Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
وهو إسناد ضعيف؛ ضعفه ابن معين وغيره.
وروي من وجوه أخر مرسلة.
وقد ذكر البخاري في هذا الباب ثلاث مسائل:
الأولى:
الالتفات في الأذان يميناً وشمالاً.
والسنة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القبلة، ويدير وجهه في قول: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) يميناً وشمالاً.
وأنكر ابن سيرين الالتفات، حكاه ابن المنذر وابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن سيرين، أنه إذا اذن المؤذن استقبل القبلة، وكان يكره أن يستدير في المنارة.
وروى وكيع، عن الربيع، عن ابن سيرين، قال: المؤذن لا يزيل قدميه.
وكأن الروايتين لا تصرحان بكراهة لوي العنق.
وكذلك مالك.
وفي ((تهذيب المدونة)) : ولا يدور في أذانه، ولا يلتفت، وليس هذا من الأذان، إلا أن يريد بالتفاته أن يسمع الناس فيؤذن كيف تيسر عليه. قال: ورأيت المؤذنين بالمدينة يتوجهون القبلة في أذانهم ويقيمون عرضاً، وذلك واسع يصنع كيف شاء. انتهى.
وفي حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في منامه انه رأى الذي
стр. 2522
علمه النداء في نومه قام فاستقبل القبلة فأذن.
خرجه أبو داود من حديث معاذ.
والذين رأوا الالتفات. قال أكثرهم: يلتفت بوجهه، ولا يلوي عنقه، ولا يزيل قدميه، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وأبي ثور، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة وأصحابه.
وحكي - أيضا - عن الحسن والنخعي والليث بن سعد.
وروى الحسن بن عمارة، عن طلحة بن مصرف، عن سويد بن غفلة، عن بلال، قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا أذنا او أقمنا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها.
خرجه الدارقطني في ((أفراده)) .
والحسن بن عمارة، متروك.
وقالت طائفة: إن كان في منارة ونحوها دار في جوانبها؛ لأنه أبلغ في الاعلام والاسماع، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وظاهر فيه مالك إذا أراد
стр. 2523
الاعلام.
وروي عن الحسن أنه يدور.
وظاهر كلام أصحابنا اختصاص الالتفات بالاذان.
وللشافعية في الالتفات في الاقامة وجهان.
والفرق بينهما: أن الاذان إعلام للغائبين، فلذلك يلتفت ليحصل القصد بتبلغيهم، بخلاف الاقامة؛ فإنها اعلام للحاضرين، فلا حاجة إلى التلفت فيها، ولذلك لم يشرع في الموعظة في خطب الجمع وغيرها الالتفات؛ لانها خطاب لمن حضر، فلا معنى للالتفات فيها.
وقال النخعي: يستقبل المؤذن بالاذان والشهادة والاقامة القبلة.
خرجه ابن أبي شيبة.
وروى بإسناده عن حذيفة، انه مر على ابن النباح وهو يؤذن، يقول: الله اكبر [الله] أكبر، أشهد أن لا اله الا الله، يهوي بأذانه يمينا وشمالا، فقال حذيفة: من يرد الله ان يجعل رزقه في صوته فعل.
وهذا يدل على انه كره التلفت في غير الحيعلة، وجعله مناكلاً بأذانه.
стр. 2524
المسألة الثانية:
جعل الاصبعين في الاذنين.
وقد حكى عن ابن عمر، انه كان لا يفعل ذلك.
وظاهر كلام البخاري: يدل على انه غير مستحب؛ لانه حكى تركه عن ابن عمر، وأماالحديث المرفوع فيه فعلقه بغير صيغة الجزم، فكأنه لم يثبت عنده.
وذكر في ((تاريخه الكبير)) من رواية الربيع بن صبيح، عن ابن سيرين، قال: اول من جعل أصبعيه في أذنيه في الاذان عبد الرحمن بن الأصم مؤذن الحجاج.
وهذا الكلام من ابن سيرين يقتضي انه عنده بدعة.
وروي عن ابن سيرين بلفظ آخر.
قال وكيع في ((كتابه)) : عن يزيد بن إبراهيم والربيع بين صبيح، عن ابن سيرين، قال: أول من جعل اصبعا واحدة في أذانه ابن الأصم مؤذن الحجاج.
وقال ابن أبي شيبة: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال: كان الأذان أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، ثم يجعل اصبعيه، واول من ترك إحدى أصبعيه في أذنيه ابن الاصم.
قال: وثنا أبو أسامة، عن هشام، عن ابن سيرين، انه كان إذا اذن استقبل القبلة، فأرسل يديه، فإذا بلغ: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح))
стр. 2525
أدخل إصبعيه في أذانه.
وهذا يقتضي انه إنما يجعلهما في أذنيه في أثناء الاذان.
وروى وكيع، عن سفيان، عن نسير بن ذعلوق، قال: رأيت ابن عمر يؤذن على بعير.
قال سفيان: قلت له: رأيته جعل إصبعيه في أذنيه؟ قال: لا.
وهذا هو المروي عن ابن عمر، الذي ذكره البخاري تعليقا.
وأكثر العلماء على ان ذلك مستحب.
قال الترمذي في ((جامعه)) : العمل عند اهل العلم على ذلك، يستحب ان يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الاذان. وقال بعض اهل العلم: وفي الاقامة – أيضا، وهو قول الاوزاعي. انتهى.
وقال إسحاق كقول الاوزاعي.
ومذهب مالك: ان شاء جعل اصبعيه في اذانه واقامته، وان شاء ترك - ذكره في ((التهذيب)) .
وظاهر هذا: يقتضي انه ليس بسنة.
