← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أحبائي إذا جهنم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومثلت نفسي بين أعينهم فخاطبوني على المشاهدة وكلموني على حضوري. وبهذا فسر المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ [الروم: ٢٧] ومثله قوله تعالى ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ توقَدُ (١) مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [النور: ٣٥] ، قال ابن كعب وغيره من السلف: مثل نوره في قلب المؤمن. ٌفمن وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان فعرف ربه وأنس به في خلوته وتنعم بذكره ومناجاته ودعائه حتى ربما استوحش من خلقه، كما قال بعضهم: عجبت للخليقة كيف أنست بسواك؟! بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. وقيل لآخر: أما تستوحش؟! قال: كيف استوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني (٢) ؟

стр. 247

وقيل لآخر: أما تستوحش وحدك؟ قال: ويستوحش مع الله أحد؟ ! وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقر عينه بك فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك فلا أنس. وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه (١) . وقال معروف لرجل: توكل على الله حتى يكون جليسك وأنيسك وموضع شكواك (٢) . وقال ذو النون: علامة المحبين لله: أن لا يأنسوا بسواه ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلب حب الله أنس بالله؛ لأن الله أجل في صدور العارفين أن يحبوا غيره. وقوله ﷺ " اعبد الله كأنك تراه " إشارة إلى أن العابد يتخيل ذلك في عبادته، لا أنه يراه حقيقة لا ببصره ولا بقلبه. وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عيانا كما تراه الأبصار في الآخرة – كما يزعم ذلك من يزعمه من الصوفية – فهو زعم باطل؛ فإن هذا المقام هو الذي قال من قال من الصحابة كأبي ذر وابن عباس وغيرهما، وروي عن عائشة – أيضا – أنه حصل للنبي ﷺ مرتين. وروي في ذلك أحاديث مرفوعة – أيضا. وكذا قال جماعة من التابعين: إنه يراه بقلبه، منهم الحسن، وأبو العالية، ومجاهد ووعبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم التيمي وغيرهم.

стр. 248

فلو كان هؤلاء لا يعتقدون أن رؤية القلب مشتركة بين الأنبياء وغيرهم لم يكن في تخصيص النبي ﷺ بذلك مزية له لا سيما وإنما قالوا: إنها حصلت له مرتين؛ فإن هؤلاء الصوفية يزعمون أن رؤية القلب تصير حالا ومقاما دائما أو غالبا لهم، ومن هنا ينشأ تفضيل الأولياء على الأنبياء، ويتفرع على ذلك أنواع من الضلالات والمحالات والجهالات، والله يهدي من يشاء إلى سراط مستقيم. فهذه المقامات الثلاث " الإسلام والإيمان والإحسان يشملها اسم الدين، فمن استقام على الإسلام إلى موته عصمه الإسلام من الخلود في النار وإن دخلها بذنوبه، ومن استقام (٢١١ – ب / ف) على الإحسان إلى الموت وصل على الله ، وقال تعالى ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] وقد فسر النبي ﷺ الزيادة بالنظر إلى وجه الله. خرجه مسلم من حديث صهيب (١) . وأما قول جبريل: " أخبرني عن الساعة " فقال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " فمعناه: إن الناس كلهم في وقت الساعة سواء، وكلهم غير عالمين به على الحقيقة؛ ولهذا قال: " في خمس لا يعلمهن إلا الله " ثم تلا ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] وهذه مفاتيح الغيب الذي لا يعلمها إلا الله. وقد جاء عن ابن مسعود أن نبينا أوتي علم كل شيء سوى هذه

стр. 249

الخمس (١) . وروي ذلك مرفوعا من حديث ابن عمر (٢) . وكلاهما في " مسند الإمام أحمد ". وذكر عند عمرو بن العاص العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره فأنكره بعض من حضره فقال عمرو:: إنما الغيب خمس، ثم تلا هذه الآية قال: وما سوى ذلك يعلمه قوم ويجهله قوم. خرجه حميد بن زنجوية. وقد زعم بعضهم – كالقرطبي (٣) – أن هذه الخمس لا سبيل لمخلوق على علم بها قاطع، وأما الظن بشيء منها بأمارة قد يخطيء ويصيب فليس ذلك بممتنع ولا نفيه مراد من هذه النصوص. وقوله: " وسأخبرك عن أشراطها " لما كان العلم بوقت الساعة المسئول عنه غير ممكن انتقل منه إلى ذكر أشراطها وهي علامتها الدالة على اقترانها، وهذا كما سأله الأعرابي: متى الساعة؟ فقال: " ما أعددت لها؟ " فأعرض عن الجواب عن الساعة إلى ذكر الاستعداد لها؛ لأنه هو المأمور به وهو الذي يعني السائل وغيره وينبغي الاهتمام به. وأما جبريل: فالظاهر – والله أعلم – أنه أراد بسؤاله عن الساعة إظهار انفراد الله بعلمها دون خلقه حتى ينقطع السؤال عنها، فقد كان النبي ﷺ كثيرا يسأل عنها حتى نزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا

