← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

٣٩ - بَاب حَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ قوله: ((حد المريض)) ضبطه جماعة بالجيم المكسورة، والمعنى: اجتهاد المريض أن يشهد الجماعة، ومنهم من ضبطه بالحاء المهملة المفتوحة، وفسره بالعزم والحرص. ابتدأ البخاري ﵀ فِي ذكر الأعذار الَّتِيْ يباح معها التخلف عَن شهود الجماعة، فمنها: المرض، وَهُوَ عذر مبيح لترك الجماعة، ولهذا أمر النَّبِيّ ﷺ أبا بَكْر أن يصلي بالناس، وإنما خرج إلى الصلاة لما وجد من نفسه خفة. وخروج المريض إلى المسجد ومحاملته أفضل، كما خرج النَّبِيّ ﷺ يهادى بَيْن رجلين. وقد قَالَ ابن مَسْعُود: ولقد كَانَ الرَّجُلُ يهادي بَيْن رجلين حَتَّى يقام فِي الصف. ومتى كَانَ المريض لا يقدر عَلَى المشي إلى المسجد، وإنما يقدر أن يخرج محمولاً لَمْ يلزمه الخروج إلى الجماعة. ولو وجد الزمن من يتطوع بحمله لَمْ تلزمه الجماعة، وفي لزوم الجمعة لَهُ بذلك وجهان لأصحابنا. قَالَ ابن المنذر: ولا أعلم اختلافاً بَيْن أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عَن الجماعات من أجل المرض.

стр. 2697

خرج البخاري فِي هَذَا الباب حَدِيْث عَائِشَة فِي مرض النَّبِيّ ﷺ من طريقين: الأول: قَالَ:

стр. 2698

٦٦٤ – حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص بْن غياث: ثنا أَبِي: ثنا الأعمش، عَن إِبْرَاهِيْم، عَن الأسود، قَالَ: كنا عِنْدَ عَائِشَة، فذكرنا المواظبة عَلَى الصلاة، والتعظيم لها. قَالَتْ: لما مرض النَّبِيّ ﷺ مرضه الَّذِي مات فِيهِ، فحضرت الصلاة، فأوذن، فَقَالَ: ((مروا أبا بَكْر فليصل بالناس)) . فَقِيلَ لَهُ: إن أبا بَكْر رَجُل أسيف، إذا قام مقامك لَمْ يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد، فأعادوا لَهُ، فأعاد الثالثة، فَقَالَ: ((إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بَكْر فليصل بالناس)) . فخرج أبو بَكْر فصلى، فوجد النَّبِيّ ﷺ من نفسه خفة، فخرج يهادى بَيْن رجلين، حَتَّى كأني أنظر إلى رجليه تخطان الأرض من الوجع، فأراد أبو بَكْر أن يتأخر، فأوما إليه النَّبِيّ ﷺ أن مكانك. ثُمَّ أتي بِهِ حَتَّى جلس إلى جنبه. فَقِيلَ للأعمش: وكان النَّبِيّ ﷺ يصلي وأبو بَكْر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر؟ فَقَالَ برأسه: نَعَمْ. روى أبو داود، عَن شعبة، عَن الأعمش بعضه.

стр. 2699

وزاد أبو معاوية: جلس عَن يسار أَبِي بَكْر، فكان أبو بَكْر يصلي قائماً. قَالَ الخطابي: الأسيف: الرقيق القلب، الَّذِي يسرع إليه الأسف والحزن. قَالَ: ويهادى: يحمل، يعتمد عَلَى هَذَا مرة وعلى هَذَا مرة. قَالَ: وقوله: ((صواحبات يوسف)) يريد النسوة اللاتي فتنه وتعنتنه. انتهى. وكانت عَائِشَة هِيَ الَّتِيْ أشارت بصرف الإمامة عَن أَبِي بَكْر؛ لمخافتها أن يتشاءم النَّاس بأول من خلف رَسُول الله ﷺ فِي الإمامة، فكان إظهارها لرقة أَبِي بَكْر خشية أن لا يسمع النَّاس توصلاً إلى مَا تريده من صرف التشاؤم عَن أبيها. ففيه نوع مشابهة لما أظهره النسوة مَعَ يوسف ﵇ مِمَّا لا حقيقة لَهُ توصلاً إلى مرادهن. وكان قصد النَّبِيّ ﷺ تقديم أَبِي بَكْر عَلَى النَّاس فِي أهم أمور الدين حَتَّى تكون الدنيا تبعاً للدين فِي ذَلِكَ. وفي الحَدِيْث: دليل عَلَى أن تخلف النَّبِيّ ﷺ عَن الخروج اولاً لشدة الوجع عَلِيهِ، فأنه لَمْ يمكنه الخروج بالكلية، فلما وجد من نفسه خفة فِي الألم خرج محمولاً بَيْن رجلين، يعتمد عَلَيْهِمَا ويتوكأ، ورجلاه تخطان الأرض، فَلَمْ يستطع أن يمشي برجليه عَلَى الأرض لقوة وجعه، بل كَانَ يحمل حملاً. ولما رأى أبو بَكْر النَّبِيّ ﷺ قَدْ خرج أراد أن يتأخر تأدباً مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، فأومأ إليه النَّبِيّ ﷺ أن مكانك، أي: اثبت مكانك،