стр. 2526
وقد سهل أحمد في تركه، وفي جعل الاصبعين في احدى الاذنين.
وسئل الشعبي: هل يضع أصبعيه على أذنيه إذا أذن؟ قال: يعم عليهما، واحدهما يجزئك.
خرجه ابو نعيم في ((كتاب الصلاة)) .
واختلفت الرواية عن أحمد في صفة ذلك:
فروي عنه، أنه يجعل أصبعيه في أذنيه، كقول الجمهور.
وروي عنه، أنه يضم أصابعه، ويجعلها على اذنيه في الأذان والإقامة.
واختلف أصحابنا في تفسير ذلك:
فمنهم من قال: يضم أصابعه، ويقبضهما على راحتيه، ويجعلهما على أذنيه، وهو قول الخرقي وغيره.
ومنهم من قال: يضم الأصابع، ويبسطها، ويجعلها على اذنه.
قال القاضي: هو ظاهر كلام أحمد.
قال أبو طالب: قلت لأحمد: يدخل إصبعيه في الأذن؟ قال: ليس هذا في الحديث.
وهذا يدل على ان رواية عبد الرزاق، عن سفيان التي خرجها في ((مسنده)) والترمذي في ((جامهه)) غير محفوظة، مع ان أحمد استدل بحديث أبي جحيفة في هذا في رواية محمد بن الحكم. وقال في رواية أبي طالب - أيضا -: أحب إليّ أن يجعل أصابع يديه على أذنيه،
стр. 2527
على حديث أبي محذورة، وضم أصابعه الأربع، ووضعهما على أذنيه.
قال القاضي أبو يعلى: لم يقع لفظ حديث أبي محذورة.
قال: وروى أبو حفص العكبري بإسناده، عن [أبي] المثنى، قال: كان ابن عمر إذا بعث مؤذناً يقول له: اضمم أصابعك مع كفيك، واجعلها مضمومة على أذنيك.
واستحب الشافعية إدخال الإصبعين في الأذنين في الأذان، دون الإقامة.
المسألة الثالثة:
الأذان على غير وضوء.
حكى البخاري عن عطاء، أنه قال: الوضوء حق وسنة - يعني في الأذان -، وعن النخعي، انه قال: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء.
ورجح قوله بقول عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
وقد خرجه مسلم من حديث البهي، [عن عروة] ، عن عائشة.
стр. 2528
وممن قال بالكراهة: مجاهد والأوزاعي والشافعي وإسحاق.
وممن ذهب إلى الرخصة: الحسن والنخعي وقتادة وحماد ومالك وسفيان وابن المبارك.
ورخص أحمد في الأذان على غير وضوء، دون الإقامة.
وكذا قال الحسن وقتادة ومالك.
وقال الأوزاعي: إن أحدث في أذانه أتمه، وإن أحدث في إقامته - وكان وحده - قطعها.
واستحب الشافعي لمن أحدث في أذانه أن يتطهر، ويبنى على ما مضى منه.
قال إسحاق: لم يختلفوا في الإقامة أنها أشد.
وقال الزهري: قال أبو هريرة: لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ.
ورواه معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن أبي هريرة - مرفوعاً.
خرجه الترمذي من الطريقين، وذكر أن الموقوف أصح.
قال: والزهري لم يسمع من أبي هريرة.
وروى عمير بن عمران الحنفي: ثنا الحارث بن عيينة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو طاهر.
стр. 2529
خرجه الدارقطني في ((الأفراد)) ، وزاد: ولا يؤذن إلا وهو قائم.
وقال: عبد الجبار، عن أبيه مرسل.
قلت: والحارث وعمير، غير مشهورين.
وما ذكره البخاري عن عطاء، هو من رواية ابن جريج، عنه، قال: حق وسنه إلا يؤذن المؤذن إلا متوضئاً. قال: [هو] من الصلاة، هي فاتحة الصلاة، فلا يؤذن إلا متوضئاً.
وهذا مبني على قوله: إن من نسي الإقامة أعاد الصلاة، وقد سبق ذلك عنه.
وسبق الكلام في ذكر الله تعالى للمحدث، وان منهم من فرق بين الذكر الواجب كالأذان والخطبة، وبين ما ليس بواجب.
وأماأذان الجنب، فأشد كراهة من أذان المحدث.
واختلفوا: هل يعتد به، ام لا؟
فقال الأكثرون: يعتد به، منهم: سفيان وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد.
وقال: إسحاق والخرقي من أصحابنا: لا يعتد به، ويعيده.
стр. 2530
٢٠ - باب
قول الرجل: ((فاتتنا الصلاة))
وكره ابن سيرين أن يقول: فاتتنا الصلاة، وليقل: لم ندرك.
وقول النبي ﷺ اصح.
стр. 2531
٦٣٥ - حدثنا ابو نعيم: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ ، إذ سمع جلبة الرجال، فلما صلى قال: ((ما شأنكم؟)) قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: ((فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) .
مقصود البخاري بهذا الباب: أن يرد ما حكاه عن ابن سيرين، أنه كره أن يقول: ((فاتتنا الصلاة)) ، ويقول: ((م ندركها)) ، من ذلك بقول النبي ﷺ : ((وما فاتكم)) فسمى القدر المسبوق به مع الإمام فائتاً، مع قوله ﷺ : ((من ادرك ركعة من الصلاة فقد
стр. 2532
ادركها)) ، فكيف بما لم يدرك مع الإمام من صلاته شيئاً، فإنه أولى أن يسمى فائتاً.
والظاهر: أن ابن سيرين إنما يكره أن يقول: ((فاتتنا الصلاة)) ؛ فإنها فاتته حقيقة.