стр. 250

فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤] ونزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . وفي رواية عمر بن الخطاب لهذا الحديث: إن جبريل قال للنبي ﷺ " أخبرني عن أمارتها "، وقد ذكر لها النبي ﷺ في هذا الحديث علامتين: إحداهما: أن تلد الأمة ربها، والمقصود بالرب: السيد. واختلف في معنى ذلك، فقيل: المراد أن يكثر فتوح البلاد الكفر والسبي فيكثر السراري فتلد الإماء الأولاد من سادتهن، وولد السيد بمنزلة السيد فتصير الأمة ولدت ربها بهذا الاعتبار. ومن هؤلاء من قال: أريد أن الملوك يتخذون السراري فتلد الإماء الملوك وهم كالأرباب للناس. ومنهم من قال: إن العجم تلد العرب، والعرب كالأرباب للعجم قاله وكيع بن الجراح. وعلى هذا القول قد استدل بالحديث من يرى بيع أمهات الأولاد ومن يمنعه. أما من يرى بيعهن: فاستدل بقوله: " تلد الأمة ربها " على أن ولد أم الولد رب لها فيدل على أن أمه رقيقة تنتقل إلى ملكه بوفاة أبيه فيرثها فتعتق عليه فيكون حينئذ ربها حقيقة وتكون قبل انتقالها إلى ولدها رقيقة حكمها كأحكام الفيء (١) من البيع وغيره، ولولا ذلك لم تورث.

стр. 251

ومن منع بيعهن: قال: قد جعل ولد الأمة ربها، وهذا يدل على أنه ربها (٢١٢ - أ / ف) بكل حال سواء مات الأب أو كان حيا، فيدل على أن عتقها مضاف إلى الولد فكان الولد هو الذي أعتق أمه حيث كان هو سبب عتقها، كما روي أن النبي ﷺ قال في مارية لما ولدت إبراهيم " أعتقها ولدها " (١) وممن استدل بهذا على منع بيعهن: الإمام أحمد. وقيل: المراد بقوله " تلد الأمة ربها " كثرة الفتوح في بلاد الكفار، وجلب الرقيق حتى تجلب المرأة من بلد الكفر صغيرة فتعتق في بلد الإسلام، ثم تجلب أمها بعدها فتشتريها البنت وتستخدمها جاهلة بكونها أمها، وقد وقع ذلك في الإسلام. وهذا القول مثل الذي قبله في أن أشراط الساعة كثرة الفتوح وجلب الرقيق من بلاد الكفر. وقيل: المراد بقوله" أن تلد الأمة ربها " أن يكثر العقوق من الأولاد حتى يعامل الولد أمه معاملة أمته بالسب والإهانة، ويشهد لهذا: أنه جاء

стр. 252

في رواية " أن تلد المرأة ربها " فلم يخص بالأمة. وقيل: المراد بقوله " أن تلد الأمة ربها " أن يكثر الجهل ويقل العلم حتى تباع أمهات الأولاد ولهن أولاد فربما تداولها أيدي الملاك وتطاولت المدد حتى يشتريها بعض أولادها ويستخدمها جاهلا بأنها أمه، وفي هذا القول نظر وبعد. وعلى هذا القول والذي قبله: فالذي من أشراط الساعة هو كثرة الجهل وقلة العلم وفساد الأعمال بظهور العقوق والاستهانة بببيع ما لا يجوز بيعه. وقيل: بل أراد بولادة الأمة ربها أنه يكثر عدول الناس عند النكاح إلى التسري فقط، والله أعلم. والعلامة الثانية: أن يتطاول رعاة الإبل البهم في البنيان. والبهم هما بضم الباء، وهو جمع بهيم، ثم قيل: إن المراد به المجهول الذي لا يعرف. قاله الخطابي (١) . فعلى هذا تكون الرواية " البهم " – بضم الميم – صفة الرعاة. وقيل: بل المراد به: الذي لاشيء لهم، كما قال: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة بهما ". وقيل: إن " البهم " – بكسر الميم – صفة للإبل، وأن الإبل هي السود وتطاولهم في البنيان: هو بمصيرهم مملوكا ذا ثروة وأموال.

стр. 253

وفي رواية أن النبي ﷺ سئل عنهم فقال: " هم العريب " (١) . وهذا وقع في زمن بني أمية حيث كانوا يستعملون الأعراب الحفاة على الناس ويستعينون بهم على أعمالهم، ثم لما انتقل الملك عن العرب إلى غيرهم انتقل إلى من كان ببلاده كذلك. وفي هذا إشاره إلى أن من أشراط الساعة فساد ولاة الأمور بجهلهم وجفائهم، ويشهد لهذا: الحديث الآخر: " إذا وكل الأمر على غير أهله فانتظر الساعة " (٢) . والتطاول في البنيان من أشراط الساعة – أيضا. وقد خرج البخاري (٣) . ومسلم من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان "، وقد كان بناء النبي ﷺ للمساجد والبيوت قصيرا. وقد روي عن الحسن قال: لما بنى النبي ﷺ المسجد قال: " ابنوه عريشا كعريش موسى " قيل للحسين: وما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العريش – يعني السقف (٤) . وعن الحسن قال: كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان

