← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

او ((اصبتم)) -، يغبطهم ان صلوا الصلاة لوقتها. ولم يذكر المغيرة ان النبي ﷺ سجد للسهو. وخرجه أبو داود من وجه آخر عن المغيرة، وفيه: فلما سلم قام النبي ﷺ فصلى الركعة التي سبق بها، ولم يزد عليها شيئاً. وخرجه البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) والطبراني والبيهقي من وجه آخر عن المغيرة، وفيه: فصلينا ما أدركنا، وقضينا ما سبقنا. وقد روى معمر: ليصل ما أدرك، وليقض ما سبق. قال معمر: ولم يذكر سجوداً. يعني: انه لو كان عليه سجود في بعض الاحوال لما أخر بيانه؛ لأنه وقت حاجة. وكذلك استدل به كثير من الأئمة بعده، منهم الإمام أحمد والشافعي. وفي حديث المغيرة: ان المسبوق إنما يقوم إذا سلم الإمام، ولا يقوم حتى يسلم إمامه التسليمتين معاً، نص عليه سفيان والشافعي وأحمد؛ لأن التسليمة الثانية مختلف في وجوبها، [فإذا] لم يأت بها الإمام لم يخرج من صلاته بيقين. قالت طائفة: ويستحب ان لا يقوم حتى ينحرف الإمام، لعله أن يذكر

стр. 2557

سجود سهو، إلا ان يطول ذلك فيقوم ويدعه، وهذا قول عطاء والشعبي وأحمد. وكان ابن عمر إذا سلم الإمام يقضي ما سبق به، وإن لم يقم الإمام. وقال أصحاب الشافعي: إن مكث المسبوق بعد سلام إمامه جالساً، وطال جلوسه، فإن كان موضع تشهده الأول جاز، ولم تبطل صلاته؛ لأنه محسوب من صلاته، لكنه يكره له تطويله، وإن لم يكن في موضع تشهده لم يجز أن يجلس بعد تسليم إمامه؛ لأن جلوسه كان للمتابعة وقد زالت، فإن فعل عالما بطلت صلاته، وان كان ساهياً لم تبطل، ويسجد للسهو. ولو سبق جماعة ببعض الصلاة، ثم قاموا بعد سلام الإمام، فهل لهم ان يقلوا جماعة يؤمهم أحدهم؟ فيه قولان: أحدهما: نعم، وهو قول عطاء وابن سابط. والثاني: لا، وهو قول الحسن. وعن أحمد فيه روايتان، وللشافعية وجهان. ومأخذهما: هل يجوز الانتقال من الائتمام إلى نية الإمام؟ وأمامأخذ الحسن، فالظاهر أنه كراهة إعادة الجماعة في مسجد مرتين. قال القاضي من أصحابنا والشافعية: ولو كان ذلك في الجمعة لم يجز؛ لأن الجمعة لا تقام في مسجد واحد مرتين في يوم. وقال أبو [علي] الحسن بن البناء: في هذا نظر؛ لأن الجمعة تقام عندنا في مواضع للحاجة، وان سبق بعضها بعضاً.

стр. 2558

٢٢ - باب متى يقوم للناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة

стр. 2559

٦٣٧ - حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا هشام، قال: كتب إلي يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)) . هذا رواه هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير مكاتبة، وقد رواه عن يحيى غير واحد: شيبان، وحجاج الصواف، وايوب، وأبان العطار، ومعمر، وغيرهم. وخرجه البخاري من رواية شيبان، وخرجه مسلم من رواية حجاج ومعمر. وفي رواية له من رواية شيبان ومعمر: ((حتى تروني قد خرجت)) . وقال أبو داود: لم يذكر: ((قد خرجت)) إلا معمر. وذكر البيهقي: أنها قد رويت عن حجاج – أيضا. وخرجها ابن حبان في ((صحيحه)) من رواية معمر، ولفظه: ((حتى تروني قد خرجت إليكم)) .

стр. 2560

وهذه اللفظة: يستدل بها على مراده ﷺ برؤيته: أن يخرج من بيته، فيراه من كان عند باب المسجد، ليس المراد: يراه كل من كان في المسجد. وهذا كقوله ﷺ : ((لا تصوموا حتى تروا الهلال)) ، ومعلوم أنه لو رآه واحد أو اثنان لاكتفي برؤيتهما، وصام الناس كلهم. ويدل على هذا: ما خرجه مسلم من حديث الزهري، قال: اخبرني أبو سلمة، سمع ابا هريرة يقول: أقيمت الصلاة، فقمنا فعدلنا الصفوف قبل ان يخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ حتى إذا قام في مصلاه قبل ان يكبر ذكر فانصرف - وذكر تمام الحديث. ويحمل ذلك على قيامهم قبل ان يطلع على اهل المسجد من المسجد، لما علموا خروجه من بيته وتحققوه. وخرج - أيضا - بهذا الإسناد، عن أبي هريرة، قال: إن كانت الصلاة تقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناس مصافهم قبل ان يقوم النبي ﷺ مقامه. فهذه الرواية تصرح بأن الصفوف كانت تعدل قبل ان يبلغ النبي ﷺ إلى مصلاه، ولكن كان قد خرج من بيته، ورآه من كان بقرب بيته. وقد ذكر الدارقطني وغير واحد من الحفاظ أن هذا الحديث اختصره الوليد ابن مسلم من الحديث الذي قبله، فأتي به بهذا اللفظ.