وقد يفرق بين أن تفوته بعذر كنوم ونسيان، أو بغير عذر، فإن كان بعذر لم تفت - أيضا -؛ لإمكان التدارك بالقضاء.
وقد تقدم قول النبي ﷺ : " الذي تفوته صلاة [العصر] كانما وتر أهله وماله" والكلام عليه مستوفى، وهل المراد به: من تفوته بعذر او بغير عذر، وذكرنا هناك من حديث أبي قتادة، عن النبي ﷺ : ((إنما تفوت النائم، ولا تفوت اليقظان)) .
خرجه الإمام أحمد.
وكان ابن سيرين لشدة ورعه يتورع في منطقه، ويتحفظ فيه، ويكره أن يتكلم بما فيه نوع توسع أو تجوز، وإن كان سائغاً في لغة العرب.
وقد وجد في بعض نسخ ((صحيح البخاري)) في حديث أبي قتادة هذا: ((وما فاتكم فاقضوا)) .
وقد خرجه الطبراني من طريق أبي نعيم الذي خرجه عنه البخاري،
стр. 2533
وقال في حديثه: " ليصل أحدكم ما أدرك، وليقض ما فاته".
وخرجه بقي بن مخلد في ((مسنده)) عن ابن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن شيبان، وقال في حديثه: ((وما سبقتم فاقضوا)) .
وخرجه الإسماعيلي، ولفظه: ((وما فاتكم فاقضوا)) .
стр. 2534
٢١ - باب
لا يسعى إلى الصلاة، ولياتها بالسكينة والوقار
وقال: ((ما ادركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) -: وقاله أبو قتادة، عن النبي ﷺ .
حديث أبي قتادة، تقدم في الباب الماضي.
قال:
стр. 2535
٦٣٦ - حدثنا آدم: حدثنا ابن أبي ذئب: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذاسمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاتموا)) .
كان الزهري يروي هذا الحديث، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ويرويه - أيضا -، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وقد رواه جماعه من أصحابه عنه، عن سعيد وحده. ورواه آخرون منهم، عنه، عن أبي سلمة وحده. وجمع بعضهم بينهما، منهم: عبيد الله بن عمر.
وروي –أيضا -
стр. 2536
كذلك، عن ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ويونس بن يزيد.
قال الدارقطني: هو محفوظ، كان الزهري ربما أفرده عن أحدهما، وربما جمعه.
قلت: وقد خرجه البخاري في ((كتاب الجمعة)) من ((صحيحه)) هذا، عن آدم، عن ابن أبي ذئب بالجمع بينهما، ومن طريق شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده.
وخرجه مسلم من رواية إبراهيم بن سعيد، عن الزهري، عنهما.
وخرجه أبو داود من طريق يونس كذلك.
وكلام الترمذي في ((جامعه)) يدل على أن الصحيح رواية من رواه عن الزهري عن سعيد وحده.
والصحيح: أنه صحيح عن الزهري، عنهما، وتصرف الشيخين في ((صحيحهما)) يشهد لذلك.
قوله ﷺ : ((إذاسمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، ولا تسعوا)) أمر بالمشي ونهي عن الإسراع إلى الصلاة لمن سمع الإقامة، وليس سماع الإقامة شرطاً للنهي، وإنما خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن الاستعجال إنما يقع عند سماع الإقامة خوف فوت إدراك التكبيرة أو الركعة، فهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ
стр. 2537
مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، والرهن جائز في السفر وغيره.
وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] ، وقد ذكرنا أن التيمم يجوز عند عدم الماء في السفر والحضر.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الاحزاب:٥] ، ويجوز أن يدعوا أخوانا وموالي وإن علم أباؤهم؛ فقد قال النبي ﷺ لزيد: ((انت اخونا ومولانا)) مع علمه بأبيه.
وقد سبق حديث أبي قتادة ((إذاأتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة)) ، من غير اشتراط سماع الإقامة.
وقد أجمع العلماء على استحباب المشي بالسكينة إلى الصلاة، وترك الاسراع والهرولة في المشي، ولما في ذلك من كثرة الخطا إلى المساجد. وسيأتي أحاديث فضل المشي فيما بعد – إن شاء الله تعالى.
وهذا ما لم يخش فوات التكبيرة الاولى والركعة، فإن خشي فواتها، ورجا بالاسراع إدراكها، فاختلفوا: هل يسرع حينئذ، أم لا؟ وفيه قولان.
أحدهما: انه يسعى لإدراكهما.
وروي عن ابن مسعود، أنه سعى لإدراك التكبيرة.
ونحوه عن ابن عمر، والأسود، وعبد الرحمن بن يزيد، وسعيد بن جبير.
стр. 2538
وعن أبي مجلز: الإسراع إذاخاف من فوت الركعة.
وقال إسحاق: لاباس بالإسراع لإدراك التكبيرة.
ورخص فيه مالك.
وقال أحمد – في رواية مهنأ -: ولا بأس - إذاطمع أن يدرك التكبيرة الأولى - أن يسرع شيئا، ما لم يكن عجلة تقبح؛ جاء عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يعجلون شيئا إذاتخوفوا فوت التكبيرة الأولى، وطمعوا في ادراكها.
وبوب النسائي في ((سننه)) على ((الإسراع إلى الصلاة من غير سعي)) ، وخرج فيه حديث أبي رافع، قال: كان الرسول الله ﷺ إذاصلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل، يتحدث عندهم حتى ينحدر المغرب. قال أبو رافع: فبينما النبي ﷺ يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع - وذكر الحديث.
وهذا إنما يدل على إسراع الإمامإذاخاف الابطاء على الجماعة، وقد قرب الوقت.
والقول الثاني: أنه لايسرع بكل حالٍ.