стр. 2700

ثُمَّ أتي بالنبي ﷺ حَتَّى أجلس إلى جانب أَبِي بَكْر. وليس فِي هذه الرواية تعيين الجانب الَّذِي أجلس النَّبِيّ ﷺ فِيهِ من أَبِي بكرٍ: هَلْ هُوَ جانبه الأيمن أو الأيسر؟ وقد ذكر البخري أن أبا معاوية زاد فِي حديثه عَن الأعمش: ((فجلس عَن يسار أَبِي بَكْر)) . وقد خرج البخاري فيما بعد عَن قتيبة، عَن أَبِي معاوية كذلك. وخرجه – أَيْضاً – من رِوَايَة عَبْد الله بْن داود الخريبي، عَن الأعمش، ولفظه: فتأخر أبو بَكْر، وقعد النَّبِيّ ﷺ إلى جنبه، وأبو بَكْر يسمع النَّاس التكبير. [وذكر] أن محاضر بْن المورع رواه الأعمش كذلك. وخرجه مُسْلِم من رِوَايَة زكيع وأبي معاوية، كلاهما عَن الأعمش، وفي حَدِيْث أَبِي معاوية عنده: فجاء رَسُول الله حَتَّى جلس عَن يسار أَبِي بَكْر. وخرجه – أَيْضاً – من طريق عَلِيّ بْن مسهر وعيسى بْن يونس، كلاهما عَن الأعمش، وفي حديثهما: فأتي برسول الله ﷺ حَتَّى أجلس إلى جنبه. وخرج إِسْحَاق بْن راهويه فِي ((مسنده)) ، عَن وكيع، عَن الأعمش

стр. 2701

هَذَا الحَدِيْث، وَقَالَ فِيهِ: فجاء النَّبِيّ ﷺ حَتَّى جلس عَن يمين أَبِي بَكْر، يقتدي بِهِ، والناس يقتدون بأبي بَكْر. وهذه زيادة غريبةُ. وقد خرج الحَدِيْث الإمام أحمد فِي ((مسنده)) ، عَن وكيع، ولم يذكر فِيهِ ذَلِكَ، بل قَالَ فِي حديثه: فجاء النَّبِيّ ﷺ حَتَّى جلس إلى جنب أَبِي بَكْر، فكان أبو بَكْر يأتم بالنبي ﷺ ، والناس يأتمون بأبي بَكْر. وأما ذكر جلوسه عَن يسار أَبِي بَكْر، فتفرد بذلك أبو معاوية عَن الأعمش، وأبو معاوية وإن كَانَ حافظاً لحديث الأعمش خصوصاً، إلا أن ترك أصْحَاب الأعمش لهذه اللفظة عَنْهُ توقع الريبة فيها، حَتَّى قَالَ الحافظ أبو بَكْر بْن مفوز المعافري: إنها غير محفوظة، وحكاه عَن غيره من العلماء. وأما رِوَايَة أَبِي داود الطيالسي، عَن شعبة، عَن الأعمش لبعض هَذَا الحَدِيْث، كما أشار إليه البخاري فإنه رَوَى بهذا الإسناد عَن عَائِشَة، قَالَتْ: من النَّاس من يَقُول: كَانَ النَّبِيّ ﷺ فِي الصف، ومنهم من يَقُول: كَانَ النَّبِيّ ﷺ المقدم. قَالَ البيهقي: هكذا رواه الطيالسي، عَن شعبة، عَن الأعمش، وراية الجماعة عَن الأعمش كما تقدم [عَلَى الإثبات والصحة] .

стр. 2702

قُلتُ: قَدْ رَوَى غير واحد عَن شعبة، عَن الأعمش، عَن إِبْرَاهِيْم، عَن الأسود، عَن عَائِشَة، أن النَّبِيّ ﷺ صلى خلف أَبِي بَكْر قاعداً. وأما مَا ذكره حفص بْن غياث فِي روايته عَن الأعمش، أَنَّهُ قيل للأعمش: فكان النَّبِيّ ﷺ يصلي وأبو بَكْر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر، فأشار برأسه: نَعَمْ، فإنه يشعر بأن هذه الكلمات ليست من الحَدِيْث الَّذِي أسنده الأعمش، عَن إِبْرَاهِيْم، عَن الأسود، عَن عَائِشَة، بل هِيَ مدرجة، وقد أدرجها أبو معاوية ووكيع فِي حديثهما عَن الأعمش. ورواه [عَن همام] ، عَن الأعمش، فَلَمْ يذكر فِيهِ هَذَا الكلمات بالكلية، وهذا – أَيْضاً – يشعر بإدراجها. وقد رَوَى عُرْوَةَ، عَن عَائِشَة، أن النَّبِيّ ﷺ أمر أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه، فكان يصلي بهم. قَالَ عُرْوَةَ: فوجد رَسُول الله ﷺ من نفسه خفة فخرج – فذكر معنى ذَلِكَ – أَيْضاً. وهذا مدرج مصرح بإدراجه، وقد خرجه البخاري فيما بعد كذلك. وروى الإمام أحمد: حَدَّثَنَا شبابة: ثنا شعبة، عَن سعد بْن إِبْرَاهِيْم، عَن عُرْوَةَ، عَن عَائِشَة، قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي مرضه: ((مروا أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس)) – وذكر الحَدِيْث، وفي آخره: فصلى أبو بَكْر، وصلى رَسُول الله ﷺ خلفه قاعداً.

стр. 2703

ولو كَانَتْ هذه الكلمات الَّتِيْ ذكرها الأعمش فِي حديثه فِي هَذَا الحَدِيْث عَن عَائِشَة، فكيف كَانَتْ تَقُول: من النَّاس من يَقُول: كَانَ أبو بَكْر المقدم بَيْن يدي رَسُول الله ﷺ فِي الصف، ومنهم من يَقُول: كَانَ النَّبِيّ ﷺ المقدم. وكذلك قَالَ ابن أخيها الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فقيه المدينة. قَالَ عُمَر بْن شبة فِي ((كِتَاب أخبار المدينة)) : حَدَّثَنَا زيد بْن يَحْيَى أبو الحسين: ثنا صخر بْن جويرية، عَن عَبْد الرحمان بْن الْقَاسِم، أن رَسُول الله ﷺ صلى صلاة الصبح فِي اليوم الَّذِي مات فِيهِ فِي المسجد، جَاءَ رَسُول الله ﷺ وأبو بَكْر يصلي فجلس عِنْدَ رجليه، فمن النَّاس من يَقُول: كَانَ النَّبِيّ ﷺ هُوَ المتقدم، وعظم الناس يقولون كَانَ أبو بَكْر هُوَ المتقدم. قَالَ عُمَر بْن شبة: اختلف النَّاس فِي هَذَا، فَقَالَ بعضهم: صلى النَّبِيّ ﷺ خلف أَبِي بَكْر. وَقَالَ أخرون: بل كَانَ أبو بَكْر يأتم بتكبير النَّبِيّ ﷺ ، ويأتم النَّاس بتكبير أَبِي بَكْر. وَقَالَ أبو بَكْر بْن المنذر: اختلفت الأخبار فِي صلاة النَّبِيّ ﷺ فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ خلف أبي بَكْر، ففي بعض الأخبار: أن النَّبِيّ ﷺ صلى بالناس. وفي بعضها: أن أَبَا بَكْر كَانَ المقدم. وقالت عَائِشَة: صلى رَسُول الله ﷺ خلف أبي بَكْر فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ. انتهى. وهذا المروي عَن عَائِشَة، ان النَّبِيّ ﷺ صلى خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه مِمَّا يدل عَلَى أن هذه الألفاظ فِي آخر حَدِيْث الأعمش مدرجة، ليست من حَدِيْث عَائِشَة. وقد رَوَى شبابة، عَن شعبة، عَن نعيم بْن أَبِي هند، عَن أَبِي وائل،

