Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يؤخر الصلاة إذا كَانَ في انتظار الطعام وإن لَمْ يكن حاضراً، وعلله بخشية أن يعرض لَهُ فِي صلاته – يعني: ذكره، وتحديث النفس بِهِ.
وروى وكيع – أَيْضاً – عَن شريك، عَن أَبِي إِسْحَاق، قَالَ: قَالَ الْحَسَن: أذهب للنفس اللوامة أن يبدأ بالطعام.
خرج البخاري من هَذَا الباب ثَلَاثَة أحاديث.
الحَدِيْث الأول:
стр. 2732
٦٧١ – حَدَّثَنَا مسدد: ثنا يَحْيَى، عَن هِشَام: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْت عَائِشَة، عَن النَّبِيّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: ((إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)) .
الحَدِيْث الثاني:
стр. 2733
٦٧٢ – حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بكير، ثنا الليث، عَن عقيل، عَن ابن شِهَاب، عَن أنس ابن مَالِك، أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ((إذا قدم العشاء فابدءوا بِهِ قَبْلَ أن تصلوا المغرب، ولا تعجلوا عَن عشائكم)) .
الحَدِيْث الثالث:
стр. 2734
٦٧٣ – حَدَّثَنَا عُبَيْدِ بْن إِسْمَاعِيل، عَن أَبِي أسامة، عَن عُبَيْدِ الله، عَن نَافِع، عَن ابن عُمَر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((إذا وضع عشاء أحدكم
стр. 2735
وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء، ولا يعجل حَتَّى يفرغ مِنْهُ)) .
وكان ابن عُمَر يوضع لَهُ الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حَتَّى يفرغ، وإنه يسمع قراءة الإمام.
стр. 2736
٦٧٤ – وَقَالَ زهير ووهب بْن عُثْمَان، عَن موسى بْن عقبة، عَن نَافِع، عَن ابن عُمَر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((إذا كَانَ أحدكم عَلَى الطعام فلا يعجل حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ، وإن أقيمت الصلاة)) .
قَالَ أبو عَبْد الله: رواه إِبْرَاهِيْم بْن المنذر، عَن وهب بْن عُثْمَان.
ووهب مديني.
حَدِيْث عَائِشَة، قَدْ خرجه – أَيْضاً – فِي ((الأطعمة)) من رِوَايَة وهيب.
وسفيان الثوري، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ، بِهِ.
وحديث أنس، قَدْ خرجه فِي ((الأطعمة)) من طريق أيوب، عَن أَبِي قلابة، عَن أنس، عَن النَّبِيّ ﷺ .
وَقَالَ: عَن أيوب، عَن نَافِع، عَن ابن عُمَر، عَن النَّبِيّ ﷺ نحوه.
وعن أيوب، عَن نَافِع، عَن ابن عُمَر، أَنَّهُ تعشى وَهُوَ يسمع قراءة الإمام.
стр. 2737
وحديث موسى بْن عقبة الَّذِي علقه البخاري، قَدْ خرجه مُسْلِم من رِوَايَة أَبِي ضمرة، عَن موسى، ولم يذكر لفظه، لكنه قَالَ: بنحو رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر.
وخرجه البيهقي من طريق سويد بْن سَعِيد، عَن حفص بْن ميسرة، عَن موسى بْن عقبة، ولفظه: إن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ((إذا كَانَ أحدكم عَلَى الطعام فلا يعجلن حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ، وإن أقيمت الصلاة)) .
ثُمَّ قَالَ: وبهذا اللفظ رواه زهير بْن معاوية ووهب بْن عُثْمَان، عَن موسى ابن عقبة، وأشار البخاري إلى روايتهما.
قُلتُ: وإنما أشار البخاري إليه؛ لأن لفظه صريح فِي أن من شرع فِي عشائه ثُمَّ أقيمت الصلاة فلا يقم إلى الصلاة حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ، بخلاف سائر ألفاظ الحَدِيْث الَّتِيْ خرجها؛ لأنه يحتمل أن يكون الخَطَّاب بِهَا لمن لَمْ يتناول من عشائه شيئاً.