وروي عن أبي ذر، ويزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وعطاء،
стр. 2539
وحكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء، وهو قول الثوري.
ونقله أن منصور وغيره عن أحمد، وقال: العمل على حديث أبي هريرة.
وحديث أبي هريرة: دليل ظاهر على أنه لإيسرع لخوف فوت التكبيرة الأولى، ولا الركعة؛ فانه قال: ((فإذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، ولا تسرعوا)) ، فدل على أنه ينهى عن الإسراع مع خوف فوات التكبيرة أو الركعة.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث أبي بكرة، أنه جاء والنبي ﷺ راكع، فسمع النبي ﷺ صوت نعلي أبي بكرة وهو يحفز، يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف قال: ((من الساعي؟)) قال أبو بكرة: أنا، قال: ((زادك الله حرصا، ولا تعد)) .
وفي إسناده من يجهل حاله.
وخرجه البخاري في ((كتاب القراءة خلف الامام)) بإسناده آخر فيه ضعف - أيضا - عن أبي بكرة – بمعناه، وفي حديث: قال: إن أبا بكرة قال: يا رسول الله، خشيت ان تفوتني ركعة معك، فأسرعت المشي، فقال له: ((زادك الله حرصاً، ولاتعد، صل ما ادركت، واقض ما سبقت)) .
ولو سمع الإقامة وهو مشتغل ببعض أسباب الصلاة كالوضوء والغسل أو غيرهما، فقال عطاء: لا يعجل عن ذلك – يعنى: أنه يتمه من غير استعجال.
وسيأتي حديث: ((لا تعجل عن عشائك)) في موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى.
стр. 2540
وقوله ﷺ : ((عليكم السكينة والوقار)) ، وهو بالرفع على أن الجملة مبتدأ وخبر، ويروى بالنصب على الإغراء -: ذكره أبو موسى المديني.
وقوله ﷺ : ((فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) ، هذه الرواية المشهورة عن الزهري، التي راوها عنه عامة أصحابه الحفاظ.
ورواه ابن عيينة، عن الزهري، وقال في روايته: ((وما فاتكم فاقضوا)) .
خرج حديثه الإمام أحمد والنسائي.
وذكر أبو داود أن ابن عيينة تفرد بهذه اللفظة - يعني: عن الزهري.
وذكر البيهقي بإسناده، عن مسلم، أنه قال: أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة.
قلت: قد توبع عليها.
وخرجه الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، وقال في حديثه: ((قاضوا)) . قال معمر: ولم يذكر سجوداً.
وكذا رواها بحر السقاء، عن الزهري، وقال في حديثه ((وليقض ما سبقه)) وبحر، فيه ضعف.
ورواها – أيضا - بنحو رواية بحر: سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
стр. 2541
خرجه البخاري في ((كتاب القراء خلف الإمام)) .
ورويت لفظة ((القضاء)) من غير رواية الزهري:
وروى شعبة، عن سعد بن ابراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((ائتوا [الصلاة] وعليكم السكينة، فصلوا ما ادركتم، واقضوا ما سبقكم)) .
خرجه أبو داود.
وخرجه الإمام أحمد من رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمعناه.
ورويت عن أبي هريرة من وجود أُخر:
فخرج مسلم طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا ثوب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم، ولكن ليمش؛ وعليه بالسكينة والوقار، صل ما أدركت، واقض ما سبقك)) .
قال أبو داود: وكذا قال أبو رافع، عن أبي هريرة.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا جاء أحدكم فليمش نحواً مما كان يمشي، فليصل ما أدركه، وليقض ما سبقه)) .
стр. 2542
وخرج البزار من حديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي ما فاته)) .
وهذا الحديث آخر غير الذي قبله.
وبالجملة، فرواية من روى ((فأتموا)) أكثر.
وقد استدل الإمام أحمد برواية من روى ((فاقضوا)) ، ورحجها.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله – يعني: أحمد - أرأيت قول من قال: يجعل من أدرك مع الإمام أول صلاته، وقد قال: يجعله آخر صلاته، أي شيء الفرق بينهما؟ قال: من أجل القراءة فيما يقضي. قلت له: فحديث النبي ﷺ : على أي القولين يدل عندك؟ قال: على أنه يقضي ما فاته؛ قال النبي ﷺ : ((صلوا ما ادركتم واقضوا ما سبقكم)) .
وقال في رواية ابنه صالح: يروى عن أنس وأبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((صلَّ ما أدركت واقض ما سبقك)) . قال: ويروي غيره أنه قال: يقرأ فيما أدرك. وقال غيره: يقرأ فيما يقضي. قال ابن مسعود: ما أدركت من الصلاة فهو آخر صلاتك. انتهى.
стр. 2543
وروى عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن معمر، عن قتادة، أن علياً قال: ما أدركت من الإمام فهو أول صلاتك، واقض فيما سبقك به من القراءة. وأن ابن مسعود قال: اقرأ فيما فاتك.
وعن مالك، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام التي يعلن فيها بالقراءة، فإذا سلم الإمام قام عبد الله فقرأ لنفسه.
وروى الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد: حدثنا عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا سبق بالأولتين قرأ في الآخرتين بفاتحة الكتاب وسورة.
قلت: أماالقراءة فيما يقضي فمتفق عليها؛ لأن حكم متابعة الإمام قد انقطعت عنه بسلام إمامه قبل فراغ صلاته، فهو فيما بقي من الصلاة منفرد، يقرأ كما يقرأ المنفرد بصلاته، لا يقول أحد من العلماء: أنه لا يقرأ فيها لاستمرار حكم ائتمامه بالإمام.
