Полный текст (4 834 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وخرجه الطبراني والحاكم، عنه مرفوعاً. ووقفه أصح.
وعن جابر بن عبد الله، قالَ: يكفيك الغسل.
وروي إنكاره عن ابن مسعود - أيضاً.
وروي عن أصحاب ابن مسعود: علقمة وغيره.
وعن سعيد بن جبير والنخعي:
وروي عن حذيفة من وجه منقطع إنكار الوضوء مع الغسل.
وكذا روي عن الشعبي، أنه كانَ لا يرى الوضوء في الغسل من الجنابة.
ولكن قد صحت السنة - بالوضوء قبل الغسل.
وأما الوضوء بعد الغسل، فلم يصح فيهِ شيء.
وروي الرخصة فيهِ عن علي ﵁.
وأنكر صحة ذَلِكَ عنه: النخعي.
ونقل يعقوب بن بختان، عن أحمد في الحائض: أنها إن شاءت
стр. 282
أخرت الوضوء عن الغسل، وإن شاءت بدأت به.
ولعل هذا يختص بغسل الحيض.
وكذا قالَ أصحاب الشافعي: إن الجنب مخير، إن شاء توضأ قبل الغسل، وإن شاء بعده.
وأما إن نسي الوضوء قبل الغسل، فإنه يتوضأ بعد الغسل -: نص عليهِ أحمد ومالك وغير واحد.
واصل هذا: أن الجمع بين الوضوء والغسل هوَ السنة عندَ الجمهور، لكن الأفضل: أن يتوضأ قبل الغسل، ثم يغتسل على ما سبق من صفة الوضوء مع الغسل.
فإن اغتسل ولم يتوضأ، فهل يرتفع حدثاه بذلك، أم لا يرتفع إلا حدثه الأكبر خاصة، ويبقى حدثه الأصغر، فلا يستبيح الصلاة بدون تجديد الوضوء؟
هذا فيهِ قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد.
أشهرهما: أنه يرتفع حدثاه بذلك، إذا نوى بغسله رفع الحدثين جميعاً.
والثانية: لا يرتفع حدثه الأصغر بدون الوضوء.
وحكي عن مالك وأبي ثور وداود.
فإذا اغتسل ولم يتوضأ ارتفع حدثه الأكبر، ولم يرتفع الأصغر حتى يتوضأ.
ومن حكى عن أبي ثور وداود: أن الحدث الأكبر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل، فالظاهر: أنه غالط عليهما.
وقد حكى ابن جرير وابن عبد البر وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك.
стр. 283
ومذهب الشافعي: أنه يرتفع حدثاه بنية رفع الحدث الأكبر خاصة، ولا يحتاج إلى نية رفع الحدث الأصغر.
وذهب إسحاق وطائفة من أصحابنا، كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر: إلى أنه لا يرتفع الحدث الأصغر بالغسل وحده، حتى يأتي فيهِ بخصائص الوضوء، من الترتيب والمولاة.
وأما المضمضمة والاستنشاق، فقد ذكرنا حكهما في الوضوء فيما سبق.
وأما في الغسل، فهما واجبان فيهِ عندَ أبي حنيفة، والثوري، وأحمد - في المشهور عنه.
وعنه: يجب الاستنشاق وحده.
واختلف أصحابنا: هل يجب المبالغة فيهما في الغسل، إذا قلنا: لا يجب ذَلِكَ في الوضوء، أم لا؟ على وجهين.
ومذهب مالك والشافعي: أن المضمضمة والاستنشاق سنة في الغسل كالوضوء.
стр. 284
٢ - بَابُ
غُسْلِ الرَّجلِ مَعَ امرَأَتِهِ
خرج فيهِ:
стр. 285
٢٥٠ - حديث: الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت اغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، من قدح، يقال لهُ: الفرق.
هذا الحديث، قد ذكرناه فيما سبق في ((باب: الوضوء بالمد)) ، وتكلمنا عليهِ بما فيهِ كفاية، فأغنى ذَلِكَ عن إعادته هاهنا.
وذكرنا حكم اغتسال الرجل مع امرأته في ((باب: وضوء الرجل مع المرأة)) .
стр. 286
٣ - بَابُ
الغُسْلِ بِالصَّاعِ ونَحْوه
خرج فيهِ ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول:
стр. 287
٢٥١ - من رواية: عبد الصمد، عن شعبة، حدثني أبو بكر بن حفص، قالَ: سمعت أبا سلمة يقول: دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة ﵂ فسألها أخوها عن غسل رسول الله ﷺ ، فدعت بإناء نحو من صاع، فاغتسلت وأفاضت على رأسها وبيننا وبينها حجاب.