ووهب بْن عُثْمَان، ذكر البخاري أَنَّهُ مديني، وأن هَذَا الحَدِيْث رواه عَنْهُ إِبْرَاهِيْم بْن المنذر الحزامي، ولم يذكره فِي غير هَذَا الموضع من ((كتابه)) ، ولا خرج لَهُ فِي بقية ((الكتب الستة)) ، وذكره ابن حبان فِي ((ثقاته)) .
وقد خرج ابن حبان فِي ((صحيحه)) من طريق ابن جُرَيْج: أخبرني نَافِع، قَالَ: كَانَ ابن عُمَر إذا غربت الشمس وتبين لَهُ الليل، فكان أحياناً يقدم عشاءه وَهُوَ صائم، والمؤذن يؤذن، ثُمَّ يقيم [وَهُوَ يسمع] فلا يترك عشاءه ولا يجعل
стр. 2738
حَتَّى يقضي عشاءه، ثُمَّ يخرج فيصلي، يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((لا تعجلوا عَن عشائكم إذا قدم إليكم)) .
وقد روي ذكر الصيام مرفوعاً.
خرجه ابن حبان – أَيْضاً – من طريق موسى بْن أعين، عَن عَمْرِو بْن الحارث، عَن ابن شِهَاب، عَن أنس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب، ولا تعجلوا عَن عشائكم)) .
وخرجه الدارقطني فِي كِتَاب ((الإلزامات)) وصححه.
وخرجه الطبراني، وَقَالَ: لَمْ يقل فِي هَذَا الحَدِيْث: ((وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب)) إلا عَمْرِو بْن الحارث، تفرد بِهِ موسى بْن أعين.
قُلتُ: وإنما تفرد موسى بذكر: ((وأحدكم صائم)) ، وأما قوله: ((فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب)) فَقَدْ خرجه مُسْلِم من طريق ابن وهب، عَن عَمْرِو ابن الحارث بهذا الإسناد، ولفظ حديثه: ((إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدءوا بِهِ قَبْلَ أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عَن عشائكم)) .
فهذه الأحاديث كلها تدل عَلَى أَنَّهُ إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فإنه يبدأ بالعشاء، سواء كَانَ قَدْ أكل مِنْهُ شيئاً أو لا، وأنه لا يقوم حَتَّى يقضي حاجته من عشائه، ويفرغ مِنْهُ.
стр. 2739
وممن روي عَنْهُ تقديم العشاء عَلَى الصلاة: أبو بَكْر وعمر وابن عُمَر وابن عَبَّاس وأنس وغيرهم.
وروى معمر، عَن ثابت، عَن أنس، قَالَ: إني لمع أَبِي بْن كعب وأبي طلحة وغيرهما من أصْحَاب النَّبِيّ ﷺ عَلَى طعام، إذ نودي بالصلاة، فذهبت أقوم فأقعدوني، وأعابوا عَلِيّ حِينَ أردت أن أقوم وأدع الطعام.
خرجه عَبْد الله ابن الإمام أحمد فِي ((مسائله)) .
وإلى هَذَا القوم ذهب الثوري وأحمد – فِي المشهور عَنْهُ – وإسحاق وابن المنذر.
وَقَالَ أحمد: لا يقوم حَتَّى يفرغ من جميع عشائه، وإن خاف أن تفوته الصلاة مَا دام فِي وقت. قَالَ: لأنه إذا تناول مِنْهُ شيئاً ثُمَّ تركه كَانَ فِي نفسه شغل من تركه الطعام إذا لَمْ ينل مِنْهُ حاجته.
وحاصل الأمر؛ أَنَّهُ إذا حضر الطعام كَانَ عذراً فِي ترك صلاة الجماعة، فيقدم تناول الطعام، وإن خشي فوات الجماعة، ولكن لا بد أن يكون لَهُ ميل إلى الطعام، ولو كَانَ ميلاً يسيراً، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم.
وعلى ذَلِكَ دل تعليل ابن عَبَّاس والحسن وغيرهما، وكذلك مَا ذكره البخاري عَن أَبِي الدرداء.