ولكن من يقول من السلف: أن المصلي يقرأ في ركعتين ويسبح في ركعتين، كما يقول الكوفيون وغيرهم، يقول: إذا أدرك الإمام في ركعتين من الرباعية أنه لايقرأ معهم؛ لأنهم لا يرون قراءة الماموم وراء إمامه بحال، ويقولون: إذا قام يقضي ما فاته من الركعتين، فإنه يقرأ، ولا يجزئه أن يسبح، فإنه قد صار منفرداً في بقية
стр. 2544
صلاته، فلا بد [له] من القراءة، سواء فاته ركعة أو ركعتان، فإن فاته ثلاث ركعات قرأ في ركعتين، وله أن يسبح في الثالثة.
وهذا كله قول سفيان الثوري.
وحكى سفيان وأصحابه وابن عمر، أنه إذا أدرك ركعتين مع الإمام لم يقرأ فيما أدركه معه، وقرأ في الركعتين إذا قضاهما.
وعن علي، أن ما أدركه فهو أول صلاته، فيقرأ فيه ما سبقه به الإمام من القراءة.
ظاهر هذا: أن علياً لم ير القراءة فيما يقضيه، وأنهم أرادوا أنه لا يقرأ فيه ما زاد على الفاتحة.
وممن قال: يقرأ فيما يقضي: عبيدة السلماني، وابن سيرين، وأبو قلابة، والنخعي.
وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن جابر، عن الشعبي، ان جندباً ومسروقاً أدركا ركعة من المغرب، فقرأ جندب ولم يقرأ مسروق خلف الإمام، فلما سلم الإمام قأمايقضيان، فجلس مسروق في الثانية والثالثة، وقام جندب إلى الثالثة ولم يجلس، فلما انصرفا أتيا ابن مسعود، فقال: كل قد أصاب، ونفعل كما فعل مسروق.
وعن معمر، عن جعفر الجزري، عن الحكم، ان جندباً ومسروقاً أدركا
стр. 2545
ركعة من المغرب، فقرأ أحدهما في الركعتين الآخرتين ما فاته من القراءة، ولم يقرأ الآخر في ركعة، فسئل ابن مسعود، فقالا كلاهما محسن، وأنا أصنع كما صنع هذا الذي قرأ في الركعتين.
وأكثر العلماء على أنه يقرأ في ركعات الصلاة كلها، يقرأ في الركعتين الأولتين بالحمد وسورة وفي الآخرتين بالحمد وحدها.
وعلى هذا؛ إذا أدرك المسبوقٌ من الرباعية أو المغرب ركعتين، يقرأ فيما يقضي من الركعتين وبالحمد وحدها، أو بالحمد وسورةٍ؟ على قولين، اشهرهما أنه يقضي بالحمد وسورةٍ.
وهذا هو المنصوص عن مالك، والشافعي، وأحمد.
ونص الشافعي على أن ما أدركه مع الإمام فهو أول صلاته.
وعن مالك في ذلك روايتان منصوصتان: أحدهما: هو أول صلاته. والثانية: هو آخرها.
وكذلك عن أحمد، ولكن أكثر الروايات عنه، أنه آخر صلاته.
وأمامذهب أبي حنيفة وأصحابه، فهو أن ما أدركه مع الإمام آخر صلاته، وما يقضيه أولها.
وهو قول الحسن بن حي وسفيان الثوري.
وعلى قول هؤلاء لا إشكال في أنه يقرأ فيما يقضي [بالحمد] وسورة.
стр. 2546
قال ابن المنذر: واختلفوا في الذي يدركه المأموم من صلاة الإمام.
فقالت طائفة: يجعله أول صلاته، روي هذا القول عن عمر وعلي وأبي الدرداء، ولا يثبت ذلك عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق والمزني.
وقالت طائفة: يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته، كذلك قال ابن عمر. وبه قال مجاهد وابن سيرين ومالك والثوري والشافعي وأحمد.
قال ابن المنذر: وبالأول نقول. انتهى.
وأنكر ابن عبد البر نقل ابن المنذر ذلك عن مالك والشافعي والثوري وأحمد، وقال: إنما أخذه من قولهم في القراءة [في القضاء] .
قال: وثبت عن ابن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: ما أدركت فاجعله أول صلاتك.
قال: والذي يجيء على أصولهم - إن لم يثبت عنهم نص في ذلك - ما
стр. 2547
قاله المزني وإسحاق وداود وعبد العزيز بن الماجشون.
يعني: أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وحدها؛ لأنه آخر صلاته.
قال: وهذا أطرد في القياس.
قال: فأمامن يقول: ما أدركه فهو أول صلاته، وما يقضيه آخرها، ثم يقول: يقرأ فيه بالحمد وسورة، فكيف يصح هذا على قوله؟ !
وروى حرب الكرماني بإسناده عن مكحول، قال: ما أدركت فاجعله أول صلاتك، تقرأ في أولها بأم القرآن وسورة بينك وبين نفسك.
قلت: وهذا ظاهر في أنه لا يقرأ فيما يقضي بسورة مع الحمد.
وروى بإسناده - أيضا - عن بقية، عن الزبيدي، قال: يقرأ فيما يقضي بأم القرآن وسورة بقدر الذي فاته مع الإمام. قال: وأماالأوزاعي فكان يقول: يقرأ بأم القرآن. قال بقية: وبه نأخذ.
وروى –أيضا - بإسناده عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، واقرأ فيه بفاتحة الكتاب وسورة.
وهذا يدل – أيضا - على أنه لا يقرأ فيما يقضي زيادة على الحمد.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة - مثل قول ابن عباس.
وقد اتفقت النصوص عن أحمد على أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد
стр. 2548
وسورة.