قالَ أبو عبد الله: وقال يزيد بن هارون وبهز والجدي، عن شعبة: قدر الصاع.
هذا الحديث، خرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، عن شعبة - مختصراً - وفي حديثه: ((قدر صاع)) - كما أشار إليه البخاري.
وخرجه مسلم من طريق معاذ العنبري، عن شعبة، وفي حديثه: ((قدر
صاع)) - أيضاً.
ولفظه: عن أبي سلمة، قالَ: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل رسول الله ﷺ من الجنابة، فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت، وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثاً. قالَ:
стр. 288
وكان أزواج النبي ﷺ يأخذن من رءوسهن حتى يكون كالوفرة.
والمقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب: أن عائشة لما سئلت عن غسل النَّبيّ ﷺ دعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت به - وفي رواية: ((نحو الصاع)) -، وهذا مما يدل على أن تقدير ماء الغسل ليس هوَ على وجه التحديد، بل على التقريب، وقد سبق التنبيه عليهِ.
قالَ القرطبي: ظاهر هذا الحديث أنهما - يعني: أبا سلمة وأخا عائشة - أدركا عملها في رأسها وأعلى جسدها، مما يحل لذي المحرم أن يطلع عليهِ من ذوات محارمه، وأبو سلمة ابن أخيها نسباً، والآخر أخوها من الرضاعة، وتحققا بالسماع كيفية غسل ما لم يشاهداه من سائر الجسد، ولولا ذَلِكَ لاكتفت بتعليمهما بالقول، ولم تحتج إلى ذَلِكَ الفعل.
قالَ: وإخباره عن كيفية شعور أزواج النبي ﷺ يدل على رؤيته شعرها، وهذا لم يختلف في جوازه لذي المحرم، إلا ما يحكى عن ابن عباس، من كراهة ذَلِكَ. انتهى.
وقوله: ((إن أبا سلمة كانَ ابن أخيها نسباً)) ، غلط ظاهر؛ لأن أبا سلمة هوَ ابن عبد الرحمان بن أبي بكر هوَ القاسم.
والظاهر: أن أبا سلمة كانَ إذ ذاك صغيراً دون البلوغ، والآخر كانَ أخاها من الرضاعة.
وقد اختلف العلماء: فيما يباح للمحرم أن ينظره من محارمه من النساء:
هل هوَ ما يظهر غالباً في البيوت، كالرأس واليدين والذراعيين
стр. 289
والساقين والوجه والرقبة والشعر؟ أو ما ليس بعورة، وهو الوجه والكفان؟ أو الوجه فقط؟
أو لهُ النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة؟
وفي ذَلِكَ خلاف مشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره.
وكذلك اختلفوا: في الصبي المميز، إذا كانَ ذا شهوة: هل هوَ من كالمحرم؟
أو كالأجنبي البالغ؟
وفيه روايتان عن أحمد.
وقد روى هذا الحديث ابن وهب، عن أسامة بن زيد، أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، قالَ: دخلت على عائشة، فقلت لها: كيف غسل رسول الله ﷺ من الجنابة؟ فقالت: أدخل معك يا ابن أخي رجلاً من بني أبي القعيس - من بني أخيها من الرضاعة -، فأخبر أبا سلمة بما تصنع، فأخذت إناء فأكفأته ثلاث مرات على يدها، قبل أن تدخل يدها فيهِ، فقالَ: صبت على يدها من الإناء يا أبا سلمة ثلاث مرات قبل أن تدخل يدها. فقالت: صدق، ثم مضمضت واستنثرت، فقالَ: هي تمضمض وتستنثر. فقالت: صدق، ثم غسلت وجهها ثلاث مرات، ثُمَّ حفنت على رأسها ثلاث حفنات، ثم قالت بيدها في الإناء جميعاً، ثم نضحت على كتفيها ومنكبيها، كل ذَلِكَ تقول إذا أخبر ابن أبي القعيس ما تصنع: صدق.
خرجه بقي بن مخلد وابن جرير الطبري.
وهذا سياق غريب جداً.
وأسامة بن زيد الليثي، ليس بالقوي.
وهذه الرواية تدل على أن ابن أخيها من الرضاعة اطلع على غسلها، وهذا يتوجه على قول من أباح للمحرم أن ينظر إلى ما عدا ما بين السرة
стр. 290
والركبة، وهو قول ضعيف شاذ.
ورواية ((الصحيحين)) تخالف ذَلِكَ، وتدل على أن أبا سلمة وأخا عائشة كانا جميعاً من وراء حجاب.
وروى الإمام أحمد: ثنا إسماعيل - هوَ: ابن علية -: نا يونس، عن الحسن، قالَ: قالَ: رجل: قلت لعائشة: ما كانَ يقضي عن رسول الله ﷺ غسله من الجنابة؟ قالَ: فدعت بإناء؛ حزره صاعاً بصاعكم هذا.