فأما إذا لَمْ يكن لَهُ ميل بالكلية إلى الطعام، فلا معنى لتقديم الأكل عَلَى الصلاة.
وقالت طائفة أخرى: يبدأ بالصلاة قَبْلَ الأكل، إلا أن يكون نفسه شديدة التوقان إلى الطعام، وهذا مذهب الشَّافِعِيّ: وقول ابن حبيب المالكي.
واستدل لَهُ ابن حبان بالحديث الَّذِي فِيهِ التقييد بالصائم، وألحق بِهِ
стр. 2740
كل من كَانَ شديد التوقان إلى الطعام فِي الصلاة، يمنع من كمال الخشوع، بخلاف الميل اليسير.
وقالت طائفة أخرى: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون الطعام خفيفاً -: حكاه ابن المنذر، عَن مَالِك.
وهذا يحتمل أَنَّهُ أراد أن الخفيف من الطعام يطمع مَعَهُ فِي إدراك الجماعة، بخلاف الطعام الكثير فيختص هَذَا بالعشاء.
وهذا بناء عَلَى أن وقت المغرب وقت واحد، كما هُوَ قَوْلِ مَالِك والشافعي فِي أحد قوليه.
ونقل حرب، عَن إِسْحَاق، أَنَّهُ يبدأ بالصلاة، إلا فِي حالين: أحدهما: أن يكون الطعام خفيفاً. والثاني: أن يكون أكله مَعَ الجماعة، فيشق عليهم قيامه إلى الصلاة.
وهؤلاء قالوا: إن النَّبِيّ ﷺ أمر بتقديم العشاء عَلَى الصلاة حيث كَانَ عشاؤهم خفيفاً، كما كَانَتْ عادة الصَّحَابَة فِي عهد النَّبِيّ ﷺ ، فَلَمْ يتناول أمره غير مَا هُوَ معهود فِي زمنه.
وروى أبو داود بإسناده، عَن عَبْد الله بْن عُبَيْدِ بْن عمير، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي فِي زمان ابن الزُّبَيْر إلى جنب عَبْد الله بْن عُمَر، فَقَالَ عباد بْن عَبْد الله بْن الزُّبَيْر: إنا سمعنا أَنَّهُ يبدأ بالعشاء قَبْلَ الصلاة، فَقَالَ عَبْد الله بْن عُمَر: ويحك، مَا كَانَ عشاؤهم، أتراه كَانَ مثل عشاء أبيك؟!
وخرج البيهقي من حَدِيْث حميد، قَالَ: كنا عِنْدَ أنس بْن مَالِك، فأذن
стр. 2741
المؤذن بالمغرب وقد حضر العشاء، فَقَالَ أنس: ابدءوا بالعشاء، فتعشينا مَعَهُ، ثُمَّ صلينا، فكان عشاؤه خفيفاً.
وقالت طائفة: يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون الطعام يخاف فساده لما فِي تأخيره من إفساد الطعام، وهذا قَوْلِ وكيع، رواه الترمذي فِي ((جامعة)) عَنْهُ.
وفي هَذَا القول بعد، وَهُوَ مخالف ظاهر الأحاديث الكثيرة.
وللأمام أحمد فِي المسألة ثَلَاثَة أقوال:
أحدها: أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة أَبِي الحارث، وسئل عَن العشاء إذا وضع وأقيمت الصلاة، فَقَالَ: قد جاءت أحاديث، وكان القوم فِي مجاعة، فأما اليوم فلو قام
رجوت.
وهذه الرواية تدل عَلَى أن تقديم الأكل عَلَى الصلاة مختص بحال مجاعة النَّاس عموماً، وشدة توقانهم بأجمعهم إلى الطعام، وفي هَذَا نظر.
وقد يستدل لَهُ بما رَوَى مُحَمَّد بْن ميمون الزعفراني، عَن جَعْفَر بْن مُحَمَّد، عَن أبيه، عَن جابر، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ لا يؤخر الصلاة لطعام ولا غيره.
وخرجه الطبراني، ولفظه: لَمْ يكن رَسُول الله ﷺ يؤخر صلاة المغرب لعشاء ولا غيره.