стр. 254

فأتناول سقفها بيدي. وروي عن (٢١٢ - ب / ف) عن عمر أنه كتب إلى أهل البصرة ينهاهم أن لا يرفع أحد بناءه فوق سبع أذرع (١) . قال عمار بن أبي عمار: إذا رفع الرجل بناءه فوق سبع أذرع ناداه مناد: يا أفسق الفاسقين! إلى أين؟ ! وخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا: " كل بناء - وأشار بيده هكذا على رأسه - أكثر من هذا فهو وبال (٢) . وفي " سنن أبي داود " عنه أن النبي ﷺ رأى قبة مشرفة فقال: " ما هذه؟ " فقالوا " لفلان، فجاء صاحبها فسلم على النبي ﷺ فأعرض عنه فعل ذلك مرارا حتى هدمها الرجل (٣) . وفي " سنن ابن ماجه " عن ابن عباس مرفوعا: " أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها والنصارى بيعها (٤) . فهذا الحديث قد اشتمل على أصول الدين ومهماته وقواعده ويدخل فيه الإعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة، فجميع علوم الشريعة ترجع إليه من أصول الإيمان والإعتقادات ومن شرائع الإسلام العملية بالقلوب

стр. 255

والجوارح ومن علوم الإحسان ونفوذ البصائر في الملكوت. وقد قيل: إنه يصلح أن يسمى " أم السنة " لرجوعها كلها إليه كما تسمى الفاتحة " أم الكتاب " و" أم القرآن " لمرجعه إليها (١) . ثم خرج البخاري بعد هذا: حديث (٢) :

стр. 256

٥١ - ابن عباس: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل يرتد أحد منهم لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا وكذلك الإيمان حيت تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. ومقصود بإيراد هذه الجملة من حديث هرقل: أن الإيمان يزيد حتى يتم، وأن الدين هو الإيمان؛ فإنه سأله: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه؟ ثم أجاب بأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. والبشاشة: الفرح والاستبشار، ومنه حديث: " لا يوطن أحد المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله به كما يتبشش أهل الغائب بغائبهم " (١) . فدل على أن الإسلام والدين واحد؛ ولك لم يرد بزيادة الإيمان هنا إلا زيادة أهله، وبتمامه قوة أهله وتمكنهم من إظهاره والدعوة إليه.

стр. 257

وكلام هرقل - وإن كان لا يحتج به في مثل هذه المسائل العظيمة من أصول الديانات التي وقع الاضطراب فيها - فإن ابن عباس روى هذا الكلام مقررا له مستحسنا وتلقاه عنه التابعون، وعن التابعين أتباعهم كالزهري. فالاستدلال إنما بتداول الصحابة ومن بعدهم لهذا الكلام وروايته واستحسانه، والله أعلم.

стр. 258

٣٩ - فصل (١) خرج البخاري ومسلم (٢) من حديث:

стр. 259

٥١ - النعمان بن بشير قال (١) : سمعت النبي ﷺ يقول: " الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام (٢) كالراعي (٣) يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (٤) ، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله (٥) محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " هذا الحديث حديث عظيم؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها وقد قيل: إنه ثلث العلم أو ربعه.

стр. 260

وهو حديث (٢١٣ - أ / ف) صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص والمعنى واحد أو متقارب. وقد روي عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس (١) ؛ وحديث النعمان أصح أحاديث الباب. ومعنى الحديث: أن الله أنزل كتابه وبين فيه حلاله وحرامه وبين النبي ﷺ لأمته ما خفي من دلالة الكتاب على التحليل والتحريم، فصرح بتحريم أشياء غير مصرح بها في الكتاب وإن كانت عامتها مستنبطة من الكتاب وراجعة إليه فصار الحلال والحرام على قسمين: أحدهما: ما هو واضح لا خفاء به على عموم الأمة؛ لاستفاضته بينهم وانتشاره فيهم ولا يكاد إلا على من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلام؛ فهذا هو الحلال البين والحرام البين. ومنه: ما تحليله وتحريمه لعينه كالطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والخبائث من ذلك

стр. 261

كله ومنه: ما تحليله وتحريمه من جهة كسبه كالبيع والنكاح والهبة والهدية وكالربا والقمار والزنا والسرقة والغصب والخيانة وغير ذلك. القسم الثاني: ما لم ينتشر تحريمه وتحليله في عموم الأمة؛ لخفاء دلالة النص عليه ووقوع تنازع العلماء فيه ونحو ذلك، فيشتبه على كثير من الناس هل هو من الحلال أو من الحرام؟ وأما خواص أهل العلم الراسخون فيه فلا يشتبه عليهم؛ بل عندهم من العلم الذي اختصوا به عن أكثر الناس ما يستدلون به على حل ذلك أو حرمته، فهؤلاء لا يكون ذلك مشتبها عليهم لوضوح حكمه عندهم أما من لم يصل إلى ما وصلوا إليه فهو مشتبه عليه؛ فهذا الذي اشتبه عليه إن اتقى ما اشتبه عليه حله وحرمه واجتنبه فقد استبرأ لدينه وعرضه، بمعنى أنه طلب لهما البراءة مما يشينهما، وهذا معنى الحديث الآخر: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " (١) . وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى، كما في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس (٢) . وأنواع الشبه تختلف بقوة قربها م الحرام وبعدها عنه. وقد يقع