وهذا الإسناد فيهِ انقطاع.
وقوله: ((بصاعكم هذا)) ، ربما أشعر بأنه الصاع الذي زيد فيهِ في زمن بني أمية، كما سبق ذكر ذَلِكَ في ((باب: الوضوء بالمد)) .
هذا يشهد لحديث مجاهد، عن عائشة، أن النبي ﷺ كانَ يغتسل بنحو ثمانية أرطال - وفي رواية: أو تسعة، أو عشرة -، وقد سبق ذكره - أيضاً.
الحديث الثاني:
стр. 291
٢٥٢ - خرجه من رواية: أبي إسحاق: نا أبو جعفر، أنه كانَ عندَ جابر بن
عبد الله، هوَ وأبوه، وعنده قوم، فسألوه عن الغسل، فقالَ: يكفيك صاع.
فقالَ رجل: ما يكفيني. فقالَ جابر: كانَ يكفي من هوَ أوفى منك شعراً وخيراً منك. ثم أمنا في ثوب واحد.
стр. 292
((أبو جعفر)) ، هوَ: محمد بن علي بن حسين.
وأبوه: علي بن حسين زين العابدين.
وفي هذا: دلالة على أن سادات أهل البيت كانوا يطلبون العلم من أصحاب النبي ﷺ كما كانَ يطلبه غيرهم، فدل ذَلِكَ كذب ما تزعمه الشيعة، أنهم غير محتاجين إلى أخذ العلم عن غيرهم، وأنهم مختصون بعلم، يحتاج الناس كلهم إليه، ولا يحتاجون هم إلى أحد، وقد كذبهم في ذَلِكَ جعفر بن محمد وغيره من علماء أهل البيت ﵃.
وخرج النسائي هذا الحديث، بهذا الإسناد، ولفظه: عن أبي جعفر، قالَ: تمارينا في الغسل عندَ جابر بن عبد الله، فقالَ جابر: يكفي من الغسل من الجنابة صاع من الماء. قلنا: ما يكفي صاع، ولا بد صاعان، فقالَ جابر: قد كانَ يكفي من كانَ خيراً منكم، وأكثر شعراً.
ومراده بذلك: رسول الله ﷺ .
وقد روي يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قالَ: كانَ النبي ﷺ يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود.
وفي رواية لأحمد: قالَ النبي ﷺ : ((يجزىء من الوضوء المد، ومن الجنابة
الصاع)) . فقالَ رجل: ما يكفيني. قالَ: قد كفى من هوَ خير منك وأكثر شعراً
[رسول الله ﷺ ] .
стр. 293
وخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم من رواية حصين، عن سالم، عن جابر - نحوه.
ففي رواية سالم رفع أول الحديث، مع أنه روي أوله موقوفاً - أيضاً - من حديثه، كما في رواية أبي جعفر.
ولعل وقف أوله أشبه، وأما آخره فمرفوع.
وقد قيل: إن هذا الرجل الذي قالَ لجابر: ((ما يكفيني)) هوَ الحسن بن محمد ابن الحنفية، وهو أول من تكلم بالإرجاء.
وقيل: إنه كانَ يميل إلى بعض مذاهب الإباضية في كثرة ىاستعمال الماء في الطهارة.
والذي في ((صحيح مسلم)) من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قالَ: كانَ النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. فقالَ لهُ الحسن بن محمد: إن شعري كثير؟ قالَ جابر. فقلت لهُ: يا بن أخي، كانَ شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك، وأطيب.
فليس في هذه الرواية ذكر الصاع، بل ذكر الثلاث حفنات.
وقد خرجه البخاري من طريق معمر بن سام، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر - بمعناه.
فقد تبين بهذا: أن الذي استقبل الثلاث حثيات في الغسل هوَ محمد بن الحسن ابن الحنيفة، وأما الذي استقبل الصاع، فيحتمل أنه هوَ، وأنه غيره والله أعلم.
стр. 294
الحديث الثالث:
قالَ البخاري:
стр. 295
٢٥٣ - نا أبو نعيم: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن
عباس، أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد.
قالَ أبو عبد الله: كانَ ابن عيينة يقول - أخيراً -: ((عن ابن عباس، عن
ميمونة)) .
والصحيح: ما روى أبو نعيم.
هذا الذي ذكره البخاري ﵀: أن الصحيح ما رواه أبو نعيم عن ابن عيينة، بإسقاط ميمونة من هذا الإسناد فيهِ نظر، وقد خالفه أكثر الحفاظ في ذَلِكَ.