стр. 2704

عَن مسروق، عَن عائشة، قَالَتْ: صلى النَّبِيّ ﷺ خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ. خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان فِي ((صحيحه)) . وَقَالَ الترمذي: حسن صحيح. وخرجه الإمام أحمد والنسائي من رِوَايَة بَكْر بْن عيسى، عَن شعبة بهذا الإسناد، عَن عَائِشَة، أن أَبَا بَكْر صلى بالناس والنبي ﷺ فِي الصف. وقد رجح الإمام أحمد رِوَايَة بَكْر بْن عيسى عَلَى رِوَايَة شبابة، وذكر أنها مخالفة لها. وقد يقال: ليست مخالفة لها؛ فإن المراد بالصف صف المأمومين، فهما إذن بمعنى واحد. وروى هَذَا الحَدِيْث معتمر بْن سُلَيْمَان، عَن أبيه، عَن نعيم بْن أَبِي هند، عَن أَبِي وائل، أحسبه عَن مسروق، عَن عَائِشَة – فذكرت حَدِيْث مرض النَّبِيّ ﷺ ، وصلاة أَبِي بَكْر. قَالَتْ: ثُمَّ أفاق رَسُول الله ﷺ ، فجاءت نوبة وبريرة فاحتملاه، فلما أحس أبو بَكْر بمجيئه أراد أن يتأخر، فأومأَ إليه أن اثبت. قَالَ: وجيء بنبي الله ﷺ ، فوضع بحذاء أَبِي بَكْر فِي الصف. خرجه ابن حبان فِي ((صحيحه)) . ومنعه من التأخر يدل عَلَى أَنَّهُ أراد أن يستمر عَلَى إمامته.

стр. 2705

وخرجه ابن حبان – أَيْضاً – من طريق عاصم، عَن أَبِي وائل، عَن مسروق، عَن عَائِشَة، وزاد فِيهِ: فكان رَسُول الله ﷺ يصلي وَهُوَ جالس، وأبو بَكْر قائم يصلي بصلاة رَسُول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر. ولكن عاصم، هُوَ ابن أَبِي النجود، ليس بذاك الحافظ. وروى شعبة، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة، عَن عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله بْن عُتْبَة، عَن عَائِشَة، أن أَبَا بَكْر صلى بالناس، ورسول الله ﷺ فِي الصف خلفه. خرجه ابن حبان فِي ((صحيحه)) من طريق بدل بْن المحبر، عَن شعبة. وبدل، وثقة غير واحد، وخرج لَهُ البخاري فِي ((صحيحه)) ، وإن تكلم فِيهِ الدراقطني. خالفه فِيهِ أبو داود الطيالسي: خرجه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة بهذا الإسناد، عَن عَائِشَة، أن رَسُول الله ﷺ أمر أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ، فكان رَسُول الله ﷺ بَيْن يدي أَبِي بَكْر يصلي بالناس قاعداً، وأبو بَكْر يصلي بالناس، والناس خلفه. وكذا رواه زائدة، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة. وقد خرج حديثه البخاري فيما بعد بسياق مطول، وفيه: أن النَّبِيّ ﷺ -

стр. 2706

خرج بَيْن رجلين – أحدهما العباس – لصلاة الظهر – وذكر بقية الحَدِيْث بمعنى مَا رواه أبو معاوية ووكيع وغيرهما عَن الأعمش. وقد ذكر ابن أَبِي حاتم فِي كِتَاب ((الجرح والتعديل)) لَهُ عَن أَبِيه، قَالَ: يريبني حَدِيْث موسى بْن أَبِي عَائِشَة فِي صلاة النَّبِيّ ﷺ فِي مرضه. قُلتُ: كَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: صالح الحَدِيْث. قُلتُ: يحتج بِهِ؟ قَالَ: يكتب حديثه. قُلتُ: وقد اختلف عَلِيهِ فِي لفظه، فرواه شعبة، عَنْهُ، كما تقدم، أن رَسُول الله ﷺ صلى فِي الصف خلف أَبِي بَكْر. ورواه زائدة، واختلف عَنْهُ: فَقَالَ الأكثرون، عَنْهُ: إن أَبَا بَكْر كَانَ يصلي وَهُوَ قائم بصلاة النَّبِيّ ﷺ وَهُوَ قاعد، والناس يأتمون بصلاة أَبِي بَكْر. ورواه عَبْد الرحمان بْن مهدي، عَن زائدة، وَقَالَ فِي حديثه: فصلى النَّبِيّ ﷺ خلف أَبِي بَكْر قاعداً، وأبو بَكْر يصلي بالناس وَهُوَ قائم يصلي. وقد رجح الإمام أحمد رِوَايَة الأكثرين عَن زائدة عَلَى رِوَايَة ابن مهدي. وليس ائتمام أَبِي بَكْر بالنبي ﷺ صريحاً فِي أنه كَانَ مأموماً، بل يحتمل أَنَّهُ كَانَ يراعي فِي تلك الصلاة حال النَّبِيّ ﷺ وضعفه، وما هُوَ أهون عَلِيهِ، كما قَالَ النَّبِيّ ﷺ لعثمان بْن أَبِي العاص لما جعل إمام