стр. 262

الاشتباه في الشيء من جهة اشتباه وجود أسباب حله وحرمته، كما يشك الإنسان فيه هل هو ملكه أم لا؟ وما يشك في زوال ملكه عنه. وهذا قد يرجع فيه إلى الأصل فيبني عليه، وقد يرجع في كثير منه إلى الظاهر إذا قوي على الأصل ويقع التردد عند تساوي الأمرين. وقد يقع الاشتباه لاختلاط الحلال بالحرام في الأطعمة والأشربة من المائعات (١) . وغيرها من المكيلات، والموزونات والنقود. فكل هذه الأنواع من كان عنده فيها علم يدله على حكم الله ورسوله فيها فتبعه فهو المصيب، ومن اشتبهت عليه فإن اتقاها واجتنبها فقد فعل الأولى واستبرأ لدينه وعرضه فسلم من تبعتها في الدنيا والآخرة، ومن اشتبهت عليه فلم يتقها؛ بل وقع فيها فمثله كمثل راع يرعى حول الحمى فإنه يوشك أن يواقعه. وفي رواية: " ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ". ومعنى هذا: أن من وقع في الشبهات كان جديرا بأن يقع في الحرام بالتدريج؛ فإنه يسامح نفسه في الوقوع في الأمور المشتبهة (٢١٣ - ب / ف) فتدعوه نفسه إلى مواقعة الحرام بعده؛ ولهذا جاء في رواية: " ومن خالط الريبة يوشك أن يجسر " (٢) يعني: يجسر على الوقوع في الحرام الذي لا ريب فيه. ومن هنا كان السلف يحبون أن يجعلوا بينهم وبين الحرام حاجزا من الحلال يكون وقاية بينهم وبين الحرام، فإن اضطروا واقعوا ذلك الحلال

стр. 263

ولم يتعدوه، وأما من وقع في المشتبه فإنه لا يبقى له إلا الوقوع في الحرام المحض فيوشك أن يتجرأ عليه ويجسر. وقوله: " ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله في الأرض محارمه "، وفي رواية: " ألا وإن حمى الله محارمه " (١) : ضرب مثل لمحارم الله بالحمى الذي يحميه الملك من الأرض ويمنع الناس من الدخول إليه، فمن تباعد عنه فقد توقى سخط الملك وعقوبته، ومن رعى بقرب الحمى فقد تعرض لمساخط الملك وعقوبته؛ لأنه ربما دعته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى؛ وفي هذا دليل على سد الذرائع والوسائل إلى المحرمات كما يحرم الخلوة بالأجنبية وكما يحرم شرب قليل ما يسكر كثيره وكما ينهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر خشية الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وكما يمنع من تحرك القبلة شهوته في صيامه من القبلة، وكما يؤمر من يباشر امرأته في حال حيضها أن يباشرها من فوق إزار ما بين سرتها وركبتها، وكما يضمن من سيب دابته نهارا بقرب زرع غيره فتفسده، أو أرسل كلبه للصيد في الحل بقرب الحرم فصاد فيه فإنه يضمن في الصورتين على الأصح. وفي الحديث دليل على صحة القياس وتمثيل الأحكام وتشبيهها. وفيه دليل على أن المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد؛ لأنه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين فدل على أن من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير

стр. 264

إلى ما أداه إليه اجتهادة وطلبه. ثم ذكر النبي ﷺ كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها وأن ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلح القلب صلحت إرادته وصلحت جميع الجوارح فلم تنبعث إلى طاعة الله واجتناب سخطه فقنعت بالحلال عن الحرام. وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها وانبعث في معاصي الله وما فيه سخطه ولم تقنع بالحلال؛ بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق، فالقلب الصالح هو القلب السليم الذي لا ينفع يوم القيامة عند الله غيره، وهو أن يكون سليما عن جميع ما يكرهه الله من إرادة ما يكرهه الله ويسخطه ولا يكون فيه سوى محبة الله وإرادته ومحبته ما يحبه الله وإرادة ذلك وكراهة ما يكرهه الله والنفور عنه. والقلب الفاسد: هو القلب الذي فيه الميل على الأهواء المضلة والشهوات المحرمة، وليس فيه من خشية الله ما يكف الجوارح عن اتباع هوى النفس؛ فالقلب ملك الجوارح وسلطانها، والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأمره، فإذا صلح الملك صلحت رعاياه وجنوده المطيعة له المنقادة لأوامره، وإذا فسد الملك فسدت جنوده ورعاياه المطيعة له المنقادة لأوامره ونواهيه. وقد بوب البخاري على هذا (٢١٤ - أ / ف) الحديث: باب " فضل من استبرأ لدينه ". والمقصود من إدخاله هذا الحديث في هذا الباب: أن من اتقى الأمور