وخرجه مسلم عن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة - جميعاً -، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، قالَ: أخبرتني ميمونة، أنها كانت تغتسل هي ورسول الله ﷺ في إناء واحد.
وخرجه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان كذلك، وعنده: ((من إناء واحد)) .
وكذلك رواه الإمامان: الشافعي وأحمد، عن ابن عيينة.
стр. 296
وذكر الإسماعيلي في ((صحيحه)) ممن رواه عن ابن عيينة كذلك: المقدمي، وابنا أبي شيبة، وعباس النرسي، وإسحاق الطالقاني، وأبو خيثمة، وسريج بن يونس، وابن منيع، والمخزومي، عبد الجبار، وابن البزاز، وأبوهمام، وأبو موسى الأنصاري، وابن وكيع، والأحمسي.
قالَ: وهكذا يقول ابن مهدي - أيضاً -، عن ابن عيينة.
قالَ: وهذا أولى؛ لأن ابن عباس لا يطلع على النبي ﷺ وأهله يغتسلان، فالحديث راجع إلى ميمونة.
وذكر الدارقطني في ((العلل)) : أن ابن عيينة رواه عن عمرو، وقال فيهِ:
((عن ميمونة)) ، ولم يذكر أن ابن عيينة اختلف عليهِ في ذَلِكَ.
وهذا كله مما يبين أن رواية أبي نعيم التي صححها البخاري وهم.
وإنما ذكر الدارقطني: أن ابن جريج خالف ابن عيينة، فرواه عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كانَ يغتسل بفضل ميمونة.
قالَ: وقول ابن جريج أشبه.
كذا قالَ؛ وحديث ابن جريج هذا خرجه مسلم من طريقه، قالَ: أخبرني عمرو بن دينار، قالَ: أكثر علمي، والذي يخطر على بالي أن ابا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره: أن النبي ﷺ كانَ يغتسل
стр. 297
بفضل ميمونة.
وهذا لا يرجح على رواية ابن عيينة؛ لأن ذكر أبي الشعثاء في إسناده مشكوك
فيهِ، ولو قدر أنه محفوظ فلفظ الحديث مخالف للفظ حديث ابن عيينة؛ فإن حديث ابن عيينة فيهِ اغتسالهما من إناء واحد، وحديث ابن جريج فيهِ اغتساله ﷺ بفضل ميمونة، وهما حديثان مختلفان.
وهذا الحديث لا يدخل في هذا الباب، إنما يدخل في ((باب: غسل الرجل مع امرأته)) ، وقد بوب البخاري على ذَلِكَ فيما سبق، وخرج فيهِ حديث عائشة، وخرج - أيضا - فيهِ حديث عائشة من وجه آخر عنها، يأتي، وحديث أنس.
وخرج حديث أم سلمة في ذَلِكَ في ((كتاب: الحيض)) .
ولكن حديث عائشة المتقدم، فيهِ أنهما كانا يغتسلان من إناء واحد، من قدح، يقال لهُ: الفرق، وتقدم تفسير ((الفرق)) ، وأنه ستة عشر رطلاً.
وهذا يدل على جواز الزيادة على الصاع في الغسل.
وقد سبق وحه الجمع بين هذا الحديث، وحديث الغسل بالصاع.
стр. 298
٤ - بَابُ
مَنْ أفَاضَ عَلَى رَأسِهِ ثَلاثَاً
خرج فيهِ ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول:
стр. 299
٢٥٤ - من رواية: أبي إسحاق: حدثني سليمان بن صرد، قالَ: حدثني جبير بن مطعم، قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : ((أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً)) - وأشار بيديه كلتيهما.
وخرجه مسلم، ولفظه: تماروا في الغسل عندَ رسول الله ﷺ ، فقالَ بعض القوم: أما أنا، فإني أغسل كذا وكذا، فقالَ رسول الله ﷺ : ((أما أنا، فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف)) .
وفي لفظ آخر - خرجه الإمام أحمد -: فقالَ رسول الله ﷺ : ((أما أنا، فآخذ ملء كفي من الماء ثلاثاً، فأصب على رأسي، ثم أفيض بعد على سائر جسدي)) .
وقد أسقط بعضهم من إسناد هذا الحديث: ((جبير بن مطعم)) ، وجعله من مسند سليمان بن صرد.
وزاد بعضهم في إسناده: ((نافع بن جبير بن مطعم)) ، بين سليمان وجبير.
وكلاهما وهم -: ذكره الدارقطني وغيره.
стр. 300
الحديث الثاني:
стр. 301
٢٥٥ - من طريق: شعبة، عن مخول بن راشد، عن محمد بن علي، عن جابر، قالَ: كانَ النبي ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثاً.