стр. 2707

قومه: ((اقتد بأضعفهم)) . أي: راع حال الأضعف، وصل صلاةً لا تشق عليهم. وقد اختلف العلماء: هَلْ كَانَ النَّبِيّ ﷺ إماماً لأبي بَكْر فِي هذه الصلاة، أو كَانَ مؤتماً بِهِ؟ وقد تقدم عَن عَائِشَة والقاسم بْن مُحَمَّد، أنهما ذكرا هَذَا الاختلاف، وأن الْقَاسِم قَالَ: عظم النَّاس يَقُول: أبو بَكْر كَانَ هُوَ المقدم – يعني: فِي الإمامة -، وعلماء أهل المدينة عَلَى هَذَا القول، وهم أعلم النَّاس بهذه القصة. وذكر ابن عَبْد البر فِي ((استذكاره)) أن ابن الْقَاسِم رَوَى عَن مَالِك، عَن رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرحمان، أن رَسُول الله ﷺ خرج وَهُوَ مريض، وأبو بَكْر يصلي بالناس، فجلس إلى أَبِي بَكْر، فكان أبو بَكْر هُوَ الإمام، وكان رَسُول الله ﷺ يصلي بصلاة أَبِي بَكْر، وَقَالَ ﷺ : ((مَا مات نبي حتى يؤمه رَجُل من أمته)) . قَالَ ابن الْقَاسِم: قَالَ مَالِك: العمل عندنا عَلَى حَدِيْث رَبِيعَة هَذَا، وَهُوَ أحب إلي. قَالَ سحنون: بهذا الحَدِيْث يأخذ ابن الْقَاسِم. أما مذهب الشَّافِعِيّ وأحمد، فهو أن هذه الصلاة الَّتِيْ حكتها عَائِشَة كَانَ رَسُول الله ﷺ هُوَ الإمام فيها لأبي بَكْر، ثُمَّ اختلفا: فَقَالَ أحمد: كَانَ أبو بَكْر إماماً للناس – أَيْضاً -، فكانت تلك الصلاة بإمامين. وَقَالَ الشَّافِعِيّ: بل كَانَ مأموماً، وَهُوَ الَّذِي ذهب إليه البخاري والنسائي.

стр. 2708

وفرع عَلَى هَذَا الاختلاف مسألة الصلاة بإمامين، ومسألة الصلاة قاعداً أو قائماً خلف الإمام القاعد، وسيأتي ذَلِكَ مبسوطاً فِي مواضعه – إن شاء الله تعالى. ولم ينف الشَّافِعِيّ ولا أكثر أصْحَاب الإمام أحمد أن يكون النَّبِيّ ﷺ ائتم بأبي بَكْر فِي غير هذه الصلاة، بل قَالَ الشَّافِعِيّ: لَوْ صلى النَّبِيّ ﷺ خلف أَبِي بَكْر مرة لَمْ يمنع ذَلِكَ أن يكون صلى خلفه مرة أخرى. وكذلك ذكر أبو بَكْر عَبْد العزيز بْن جَعْفَر من أصحابنا فِي كتابه ((الشَّافي)) ، وكذلك ذكره ابن حبان ومحمد بْن يَحْيَى الهمداني فِي ((صحيحيهما)) ، والبيهقي وغيرهم. وكذلك صنف أبو عبي البرداني وعبد العزيز بْن زهير الحربي من أصحابنا فِي إثبات صلاة النَّبِيّ ﷺ خلف أَبِي بَكْر. ورد ذَلِكَ أبو الفرج ابن الجوزي، وصنف فِيهِ مصنفاً، وَهُوَ يشتمل عَلَى أوهام كثيرة. وقد ذكر كثير من أهل المغازي والسير أن رَسُول الله ﷺ صلى خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه، منهم: موسى بْن عقبة، وَهُوَ أجل أهل المغازي، وذكر أن صلاته خلفه كَانَتْ صلاة الصبح يوم الإثنين، وَهُوَ آخر صلاة

стр. 2709

صلاها، وذكره عَن ابن شِهَاب الزُّهْرِيّ. وروى ابن لهيعة، عَن أَبِي الأسود، عَن عُرْوَةَ - مثله. وقد تقدم عَن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد نحوه. وروي عَن الْحَسَن – أَيْضاً. ولذلك رجحه ابن حبان والبيهقي وغيرهما. وجمع البيهقي فِي ((كِتَاب المعرفة)) بَيْن هَذَا وبين حَدِيْث الزُّهْرِيّ عَن أنس: أن النَّبِيّ ﷺ كشف الستر فِي أول الصلاة، ثُمَّ وجد خفة فِي الركعة الثانية فخرج فصلاها خلف أَبِي بَكْر، وقضى الركعة الَّتِيْ فاتته. وخرج ابن سعد فِي ((طبقاته)) هَذَا المعنى من تمام حَدِيْث عَائِشَة وأم سَلَمَة وأبي سَعِيد بأسانيد فيها مقال. والله أعلم. وبإسناد صحيح، عَن عُبَيْدِ بْن عمير – مرسلاً. وروى ابن إِسْحَاق: حَدَّثَنِي يعقوب بْن عُتْبَة، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَةَ، عَن عَائِشَة، قَالَتْ: رجع رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِكَ اليوم حِينَ دَخَلَ المسجد، غاضطجع فِي حجري – ثُمَّ ذكرت قصة السواك الأخضر -، وقبض رَسُول الله ﷺ حينئذ. خرجه الإمام أحمد. وَهُوَ دليل عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ خرج إلى المسجد ذَلِكَ اليوم.