стр. 2561

فإن قيل: فقد خرج مسلم من حديث جابر بن سمرة، قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج اقام الصلاة حين يراه. فلو اكتفي برؤية واحد للنبي ﷺ لاكتفي برؤية بلال له، واكتفي بإقامة بلال في قيام الناس، فإنه كان لا يقيم حتى يرى النبي ﷺ قد خرج. قيل: هذا إنما ورد في صلاة الظهر بالمدينة خاصة، وأمافي غيرها من الصلوات، فقد كان بلال يجيء إلى النبي ﷺ إلى بيته، فيؤذنه بالصلاة، فكان يفعل ذلك في صلاة الفجر، كما في حديث عائشة وابن عباس، وكان احياناً يفعله في السفر في غير الفجر، كما روى أبو جحيفة، أنه رأى بلالا أذن النبي ﷺ بصلاة الظهر. فالظاهر: ان بلالاً كان إذا اذن النبي ﷺ بالصلاة رجع، فأقام قبل خروج النبي ﷺ من بيته، واكتفى بتأهبه للخروج [بإيذائه] له، فوقع النهي في قيام الناس إلى الصلاة قبل خروجه في مثل هذه الحالة. والله اعلم. وقد اختلف العلماء في الوقت الذي يقوم فيه الناس للصلاة. فقال طائفة: يقومون إذا فرغ المؤذن من الاقامة، سواء خرج الإمام او لم يخرج. وحكى ذلك بعض الشافعية عن أبي حنيفة والشافعي. ورجع بعض

стр. 2562

متأخري الشافعية أنهم لا يقومون حتى يروه؛ لحديث أبي قتادة. وحكى ابن المنذر، عن أبي حنيفة، انه إذالم يكن الإماممعهم كره ان يقوموا في الصف والإمام غائب عنهم. وممن روي عنه، انهم لا يقومون حتى يروا الامام: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب. خرجه وكيع، عنهما. واختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة: فروى عن جماعة من أصحابه، أنهم لا يقومون حتى يروه؛ لحديث أبي قتادة، ولو علموا به، مثل ان يكون الإمام هو المؤذن، وقد اقام الصلاة في المنارة وهو نازل. وروى عنه الاثرم وغيره: انهم يقومون قبل ان يروه إذا اقيمت الصلاة؛ لحديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم. وروى عنه المروذي وغيره: انه وسع العمل بالحديثين جميعاً، فإن شاءوا قاموا قبل ان يروه، وأن شاءوا لم يقوموا حتى يروه. ورجح بعض أصحابنا الرواية الأولى؛ لحديث أبي قتادة، وادعى انه ناسخ لحديث أبي هريرة؛ فإنه يدل على ان فعلهم لذلك كان سابقا، ثم نهي عنه. وكذا ذكر البيهقي، لكن قال: إنما نهي عنه تخفيفاً عليهم، ورفقاً

стр. 2563

بهم، وهذا لا يمنع العمل به كالصائم في السفر ونحوه. وروي عن أبي خالد الوالبي، قال: خرج الينا علي بن أبي طالب ونحن قيام، فقال: مالي أراكم سامدين – يعني: قياماً. وسئل النخعي: أينتظرون الإمام قيأماأو قعوداً؟ قال: قعوداً. وقال ابن بريدة في انتظارهم قياماً: هو السمود. وكذا روي عن النخعي، انه كرهه، وقال: هو السمود. وحكي مثله عن أبي حنيفة وإسحاق. قال بعض أصحابنا: وروي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي، وداود، انه ان كان الإمام خارجاً من المسجد فلا تقوموا حتى تروه، وإن كان في المسجد فهو كالمشاهد؛ حملا للرؤية في الحديث على العمل، وكذا قال ابن بطة من أصحابنا. وإن كان الإمام في المسجد، فهو مرئي للمصلين أو بعضهم، لكن هل يكتفي برؤيته قاعداً، أو لا بد من رؤيته قائماً متهيأ للصلاة؟ هذا محل نظر.