الحديث الثالث:
قالَ البخاري:
стр. 302
٢٥٦ - نا أبو نعيم: نا معمر بن يحيى بن سام: حدثني أبو جعفر: قالَ لي جابر: أتاني ابن عمك - يعرض بالحسن بن محمد ابن الحنفية -، قالَ: كيف الغسل من
الجنابة؟ فقلت: كانَ النبي ﷺ يأخذ ثلاث أكف، فيفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده، فقالَ لي الحسن: إني رجل كثير الشعر، فقلت: كانَ النبي ﷺ أكثر منك شعراً.
وقد خرجه مسلم من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، بمعناه، وقد تقدم لفظه.
وخرج مسلم - أيضاً - من حديث أبي سفيان، عن جابر، أن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرض باردة، فكيف بالغسل؟ فقالَ: ((أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثاً)) .
وقد سبق عن النبي ﷺ ، أنه كانَ يصب على رأسه ثلاثاً، من حديث عائشة وميمونة - أيضاً.
стр. 303
وقد روي، أنه ﷺ كانَ يبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم ألأيسر.
خرجه البخاري من حديث القاسم، عن عائشة، قالَت: كانَ النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفيه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقالَ بهما على وسط رأسه.
وخرجه مسلم، وعنده: فأخذ بكفيه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقالَ بهما على رأسه.
والظاهر: - والله أعلم -: أنه كانَ يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأولى بجهة اليمين، وفي الثانية بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى.
وقد زعم بعضهم، أنه لم يكنَ يعم رأسه بكل مرة، بل كانَ يفرغ واحدة على شقه الأيمن، وواحدة على شقه الأيسر، ويجعل الثالثة للوسط من غير تعميم للرأس بكل واحدة.
هكذا ذكره القرطبي وغيره ممن لا يستحب التثليث في الغسل، وهو خلاف الظاهر.
وقد روي من حديث عمر - مرفوعاً -، أنه يدلك رأسه في كل مرة، وقد ذكرناه فيما تقدم.
وقد ذكره البخاري فيما بعد: ((باب: من بدأ بشق رأسه الأيمن في الغسل)) .
وخرج فيهِ حديث صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: كنا إذا
стр. 304
أصاب أحدنا جنابة أخذت بيدها ثلاثاً فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر.
وخرجه أبو داود، ولفظه: كانت إحدانا إذا أصابتها جنابة أخذت ثلاث حفنات هكذا - تعني: بكفيها جميعاً -، فصب على رأسها، وأخذت بيد واحدة فتصبها على هذا الشق، والأخرى على الشق الآخر.
وظاهر هذا: أن المرأة يستحب لها بعد أن تصب على رأسها ثلاثاً أن تأخذ حفنة بيدها، فتصبها على شق رأسها الأيمن، ثم تأخذ حفنة أخرى فتصبها على شقه الأيسر، فيصير على رأسها خمس حفنات.
وقد روي هذا صريحاً عن عائشة من وجه آخر، من رواية صدقة بن سعيد الحنفي: نا جميع بن عمير - أحد بني تيم الله بن ثعلبة -، قالَ: دخلت مع أمي وخالتي على عائشة، فسألتها إحداهما: كيف كنتم تصنعون عندَ الغسل؟ فقالت عائشة: كانَ رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه ثلاث مرات، ونحن نفيض على رؤسنا خمساً من أجل الضفر.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
وجميع، قالَ البخاري: فيهِ نظر. [و] قالَ أبو حاتم الرازي: هوَ من عتق الشيعة، محله الصدق، صالح الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه
стр. 305
لا يتابعه عليهِ أحد.
وذكره ابن حبان في ((كتاب الثقات)) ، ثم ذكره في ((كتاب الضعفاء)) ، ونسبه إلى الكذب.
وصدقة بن سعيد، قالَ البخاري: عنده عجائب. وقال أبو حاتم: شيخ، وقال الساجي:
ليس بشيء. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) .
وقد تابعه العلاء بن صالح، فرواه عن جميع، ولكن قالَ: جميع بن كثير، عن عائشة، فوقفه ولم يرفعه.
خرجه عنه أبو نعيم الفضل بن دكين في ((كتاب الصلاة)) .
وقال الدارقطني: المرفوع أشبه.
وقد روي ما يخالف هذا، وأن المرأة تفرغ على رأسها ثلاثاً من غير زيادة:
ففي ((صحيح مسلم)) ، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقالَ: ((لا، إنما يكفيك ن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضن عليك الماء فتطهرين)) .
وفيه - أيضاً -، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قالَ: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن، فقالت: يا عجباً لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن! أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟!
لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث
стр. 306
إفراغات.
وخرجه النسائي، وعنده: فأفيض على رأسي ثلاث إفراغات، ولا أنقض لي شعراً.