стр. 265

المشتبهة عليه التي لا تتبين له أحلال هي أو حرام؟ فإنه مستبرىء لدينه بمعنى: أنه طالب له البراء والنزاهة مما يدنسه ويشينه؛ ويلزم من ذلك أن من لم يتق الشبهات فهو معرض دينه للدنس والشين والقدح، فصار بهذا الاعتبار الدين تارة يكون نقيا نزها بريا، وتارة يكون دنسا متلوثا. والدين يوصف تارة بالقوة والصلابة، وتارة بالرقة والضعف، كما يوصف بالنقص تارة وبالكمال تارة أخرى، ويوصف الإسلام تارة بأنه حسن وتارة بأنه غير حسن، والإيمان يوصف بالقوة تارة وبالضعف أخرى. هذا كله إذا أخذ الدين والإسلام والإيمان بالنسبة إلى شخص شخص، فأما إذا نظر إليه بالنسبة إلى نفسه من حيث هو هو (١) فإنه يوصف بالنزاهة. قال أبو هريرة: الإيمان نزه، فإن زنا فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان. خرجه الإمام أحمد في كتاب " الإيمان " ومن كلام يحيى بن معاذ: الإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك (٢) .

стр. 266

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قالَ البخاري - رحمه الله تعالى -: ٥ - كِتَابُ الغُسْلِ وقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] ، إلى قوله: ﴿عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء:٤٣] . صدر البخاري ﵀ ((كتاب الغسل)) بهاتين الآيتين؛ لأن غسل الجنابة مذكور فيهما. أما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ ، فأمر للجنب إذا قام إلى الصلاة أن يتطهر. وتطهر الجنب هوَ غسله، كما في تطهر الحائض إذا انقطع دمها؛ ولهذا قالَ تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . والمراد بتطهرهن: اغتسالهن عندَ جمهور العلماء، فلا يباح وطؤها حتى تغتسل، وسيأتي تفسير الآية في ((كتاب الحيض)) - إن شاء الله تعالى. وأما قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] ، فنهي عن قربان الجنب الصلاة حتى يغتسل، فصرح هنا بالغسل، وهو تفسير التطهير المذكور في آية المائدة.

стр. 267

وهل المراد: نهي الجنب عن قربان الصلاة حتى يغتسل، إلا أن يكون مسافراً - وهو عابر السبيل - فيعدم الماء، فيصلى بالتيمم؟ أو المراد: نهي الجنب عن قربان موضع الصلاة - وهو المسجد - إلا عابر سبيل فيهِ، غير جالس فيهِ، ولا لابث؟ هذا مما اختلف فيهِ المفسرون من السلف. وبكل حال؛ فالآية تدل على أن الجنب ما لم يغتسل منهي عن الصلاة، أو دخول المسجد، وأن استباحة ذَلِكَ يتوقف على الغسل، فيستدل به على وجوب الغسل على الجنب إذا أراد الصلاة، أو دخول المسجد.

стр. 268

١ - بَابُ الْوُضُوء قَبْلَ الغُسْلِ خرج في حديثين: الحديث الأول:

стр. 269

٢٤٨ - حديث: مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ كانَ إذا أغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. غسل اليدين [٠٠ ٠] قبل الوضوء شبه غسلهما للمتوضيء قبل إدخالهما في الإناء. وروى هذا الحديث وكيع، عن هشام، وقال في حديثه: ((يغسل يديه ثلاثاً)) . خرجه مسلم من طريقه كذلك. واستحسن أحمد هذه الزيادة من وكيع.

стр. 270

وقال أبو الفضل ابن عمار: ليست عندنا بمحفوظة. قلت: تابعه - أيضا - على ذكر الثلاث في غسل الكفين: مبارك بن فضالة، عن هشام. خرج حديثه ابن جرير الطبري. ومبارك، ليس بالحافظ. وكذلك رواها ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة. وقد رويت - أيضا - من حديث أبي سلمة، عن عائشة، وسيأتي حديثه. وقد روي، أنه غسلهما قبل الاستنجاء، ثم استنجى، ثم دلكهما بالأرض، ثم غسلهما قبل الوضوء مرتين أو ثلاثاً، وسيأتي ذَلِكَ فيما بعد - إن شاء الله تعالى. وقول عائشة: ((ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة)) يدل على أنه توضأ وضوءاً كاملاً، قبل غسل رأسه وجسده. وروى أبو معاوية الضرير هذا الحديث، عن هشام، وزاد في آخر الحديث: ((ثم غسل رجليه)) . خرجه مسلم. وتابعه عليها محمد بن [كناسة] ، عن هشام. خرج حديثه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافعي)) [٠٠] .

стр. 271

وذكر أبو الفظل ابن عمار: أن هذه الزيادة ليست بمحفوظة. قلت: ويدل على أنها غير محفوظة عن هشام: أن أيوب روى هذا الحديث عن هشام، وقال فيهِ: ((فقلت لهشام: يغسل رجليه بعد ذَلِكَ؟ فقالَ: وضوءه للصلاة، وضوءه للصلاة. أي: أن وضوءه في الأول كاف. ذكره ابن عبد البر. وهذا يدل على أن هشاما فهم من الحديث أن وضوءه قبل الغسل كانَ كاملا بغسل الرجلين، فلذلك لم يحتج إلى إعادة غسلهما. وقد روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: كانَ رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة يغسل يديه ثلاثاً، ثم يأخذ بيمينه فيصب على شماله، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يغسل يده غسلا حسنا، ثم يمضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثاً، ثم يغتسل، فإذا خرج غسل قدميه. خرجه الإمام أحمد، عن عفان، عن حماد. وخرجه ابن جرير الطبري، من طريق حجاج بن منهال، عن حماد، به. وفي روايته: ثم يغسل جسده غسلاً، فإذا خرج من مغتسله غسل