стр. 2564

والمنصوص عن أحمد، انه إذا كان في المسجد فإن المأمومين يقومون إذا قال المؤذن: ((قد قامت الصلاة)) ، وإن لم يقم الإمام. والقيام للصلاة عند الإقامة متفق على استحبابه للإمام، إذا كان حاضراً في المسجد، وللمأمومين معه. واختلفوا في موضع القيام من الاقامة على اقوال: أحدها: انهم يقومون في ابتداء الاقامة، روي عن كثير من التابعين، منهم: عمر بن عبد العزيز، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وهو غريب عن أحمد. والثاني: إذا قال: ((قد قامت الصلاة)) ، روي عن أنس بن مالك، والحسن بن علي، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وهو قول ابن المبارك، وزفر، وأحمد، وإسحاق. والثالث: إذا قال: ((حي على الفلاح)) ، وحكي عن أبي حنيفة، ومحمد. والرابع: إذافرغت الاقامة، وحكي عن مالك، والشافعي. وحكى ابن المنذر عن مالك، انه لم يوقت في ذلك شيئاً. وقال الماوردي - من الشافعية -: إن كان شيخاً بطيء النهضة قام عند قوله: ((قد قامت الصلاة)) ، وإن كان سريع النهضة قام بعد الفراغ؛ ليستووا قيأمافي وقت واحد. فإن تأخر قيام الإمام عن فراغ الإقامة لعذر كما

стр. 2565

كان النبي ﷺ احيانا يناجي بعض أصحابه طويلا، فهل يتأخر قيام المأمومين إلى حين؟ الاظهر: نعم. ويدل عليه ما خرجه البخاري - وسيأتي قريباً عن شاء الله -، عن أنس، قال: اقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم. ونومهم يدل على انهم كانوا جلوسا؛ إذ لو كانوا قيأماينتظرون الصلاة كان ابعد لنومهم. وروى حجاج بن فروخ، عن العوام بن حوشب، عن ابن أبي أوفى، قال: كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة، نهض النبي ﷺ . حجاج، واسطي، قال أحمد يحيى: لا نعرفه. وقال يحيى - أيضا -: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: مجهول وضعفَهٌ النسائي، وقال الدارقطني: متروك. وذكر هذا الحديث لأحمد فأنكره، وقال: العوام لم يلق ابن أبي اوفى. هذا في القيام المبتدأ للصلاة ممن كان جالساً، فأمامن دخل المسجد امأماكان او مأموماً، والمؤذن يقيم الصلاة، فهل يجلس ليبتدئ القيام أمابعد الفراغ أو عند قوله: ((قد قامت الصلاة)) ، أم

стр. 2566

يستمر قائماً؟ فيه قولان: أحدهما: انه يجلس ليقوم إلى الصلاة في موضع القيام المشروع، وكذلك كان الإمامأحمد يفعل -: نقله عنه ابن منصور، وقاله طائفة من الشافعية، منهم: أبو عاصم العبادي. وفيه حديث مرسل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن النبي ﷺ جاء وبلال في الإقامة، فقعد خرجه الخلال. والقول الثاني: انه يستمر قائما ولا يجلس -: قاله طائفة من الشافعية، منهم: البغوي وغيره؛ لئلا يدخل في النهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام؛ لان النهي إنما يتناول القيام المبتدأ، وهذا لم يبتدئ القيام، بل استمر عليه. ويتخرج لأحمد مثل هذا؛ انه فرق بين القيام المبتدأ والمستمر في القيام للجنازة، فحمل النهي عن القيام المبتدأ لمن كان جالساً، فأمامن تبعها فإنه يستمر قائماً، ولا يجلس حتى توضع بالارض، ولم ير هذا القيام المستمر داخلاً في القيام للجنازة المنهي عنه، وجمع بذلك بين الحديثين. وقد يفرق بينهما: بأن في الجنازة حديثين مختلفين، فجمع بينهما بالتفريق بين القيام المبتدأ والمستمر، وأمافي النهي عن القيام قبل رؤية الإمام فليس فيه حديث

стр. 2567

يعارضه، بل مرسل ابن أبي ليلى يوافقه، فلذلك سوى فيه بين القيام المبتدأ والمستمر. والله أعلم. وأماإن خرج الإمام إلى المسجد، ورآه المأمومون قبل إقامة الصلاة، فلا خلاف انهم لا يقومون للصلاة برؤيته. وخرج البيهقي من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج: اخبرني موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، أن النبي ﷺ كان يخرج بعد النداء إلى المسجد، فإذا رأى أهل المجلس قليلا جلس حتى يرى منهم جماعة، ثم يصلي، وكان إذا خرج فرأى جماعة أقام الصلاة. وقال: وحدثني موسى بن عقبة - أيضا -، عن نافع بن جبير، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ –مثل هذا الحديث. وخرجه أبو داود من رواية أبي عاصم، عن ابن جريج بالإسنادين - أيضا -، لكن لفظه: كان رسول الله ﷺ حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلاً جلس، ثم صلى، وإذارآهم جماعة صلى. وخرجه الإسماعيلي في ((مسند علي)) من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج بالإسنادين – أيضا -، ولفظ حديثه: أن النبي ﷺ كان إذا دخل المسجد فرأى جماعة أقام الصلاة، وإن رآهم قليلاً جلس. وخرجه من طريق عبد المجيد - أيضا - بنحو رواية البيهقي، وفي

стр. 2568

آخره: يعني: أمر المؤذن، فأقام. وأشار إلى أنه إنما يعرف بهذا الإسناد عن علي القيام للجنازة ثم الجلوس قال: ولعل هذا أن يكون [خبراً] آخر. والله أعلم.