واختلف قوله في مأخذ ذلك:
فنقل عنه هارون الحمال، أن مأخذ ذلك أن ما أدركه آخر صلاته وما يقضيه أولها. قال: فقيل له: قد حكي عنك أنك قلت: يقرأ بفاتحة الكتاب ويجعل ما أدرك أول صلاته. فأنكر ذلك.
وهذا يحتمل أن يكون إنكاره للقول بأنه يقتصر على الحمد فيما يقضي تفريعاً على ذلك؛ فإن القول بأن ما أدركه أول صلاته مشهور عنه، قد نقله عنه غير واحد، فإن كان مراده الأول كان قوله بأن القراءة فيما يقضي بالحمد وسورة لا يختلف قوله فيه مع قوله: إن ما يقضيه أول صلاته أو آخرها، وهذا هو المذهب عند أبي موسى وغيره من متقدمي الأصحاب.
وقد نقل عبد الله والأثرم وغيرهما انه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة، مع قوله: آخر صلاته.
وإن كان مراده الثاني كان القول: يقرأ الحمد وسورة فيما يقضيه، مبنيا على الاختلاف فيما يقضيه: هل هو أول صلاته، أو آخرها.
وهذا هو قول القاضي أبي يعلى ومن بعده من أصحابنا.
стр. 2549
وأنكر بعض المتاخرين منهم أن يصح القول بقراءة الحمد وسورة فيما يقضيه على كلا القولين، إلا على قول من يرى استحباب القراءة بالحمد وسورة في كل ركعة من الصلاة كلها، أو على أن من نسي قراءة السورة في الأوليين قرأها في الأخريين.
وهذا المأخذ الثاني لا يصح؛ فإنه لا نسيان هاهنا.
وللمسألة مأخذان لم يذكرهما هذا القائل:
أحدهما: الاحتياط، ونص عليه أحمد في رواية صالح وعبد الله وغيرهما، قال: يكون جلوسه على أول صلاته وفي القراءة يحتاط فيقرأ فيما يقضي.
يعني: أنه إن أدرك ركعة من الرباعية تشهد عقيب قضاء ركعة، فيجعل ما أدرك أول صلاته في الجلوس للتشهد؛ ويقرأ في ركعتين فيما يقضي بالحمد وسورة احتياطاً لقراءة السورة؛ فإنها سنة مؤكدة، فيحتاط لها، ويأتي بها في الركعات كلها؛ للاختلاف في أول صلاته وآخرها.
والمأخذ الثاني: أنه إذا أدرك مع الإمام ركعتين من الرباعية، فإنه لا يتمكن من قراءة السورة مع الحمد معه غالباً، فإذا صلى معه ركعتين قرأ فيهما بالحمد وحدها، ثم قضى ركعتين؛ فإنه ينبغي أن يقرأ فيهما سورة مع الفاتحة؛ لئلا تخلوا هذه الصلاة من قراءة سورة مع الفاتحة، مع حصول
стр. 2550
الاختلاف في استحباب قراءة السورة فيما يقضيه، فالاحتياط أن يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة.
أمالو كان قد قرأ فيما أدرك مع الإمام سورة مع الفاتحة؛ فإنه لا يعيد السورة فيما يقضيه، لا سيما عند من يقول: إن ما أدركه هو أول صلاته.
ولهذا قال قتادة: إذا أمكنك الإمام فاقرأ في الركعتين اللتين بقيتا سورة، تجعلهما أول صلاتك.
ذكره عبد الرزاق، عن معمر، عنه.
ولم أجد لأحمد ولا لغيره من الأئمة نصاً صريحاً أنه يقرأ بالحمد وسورة فيما أدركه خلف الإمام، ثم يعيد ذلك فيما يقضيه، بل نص على أن من أدرك ركعة من الوتر وقضى ما فاته أنه لا يعيد القنوت.
وعلله أبو حفص البرمكي بأنه قد قنت مع الإمام فلا يعيد كما لو سجد معه للسهو. قال: ويحتمل أنه لم يعده لأنه أدرك آخر الصلاة.
ونص الشافعي على أن المسبوق بركعتين من الرباعية يقرأ فيما يقضي بالفاتحة وسورتين.
فاختلف أصحابه على طريقين:
أحدهما: أن في استحباب السورة له القولان في استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخريين، وأن الشافعي إنما فرع نصه هذا على قوله باستحباب قراءة السورة في كل الركعات، وهذا قاله أبو علي
стр. 2551
الطبري.
والطريق الثاني: قاله أبو إسحاق، أنه يستحب للمسبوق قراءة السورة قولاً واحداً، وإن قيل: لا يستحب لغيره قراءة في الأخريين؛ لأن المسبوق لم يقرأ السورة في الأوليين، ولا أدرك قراءة الإمام السورة، فاستحب له؛ لئلا تخلو صلاته من سورتين.
وهذا الطريق هو الصحيح عندهم، وعليه أكثر أصحابهم.
وأماالجهر بالقراءة في العشاء وثالثة المغرب، فأكثرهم على أنه لا يجهر.
وحكوا في جهره قولين للشافعي.
ومنهم من قال: نص في ((الإملاء)) على أنه يجهر؛ لأن الجهر فاته فيتدارك، ونص في غيره على أنه لا يجهر؛ لأن سنة آخر الصلاة الإسرار بالقراءة، فلا تفوته. وبهذا يفرق بينه وبين السورة.
وصرح بعضهم بأنه لو كان الإمام بطيء القراءة فأمكن المسبوق أن يقرأ معه السورة فيما أدرك فقرأها، لم يعدها في الأخريين، إلا على قولهم: يقرأ بالسورة في الركعات كلها، وهو حسن موافق لما ذكره.
