبان في (صحيحهما) . وقد دلت هذه الأحاديث على أن من فاتته صلوات، فإنه يبدأ بالأولى فالأولى، هذا هو المشروع في قضائها بالاتفاق. واختلف في الأذان والإقامة، ففي بعضها: أنه صلى كل صلاة بإقامة إقامة، من غير ذكر أذان. وفي بعضها: أنه أذن للأولى، وأقام لكل صلاة. وفي بعضها: أنه أذن وأقام لكل صلاة. واختلف العلماء في ذلك، وقد سبق ذكر الاختلاف في الأذان للفائتة إذا كانت واحدة. وأمامع تعدد الفوائت: فمنهم من قال: يقيم لكل صلاة، ولا يؤذن، وهو قول الحسن والأوزاعي ومالك والشافعي في قول، وحكي رواية عن أحمد. ومنهم من قال: يؤذن للأولى، ويقيم لكل صلاة، وهو قول أحمد وأبي ثور وداود وأحد أقوال الشافعي. وله قول ثالث: إن أمل اجتماع الناس بالأذان أذن، وإلا اقتصر على الإقامة لكل صلاة. وقال الثوري: ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة. وأماالترتيب، فقد ذكرنا أنه مستحب بالاتفاق. واختلفوا: هل هو شرط لصحة الصلاة، أم لا؟

стр. 2261

فمذهب أحمد: أنه شرط، قلت الفوائت أو كثرت، وهو قول زفر. ومذهب مالك وأبي حنيفة: يجب الترتيب فيها إن كانت خمساً فما دون، ولا يجب فيما زاد. ومذهب الشافعي: أنه لا يجب الترتيب بحالٍ، وهو قول أبي ثور وداود، ورواية عن الأوزاعي. وروي عن سمرة بن جندب ما يدل عليه. وهؤلاء جعلوا ترتيب الصلوات في الأداء من ضرورة الوقت، فإذا فاتت فلا يجب فيها الترتيب، كمن عليه ديون منجمة، إذا أخرت إلى آخرها نجماً فلا يبالي بما قضى منها قبل الآخر، حتى لو قضى آخرها نجماً قبل الكل لجاز، وكصوم رمضان إذا فات، فإنه لا يشترط لقضائه ترتيب ولا موالاة، بل يجوز تفريقه وتتابعه. واستدل بعض من أوجب الترتيب بما روى ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن يزيد، أن عبد الله بن عوف حدثه، عن أبي جمعة حبيب بن سباع – وكان قد أدرك النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: (هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟) فقالوا: يا رسول الله، ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام، وصلى العصر، ثم أعاد المغرب. خرجه الإمام أحمد. واستدل به بعض من يقول: لا يسقط الترتيب بالنسيان. وحمله بعض من خالفه على أنه كان تذكر العصر في صلاة المغرب قبل أن يفرغ منها.

стр. 2262

وهذا حديث ضعيف الإسناد، وابن لهيعة لا يحتج بما ينفرد به. قال ابن عبد البر: هذا حديث لا يعرف إلا عن ابن لهيعة، عن مجهولين، لا تقوم به حجة. قلت: أماعبد الله بن عوف، فإنه الكناني، عامل عمر بن عبد العزيز على فلسطين، مشهور، روى عنه الزهري وجماعة. وأمامحمد بن يزيد، فالظاهر أنه ابن أبي زياد الفلسطيني، صاحب حديث الصور الطويل، وقد ضعفوه. وروى مالك في (الموطأ) ، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من نسي [صلاة] فلم يذكرها إلا وراء الإمام، فإذا سلم الإمام فليصل الصلاة التي نسي، ثم يصلي بعدها الأخرى. وقد روى عثمان بن سعيد الحمصي، عن مالك مرفوعاً. ورفعه باطل -: ذكره ابن عدي.

стр. 2263

كذا روي عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر – مرفوعاً. خرجه أبو يعلي الموصلي والطبراني والدارقطني. وذكر عن موسى بن هارون الحافظ، أن رفعه وهم، وإنما هو موقوف. وكذا قال أبو زرعة الرازي. وأنكر يحيى بن معين المرفوع إنكاراً شديداً -: ذكره ابن أبي حاتم. وقد اختلف من اشترط الترتيب للقضاء فيمن ذكر فائتة وهو يصلي حاضرة. فقيل: يسقط عنه الترتيب في هذه الحال؛ لأن الحاضرة قد تعين إتمامها بالشروع فيها؛ لتضايق وقت الحاضرة. وحكي عن الحسن وطاوس، وهو قول أبي يوسف، واختاره بعض أصحابنا؛ لأن الجماعة عندنا فرض. وقيل: لا يسقط، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد. وعلى هذا؛ فهل يبطل الحاضرة، أم يقطعها؟ على قولين. أحدهما: أنه يقطعها – وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد -، إلا أن يكون مأموماً فيتمها كما قاله ابن عمر. والثاني: يتمها نفلاً، وهو قول الليث والثوري وأحمد في رواية.