стр. 2569

٢٣ - باب لا يسعى إلى الصلاة، ولا يقوم إليها مستعجلاً وليقم بالسكينة والوقار

стр. 2570

٦٣٨ - حدثنا أبو نعيم: ثنا شيبان، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني، وعليكم السكينة)) . تابعه: علي بن المبارك. قد سبق هذا الحديث بدون هذه الزيادة، وهي: ((وعليكم السكينة)) ، وقد ذكر أنه تابع شيبان عليها علي بن المبارك. وقد خرجه في كتاب ((الجمعة)) عن أبي قتيبة - وهو: سلم بن قتيبة -، عن ابن المبارك، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة - قال أبو عبد الله: لا أعلم إلا عن أبيه -، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا تقوموا حتى تروني، وعليكم السكينة)) ، فشك في وصله. وقال أبو داود: رواه معاوية بن سلام، وعلي بن المبارك، وقالا فيه: ((حتى تروني، وعليكم السكينة)) .

стр. 2571

وخرجه الإسماعيلي في ((صحيحه)) من رواية معاوية، كما ذكر أبو داود. وقد سبق القول في النهي عن السعي إلى الصلاة، والأمر بالمشي إليها بالسكينة والوقار. وإنما المراد بهذا الباب: النهي عن القيام إلى الصلاة عند رؤية الإمام باستعجال في القيام، والأمر بالقيام برفق وتؤدة، وعليكم السكينة والوقار.

стр. 2572

٢٤ - باب هل يخرج من المسجد لعلةٍ ؟

стр. 2573

٦٣٩ - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله: ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف، حتى إذاقام في مصلاه انتظرنا أن يكبر، انصرف. قال: ((على مكانكم)) ، فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء، وقد اغتسل. مقصود البخاري بهذا الباب: أنه يجوز لمن كان في المسجد بعد الأذان أو بعد الإقامة أن يخرج منه لعذر. والعذر نوعان: أحدهما: ما يحتاج إلى الخروج معه من المسجد، ثم يعود لإدراك الصلاة فيه، مثل أن يذكر أنه على غير طهارة، أو ينتقض وضوؤه حينئذ، أو يدافعه الأخبثان، فيخرج للطهارة، ثم يعود فيلحق الصلاة في المسجد. وعلى هذا: دل حديث أبي هريرة المخرج في هذا الباب. والثاني: أن يكون العذر مانعاً من الصلاة في المسجد كبدعة إمامه ونحوه، فيجوز الخروج منه – أيضا - للصلاة في غيره، كما فعل ابن عمر ﵁.

стр. 2574

روى أبو داود من حديث أبي يحيى القتات، عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر او العصر، فقال: اخرج بنا؛ فإن هذه بدعة. وأبو يحيى هذا، مختلف فيه. وقد استدل طائفة من أصحابنا بهذا الحديث، وأخذوا به. وأماالخروج بعد الأذان لغير عذر، فمنهي عنه عند أكثر العلماء. قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب: إذا أذن المؤذن وأنت في المسجد، فلا تخرج حتى تصلي. قال ابن المسيب: يقال: لا يفعله إلا منافق. قال: وبلغنا ان من خرج بين الأذان والإقامة لغير الوضوء أنه سيصاب. ذكره مالك في ((الموطإ)) عنه. قال أصحابنا: لا يجوز ذلك. وقال أصحاب الشافعي: هو مكروه. قال الترمذي في ((جامعه)) : العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ -

стр. 2575

ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان، إلا من عذرٍ: أن يكون على غير وضوء، أو أمر لا بد منه. ويروى عن إبراهيم النخعي، أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة. قال أبو عيسى الترمذي: وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه. والمروي عن إبراهيم في هذا: ما رواه مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا سمعت الإقامة وأنت في المسجد فلا تخرج. فمفهومه: جواز الخروج قبل الإقامة. وقد حمله الترمذي على العذر، ويشهد لذلك: ما رواه وكيع، عن عقبة أبي المغيرة، قال: دخلنا مسجد إبراهيم وقد صلينا العصر، وأذن المؤذن، فأردنا أن نخرج، فقال أبراهيم: صلوا. وقد دل على النهي عن ذلك ما روى أبو الشعثاء سليم بن الأسود، قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره، حتى خرج من المسجد، فقال