وهاهنا مأخذ ثالث؛ وقد صرح به غير واحد من السلف، وقد روي عن علي ما يدل عليه، وصرح به الترمذي وغيره، وهو: أن من أدرك
стр. 2552
مع الإمام ركعتين فقد فاته معه ركعتان بسورتيهما، فيشرع له قضاء ما فاته على وجهه.
لكن؛ هل يقضيه فيما أدرك مع الإمام، أو فيما يقضيه بعد قراءته.
فالمروي عن علي أنه يقضيه فيما أدركه مع الإمام، وقال: هو اول صلاته.
وقال ابن مسعود وغيره: فيما يقضي لنفسه وحده منفرداً.
فأماأن يكون مأخذهم انه أول صلاته، وأماأن يكون مأخذهم ان القضاء إنما يكون بعد مفارقة الإمام ما أدرك، ويقضي ما سبق، ولا يكون في حال متابعته، وإن كان آخر صلاته.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين وأبي قلابة، قالا: يصلي مع الإمامما أدرك، ويقضي ما سبق به مع الإماممن القراءة. مثل قول ابن مسعود.
وقال عمرو بن دينار: ما فاتك فاقضه كما فاتك.
وروى ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، عن جهم بن الاسود، عن أبي سعيد الخدري، قال: اقرأ فيما تقضي بما قرأ به الإمام.
خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد.
وروى الأعمش، عن إبراهيم، قال: إنما القراءة في القضاء. قال: وقال لي سعيد بن جبير: تقرأ فيما تدرك.
стр. 2553
والمروي عن أبي سعيد يدل على أنه يستحب أن يقرأ فيما يقضيه بالسورتين اللتين قرأ بهما الإمام؛ لتكون قراءته لهما قضاء بما فاته مع الإمام حقيقة.
وأيضا؛ فإن [عامة] الكوفيين لا يرون القراءة خلف الإمام، وقد اختلفوا في القراءة هاهنا خلفه فيما أدركه؛ لأنه قضاء للقراءة الثانية، فرأى القراءة علي وسعيد بن جبير، ولم يره ابن مسعود وعلقمة والنخعي والاكثرون منهم.
وأماإذا أدرك ركعة من الرباعية أو المغرب، فإنه يجلس للتشهد عقب قضاء ركعة، كما قاله ابن مسعود وعلقمة، وقاله سعيد بن المسيب. وهو المشهور عن أحمد.
وأخذ أحمد في هذه المسألة بما روي عن ابن مسعود، وفي الأولى بما روي عن ابن عمر، وقاله ابن مسعود - أيضا.
ومن أصحابنا من بنى هذا على قول أحمد: إن ما يقضيه آخر صلاته. قال: فإن قلنا: هو أول صلاته، تشهد عقب قضاء ركعتين.
وقال الاكثرون: بل في المسألة روايتان غير مبنيتين على هذا الاصل.
وهذا هو الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد صريحاً؛ فإنه أخذ في القراءة بقول ابن عمر، وفي الجلوس بقول ابن مسعود، وجمع بينهما. وابن مسعود مع قوله بهذا، فإنه قد قال: ما أدركه فهو آخر صلاته،
стр. 2554
كما سبق عنه.
وزعم صاحب ((المغني)) من أصحابنا ان ذلك كله جائز.
ويشكل عليه: أن أحمد نص في رواية مهنا على انه إذا تشهد عقب ركعتين سجد للسهو.
وكلام ابن مسعود يدل على جواز الأمرين كما سبق عنه.
وقد تبين بهذا: أن اكثر العلماء ليس لهم في هذه المسألة قول مطرد.
ولا خلاف أن التشهد الأخر في حق المسبوق هو الذي في آخر صلاته، الذي يسلم عقيبه، فأماالتشهد الأول، فإن وقع عقيب ركعتين من صلاة المسبوق، فإنه يتشهد فيه معه.
واختلفوا: هل يتم التشهد مع الإمام بالدعاء ام ينتهي إلى قوله: ((واشهد ان محمداً عبده ورسوله)) ، ثم يردده؟ على قولين.
والثاني: قول الحسن وأحمد، والأول: ظاهر كلام عطاء.
فإن كان تشهد الإمام في موضع وتر من صلاة المأموم، فإنه يتابعه في جلوسه بغير خلاف.
وهل يتشهد معه فيه، أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يتشهد معه، وهو قول الحسن وابن المسيب وعطاء ونافع والزهري والثوري.
وأحمد، قال: أحب إلي أن يتشهد.
стр. 2555
والثاني: لا يتشهد، وهو قول النخعي ومكحول وعمرو بن دينار، وحكاه ابن المنذر عن الحسن - أيضا.
وقال النخعي: يسبح - يعني: بدل التشهد.
وقال الأوزاعي: يكتفي بالتسبيح.
وأكثر العلماء على أنه لا سجود عليه للسهو لزيادة هذا الجلوس متابعة للإمام، وحكي عن ابن عمر أنه كان يسجد كذلك للسهو. وعن أبي سعيد الخدري وعن عطاء وطاوس ومجاهد، وهو قول الحسن.
وروي عن عطاء، عن أبي سعيد وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير، أنهم كانوا يسجدون سجدتي السهو إذا أدرك الإمام في وتر.
قال الإمام أحمد: لم يسمعه عطاء منهم، بينه وبينهم رجل.
يعني: أن في الإسناد مجهول.
والصحيح: قول الجمهور.