وفي ((سنن أبي داود)) ، عن ثوبان، أنهم استفتوا النبي ﷺ عن الغسل من الجنابة، فقالَ: ((أما الرجل فلينشر رأسه، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها)) .
وأكثر العلماء على أن المرأة لا تنقض رأسها لغسلها من الجنابة، وروي عن طائفة يسيرة، أنها تنقضه، منهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، والنخعي، وأبو بكر بن أبي شيبة.
وهذا إذا وصل الماء إلى بواطن الشعر، فإن لم يصل إلى دواخله بدون النقض ففي وجوب نقضه؛ لغسل باطن الشعر قولان:
أحدهما: أنه واجب، وهو قول حماد ومالك والشافعي وأكثر أصحابنا، وهو رواية عن أبي حنيفة.
وروي عن ابن عباس، قالَ: لو اغتسل إنسان من الجنابة، فبقيت شعرة لم يصبها الماء، لم يزل جنباً حتى يصيبها الماء.
خرجه أبو نعيم الفضل: ثنا مندل، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد ابن جبير، عنه.
ومندل، فيهِ ضعف.
والثاني: لا يجب، وحكي عن مالك، وأبي حنيفة، والخرقي من أصحابنا، ورجحه صاحب ((المغني)) منهم.
وهؤلاء حعلوا الشعر كالمنفصل
стр. 307
عن البدن، ولم يوجبوا سوى إيصال الماء إلى بشرة الرأس خاصة.
وفرقت طائفة بين الرجال والنساء، فأوجبوا النقض على الرجل دون المرأة؛ لحديث ثوبان -: حكاه القرطبي وغيره.
وهذا هوَ الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وأن الرجل يجب عليهِ نقض شعره بخلاف المرأة.
لكن قالوا: إن كانَ شعر المرأة غير مضفور وجب غسله، كما يجب غسل شعر لحية الرجل.
ونقل مهنا، أحمد، أن المرأة في غسل الجنابة كالرجل.
وظاهر هذا: يدل على أن حكمهما في نقض الشعر سواء، وفي عدد حثيات المرأة على رأسها كالرجال سواء، لا تزيد على ثلاث.
стр. 308
٥ - بَابُ
الغُسْلِ مَرَّةً وَاحدَةً
стр. 309
٢٥٧ - نا موسى بن إسماعيل: نا عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قالَ: قالت ميمونة: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثُمَّ أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح [يده] بالأرض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه، فغسل قدميه.
مراده بهذا الحديث في هذا الباب: أن ميمونة حكت غسل النبي ﷺ ، ولم تذكر في غسل شيء من أعضائه عدداً؛ إلا في غسل يديه في ابتداء الغسل - مع شك الراوي: هل كانَ غسلهما مرتين أو ثلاثاً، وهذا الشك هو من الأعمش كما سيأتي بيانه في رواية أخرى، إن شاء الله تعالى -، واطلقت الغسل في الباقي، فظاهره: أنه لم يكرر غسل شيء من جسده بعد ذَلِكَ، لا في الوضوء ولا في الغسل بعده.
ولكن قد خرج البخاري هذا الحديث - فيما بعد -، عن محمد بن محبوب، عن عبد الواحد، عن الأعمش، به، وقال فيهِ - بعد غسل وجهه ويديه -: ((ثم غسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده)) .
стр. 310
وخرجه في مواضع أخر، من طرق أخرى، عن الأعمش، وذكر فيها: غسل رأسه - ولم يذكر عدداً.
وقد تقدم: أن وكيعاً رواه عن الأعمش، وذكر فيهِ: غسل وجهه ويديه ثلاثاً، وأفاض على رأسه ثلاثاً.
وخرجه عنه الإمام أحمد.
وقد روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث عيسى بن يونس، عن الأعمش في هذا الحديث، أنه أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه.
وعلى هذه الروايات: إنما ينبغي أن يدخل هذا الحديث في الباب الماضي.
وقد أختلف العلماء في استحباب غسل البدن كله في الغسل من الجنابة ثلاثاً:
فمنهم: من استحبه، وهو قول إسحاق بن راهويه وكثير من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة.
وروى وكيع في ((كتابه)) ، عن أبي مكين، عن أبي صالح مولى أم هانيء، عن أم هانىء، قالت: إذا اغتسلت من الجنابة فاغسل كل عضو ثلاثاً.
أبو صالح، هوَ باذان، وهو ضعيف جداً.
ورواه سمويه الحافظ: نا أحمد بن يحيى بن زيد بن كيسان: نا يزيد بن ذريع، عن أبي مكين، عن أبي صالح: حدثتني أم هانيء، قالت: قالَ رسول الله ﷺ : ((إذا أغتسل أحدكم فليغسل كل عضو منه ثلاث
стр. 311
مرات)) - يعني: الجنابة.