стр. 2576

أبو هريرة: أماهذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . وخرجه الإمام أحمد، وزاد: ثم قال: أمرنا رسول الله ﷺ ((إذا كنتم في المسجد، فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي)) . وهذا كله إذا أذن المؤذن في وقت الصلاة، فإذا أذن قبل الوقت، فإن كان لغير الفجر فلا عبرة بهذا الأذان؛ لأنه غير مشروع، وإن كان للفجر فيجوز الخروج من المسجد بعد الأذان قبل طلوع الفجر للمؤذن -: نص عليه الإمام أحمد. وغير المؤذن في معناه؛ فإن حكم المؤذن في الخروج بعد الأذان من المسجد كحكم غيره في النهي عند أكثر العلماء، ونص عليه أحمد، وإسحاق، وقال: لا نعلم أحداً من السلف فعل خلاف ذلك. ورخص فقهاء اهل الكوفة، منهم: سفيان وغيره في أن يخرج المؤذن من المسجد بعد أذانه للأكل في بيته.

стр. 2577

٢٥ - باب إذا قال الإمام: ((مكانكم حتى أرجع)) انتظروه

стр. 2578

٦٤٠ - حدثنا إسحاق: ثنا محمد بن يوسف: ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة، فسوى الناس صفوفهم، فخرج رسول الله ﷺ ، فتقدم وهو جنب، فقال: ((على مكانكم)) ، فرجع فاغتسل، ثم خرج ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم. قد تقدم الكلام في القيام قبل خروج الإمام، وانتظار المأمومين له قيأماقبل خروجه، فأماإذا ذكر حاجة فانصرف من المسجد وقال لهم: ((مكانكم حتى أرجع)) ، فإنهم ينتظرونه قيأماحتى يرجع إليهم، كما فعل النبي ﷺ في هذا الحديث. وفي الرواية المذكورة في الباب الماضي، قال: ((فمكثنا على هيئتنا حتى خرج الينا)) ، وهذا يدل على انهم انتظروه قياماً. ورواه بعضهم: ((على هينتنا)) من الهينة، وهي الرفق، وكأنها تصحيف. والله اعلم. وفي رواية لمسلم في هذا الحديث: ((فلم نزل قيأماننتظره حتى خرج الينا، وقد اغتسل)) .

стр. 2579

وفي رواية لمسلم - أيضا - في هذا الحديث: ((فأومأ إليهم بيده أن مكانكم)) . وفيه: دليل على أن إيماء القادر على النطق يكتفى به في العلم، والأمر، والنهي، وقد سبق ذلك مستوفى في ((كتاب العلم)) . وفي رواية لمسلم –أيضا - في هذا الحديث: ((فإتى رسول الله ﷺ حتى إذاقام في مصلاه قبل ان يكبر، ذكر فانصرف وقال لنا: ((مكانكم)) . وهذه الرواية صريحة في أنه انصرف قبل التكبير، وهو – أيضا - ظاهر رواية البخاري. قال الحسن بن ثواب: قيل لأبي عبد الله – يعين: أحمد بن حنبل - وأنا أسمع: النبي ﷺ حين أومأ إليهم ان امكثوا، فدخل فتوضأ ثم خرج، أكان كبر؟ فقال: يروى أنه كبر، وحديث أبي سلمة لما أخذ القوم أماكنهم من الصف، قال لهم: ((امكثوا)) ، ثم خرج فكبر. فبين أحمد ان حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة يدل على انه لم يكن كبر، وأماقوله: ((يروى أنه كبر)) ، فيدل على أن ذلك قد روي، وأنه مخالف لحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأن حديث أبي سلمة

стр. 2580

أصح، وعليه العمل. وقد خرج أبو داود من حديث زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى. وفي رواية له - أيضا -: ((فكبر)) وقال فيه: فلما قضى الصلاة قال: ((إنما أنا بشر، وإني كنت جنباً)) . وخرجه الإمام أحمد بمعناه - أيضا. قال أبو داود: ورواه أيوب وهشام وابن عون، عن محمد، عن النبي ﷺ مرسلاً، قال: فكبر، ثم اومأ إلى القوم أن اجلسوا، فذهب واغتسل، وكذلك رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار: أن وسول الله ﷺ كبر في صلاة. قال أبو داود: وكذلك حدثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا أبان، عن يحيى يعني: ابن أبي كثير -، عن الربيع بن محمد، عن النبي ﷺ ، أنه كبر. انتهى. وهذه كلها مرسلات.