وفي ((صحيح مسلم)) عن المغيرة، أنه غزا مع النبي ﷺ تبوكاً، فتبرز رسول الله ﷺ وتوضأ، وصب عليه المغيرة، ثم أقبل. قال المغيرة: وأقبلت حتى نجد الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بهم، فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله ﷺ يتم صلاته، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته أقبل عليهم، ثم قال: ((أحسنتم)) –
стр. 2556
او ((اصبتم)) -، يغبطهم ان صلوا الصلاة لوقتها.
ولم يذكر المغيرة ان النبي ﷺ سجد للسهو.
وخرجه أبو داود من وجه آخر عن المغيرة، وفيه: فلما سلم قام النبي ﷺ فصلى الركعة التي سبق بها، ولم يزد عليها شيئاً.
وخرجه البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) والطبراني والبيهقي من وجه آخر عن المغيرة، وفيه: فصلينا ما أدركنا، وقضينا ما سبقنا.
وقد روى معمر: ليصل ما أدرك، وليقض ما سبق. قال معمر: ولم يذكر سجوداً.
يعني: انه لو كان عليه سجود في بعض الاحوال لما أخر بيانه؛ لأنه وقت حاجة. وكذلك استدل به كثير من الأئمة بعده، منهم الإمام أحمد والشافعي.
وفي حديث المغيرة: ان المسبوق إنما يقوم إذا سلم الإمام، ولا يقوم حتى يسلم إمامه التسليمتين معاً، نص عليه سفيان والشافعي وأحمد؛ لأن التسليمة الثانية مختلف في وجوبها، [فإذا] لم يأت بها الإمام لم يخرج من صلاته بيقين.
قالت طائفة: ويستحب ان لا يقوم حتى ينحرف الإمام، لعله أن يذكر
стр. 2557
سجود سهو، إلا ان يطول ذلك فيقوم ويدعه، وهذا قول عطاء والشعبي وأحمد.
وكان ابن عمر إذا سلم الإمام يقضي ما سبق به، وإن لم يقم الإمام.
وقال أصحاب الشافعي: إن مكث المسبوق بعد سلام إمامه جالساً، وطال جلوسه، فإن كان موضع تشهده الأول جاز، ولم تبطل صلاته؛ لأنه محسوب من صلاته، لكنه يكره له تطويله، وإن لم يكن في موضع تشهده لم يجز أن يجلس بعد تسليم إمامه؛ لأن جلوسه كان للمتابعة وقد زالت، فإن فعل عالما بطلت صلاته، وان كان ساهياً لم تبطل، ويسجد للسهو.
ولو سبق جماعة ببعض الصلاة، ثم قاموا بعد سلام الإمام، فهل لهم ان يقلوا جماعة يؤمهم أحدهم؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، وهو قول عطاء وابن سابط.
والثاني: لا، وهو قول الحسن.
وعن أحمد فيه روايتان، وللشافعية وجهان.
ومأخذهما: هل يجوز الانتقال من الائتمام إلى نية الإمام؟
وأمامأخذ الحسن، فالظاهر أنه كراهة إعادة الجماعة في مسجد مرتين.
قال القاضي من أصحابنا والشافعية: ولو كان ذلك في الجمعة لم يجز؛ لأن الجمعة لا تقام في مسجد واحد مرتين في يوم.
وقال أبو [علي] الحسن بن البناء: في هذا نظر؛ لأن الجمعة تقام عندنا في مواضع للحاجة، وان سبق بعضها بعضاً.
стр. 2558
٢٢ - باب
متى يقوم للناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة
стр. 2559
٦٣٧ - حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا هشام، قال: كتب إلي يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)) .
هذا رواه هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير مكاتبة، وقد رواه عن يحيى غير واحد: شيبان، وحجاج الصواف، وايوب، وأبان العطار، ومعمر، وغيرهم.
وخرجه البخاري من رواية شيبان، وخرجه مسلم من رواية حجاج ومعمر.
وفي رواية له من رواية شيبان ومعمر: ((حتى تروني قد خرجت)) .
وقال أبو داود: لم يذكر: ((قد خرجت)) إلا معمر.
وذكر البيهقي: أنها قد رويت عن حجاج – أيضا.
وخرجها ابن حبان في ((صحيحه)) من رواية معمر، ولفظه: ((حتى تروني قد خرجت إليكم)) .
стр. 2560
وهذه اللفظة: يستدل بها على مراده ﷺ برؤيته: أن يخرج من بيته، فيراه من كان عند باب المسجد، ليس المراد: يراه كل من كان في المسجد.
وهذا كقوله ﷺ : ((لا تصوموا حتى تروا الهلال)) ، ومعلوم أنه لو رآه واحد أو اثنان لاكتفي برؤيتهما، وصام الناس كلهم.
ويدل على هذا: ما خرجه مسلم من حديث الزهري، قال: اخبرني أبو سلمة، سمع ابا هريرة يقول: أقيمت الصلاة، فقمنا فعدلنا الصفوف قبل ان يخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ حتى إذا قام في مصلاه قبل ان يكبر ذكر فانصرف - وذكر تمام الحديث.
ويحمل ذلك على قيامهم قبل ان يطلع على اهل المسجد من المسجد، لما علموا خروجه من بيته وتحققوه.
وخرج - أيضا - بهذا الإسناد، عن أبي هريرة، قال: إن كانت الصلاة تقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناس مصافهم قبل ان يقوم النبي ﷺ مقامه.
فهذه الرواية تصرح بأن الصفوف كانت تعدل قبل ان يبلغ النبي ﷺ إلى مصلاه، ولكن كان قد خرج من بيته، ورآه من كان بقرب بيته.
وقد ذكر الدارقطني وغير واحد من الحفاظ أن هذا الحديث اختصره الوليد ابن مسلم من الحديث الذي قبله، فأتي به بهذا اللفظ.
следующие страницы →