стр. 2710

وفي ((مسند الإمام أحمد)) أن المغيرة بْن شعبة سئل: هَلْ أم النَّبِيّ ﷺ رَجُل من هذه الأمة غير أَبِي بَكْر الصديق؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كنا فِي سفر – ثُمَّ ذكر قصة صلاة النَّبِيّ ﷺ وراء عَبْد الرحمان بْن عوف. وذكر ابن سعد فِي ((طبقاته)) عَن الواقدي، أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الَّذِي ثبت عندنا: أن رَسُول الله ﷺ صلى خلف أَبِي بَكْر. وفي صلاة النَّبِيّ ﷺ خلف أَبِي بَكْر أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا. وقد خرج الترمذي من حَدِيْث حميد، عَن ثابت، عَن أنس، قَالَ: صلى رَسُول الله ﷺ فِي مرضه خلف أَبِي بَكْر قاعداً، فِي ثوب متوشحاً بِهِ. وَقَالَ: حسن صحيح. وخرجه –أَيْضاً– ابن حبان فِي ((صحيحه)) ، وصححه العقيلي وغير واحد. وقد رواه جماعة عَن حميد، عَن أنس – من غير واسطة. واختلف الحفاظ فِي الترجيح؛ فرجحت طائفة قَوْلِ من أدخل بَيْنَهُمَا ((ثابتاً)) ، منهم: الترمذي وأبو حاتم الرَّازِي. ومنهم من رجح إسقاطه، ومنهم: أبو زُرْعَة الرَّازِي. والله تعالى أعلم.

стр. 2711

الطريق الثاني: قَالَ:

стр. 2712

٦٦٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بم موسى: ثنا هِشَام بْن يوسف، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أخبرني عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَة: لما ثقل رَسُول الله ﷺ واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض فِي بيتي، فأذن لَهُ، فخرج بَيْن رجلين، تخط رجلاه الأرض، وكان بَيْن عَبَّاس ورجل آخر. قَالَ عُبَيْدِ الله: فذكرت ذَلِكَ لابن عَبَّاس مَا قَالَتْ عَائِشَة، فَقَالَ لِي: وهل تدري من الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تسم عَائِشَة؟ قُلتُ: لا. قَالَ: هُوَ عَلِيّ بْن أَبِي طالب. وقد رواه عَبْد الرزاق، عَن معمر، وذكر فِي حديثه: الفضل بْن عَبَّاس. خرجه مُسْلِم من طريقه كذلك. وخرجه من طريق عقيل، عَن الزُّهْرِيّ، وذكر فِي حديثه: العباس، كما قَالَ هِشَام، عَن معمر. وخرجه البخاري فِي ((وفاة النَّبِيّ ﷺ )) من حَدِيْث عقيل مطولاً. وقد فهم البخاري من خروجه بَيْن عَبَّاس وغيره خروجه إلي المسجد للصلاة. وكذلك خرجه مُسْلِم فِي ((كِتَاب الصلاة)) – أَيْضاً.

стр. 2713

وفي هَذَا نظر؛ وظاهر السياق يقتضي أنها أرادت خروجه إلى بيت عَائِشَة ليمرض فِيهِ. يدل عَلِيهِ: أن فِي رِوَايَة عَبْد الرزاق، عن معمر الَّتِيْ خرجها مُسْلِم: أول مَا اشتكى رَسُول الله ﷺ في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرض فِي بيتها، فأذن لَهُ. قَالَتْ: فخرج ويد لَهُ عَلَى الفضل - الحَدِيْث. رواه ابن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ بلفظ صريح بذلك: أن عَائِشَة قَالَتْ: كَانَ النَّبِيّ ﷺ يدور عَلَى نسائه، فلما ثقل استأذنهن أن يقيم فِي بيتي، ويدرن عَلِيهِ. قَالَتْ: فذهب ينوء فَلَمْ يستطع، فدخل عَلِيّ رَسُول الله ﷺ بَيْن رجلين، ورجلاه تخطان فِي الأرض؛ أحدهما العباس. ورواه عَبْد الرحمان بْن إِسْحَاق، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَةَ والقاسم وأبي بَكْر ابن عَبْد الرحمان وعبيد الله بْن عَبْد االله، كلهم يحدثونه عَن عَائِشَة، عَن النَّبِيّ ﷺ : جاءه مرضه الَّذِي مات فِيهِ في بيت ميمونة، فخرج عاصباً رأسه، فدخل عَلِيّ بَيْن رجلين، تخط رجلاه الأرض، وعن يمينه العباس - وذكر الحَدِيْث. وكذا رواه صالح بْن كيسان، عَن ابن شِهَاب - مرسلاً: أَنَّهُ خرج بَيْن الرجلين تخط رجلاه الأرض، حَتَّى دَخَلَ بيت عَائِشَة. وحينئذ؛ فلا ينبغي تخريج هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب، ولا هُوَ داخل فِي معناه بالكلية. والله أعلم.

стр. 2714

٤٠ - بَاب الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالعِلَّةِ أنْ يُصَلِّي فِي رَحْلِهِ فِيهِ حديثان: الأول:

стр. 2715

٦٦٦ – حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف: أنا مَالِك، عَن نَافِع، أن ابن عُمَر أذن بالصلاة فِي ليلة ذات برد وريح، ثُمَّ قَالَ: ألا صلوا فِي الرحال، ثُمَّ قَالَ: إن رَسُول الله ﷺ كَانَ يأمر المؤذن إذا كَانَتْ ليلة برد ومطر يَقُول: ((ألا صلوا فِي الرحال)) . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ((بَاب: الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة)) ، خرجه البخاري هناك من رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر، عَن نَافِع، قَالَ: أذن ابن عُمَر فِي ليلة باردةٍ بضجنان، ثُمَّ قَالَ صلوا فِي رحالكم، وأخبرنا أن رَسُول الله ﷺ كَانَ يأمر مؤذناً يؤذن، ثُمَّ يَقُول عَلَى أثره: ((ألا صلوا فِي الرحال فِي الليلة الباردة أو المطيرة فِي السفر)) . ففي هذه الرواية: أن ذَلِكَ كَانَ فِي السفر، وأنه كَانَ فِي الليلة الباردة أو المطيرة. وليس ذكر السفر فِي رِوَايَة مَالِك، وفي روايته: إذا كَانَتْ ليلة ذات برد ومطر. وظاهرة: الجمع بَيْن البرد والمطر فِي ليلة