стр. 272

رجليه. وخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من طريق مؤمل، عن حماد، عن عطاء ابن السائب وعلي بن زيد، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن النبي ﷺ كانَ إذا اغتسل من جنابة غسل كفيه ثلاثاً قبل أن يغمسهما في الإناء، ثم يأخذ الماء بيمينه فيصبه على شماله، ثم يغسل فرجه، ثم يمتضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ويغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثم يصب على رأسه الماء واحداً واحداً، فإذا خرج من مغتسله غسل قدميه. وخرجه النسائي بمعناه، ولم يذكر غسل رجليه في الآخر، وعنده: أنه صب على رأسه ثلاثاً. وفي رواية لهُ: ((ملء كفيه)) . وروى الإمام أحمد: ثنا هشيم: أنا خالد، عن رجل من أهل الكوفة، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كانَ رسول الله ﷺ إذا خرج من مغتسله حيث يغتسل من الجنابة يغسل قدميه. وروى الأوزاعي، قالَ: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة - وحدثني عمرو بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر -، أن عمر سأل رسول الله ﷺ عن الغسل من الجنابة. قالَ الأوزاعي: واتفقت الأحاديث على هذا، يبدأ فيفرغ على يده اليمنى مرتين أو ثلاثاً، ثم يدخل يده اليمنى في الإناء،

стр. 273

فيصب بها على فرجه، ويده اليسرى على فرجه، فيغسل ما هنالك حتى ينقيه، ثم يضع اليسرى على التراب إن شاء، ثم يصب على يده اليسرى حتى ينقيها، ثم يغسل يديه ثلاثا ويستنشق ويمضمض ويغسل وجهه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، حتى إذا بلغ رأسه لم يمسحه، وأفرغ عليهِ الماء، وهكذا كانَ [غسل] رسول الله ﷺ ، فيما ذكر لنا. خرجه النسائي. وهذا مما رواه الأوزاعي بالمعنى الذي فهمه من حديث عائشة وحديث عمر، وليس هوَ لفظ حديثهما، ولكنه إلى لفظ حديث عمر أقرب؛ فإن حديث عمر روي بمعنى مقارب لما قاله الأوزاعي من غير طريقه. خرجه الإمام أحمد من طريق شعبة، عن عاصم بن عمرو البجلي، عن رجل حدثه، أنهم سألوا عمر عن غسل الجنابة، وعن صلاة التطوع في البيت، وعما يصلح للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالَ: لقد سألتموني عن شيء ما سألني عنه أحد منذ سألت عنه رسول الله ﷺ ، قالَ: ((صلاة الرجل في بيته تطوعا نور، فمن شاء نور بيته)) ، وقال - في الغسل من الجنابة -: ((يغسل فرجه، ثم يتوضأ، ثم يفيض على رأسه ثلاثاً)) ، وقال - في الحائض -: ((ما فوق الإزار)) . وخرجه الإسماعيلي في ((مسند عمر)) ، من طريق أخرى، عن عاصم.

стр. 274

وفي بعض رواياته: ((توضأ وضوءك للصلاة، ثم أفض الماء على رأسك، ثم على جسدك، ثم تنح من مغتسلك فاغسل رجليك)) وفي رواية لهُ: عن عاصم، عن عمير مولى عمر، أن نفراً سألوا عمر - فذكر الحديث، وقال في حديثه -: ((وأما الغسل فتفرغ بشمالك على يمينك، ثم تدخل يدك في الإناء، ثم تغسل فرجك وما أصابك، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات، تدلك رأسك كل مرة، ثم تغسل سائر جسدك)) . ورواه ابن أبي ليلى، عن عاصم بن عمر البجلي، عن عمر بن شرحبيل وهو: أبو ميسرة -، عن عمر - وقد ذكر الحديث، وقال فيهِ -: ((وأما الغسل من الجنابة، فصب بيمينك على شمالك واغسلها واغسل فرجك، وتوضأ وضوءك للصلاة، ثم أفض على رأسك وجسدك، ثم تحول فاغسل قدميك)) . خرجه الإسماعيلي. وقد فهم الأوزاعي من حديث عمر وعائشة، أن الوضوء يكون ثلاثاً ثلاثاً إلى مسح الرأس، ولا يمسح الرأس، بل يصب عليهِ الماء ثلاث مرات، فيكتفي بغسله للجنابة عن مسحه، ثم يصب الماء على سائر جسده، ويغسل رجليه. فأما القول باستحباب تثليث الوضوء قبل غسل الجنابة، فقد نص عليهِ سفيان الثوري وإسحاق بن رهوايه وأصحابنا، ولم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثاً، وعلى تثليث صب الماء على الرأس.