ورواية وكيع للموقوف أصح.
وروى الفضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، أن رجلاً سأله عن الغسل من الجنابة، فقالَ: ثلاثاً. فقالَ الرجل: إن شعري كثير، فقالَ: رسول الله كانَ أكثر شعراً منك وأطيب.
خرجه الإمام أحمد وابن ماجه.
وعطية، هوَ العوفي، فيهِ ضعف مشهور.
[ولعله أراد الثلاث في] غسل الرأس؛ ولهذا قالَ لهُ السائل: إن شعري كثير.
وقد خرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في ((كتاب الصلاة)) لهُ، عن فضيل ابن مرزوق، عن عطية، قالَ: سأل رجل أبا سعيد الخدري: كم يكفي لغسل رأسه؟ قالَ: ثلاث حفنات - وجمع يديه - وذكر بقية الحديث.
ومما يستدل به تكرار غسل الجسد في غسل الجنابة: ما خرجه أبو داود، من رواية حماد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، في صفة غسل النبي ﷺ ، قالت: وأفرغ على رأسه ثلاثاً،، فإذا فضلت فضلة صبها عليهِ.
والمراد: بعد الفراغ من غسل بقية جسده، وإلا لم يكن لقولها: ((فإذا فضلت فضلة)) معنى.
وروى وهيب هذا الحديث، عن هشام، وقال فيهِ: ((ثم أفاض الماء على
جسده، فإن بقي في الإناء شيء أفرغه عليهِ)) .
стр. 312
ورواه - أيضاً - مبارك بن فضالة، عن هشام - بنحوه.
خرجهما ابن جرير الطبري.
وقالت طائفة: لا يستحب تكرار غسل الجسد في غسل الجنابة، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي، وصرح به المارودي من الشافعية، وأصحاب مالك.
وحكى الإمام أحمد، أن ابن عباس كانَ يغتسل من الجنابة سبع مرار.
وقال: هوَ من حديث شعبة - يعني: مولى ابن عباس -، مشهور عنه.
قالَ: وأما حديث النبي ﷺ ، فإنه كانَ يحفن على رأسه ثلاثاً.
وهذا الحديث خرجه أبو داود من رواية ابن أبي ذئب، عن شعبة - وهو: مولى ابن عباس -، أن ابن عباس كانَ إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرات، ثم يغسل فرجه، فنسي مرة كم أفرغ، فسألني: [كم أفرغت] ؟ قلت: لا أدري، فقالَ: لا أم لك، وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ويقول: هكذا كانَ رسول الله ﷺ يتطهر.
وليس في هذه الرواية التسبيع في سوى غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء.
ويتحمل أن المراد به: التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر.
стр. 313
وشعبة مولى ابن عباس، قالَ مالك: ليس بثقة، وقال - مرة -: لا يشبه القراء، وقال أحمد ويحيى: لابأس به، وقال يحيى - مرة -: لايكتب حديثه، وقال النسائي والجوزجاني: ليس بالقوي في الحديث، وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً جداً فأحكم لهُ بالضعف، وأرجو أنه لا بأس به.
ونقل حرب عن إسحاق، أنه قالَ في غسل الجنابة: يغسل فرجه ثلاثاً، وإن احتاج إلى الاستنجاء غسل مقعدته ثلاثاً إلى السبع، ولا يزيد على ذَلِكَ، إلا أن لا ينقي.
وظاهر هذه الأحاديث: يدل على أن النَّبيّ ﷺ اكتفى بإفاضة الماء على جسده من غير ذَلِكَ.
وجمهور العلماء على أن التدلك في الطهارة غير واجب، خلافاً لمالك في المشهور عنه.
стр. 314
٦ - بَابُ
مَنْ بَدَأ بِالحِلابِ أو الطَّيب عنْدَ الغُسْلِ
стр. 315
٢٥٨ - حدثني محمد بن المثنى: نا أبو عاصم، عن حنظلة، عن القاسم، عن عائشة، قالت: كانَ النبي ﷺ إذا أغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفيه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقالَ بهما على وسط رأسه.
((حنظلة)) ، هوَ: ابن أبي سفيان.
وظاهر تبويب البخاري على هذا الحديث: يدل على أنه فهم منه أن الحلاب نوع من الطيب، وأن النبي ﷺ كانَ يستعمل شيئاً من الطيب في رأسه في غسل الجنابة.
وقد أنكر العلماء ذَلِكَ على البخاري ﵀، ونسبوه فيهِ إلى الوهم، منهم: الخطابي والإسماعيلي وغير واحد.