стр. 2581

وحديث الحسن، عن أبي بكرة في معنى المرسل؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين. وقد روي حديث ابن سيرين مسنداً، رواه الحسن بن عبد الرحمن الحارثي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة - مسنداً. قال البيهقي: والمرسل أصح. وقد روي موصولاً من وجه آخر: خرجه الإمام أحمد، وابن ماجه من رواية اسامة بن زيد، عن عبد الله ابن يزيد مولى الاسود بن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة، وكبر، ثم أشار اليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماءً، فصلى بهم، فلما انصرف قال: ((إني خرجت إليكم جنباً، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة)) . واسامة بن زيد، هو الليثي، وليس بذلك الحافظ. وروى معاذ بن معاذ: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، قال: دخل النبي ﷺ في صلاته، فكبر فكبرنا معه، ثم اشار إلى الناس أن كما أنتم، فلم نزل قيأماحتى أتانا رسول الله ﷺ ، قد اغتسل ورأسه يقطر.

стр. 2582

قال البيهقي: خالفه عبد الوهاب بن عطاء، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن بكر المزني. وقد بنى الشافعي على رواية من روى: أنه ﷺ كان كبر ثم ذكر، ووافقه الإمام أحمد في رواية الأثرم وغيره. وهؤلاء استدلوا بهذا الحديث على أن من صلى خلف محدث ناسٍ لحدثه ان صلاته مجزئه عنه، ويعيد الإمام وحده إذا ذكر بعد تمام صلاته، كما روي عن عمر وعثمان. وقيل: إنه لا مخالف لهما من الصحابة، بل قد روي مثله عن علي، وابن عمر - أيضا -، وهو قول جمهور العلماء، منهم: النخعي، وسفيان، ومالك، والشافعي، وأحمد. قال ابن مهدي: قلت لسفيان الثوري: تعلم ان أحداً قال: يعيد ويعيدون عن حماد؟ قال: لا. وهذا إذا استمر نسيان الإمام حتى فرغ من صلاته، فأماإن ذكر في اثناء صلاته فخرج، فتطهر ثم عاد، فإن الإمام لا يبني على ما مضى من صلاته بغير طهارة بغير خلاف، فإن من صلى بغير طهارة ناسياً فإن عليه الإعادة بالإجماع؛ لقول النبي ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) ، وقوله: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) .

стр. 2583

وحكى ابن عبد البر عن قوم أنهم جوزوا البناء على ما مضى من صلاته محدثا ناسياً، وأشار إلى انه قول مخالف للإجماع، فلا يعتد به. وليس في الحديث ان النبي ﷺ بنى على ما مضى من تكبيرة الإحرام وهو ناس لجنابته، فإن قدر أن ذلك وقع فهو منسوخ؛ لإجماع الأمة على خلافه، كما ذكره ابن عبد البر وغيره، فلم يبق إلا أحد وجهين: أحدهما: أن يكون ﷺ لما رجع كبر للإحرام، وكبر الناس معه. وعلى هذا التقدير، فلا يبقى في الحديث دلالة على صحة الصلاة خلف إمام صلى بالناس محدثاً ناسياً لحدثه. والثاني: أن يكون النبي ﷺ استأنف تكبيرة الإحرام، وبنى الناس خلفه على تكبيرهم الماضي. وهذا هو الذي اشار اليه الشافعي، وجعله عمدة على صحة صلاة المتطهر خلف إمام صلى محدثاً ناسياً لحدثه. قال ابن عبد البر: وقد وافق الشافعي على ذلك بعض أصحاب مالك. قال: ولا يصح عندي ذلك على أصول مالك؛ لأن مالكاً لا يجيز للمأموم ان يكبر قبل إمامه، وإنما يجيزه الشافعي. يشير إلى أنه على هذا التقدير يصير المأموم قد كبر منفرداً، ثم انتقل إلى ائتمامه بالإمام، وهذا يجيزه الشافعي دون مالك. وفيما قاله ابن عبد البر نظر؛ فإن المأموم إنما كبر مقتدياً بإمام يصح

стр. 2584

الاقتداء به، ثم بطلت صلاته بذكره، فاستأنف صلاته، فلم يخرج المأموم عن كونه مقتدياً بإمام يصح الاقتداء به، فهو كمن صلى خلف إمام، ثم سبقه الحدث في اثناء صلاته في المعنى. وعن الإمام أحمد في ابتداء المأمومين وإتمامهم الصلاة إذا اقتدوا بمن نسي حدثه، ثم علم به في اثناء صلاته - روايتان. وروي عن الحسن، أنهم يتمون صلاتهم. ومذهب الشافعي: لا فرق بين ان يكون الإمام ناسياً لحدثه أو ذاكراً له، إذالم يعلم الماموم، أنه لا إعادة على المأموم. وهو قول ابن نافع من المالكية، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور فقهاء الأمصار وأهل الحديث. وعن مالك وأحمد: على الماموم الإعادة. وقال حماد وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري - في اشهر الروايتين عنه -: يعيد المأموم، وإن كان الإمام ناسياً ولم يذكر حتى فرغ من صلاته. وهو رواية ضعيفة عن أحمد. وحكي عنه رواية ثالثة: أن قرأ المأموم لنفسه فلا إعادة عليه، وإلا فعليه الإعادة. وهذا قد يرجع إلى القول بأنه تصير صلاة المأموم في هذه الحال منفرداً. والجمهور على ان صلاته في جماعة، وهو اصح الوجهين للشافعية، بل قد قيل: إنه نص الشافعي. وروي عن علي: أن الإمام والمأمومين يعيدون، ولا يصح عنه؛ فإنه