стр. 2742
وهذا حَدِيْث ضَعِيف لا يثبت.
ومحمد بْن ميمون هَذَا، وثقة ابن معين وغيره. وَقَالَ البخاري والنسائي: منكر الحَدِيْث.
وروى سلام بْن سُلَيْمَان المدائنى: ثنا ورقاء بْن عُمَر، عَن ليث بْن أَبِي سليم، عَن نَافِع، عَن ابن عُمَر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((إذا حضر العشاء والصلاة فابدءوا بالصلاة)) .
خرجه تمام الرَّازِي فِي ((فوائده)) ، وَقَالَ: هكذا وقع فِي كتابي، وَهُوَ خط.
وليث بْن أَبِي سليم ليس بالحافظ، فلا تقبل مخالفته لثقات أصْحَاب نَافِع؛ فإنهم رووا: ((فابدءوا بالعشاء)) كما تقدم. وسلام المدائني ضَعِيف جداً.
والقول الثاني: نقل حَنْبل، عَن أحمد، قَالَ: إن كَانَ أخذ من طعامه لقمةً أو نحو ذَلِكَ فلا يقوم إلى الصلاة فليصلي، ثُمَّ يرجع إلى العشاء؛ لأن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يحتز من كتف الشاة، فألقى السكين وقام.
وكذا نقل عَنْهُ ابنه عَبْد الله والأثرم.
وحاصل هَذَا القول: إن كَانَ أكل شيئاً من الطعام، ثُمَّ أقيمت الصلاة قام إليها، وترك الأكل، وإن لَمْ يكن أكل شيئاً أكل مَا تسكن بِهِ نفسه ثُمَّ قام إلى الصلاة، ثُمَّ عاد إلى تتمة طعامه.
وصرح بذلك الأثرم فِي ((كِتَاب الناسخ والمنسوخ)) ، واستدل بحديث عَمْرِو ابن أمية الضمري، وقد خرجه البخاري فِي الباب الذي يلي هَذَا.
стр. 2743
وروي نحوه من حَدِيْث المغيرة بْن شعبة وجابر بْن عَبْد الله.
وفي هذه الأحاديث: أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يحتز من كتف شاة، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى السكين ثُمَّ قام إلى الصلاة.
وقد ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أَنَّهُ إذا سَمِعَ الإقامة م يشبع من طعامه، بل يأكل مَا يكسر بِهِ سورة جوعه.
وحديث ابن عُمَر صريح فِي رد ذَلِكَ، وأنه لا يعجل حَتَّى يفرغ من عشائه.
والقول الثالث: عكس الثاني، نقله حرب عَن أحمد، قَالَ: إن كَانَ قَدْ أكل بعض طعامه، فأقيمت الصلاة، فإنه يتم أكله، وإن كَانَ لَمْ يأكل شيئاً فأجب أن يصلي.
وقد يعلل هَذَا بأنه إذا تناول شيئاً من طعامه فإن نفسه تتوق إلى تمامه، بخلاف من لَمْ يذق مِنْهُ شيئاً؛ فإن توقان نفسه إليه أيسر.
وفي المسألة قَوْلِ آخر، وَهُوَ الجمع بَيْن أحاديث هَذَا الباب، وبين حَدِيْث عَمْرِو بْن أمية، وما فِي معناه من طرح النَّبِيّ ﷺ السكين من يده، وقيامة إلى الصلاة بالفرق بَيْن الإمام والمأمومين، فإذا دعي الإمام إلى الصلاة قام وترك بقية طعامه؛ لأنه ينتظر، ويشق عَلَى النَّاس عِنْدَ اجتماعهم تأخره عنهم، بخلاف آحاد المأمومين، وهذا مسلك البخاري، كما سيأتي ذَلِكَ فِي الباب الَّذِي يلي هَذَا.
وبكل حال؛ فلا يرخص مَعَ حضور الطعام فِي غير ترك الجماعة، فأما الوقت فلا يرخص بذلك فِي تفويته عِنْدَ جمهور العلماء، ونص عَلِيهِ
стр. 2744
أحمد وغيره.