стр. 275

وأما القول بأنه لا يمسح رأسه، بل يصب عليهِ الماء صباً، ويكتفي بذلك عن مسحه وغسله للجنابة، فهذا قد روي صريحاً عن ابن عمر. ونص عليهِ إسحاق بن راهويه -: نقله عنه حرب. ونقله أبو داود، عن أحمد. ونقل عنه، قالَ: لا يغسل رجليه قبل الغسل. وروي عن ابن عمر، أنه قالَ: توضأ وضوءك للصلاة، إلا رجليك. وظاهر هذا: أنه يمسح رأسه، ولا يغسل رجليه، وهو قول الثوري وغيره من العلماء. والاكتفاء بغسل الرأس عن مسحه يدل على أن غسل الرأس في الوضوء يجزىء عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه. وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه يكمل وضوءه كله، بمسح رأسه، وغسل قدميه قبل الغسل، وهو المشهور عندَ أصحابنا، وهو قول الخلال وصحابه أبي بكر، وهو قول مالك والشافعي في أشهر قوليه؛ لظاهر حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا. وقالوا: حديث عائشة، حكاية عن فعل النبي ﷺ الدائم في غسله للجنابة، وأما ميمونة التي روت تأخير غسل رجليه، فإنها حكت غسلة في واقعة عين، ولكن قد تبين أنه روي عن عائشة ما يوافق حديث ميمونة في تأخير غسل القدمين،

стр. 276

ولم يأت عنها ولا عن غيرها التصريح بمسح الرأس في الوضوء. ونص أحمد - في رواية جماعة - على أنه مخير بين تكميل الوضوء أولاً، وبين تأخير غسل الرجلين إلى أن يكمل الغسل. وحكي للشافعي في تكميل الوضوء أولاً قبل الغسل قولان: نقل عنه البويطي: تأخير غسل الرجلين. والأصح عندَ أصحابه: التكميل. وقال سفيان الثوري: يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً إلى أن ينتهي إلى رأسه، فيمسحه مرة، ثم يفيض عيه ثلاثاً، ويبالغ بالماء اصول الشعر، وغسل لحيته وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، ثم يفرغ على سائر جسده من الماء، ثم يتنحى عن مكانه، فيغسل قدميه. هكذا حكى أصحابه عنه في كتبهم. والذين قالوا: يكمل وضوءه قبل الغسل، قالوا: لا يعيد غسل قدميه بعده. قاله إبراهيم النخعي ومسلم بن يسار وهشام بن عروة وأبو الأسود يتيم عروة، ونص عليهِ أحمد. ومن أصحابنا من قالَ: يستحب إعادة غسل قدميه إذا انتقل من مكانه، تطهيراً لهما وتنظيفاً. وحكى الترمذي في ((كتابه)) ذَلِكَ عن أهل العلم. وفيه نظر. وقد كانَ الشعبي إذا خرج من الحمام يخوض ماء

стр. 277

الحمام، ولا يغسل قدميه. وروى ابن أبي شيبة، عن الأسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: كانَ رسول الله ﷺ بعدما يغتسل يخرج من الكنيف، يغسل قدميه. وخرجه عنه بقي بن مخلد في ((مسنده)) . وهو مختصر من حديث صفة الغسل الذي سبق ذكره. وذكر الكنيف فيهِ غريب. الحديث الثاني:

стр. 278

٢٤٩ - من رواية: الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: توضأ النبي ﷺ وضوءه للصلاة، غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليهِ الماء، ثم نحى رجليه فغسلهما، هذه غسله من الجنابة. خرجه عن الفريابي، عن الثوري، عن الأعمش، هكذا. وفيه: التصريح بأنه لم يغسل رجليه في أول وضوئه، بل أخر غسل رجليه حتى فرغ من غسله. وخرجه فيما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من حديث ابن عيينة،

стр. 279

عن الأعمش، وقال في حديثه: ((فتوضأ وضوءه للصلاة ن فلما فرغ من غسله غسل رجليه)) . وهذه الرواية تحتمل أن يكون أعاد غسل رجليه لما أصابهما من التراب، حيث كانَ يغتسل على الأرض في مكان غير مبلط ولا مقير، لكن رواية سفيان صريحة باستثناء غسل رجليه في أول الوضوء. وخرجه - أيضاً - من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، وفي حديثه: ((ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وأفاض الماء على رأسه، ثم تنحى فغسل قدميه)) . وهذه الرواية تدل على أنه لم يمسح رأسه، ولا غسل قدميه أولاً في الوضوء، بل أفاض الماء على رأسه عندَ مسحه. وخرجه - أيضاً - من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، وفي حديثه: ((ثم غسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده، ثُمَّ تنحى من مقامه فغسل رجليه)) . وخرجه من طريق أبي عوانة والفضل بن موسى وأبي حمزة، عن الأعمش، كذلك، إلا أنه لم يذكر التثليث في غسل رأسه. وقد رواه وكيع، عن الأعمش، فذكر في حديثه: أنه غسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً. خرجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه. وقوله في هذه الرواية: ((هذا غسله من الجنابة)) ، مما يشعر بأنه ليس من تمام حديث ميمونة. وقد رواه زائدة، عن الأعمش، وذكر فيهِ: أن غسل الجنابة إنما هوَ من قول سالم بن أبي الجعد.