стр. 2264

فعلى هذا؛ إن قلنا: يصح ائتمام المفترض بالمتنفل صح ائتمام المأمومين به، وإلا فلا. وذكر ابن عبد البر: أن مذهب مالك: أن المأموم يتم صلاته، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة، كما قاله ابن عمر. قال: وعند مالك وأصحابه: لا يجب الترتيب في الفوائت بعد صلاة الوقت، إلا بالذكر، وجوب استحسان، بدليل إجماعهم على أن من ذكر فائتة في وقت حاضرة، أو صلوات يسيرة، أنه إن قدم العصر على الفائتة، أنه لا إعادة عليه للعصر التي صلاها، وهو ذاكر فيها للفائتة، إلا أن يبقى من وقتها ما يعيدها فيها قبل غروب الشمس. قال: وهذا يدل على أن قولهم: من ذكر صلاة في صلاة فإنها تنهدم أو تفسد عليه، ليس على ظاهره، ولو كان على ظاهره لوجبت الإعادة عليه للعصر بعد غروب الشمس؛ لأن ما يفسد ويهدم حقيقة يعاد أبداً، وما يعاد في الوقت فإنه استحباب، فقضت على هذا الأصل. قال: وقال أبو حنيفة: من ذكر فائتة، وهو في صلاة أخرى من الصلوات الخمس، فإن كان بينهما أكثر من خمس صلوات مضى فيما هو فيه، ثم صلى التي عليه، وإن كان أقل من ذلك، قطع ما هو فيه، وصلى التي ذكر، إلا أن يضيق وقتها، فيتمها، ثم يصلي الفائتة. انتهى.

стр. 2265

٣٩ - باب ما يكره من السمر بعد العشاء (السامر) : من السمر، والجمع: السمار، والسامر هاهنا في موضع الجمع. (السمر) : هو التحدث بالليل، وقوله تعالى: ﴿مستكبرين به سامراً﴾ [المؤمنون: ٦٧] هو من السمر، ومعناه هنا: الجمع - أي: سماراً. فسمار جمع، وسامر يكون مفرداً، وقد يراد به الجمع كما في الآية.

стр. 2266

٥٩٩ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى: ثنا عوف: ثنا أبو المنهال، قال: انطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي، فقال له: حدثنا، كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ قال: كان يصلي الهجير – وهي التي تدعونها الأولى – حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى أهله في أقصى المدينة والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب. قال: وكان يستحب أن يؤخر العشاء. قال: وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف أحدنا جليسه، ويقرأ من الستين إلى المائة. قد سبق هذا في مواضع، وشرح ما فيه من مواقيت الصلاة، وذكر النوم قبل العشاء، ولم يبق من أحكامه غير ذكر الحديث بعد العشاء، وهو السمر. وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يكرهه، وقد ذكرنا فيما سبق حديث عائشة، أن النبي ﷺ ما نام قبل

стр. 2267

العشاء ولا سمر بعدها. وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عطاء بن السائب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: جدب لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء. ومعنى (جدبه) : عابه وذمه -: قاله أبو عبيد وغيره. ووهم من قال: أباحه لهم، كالطحاوي، وهو مخالف لما قاله أهل اللغة. وهذا الحديث وهم عطاء بن السائب في إسناده؛ فقد رواه الأعمش ومنصور وابو حصين، عن أبي وائل، عن سلمان بن ربيعة، قال: جدب لنا عمر السمر. وخالفهم عطاء بن السائب وعاصم، فقالا: عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ثم اختلفا، فرفعه عطاء، ووقفه عاصم، ووهما في ذلك. والصحيح: قول منصور والأعمش -: قاله أبو بكر الأثرم. وذكر مسلم نحوه في (كتاب التمييز) ، وزاد: أن المغيرة رواه عن أبي وائل، عن حذيفة – من قوله. قال: ولم يرفعه إلا عطاء بن السائب. وأشار إلى أن رواية الأعمش وحبيب بن أبي ثابت وأبي حصين، عن أبي وائل، عن سلمان، عن عمر هي الصحيحة؛ لأنهم أحفظ وأولى بحسن الضبط للحديث. وقد رويت كراهة السمر بعد العشاء عن عمر وحذيفة وعائشة وغيرهم. ثم منهم من علل بخشية الامتناع من قيام الليل، روي ذلك عن