стр. 2585

من رواية عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب. وفيه حديث مرسل: رواه أبو جابر البياضي - وهو متروك - عن ابن المسيب - مرسلاً.

стр. 2586

٢٦ - باب قول الرجل: ((ما صلينا))

стр. 2587

٦٤١ - حدثنا أبو نعيم: حدثنا شيبان، عن يحيى، قال: سمعت أبا سلمة، قال: أنا جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ جاءه عمر بن الخطاب يوم الخندق، فقال: يا رسول الله، ماكدت اصلي حتى كادت الشمس تغرب، وذلك بعد ما أفطر الصائم. فقال النبي ﷺ : (( [والله] ، ما صليتها)) ، فنزل النبي ﷺ إلى بطحان وأنا معه، فتوضأ ثم صلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. قد تقدم هذا الحديث في أواخر ((كتاب المواقيت)) . ومقصود البخاري بتخريجه هاهنا: أن من لم يصل الصلاة حتى ذهب وقتها وهو ناسٍ لها، أو مشتغل عنها بعذر يبيح تأخيرها، إذا سئل: ((هل صلى؟)) فله أن يقول: ((ما صليتها)) ، وله أن يحلف على ذلك، كما قال النبي ﷺ : ((والله، ما صليتها)) . وكذلك إذاسئل من أخر الصلاة الحاضرة إلى أثناء وقتها: هل صلاها؟ فله أن يقول: ((ما صليتها بعد)) ، ولا حرج في ذلك؛ لأنه صدق، وتأخر الصلاة في هذه الصورة كلها مباح، فلا يضر الإخبار فيها بأنه

стр. 2588

لم يصل. وقد نص على جواز ذلك أحمد، وإسحاق -: نقله عنهما ابن منصور. ويوجد من الناس من يتحرج من قوله: ((لم أصل)) ، ويقول: ((نصلي إن شاء الله)) ، والسنة وردت بخلاف ذلك. وأماإن عرض عليه أن يصلي في وقتها، وهو يريد تأخيرها، فإنه لا يقول: ((لا أصلي)) ، ولكن يخبر بما قصده من التأخير المباح، كما قال النبي ﷺ لأسامة بن زيد ليلة المزدلفة: لما قال له: الصلاة يا رسول الله. فقال له ﷺ : ((الصلاة امامك)) . ولما خطب ابن عباس بالبصرة، وأخر المغرب، فقيل له: الصلاة، وألح عليه القائل، قال له: أتعلمنا بالسنة؟ ثم أخبره بجمع النبي ﷺ بين الصلاتين. خرجه مسلم. ولما أخر ابن عمر المغرب في السفر، وكان قد استصرخ على زوجته صفية، قال له ابنه سالم: الصلاة. فقال [له] : سر، ثم قال له: الصلاة. فقال له: سر، حتى سار ميلين أو ثلاثة، ثم نزل فصلى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي إذا أعجله السير. خرجه البخاري، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله .

стр. 2589

٣٧ - باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة

стр. 2590

٦٤٢ - حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو: حدثنا عبد الوارث: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم. هذا الحديث: فيه دليل على أن الإمام له أن يؤخر الدخول في الصلاة بعد إقامة الصلاة، إذا كانت له حاجة، وقد كان ابن عمر إذا أقيمت الصلاة وقام مقامه لا يكبر حتى يأتيه الرجل الذي كان وكله بإقامة الصفوف، فيخبره بإقامتها، وأما إذا لم يكن له حاجة فالأولى المسارعة إلى الدخول في الصلاة عقب الإقامة. وفي ((تهذيب المدونة)) للبرادعي المالكي: وينتظر الإمام بعد الإقامة قليلاً قدر ما تستوي الصفوف، وليس في سرعة القيام للصلاة بعد الإقامة وقت، وذلك على قدر طاقة الناس. ومتى طال الفصل بين الإقامة والصلاة، فقال بعض أصحابنا، وأصحاب الشافعي: يعتد بتلك الإقامة، ويكون كمن صلى بغير إقامة.