стр. 280

خرجه من طريقه ابن جرير الطبري والإسماعيلي في ((صحيحه)) . وقد خرج البخاري الحديث في موضع آخر، من رواية سفيان الثوري، عن الأعمش، بأبسط من هذا السياق، وفيه: عن ميمونة، قالت: ((سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة)) - فذكر الحديث. وخرجه - أيضاً - من رواية ابن عيينة، عن الأعمش، ولفظه: ((أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه)) -، وذكر الحديث. ومن رواية الفضل بن موسى، عن الأعمش، وفي حديثه: ((وضع النبي ﷺ وضوءاً للجنابة، فأكفأ بيمينه على شماله)) - وذكر الحديث. وفي هذين الحديثين: دليل على استحباب الوضوء قبل الاغتسال من الجنابة، وأنه لا يؤخر كله إلى بعد كمال الغسل. وقد روي عن الأسود، عن عائشة، أن النبي ﷺ كانَ لا يتوضأ بعد الغسل. خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي. وقال: حسن صحيح. وسئل ابن عمر عن الوضوء بعد الغسل؟ فقالَ: وأي وضوء أعم من الغسل.

стр. 281

وخرجه الطبراني والحاكم، عنه مرفوعاً. ووقفه أصح. وعن جابر بن عبد الله، قالَ: يكفيك الغسل. وروي إنكاره عن ابن مسعود - أيضاً. وروي عن أصحاب ابن مسعود: علقمة وغيره. وعن سعيد بن جبير والنخعي: وروي عن حذيفة من وجه منقطع إنكار الوضوء مع الغسل. وكذا روي عن الشعبي، أنه كانَ لا يرى الوضوء في الغسل من الجنابة. ولكن قد صحت السنة - بالوضوء قبل الغسل. وأما الوضوء بعد الغسل، فلم يصح فيهِ شيء. وروي الرخصة فيهِ عن علي ﵁. وأنكر صحة ذَلِكَ عنه: النخعي. ونقل يعقوب بن بختان، عن أحمد في الحائض: أنها إن شاءت

стр. 282

أخرت الوضوء عن الغسل، وإن شاءت بدأت به. ولعل هذا يختص بغسل الحيض. وكذا قالَ أصحاب الشافعي: إن الجنب مخير، إن شاء توضأ قبل الغسل، وإن شاء بعده. وأما إن نسي الوضوء قبل الغسل، فإنه يتوضأ بعد الغسل -: نص عليهِ أحمد ومالك وغير واحد. واصل هذا: أن الجمع بين الوضوء والغسل هوَ السنة عندَ الجمهور، لكن الأفضل: أن يتوضأ قبل الغسل، ثم يغتسل على ما سبق من صفة الوضوء مع الغسل. فإن اغتسل ولم يتوضأ، فهل يرتفع حدثاه بذلك، أم لا يرتفع إلا حدثه الأكبر خاصة، ويبقى حدثه الأصغر، فلا يستبيح الصلاة بدون تجديد الوضوء؟ هذا فيهِ قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد. أشهرهما: أنه يرتفع حدثاه بذلك، إذا نوى بغسله رفع الحدثين جميعاً. والثانية: لا يرتفع حدثه الأصغر بدون الوضوء. وحكي عن مالك وأبي ثور وداود. فإذا اغتسل ولم يتوضأ ارتفع حدثه الأكبر، ولم يرتفع الأصغر حتى يتوضأ. ومن حكى عن أبي ثور وداود: أن الحدث الأكبر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل، فالظاهر: أنه غالط عليهما. وقد حكى ابن جرير وابن عبد البر وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك.

стр. 283

ومذهب الشافعي: أنه يرتفع حدثاه بنية رفع الحدث الأكبر خاصة، ولا يحتاج إلى نية رفع الحدث الأصغر. وذهب إسحاق وطائفة من أصحابنا، كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر: إلى أنه لا يرتفع الحدث الأصغر بالغسل وحده، حتى يأتي فيهِ بخصائص الوضوء، من الترتيب والمولاة. وأما المضمضمة والاستنشاق، فقد ذكرنا حكهما في الوضوء فيما سبق. وأما في الغسل، فهما واجبان فيهِ عندَ أبي حنيفة، والثوري، وأحمد - في المشهور عنه. وعنه: يجب الاستنشاق وحده. واختلف أصحابنا: هل يجب المبالغة فيهما في الغسل، إذا قلنا: لا يجب ذَلِكَ في الوضوء، أم لا؟ على وجهين. ومذهب مالك والشافعي: أن المضمضمة والاستنشاق سنة في الغسل كالوضوء.

стр. 284

٢ - بَابُ غُسْلِ الرَّجلِ مَعَ امرَأَتِهِ خرج فيهِ:

стр. 285

٢٥٠ - حديث: الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت اغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، من قدح، يقال لهُ: الفرق. هذا الحديث، قد ذكرناه فيما سبق في ((باب: الوضوء بالمد)) ، وتكلمنا عليهِ بما فيهِ كفاية، فأغنى ذَلِكَ عن إعادته هاهنا. وذكرنا حكم اغتسال الرجل مع امرأته في ((باب: وضوء الرجل مع المرأة)) .
следующие страницы →