стр. 2268

عمر. ومنهم من علل بأن الصلاة ينبغي أن تكون خاتمة الأعمال، فيستحب النوم عقيبها، حتى ينام على ذكر، ولا ينام على لغو. وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه كان يسمر ما لم يوتر، فجعل الختم بالوتر يقوم مقام الختم بالصلاة المكتوبة. وكانت عائشة تقول لمن يسمر: أريحوا كتابكم. تعني: الملائكة الكاتبين. ومتى كان السمر بلغو ورفث وهجاء فإنه مكروه بغير شك. وفي (مسند الإمام أحمد) من حديث شداد بن أوس – مرفوعاً -: (من قرض بيت شعر بعد عشاء الآخرة لم يقبل له صلاة تلك الليلة) .

стр. 2269

٤٠ - باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء فيه حديثان: الأول: قال:

стр. 2270

٦٠٠ - نا عبد الله بن صباح: نا أبو علي الحنفي: نا قرة بن خالد: أنتظرنا الحسن وراث علينا حتى قربنا من وقت قيامه، فجاء، قال: دعانا جيراننا هؤلاء، ثم قال: قال أنس: نظرنا رسول الله ﷺ ذات ليلة، حتى كان شطر الليل يبلغه، فجاء فصلى لنا، ثم خطبنا، فقال: (ألا إن الناس قد صلوا، ثم رقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة) . قال الحسن: وإن القوم لن يزالوا في خير ما انتظروا الخير. قال قرة: وهو من حديث أنس، عن النبي ﷺ . معنى (راث) : أبطأ. الثاني:

стр. 2271

٦٠١ - ثنا أبو اليمان: أبنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر وأبو بكر بن أبي حثمة، أن عبد الله بن عمر قال: صلى

стр. 2272

النبي ﷺ صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام النبي ﷺ ، فقال: (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على وجه الأرض أحد) . فوهل الناس في مقالة النبي ﷺ إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال النبي ﷺ : (لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض) – يريد بذلك: أنها تخرم ذلك القرن. (وهل) - بفتح الهاء -، قال الخطأبي: معناه: غلطوا وتوهموا، والوهل: الوهم، يقال: وهل إذا ذهب وهله إلى الشيء. انتهى. وضبطه بعضهم (وهل) بكسر الهاء، وقال: معناه فزع ونسي، والوهل – بالفتح -: الفزع. وقيل: معناه: وقع في وهله. والأول أصوب: والله اعلم. ومراد ابن عمر: أن النبي ﷺ أراد أن من كان موجوداً في وقت قوله ذلك لا يبقى منهم أحد على رأس مائة سنة، فينخرم ذلك القرن، فظن بعضهم: أن مراده: أن الساعة تقوم بدون مائة سنة، وهو وهم ممن ظن ذلك، ولذلك أنكره علي بن أبي طالب – ﵁ – على من توهمه. ومقصود البخاري بهذين الحديثين: الاستدلال على جواز الموعظة وذكر العلم بعد العشاء، وانه ليس من السمر المنهي عنه. وقد كان ابن شبرمة وغيره من فقهاء الكوفة يسمرون في الفقه إلى أذان [الفجر] . ونص الإمام أحمد على أنه لا يكره السمر في العلم.

стр. 2273

وروى قتادة، عن أبي حسان، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان النبي ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، ما يقوم إلا إلى عظم صلاة. خرجه أبو داود. وكذا رواه هشام الدستوائي وعمرو بن الحارث وسعيد بن بشير. وخالفهم: أبو هلال، فرواه عن قتادة، عن أبي حسان، عن عمران بن حصين. والقول: قول هشام ومن تابعه -: قاله الإمام أحمد وأبو حاتم وأبو بكر الأثرم. وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن خزيمة في (صحيحه) من حديث علقمة، عن عمر بن الخطاب، قال: كان رسول الله ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين، وأنا معهم. قال الترمذي: حسن. وقد قيل: إن علقمة لم يسمعه من عمر، وبينهما رجل -: قاله البخاري والأثرم. ورجح الدارقطني: أنه ليس بينهما أحد.

стр. 2274

وفيه دليل على جواز السمر في مصالح المسلمين، وما يعود بنفعهم. وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنه كان يسمر مع علي بن أبي طالب حتى يذهب ليل طويل.