стр. 2716

واحدة. وروى ابن إسحاق هَذَا الحَدِيْث، عَن نَافِع، عَن ابن عُمَر، قَالَ: نادى منادي رَسُول الله ﷺ بذاك فِي المدينة فِي الليلة المطيرة، أو الغداة القرة. خرجه أبو داود. ولا نعلم ذكر المدينة فِي حَدِيْث ابن عُمَر فِي هذه الرواية، ورواية عُبَيْدِ الله أصح. وأكثر أهل العلم عَلَى أن المطر والطين عذر يباح مَعَهُ التخلف عَن حضور الجمعة والجماعات، ليلاً ونهاراً. قَالَ الترمذي: قَدْ رخص أهل العلم فِي القعود عَن الجماعة والجمعة فِي المطر والطين. وسمى منهم: أحمد وإسحاق. وحكاه بعض أصحابنا عَن جمهور العلماء. وحكي عَن مَالِك: أن المطر ليس بعذر فِي ترك الجمعة خاصة. وروي نحوه عَن نَافِع مَوْلَى ابن عُمَر. وَقَالَ سُفْيَان الثوري: لا يرخص لأحد فِي ترك الجمعة إذا كَانَ فِي مصر يجمع فِي، إلا لمرض مضن، أو خوف مقطع. وحكي عَن أحمد رِوَايَة أخرى: أن المطر والوحل ليس بعذر فِي الحضر، إنما هُوَ عذر فِي السفر؛ لأن الأحاديث الصحيحة إنما جاءت بذلك فِي السفر، كحديث ابن عُمَر، وفي ((صحيح مُسْلِم)) من حَدِيْث جابر – نحوه،

стр. 2717

وليس فِي الحضر إلا حَدِيْث ابن إِسْحَاق المتقدم، وحديث يروى عَن نعيم النحام، وقد ذكرناه فِي ((أبواب: الأذان)) ، وفي إسناده مقال. ومقتضى هَذَا القول: أن الجمعة لا يباح تركها بذلك؛ لأنها لا تكون إلافي الحضر، ولكن قَدْ روي عَن جماعة من الصَّحَابَة أَنَّهُ يعذر فِي ترك الجمعة بالمطر والطين. منهم: ابن عَبَّاس وعبد الرحمان بْن سمرة وأسامة بن عمير والد أَبِي المليح، ولا يعرف عَن صحابي خلافهم، وقولهم أحق أن يتبع. وروى هِشَام، عَن قتدة، قَالَ: قَالَ مُحَمَّد بْن سيرين: مَا كَانَ يختلف إذا كَانَ يوم الجمعة فِي يوم مطر فِي الرخصة للرجل أن يجلس عَن الجمعة فِي بيته. خرجه الفريابي فِي ((كِتَاب الصلاة)) . وذكر ابن المنذر: أن المطر عذر فِي الليلة المطيرة. وهذا يفهم مِنْهُ أَنَّهُ لا يكون عذراً فِي النهار؟ لأن حَدِيْث ابن عُمَر إنما فِيهِ ذكر الليل. ولكن رَوَى قتادة، عَن أَبِي المليح بْن أسامة، عَن أَبِيه، أن يوم حنين كَانَ يوم مطر، فأمر رَسُول الله ﷺ مناديه: أن الصلاة فِي الرحال. خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان

стр. 2718

فِي ((صحيحيهما)) ، والحاكم. وخرجه أبو داود – أَيْضاً – من طريق أَبِي قلابة، عَن أَبِي المليح، عَن أَبِيه، أَنَّهُ شهد مَعَ رَسُول الله ﷺ زمان الحديبية فِي يوم جمعة، وأصابهم مطر لَمْ يبل أسفل نعالهم، فأمرهم أن يصلوا فِي رحالهم. وخرجه الإمام أحمد من حَدِيْث شعبة، عَن عَمْرِو بْن أوس، عَن رَجُل، حدثه مؤذن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: نادى منادي رَسُول الله ﷺ فِي يوم مطر: صلوا فِي الرحال. وروي من حَدِيْث نعيم النحام، أن ذَلِكَ كَانَ فِي أذان الصبح، وقد سبق ذكره. ولأن الصَّحَابَة جعلوا المطر والطين عذراً فِي ترك الجمعة، والجمعة إنما تقام نهاراً، فعلم أن ذَلِكَ عندهم عذر فِي الليل والنهار. وقد روي فِي حَدِيْث مرسل، خرجه وكيع عَن المغيرة بْن زياد، عَن عَطَاء، أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ فِي سفر، فأصابهم مطر، فصلى بالناس فِي

стр. 2719

رحالهم، وبلال يسمع النَّاس التكبير. وَهُوَ مرسل. وَهُوَ يدل عَلَى أنهم صلوا جماعة، لكن كل إنسان صلى فِي رحله، وهذا غريب جداً. وأما الريح الشديدة الباردة، فَقَالَ أصحابنا: هِيَ عذر فِي ترك الجماعة فِي الليلة المظلمة خاصة. الحَدِيْث الثاني:

стр. 2720

٦٦٧ – حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك، عَن أَيْنَ شِهَاب، عَن محمود بْن الربيع الأنصاري، أن عتبان بْن مَالِك كَانَ يؤم قومه أعمى، وأنه قَالَ لرسول الله ﷺ : يَا رَسُول الله، إنها تكون الظلمة السيل، وأنا رَجُل ضرير البصر، فصل يَا رَسُول الله فِي بيتي مكاناً أتخذه مصلى. فجاءه رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: ((أين تحب أن أصلي؟)) فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فِيهِ رَسُول الله ﷺ . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ((بَاب: المساجد فِي البيوت)) ، من ((أبواب: المساجد)) . وخرجه البخاري هناك بسياق مطول، من حَدِيْث عقيل، عَن الزُّهْرِيّ، وتكلمنا هناك عَلَى فوائد الحَدِيْث بما فِيهِ كفاية – إن شاء الله – وذكر الكلام عَلَى التخلف عَن حضور المسجد للعمى وللسيول والظلمة. ولا ريب أن من كَانَ بصره ضعيفاً، وفي طريقه سيول، فإنه معذور فِي