وقالوا: إنما الحلاب إناء يحلب فيهِ، ويقال لهُ: المحلب - أيضاً.
والمراد: أنه كانَ يغتسل من مد نحو الإناء الذي يحلب فيهِ اللبن من المواشي، وهو معنى الحديث الآخر: أنه نحو الصاع.
ويشهد لذلك: أنه روي في بعض طرق هذا الحديث، أن القاسم سئل: كم يكفي من غسل الجنابة، فحدث بهذه
стр. 316
الحديث. وإنما كانَ السؤال عن قدر ماء الغسل، لا عن الطيب عندَ الغسل.
ذكره الإسماعيلي في ((صحيحه)) .
وذكر - أيضاً - حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قرب إليه حلاب فيهِ لبن، فشرب منه - يعني: يوم عرفة.
وزعم بعضهم: أنه ((الجلاب)) - بالجيم -، وأن المراد به: ماء الورد.
وهو أيضاً - تصحيف، وخطأ ممن لا يعرف الحديث.
وزعم آخرون: أن ((الحلاب)) - بالحاء - وعاء للطيب. ولا أصل لذلك.
وخرج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه في ((كتاب الشافي)) ، في هذا الحديث، من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن حنظلة، عن القاسم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كانَ يغتسل في حلاب قدر هذا - وأرانا أبو عاصم قدر الحلاب بيده، فإذا هوَ كقدر كوز يسع ثمانية أرطال -، ثم يصب على شق رأسه الأيسر، ثم يأخذ بكفيه فيصب وسط رأسه.
стр. 317
٧ - بَابُ
الْمَضْمَضَةِ وَالاِستْنْشاقِ في الْجَنَابةِ
стр. 318
٢٥٩ - حدثنا عمر بن حفص: ثنا أبي: حدثني الأعمش: حدثني سالم، عن كريب، عن ابن عباس، قالَ: ثنا ميمونة، قالت: صببت للنبي ﷺ غسلاً، فأفرغ يمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قالَ بيده على الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه، وأفاض على رأسه، ثم تنحى فغسل قدميه، ثم أتي بمنديل، فلم ينفض بها.
المضمضمة والاستنشاق في غسل الجنابة، مذكور في حديث ميمونة، وفي حديث عائشة - أيضاً -، كما سبق -، أنه مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً.
وقد أشرنا - فيما تقدم - إلى الاختلاف في وجوب المضمضة [. . .] والاستنشاق في غسل الجنابة.
فمن أوجبهما في الوضوء، أو أوجب الاستنشاق وحده في الوضوء، فإيجابه لهُ في غسل الجنابة أولى، إلا رواية رويت عن الإمام أحمد، أنها في الوضوء أوكد؛ [. . . ..] الأمر بالاستنشاق في الوضوء، دون الغسل.
стр. 319
وهذا؛ بعيد؛ فإن الغسل [. . .] غسل مواضع الوضوء، وزيادة، فما وجب في الوضوء، فهوَ واجب في الغسل بطريق الأولى.
وأما من لم يوجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، فاختلفوا في إيجابهما في غسل الجنابة:
فأوجبهما الكوفيون، منهم: الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان.
وقال مالك والشافعي: هما مسنونان في الوضوء والغسل سواء.
واستدل من أوجبهما في الغسل بأن غسل الجنابة يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف، مع استتاره بالشعر، فإيجاب إيصال الماء فيهِ إلى باطن الفم والأنف، مع ظهوره، أولى بالوجوب.
وروى وكيع، عن أبي حنيفة، عن عثمان بن راشد، عن عائشة بنت عجرد، قالت: سألت ابن عباس عن الجنب يغتسل، فينسى المضمضة والاستنشاق حتى يصلي؟ قالَ: يتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة.
وخرجه الدارقطني من طريق سفيان، عن عثمان، عن عائشة، عن ابن عباس، … قالَ: يعيد في الجنابة، ولا يعيد في الوضوء.
وعائشة بنت عجرد، قيل: إنها غير معروفة.
стр. 320
وأنكر الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة التفرقة بين الغسل والوضوء في المضمضة والاستنشاق.
وقالوا: ما وجب غسله من الوجه في الوضوء، وجب في الغسل، وما لا فلا.
وفرقوا بين باطن الفم، والأنف، وما تحت الشعور، بأن ما تحت الشعور ستره
[طارىء] ، بخلاف باطن الفم والأنف، فإن سترهما بأصل الخلقة.
وأما غسل باطن العين في الجنابة، فكان ابن عمر يفعله.
وفي وجوبه عن أحمد روايتان، وأصحهما: لا يجب؛ لمشقته، وخوف الضرر
منه.
следующие страницы →