стр. 2275

وكان ابن عباس يسمر عند معاوية. وخرج ابن مسعود وأبو موسى من عند الوليد، وقد تحدثوا ليلاً طويلاً، فجاءوا إلى سدة المسجد، فتحدثوا حتى طلع الفجر. وقد ذكر البخاري في أواخر (كتاب العلم) : (باب: السمر بالعلم) ، وقد سبق في موضعه، وذكرنا فيه زيادة هاهنا. والله أعلم.

стр. 2276

٤١ - باب السمر مع الأهل والضيف

стр. 2277

٦٠٢ - ثنا أبو النعمان: ثنا المعتمر بن سليمان: ثنا أبي: ثنا أبو عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: إن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن النبي ﷺ قال: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعة فخامس أو سادس) وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ﷺ بعشرة. قال: فهو أنا وأبي وأمي – ولا أدري هل قال: وامرأتي – وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ ، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي ﷺ ، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله. قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك – أو قال: ضيفك -؟ قال: أو ما عشيتيهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا فأبوا. قال: فذهبت أنا فاختبأت، قال: يا غنثر، فجدع وسب، وقال: كلوا لا هنيئاً. فقال: والله، لا أطعمه أبداً، وايم الله، ما كنا ناخذ من لقمة

стр. 2278

إلا ربا من أسفلها أكثر منها، حتى شبعوا، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر. قال لامرأته: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكل منها أبو بكر، وقال: إنما كان ذلك من الشيطان – يعني: يمينه -، ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي ﷺ ، فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين قوم عقد، فمضى الأجل، فعرفنا اثني عشر رجلاً، مع كل رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون – أو كما قال. في هذا الحديث فوائد كثيرة: منها: استحباب إيثار الفقراء بالشبع من الطعام ومواساتهم فيه، فلهذا أمر من كان عنده طعام اثنين أن يذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة أن يذهب بخامس – أو سادس -، وهذا شك من الراوي. ولفظ مسلم في هذا الحديث: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس – بسادس) - أو كما قال. وهذا يدل على أن الراوي شك. وفي (الصحيحين) ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة) .

стр. 2279

وفي (صحيح مسلم) ، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ : (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية) . وفي هذا إشارة إلى أن البركة تتضاعف مع الكثرة والاجتماع على الطعام. وفي (سنن ابن ماجه) بإسناد ضعيف، عن عمر – مرفوعاً -: (كلوا جميعاً ولا تفرقوا؛ فإن البركة مع الجماعة) . وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث وحشي، أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: (فلعلكم تتفرقون؟) قالوا: نعم. قال: (فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه) . ومعنى: (يكفي) : أنه يكتفي به، وإن لم يشبعه. وكان عمر في عام الرمادة يدخل على أهل البيت من المسلمين مثلهم، ويقول: لن يهلك امرؤ وعنده نصف قوته. فهذا مأخوذ من هذا الحديث. والله أعلم. ومجئ أبي بكر بثلاثة، إن كان هو وامرأته وابنه فقط، فقد أتى بنظير

стр. 2280

عدتهم، وإن كانوا خمسة – على رواية الشك -، فقد صاروا ثمانية، وطعام الأربعة يكفي الثمانية. وأخذ النبي ﷺ عشرة على قدر قوته على الإيثار، وما خصه الله به من الجود والكرم في اليسر والإعسار. ومنها: أنه إذ أتى الأنسان بضيوف إلى منزله، فإنه يجوز له أن يكلهم إلى أهله وولده، ولا يحضر معهم في الأكل؛ فإن في ذلك كفاية إذا وثق من اهله وولده بالقيام بحقهم. ومنها: اختصاص أبي بكر بالنبي ﷺ في عشائه عنده، واحتباسه إلى أن يمضي ما شاء الله من الليل. وقد سبق حديث عمر في سمر أبي بكر وعمر عند النبي ﷺ في الباب الماضي. وأماسب أبي بكر ولده؛ فظنه أنه قصر في حق ضيفه، ولم يقم به كما ينبغي. ومعنى (جدع) – أي: قطعه بالقول الغليظ. وأماقوله: (يا غنثر) ، فروي بوجهين – ذكرهما الخطأبي -: أحدهما: (عنتر) بالعين المهملة، والتاء المثناة من فوق، وهما مفتوحتان. قال الخطأبي: إن كانت هذه محفوظة، فالعنتر: الذباب -: قاله ثعلب. سمي به لصوته؛ وكأنه حين حقره وصغره شبهه بالذباب. والثاني: (غنثر) بالغين المعجمة المضمومة وبالثاء المثلثة -، فهو مأخوذ من الغثارة، وهي: الجهل، يقال: رجل أغثر وغنثر. والنون زائدة.
следующие страницы →