стр. 2721

الخروج إلى المسجد ليلاً؛ فإنه ربما خشي عَلَى نفسه التلف، والجماعة يسقط حضورها بدون ذَلِكَ. وذكرنا هناك حَدِيْث ابن أم مكتوم، وأن النَّبِيّ ﷺ لَمْ يرخص لَهُ فِي التخلف عَن المسجد، مَعَ كونه ضريراً ولا يجد قائداً يلائمه، ويخشى فِي طريقه الهوام، ووجه الجمع بَيْن الحديثين بما فِيهِ كفاية.

стр. 2722

٤١ - بَاب هَلْ يُصَلِّي الإمَامُ بمَنْ حَضَرَ وهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ ؟ يعني بهذا الباب: أن المطر والطين، وإن كَانَ عذراً فِي التخلف عَن الجماعة فِي المسجد، إلا أَنَّهُ عذر لآحاد النَّاس، وأما الإمام فلا يترك الصلاة لذلك فِي المسجد، ويصلي جماعة فِي المسجد بمن حضر، وكذلك يوم الجمعة لا يترك الخطبة وصلاة الجمعة فِي المسجد بمن حضر فِيهِ، إذا كانوا عدداً تنعقد بهم الجمعة، وإنما يباح لآحاد النَّاس التخلف عَن الجمعة والجماعات فِي المطر ونحوه، إذا أقيم شعارهما فِي المساجد. وعلى هَذَا، فلا يبعد أن يكون إقامة الجماعات والجمع فِي المساجد فِي حال الأعذار كالمطر فرض كفاية لا فرض عين، وأن الإمام لا يدعهما. وَهُوَ قريب من قَوْلِ الإمام أحمد فِي الجمعة إذا كَانَتْ يوم عيد، أَنَّهُ يسقط حضور الجمعة عمن حضر العيد، إلا الإمام ومن تنعقد بِهِ الجمعة؛ فتكون الجمعة حينئذ فرض كفاية. والله أعلم. ولا شك أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ لا يترك إقامة الجمع فِي المطر، ويدل عَلِيهِ: أَنَّهُ لما استسقى للناس عَلَى المنبر يوم الجمعة، ومطروا من ذَلِكَ الوقت إلى الجمعة الأخرى، أقام الجمعة الثانية فِي ذَلِكَ المطر حَتَّى شكي إليه كثرة المطر فِي خطبته يومئذ، فدعا الله بإمساك المطر عَن المدينة، وسيأتي الحَدِيْث

стр. 2723

فِي ((الجمعة)) و ((الاستسقاء)) – إن شاء الله . خرج فِي هَذَا الباب ثَلَاثَة أحاديث: الحَدِيْث الأول: قَالَ:

стр. 2724

٦٦٨ – حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن عَبْد الوهاب: ثنا حماد بْن زيد: ثنا عَبْد الحميد - صاحب الزيادي -، قَالَ: سَمِعْت عَبْد الله بْن الحارث، قَالَ: خطبنا ابن عَبَّاس فِي يوم ذي رذع، فأمر المؤذن لما بلغ ((حي عَلَى الصلاة)) ، قَالَ: قل: ((الصلاة فِي الرحال)) . فنظر بعضهم إلى بعض، كأنهم أنكروا. فَقَالَ: كأنكم أنكرتم هَذَا، إن هَذَا فعله من هُوَ خير مني – - يعني: رَسُول الله ﷺ ، انها عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم. وعن حماد، عَن عاصم، عَن عَبْد الله بْن الحارث، عَن ابن عَبَّاس – نحوه، غير أَنَّهُ قَالَ: كرهت أن أؤثمكم فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم. قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ((بَاب: الكلام فِي الأذان)) ، وفسرنا هنالك معنى ((الروغ)) . وقوله: ((إنها عزمة)) – يعني: الجمعة – والمراد: أَنَّهُ إذا دعا النَّاس إليها بقول المؤذن: ((حي عَلَى الصلاة)) ، فَقَدْ عزم عَلَى النَّاس كلهم أن يأتوه، فليزمهم ذَلِكَ؛ فلذلك أبدله بقوله: ((صلوا فِي رحالكم)) .

стр. 2725

وقوله: ((كرهت أن أحرجكم)) : أي أشدد عليكم، وأضيق بإخراجكم إلى المساجد فِي الطين. والحرج: الشدة والضيق. وفي الرواية الأخرى: ((كرهت أن أؤثمكم)) ، كأنه يريد إذا دعاهم إلى هذه الصلاة فِي هَذَا اليوم خشي عليهم الإثم إذا تخلفوا عَن الصلاة مَعَ دعائهم إليها، فإذا خرجوا حرجوا بخوضهم فِي الطين إلى ركبهم، وإن قعدوا أثموا. وظاهر هَذَا: يدل عَلَى أن ابن عَبَّاس يرى أن الإمام إذا دعا النَّاس إلى الجمعة فِي الطين والمطر لزمتهم الإجابة، وإنما يباح لأحدهم التخلف إذا نادى: ((الصلاة فِي الرحال)) . والله أعلم. وقد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإمام أحمد، فيما رواه البيهقي فِي ((مناقب أحمد)) بإسناده، عَن مُحَمَّد بْن رافع، قَالَ: سَمِعْت أحمد بْن حنبل يَقُول: إن قَالَ المؤذن فِي أذانه: (الصلاة فِي الرحال)) ، فلك أن تتخلف، وإن لَمْ يقل فَقَدْ وجب عَلَيْك، إذا قَالَ: ((حي عَلَى الصلاة، حي عَلَى الفلاح)) . الحَدِيْث الثاني: قَالَ:

стр. 2726

٦٦٩ – حَدَّثَنَا مُسْلِم، قَالَ: ثنا هِشَام، عَن يَحْيَى، عَن أَبِي سَلَمَة، قَالَ: سألأت أَبَا سَعِيد الْخُدرِيَّ، قَالَ: جاءت سحابة بمطر حَتَّى سَأَلَ السقف، وكان من جريد النخل، فأقيمت الصلاة، فرأيت رَسُول الله ﷺ سجد فِي الماء والطين، حَتَّى رأيت أثر الطين فِي جبهته. هَذَا الحَدِيْث قطعة مختصرة من حَدِيْث سؤال أَبِي سَلَمَة لأبي سَعِيد

стр. 2727

عَن ليلة القدر، وقد خرجه بتمامه فِي ((الصيام)) و ((الاعتكاف)) . والمقصود مِنْهُ هاهنا: أن النَّاس مطروا من الليل فِي رمضان، فسال السقف، وكان من جريد النخل، حَتَّى صار الطين فِي أرض المسجد، ومع هَذَا فَقَدْ أقيمت الصلاة، وصلى النَّبِيّ ﷺ بالناس فِيهِ، ولما انصرف من صلاة الصبح رئي أثر الطين فِي جبهته، ولم يتخلف عَن الصلاة فِي المسجد ولا عَن الأذان والإقامة فِيهِ، فدل عَلَى أن المطر يعذر فِي التخلف عَن الجماعة فِيهِ آحاد النَّاس، أو من منزلة بعيد عَن المسجد بحيث يشق عَلِيهِ قصد المسجد، فأما الإمام ومن قرب المسجد فلا يخلون بإقامة الجماعة فِيهِ. والله أعلم. الحَدِيْث الثالث:

стр. 2728

٦٧٠ – حَدَّثَنَا آدم، قَالَ: ثنا شعبة: ثنا أنس بْن سيرين، قَالَ: سَمِعْت أنساً يَقُول: قَالَ رَجُل من الأنصار: إني لا أستطيع الصلاة معك، وكان رجلاً ضخماً، فصنع للنبي ﷺ طعاماً، فدعاه إلى منزله، فبسط لَهُ حصيراً ونضح طرف الحصير، فصلى عَلِيهِ ركعتين. فَقَالَ رَجُل من آل الجارود لأنس: أكان النَّبِيّ ﷺ يصلي الضحى؟ قَالَ: مَا رأيته صلاها إلا يومئذ. فِي هَذَا الحَدِيْث: أن من كَانَ ثقيل البدن يشق عَلِيهِ المشي إلى المسجد، فإنه يعذر لترك الجماعة لذلك. وليس فِي الحَدِيْث ذكر عذر لترك الجماعة سوى كونه ضخماً، وأنه لا يستطيع الصلاة مَعَ النَّبِيّ ﷺ فِي مسجده، ولعل منزله كَانَ بعيداً من المسجد.

стр. 2729

والظاهر: أن هَذَا الرَّجُلُ غير عتبان بْن مَالِك؛ فإن ذاك كَانَ عذره العمى، مَعَ بعد المنزل، وحيلولة السيول بينه وبين المسجد.

стр. 2730

٤٢ - بَاب إذا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ وكان ابن عُمَر يبدأ بالعشاء. وَقَالَ أبو الدرداء: من فقه الرَّجُلُ إقباله عَلَى حاجته حَتَّى يقبل عَلَى صلاته وقلبه فارغ. أما المروي عَن ابن عُمَر، فَقَدْ أسنده البخاري فِي هَذَا الباب، وسيأتي - إن شاء الله. وأما المروي عَن أَبِي الدرداء [..................................] . وقد روي نحوه عَن ابن عَبَّاس، قَالَ: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء. ذكره الترمذي فِي ((جامعه)) تعليقاً، وخرجه وكيع فِي ((كتابه)) عَن شريك، عَن عُثْمَان الثَّقَفِيّ، عَن زياد مَوْلَى ابن عياش، أن ابن عَبَّاس كَانَ ينتظر الطعام. فحضرت الصلاة، فَقَالَ: انتظروا، لا يعرض لنا فِي صلاتنا.

стр. 2731

وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يؤخر الصلاة إذا كَانَ في انتظار الطعام وإن لَمْ يكن حاضراً، وعلله بخشية أن يعرض لَهُ فِي صلاته – يعني: ذكره، وتحديث النفس بِهِ. وروى وكيع – أَيْضاً – عَن شريك، عَن أَبِي إِسْحَاق، قَالَ: قَالَ الْحَسَن: أذهب للنفس اللوامة أن يبدأ بالطعام. خرج البخاري من هَذَا الباب ثَلَاثَة أحاديث. الحَدِيْث الأول:

стр. 2732

٦٧١ – حَدَّثَنَا مسدد: ثنا يَحْيَى، عَن هِشَام: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْت عَائِشَة، عَن النَّبِيّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: ((إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)) . الحَدِيْث الثاني:

стр. 2733

٦٧٢ – حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بكير، ثنا الليث، عَن عقيل، عَن ابن شِهَاب، عَن أنس ابن مَالِك، أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ((إذا قدم العشاء فابدءوا بِهِ قَبْلَ أن تصلوا المغرب، ولا تعجلوا عَن عشائكم)) . الحَدِيْث الثالث:

стр. 2734

٦٧٣ – حَدَّثَنَا عُبَيْدِ بْن إِسْمَاعِيل، عَن أَبِي أسامة، عَن عُبَيْدِ الله، عَن نَافِع، عَن ابن عُمَر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((إذا وضع عشاء أحدكم

стр. 2735

وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء، ولا يعجل حَتَّى يفرغ مِنْهُ)) . وكان ابن عُمَر يوضع لَهُ الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حَتَّى يفرغ، وإنه يسمع قراءة الإمام.
следующие страницы →