وشذت طائفة، فرخصت فِي تأخير الصلاة عَن الوقت بحضور الطعام – أَيْضاً -، وَهُوَ قَوْلِ بعض الظاهرية، ووجه ضَعِيف للشافعية، حكاه المتولى وغيره.
وقد رَوَى المروزي أن أحمد احتجم بالعسكر، فما فرغ إلا والنجوم قَدْ بدت، فبدأ بالعشاء قَبْلَ الصلاة، فما فرغ دخل حَتَّى وقت العشاء، فتوضأ وصلى المغرب والعشاء.
قَالَ القاضي فِي ((خِلافَه)) : يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مسافراً؛ لأن المراد بالعسكر سامراء، وكان قَدْ طلبه المتوكل إليها.
والثاني: أَنَّهُ خاف عَلَى نفسه من تأخير العشاء المرض؛ لضعفه بالحجامة.
وَقَالَ ابن عقيل: يحتمل أَنَّهُ كَانَ مريضاً أو ناسباً. قَالَ: ومع هذه الاحتمالات لا يؤخذ من ذَلِكَ مذهب يخالف مذهب النَّاس.
ومتى خالف، وصلى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه فصلاته مجزئه عند جميع العلماء المعتبرين، وقد حكى الإجماع عَلَى ذَلِكَ ابن عَبْد البر وغيره،
стр. 2745
وإنما خالف فِيهِ شذوذ من متأخري الظاهرية، لا يعبأ بخلافهم الإجماع القديم.
وفي أحاديث هَذَا الباب: دليل عَلَى أن وقت المغرب متسع، وأنه لا يفوت بتأخير الصلاة فِيهِ عَن أول الوقت، ولولا ذَلِكَ لَمْ يأمر بتقديم العشاء عَلَى صلاة المغرب من غير بيان لحد التأخير؛ فإن هَذَا وقت حاجة إلى البيان، فلا يجوز تأخيره عَنْهُ. والله أعلم.
стр. 2746
٤٣ - بَاب
إذا دُعيَ الإمَامُ إلى الصَّلاةِ وبَيَدِهِ مَا يَأكُلُ
стр. 2747
٦٧٥ – حَدَّثَنَا عَبْد العزيز بْن عَبْد الله: ثنا إِبْرَاهِيْم، عَن صالح، عن ابن
شِهَاب، قَالَ: أخبرني جَعْفَر بْن عَمْرِو بْن أمية الضمري، أن أباه قَالَ: رأيت رَسُول الله ﷺ يأكل ذراعاً يحتز مِنْهَا، فدعى إلى الصلاة، فَقَام فطرح السكين فصلى ولم يتوضأ.
وقد سبق فِي ((كِتَاب الوضوء)) من حَدِيْث عقيل، عَن ابن شِهَاب - بمعناه.
وقد حمل البخاري هَذَا عَلَى أن الإمام خاصة إذا دعي إلى الصلاة وَهُوَ يأكل فإنه يقوم إلى الصلاة ولا يتم أكله؛ لما فِي تأخيره من المشقة عَلَى المأمومين بابانتظاره، فيكون دعاء الإمام إلى الصلاة بمنزلة إقامة الصلاة فِي حق المأمومين.
وقد حمله غيره – كما تقدم – عَلَى أَنَّهُ إذا أقيمت الصلاة وقد أكل بعض طعامه أَنَّهُ يقوم ولا يتمه.
والبخاري قَدْ بَيْن فِي الباب السابق أن بعض ألفاظ حَدِيْث ابن عمر صريح فِي خلاف هذا، فلذلك حمله عَلَى الإمام خاصة، ولو أَنَّهُ حمل عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ أتم أكله لكان محتملاً مَعَ بعده؛ فإن ظاهر اللفظ
стр. 2748
يقتضي أَنَّهُ لَمْ يكن أتم أكله.
وقد حمله بعضهم عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ أخذ من طعامه مَا يحتاج إليه بحيث لا تتوق نفسه بعده إلى شيء مِنْهُ، فاكتفي بذلك.