стр. 2591

وسيأتي من حديث ثابت، عن أنس ما يدل على خلاف ذلك. وظاهر حديث أنس يدل على ان الإقامة لم تعد كذلك. وقد خرج مسلم حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس هذا، ولفظه: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، ثم جاء فصلى بهم. وظاهر هذه الرواية يدل على انه صلى بالإقامة السابقة، واكتفى بها. فإن زعم زاعم ان النبي ﷺ فعل ذلك ليبين للناس جواز الصلاة بدون اقامة. قيل: ليس في هذا بيان لذلك؛ فإنه إنما يتبادر إلى الأفهام انه اكتفى بالإقامة المتقدمة، فلو كان حكمها قد بطل لأمر بإقامة ثانية، أو بين بقوله ان تلك الاقامة لم تبق معتبرة، وإنما يصلي بغير إقامة بالكلية لئلا يظن انه صلى بتلك الإقامة الماضية، فإن هذا هو المتبادر إلى الأفهام. والله اعلم. وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على أن الإقامة وإن تقدمت على الصلاة بزمن طويل فإنها كافية. فروي عن الحسن، والشعبي، والنخعي، ومجاهد، وعكرمة، وعروة، ومحمد بن علي بن حسين، وغيرهم: أن من دخل مسجداً قد صلي فيه فإنه لا يؤذن، ولا يقيم. وحكي مثله عن أبي حنيفة وأصحابه، وإسحاق، وحكاه ابن المنذر قولاً للشافعي.

стр. 2592

ومنهم من علل بأنه يجزئه إقامة أهل المسجد التي صلوا بها، روي ذلك صريحاً عن عروة. وسئل أحمد عن ذلك، فقال: ان شاءوا أقاموا، والأمر عنده واسع -: نقله عنه حرب. وهذا يشعر بأن لهم الاكتفاء بالإقامة الأولى. ونقل حرب عن إسحاق فيمن فاتته الصلاة يوم الجمعة مع الإمام - صلاة الجمعة -، قال: لا بد أن يقيم الصلاة للظهر؛ لأن الأذان والإقامة يومئذ لم تكن للظهر، إنما كانت للجمعة. وهذا يدل على أنه يكتفي بالإقامة الأولى لمن صلى تلك الصلاة التي اقيمت لأجلها. وقد ذكرنا هذه المسائل مستوفاة في ((أبواب الأذان)) ، وإنما المقصود: ان الإقامة وإن طال الفصل بينها وبين الدخول في الصلاة يكتفي بها عند كثير من العلماء. وروى وكيع في ((كتابه)) حدثنا عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: أقيمت الصلاة، وصفت الصفوف، فانتدب رجل لعمر فكلمه، فأطال القيام حتى القيا إلى الارض، والقوم صفوف.

стр. 2593

٢٨ - باب الكلام إذا أقيمت الصلاة

стр. 2594

٦٤٣ - حدثنا عياش بن الوليد: حدثنا عبد الأعلى: حدثنا حميد، قال: سألت ثابتاً البناني عن الرجل يتكلم بعدما تقام الصلاة، فحدثني عن أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة، فعرض للنبي ﷺ رجل، فحبسه بعدما أقيمت الصلاة. خرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه حتى نام القوم - أو بعض القوم -، ثم صلوا. وخرجه الترمذي من حديث معمر، عن ثابت، عن أنس، قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ بعدما تقام الصلاة يكلمه الرجل، يقوم بينه وبين القبلة، فما يزال يكلمه، ولقد رايت بعضهم ينعس من طول قيام النبي ﷺ . فهذا الحديث: دليل على جواز ابتداء الكلام للإمام وغيره بعد إقامة

стр. 2595

الصلاة، بخلاف حديث عبد العزيز بن صهيب المخرج في الباب الماضي؛ فإنه إنما يدل على جواز استدامة الكلام إذا شرع فيه قبل الإقامة. ورواية معمر، عن ثابت، عن أنس صريحة بأن مدة الكلام طالت، ورواية حماد بن سلمة تشعر بذلك؛ لقوله: ((حتى نام القوم أو بعض القوم)) ، وليس فيه ذكر إعادة إقامة الصلاة. وظاهر الحال: يدل على أنه لم يعد الإقامة، ولو وقع ذلك لنقل، ولم يهمل؛ فإنه مما يهتم به. وقد روى حديث ثابت جرير بن حازم، فخالف أصحاب ثابت في لفظه، رواه عن ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يتكلم بالحاجة إذا نزل عن المنبر. خرجه من طريقه كذلك الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي. وقال: لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم، وسمعت محمداً –يعني: البخاري - يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما روي عن ثابت، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي ﷺ ، فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم. قال محمد: والحديث هو هذا، وجرير بن حازم ربما يهم في بعض الشيء، وهو صدوق.
следующие страницы →