وخرج أبو داود من حَدِيْث المغيرة بْن شعبة، قَالَ: ضفت النَّبِيّ ﷺ ذات ليلة، فأمر بجنب فشوى، وأخذ الشفرة فجعل يحتز لِي بِهَا مِنْهُ. قَالَ: فجاء بلال فآذنه بالصلاة قالَ: فألقى الشفرة، وقَالَ: ((ماله؟ تربت يداه)) ، وقام.
ويروى من حَدِيْث جابر، أن النَّبِيّ ﷺ دعي إلى الصلاة وَهُوَ يأكل، فقام ثُمَّ رجع، فأتى ببقية الطعام.
ذكره الأثرم تعليقاً.
وخرجه [....................................................] .
стр. 2749
٤٤ - بَاب
مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمتِ الصَّلاةُ فَخَرَجَ
стр. 2750
٦٧٦ – حَدَّثَنَا آدم: ثنا شعبة: ثنا الحكم، عَن إِبْرَاهِيْم، عَن الأسود، قَالَ: سألت عَائِشَة: مَا كَانَ النَّبِيّ ﷺ يصنع فِي بيته؟ قَالَتْ: كَانَ يكون فِي مهنة أهله – تعني: خدمة أهله -، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
((المهنة)) – بكسر الميم وفتحها – الخدمة.
ومنهم من أنكر الكسر، قَالَ الأصمعي: هُوَ خطأ.
قَالَ الزمخشري: هُوَ عِنْدَ الأثبات خطأ. قَالَ: وكان القياس لَوْ قيل مثل جلسة وخدمة.
وقد فسرت عَائِشَة هذه الخدمة فِي رِوَايَة عَنْهَا، فروى المقدام بْن شريح، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، أَنَّهُ سألها: كَيْفَ كَانَ النَّبِيّ ﷺ يصنع إذا كَانَ فِي بيته؟ قَالَتْ: مثل أحدكم فِي مهنة أهله، يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويضع الشيء.
وروى معاوية بْن صالح، عَن يَحْيَى بْن سَعِيد، عَن عمرة، قَالَتْ: سئلت عَائِشَة: مَا كَانَ النَّبِيّ ﷺ يصنع فِي بيته؟ قَالَتْ: بشر من البشر، يخدم نفسه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله.
وروى هِشَام بْن عُرْوَةَ، عَن أَبِيه، قَالَ: قيل لعائشة: مَا كَانَ النَّبِيّ ﷺ يصنع فِي بيته؟ قَالَتْ: يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل مَا يعمله
стр. 2751
الرجال فِي بيوتهم.
خرجه ابن حبان فِي ((صحيحه)) .
ومقصود البخاري بهذا الباب: أن الصلاة إذا قيمت والإنسان فِي شغل بعمل شيء من مصالح دنياه، فإنه يدعه ويقوم إلى الصلاة، إماماً كَانَ أو مأموماً.
وقد روي حَدِيْث الأسود، عَن عَائِشَة، الَّذِي خرجه البخاري بزيادة فِي آخره.
خرجه الحافظ أبو الحسين ابن المظفر فِي ((غرائب شعبة)) من طريق الْحَسَن ابن مدرك: ثنا يَحْيَى بْن حماد: ثنا شعبة، عَن الحكم، عَن إِبْرَاهِيْم، عَن الأسود، عَن عَائِشَة، قَالَتْ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إذا كَانَ عندي كَانَ فِي مهنة أهله، فإذا نودي بالصلاة كأنه لَمْ يعرفنا.
وقد روي من وجه آخر معنى هذه الزيادة.
رَوَى أبو زُرْعَة الدمشقي فِي ((تاريخه)) : حَدَّثَنَا محمد بْن أَبِي أسامة: ثنا مبشر بْن إِسْمَاعِيل: ثنا عَبْد الله بْن الزبرقان: حَدَّثَنِي أسامة بْن أَبِي عَطَاء، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ النُّعْمَان بْن بشير، فَقَالَ لَهُ سويد بْن غفلة: ألم يبلغني أنك صليت مَعَ النَّبِيّ ﷺ ؟ قَالَ: ومرة، لا بل مراراً، كَانَ رَسُول الله ﷺ إذا سَمِعَ النداء كأنه لا يعرف أحداً من النَّاس.
стр. 2752
٤٥ - بَاب
مَنْ صَلَّى بالنَّاسِ وََهُوَ لَا يُريدُ إلاَّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ
صَلَاةَ النَّبيِّ ﷺ وَسُنَّتَهُ
стр. 2753
٦٧٧ – حَدَّثَنَا موسى بْن إِسْمَاعِيل: أنا وهيب، [نا أيوب] ، عَن أَبِي قلابة، قَالَ: جاءنا مَالِك بْن الحويرث فِي مسجدنا هَذَا، فَقَالَ: إني لأصلي بكم، وما أريد الصلاة، أصلي كَيْفَ رأيت رَسُول الله ﷺ يصلي. فَقِيلَ لأبي قلابة: كَيْفَ كَانَ
يصلي؟ قَالَ: مثل شيخنا هَذَا. وكان الشَّيْخ يجلس إذا رفع رأسه من السجود قَبْلَ أن ينهض فِي الركعة الأولى.
وقد خرجه البخاري فيما بعد عَن معلى بْن أسد، عَن وهيب، ولفظ حديثه: جاءنا مَالِك بْن الحويرث فصلى بنا فِي مسجدنا هَذَا، فَقَالَ: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة. لكني أريد أن أريكم كَيْفَ رأيت رَسُول الله ﷺ يصلي – وذكر بقية الحَدِيْث.
قول مَالِك بْن الحويرث: ((إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة)) يحتمل أَنَّهُ أراد: أني لا أريد الصلاة إماماًُ وأنه لا غرض لِي فِي إمامتكم سوى تعليمكم صلاة النَّبِيّ ﷺ ، والإمام إذا نوى الصلاة بالناس وتعليمهم
стр. 2754
الصلاة صحت صلاته، كما حج النَّبِيّ ﷺ ، وَقَالَ لهم: ((خذوا عني مناسككم)) . وَقَالَ – أَيْضاً – فِي الصلاة: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) .
وإن حمل عَلَى أن مراد ابن الحويرث: أني لا أريد أن أصلي هذه الصلاة لأني قَدْ صليتها، وإنما أعيدها لتعليمكم الصلاة دل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يرى جواز اقتداء المفترضين بالمتنفل، إن كَانَ أمهم فِي وقت صلاة مفروضة، فإن كَانَ أمهم فِي تطوعٍ فلا دلالة فِيهِ عَلَى ذَلِكَ.
وقد ورد ذَلِكَ مصرحاً بِهِ رِوَايَة خرجها البخاري فِي ((بَاب: الطمأنينة)) من رِوَايَة حماد بْن زيد، عَن أيوب، عَن أَبِي قلابة، قَالَ: قام مَالِك بْن الحويرث يرينا كَيْفَ كَانَ صلاة النَّبِيّ ﷺ ، وذلك فِي غير وقت الصلاة – وذكر صفة صلاته.
فعلم بهذا أنهم كانوا متنفلين بهذه الصلاة كلهم.
ولا يصح حمل كلامه عَلَى ظاهره، وأنه لَمْ ينو الصلاة بالكلية، بل كَانَ يقوم ويقعد ويركع ويسجد، وَهُوَ لا يريد الصلاة، فإن هَذَا لا يجوز، وإنما يجوز مثل ذَلِكَ فِي الحج، يجوز أن يكون الَّذِي يقف بالماس ويدفع بهم غير محرم، ولا مريداً للحج بالكلية، لكنه يكره.
قَالَ أصحابنا وغيرهم من الفقهاء فِي الأحكام السلطانية: لأن الوقوف والدفع يجوز للمحرم وغيره، بخلاف القيام والركوع والسجود، فإنه لا يجوز إلا فِي الصلاة بشروطها.
وبقية فوائد الحَدِيْث يأتي الكلامم عَلِيهِ فِي مواضعه – إن شاء الله –؛ فإن البخاري خرجه فِي مواضع متعددة.
стр. 2755
٤٦ - بَاب
أَهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ
فِيهِ خمسة أحاديث:
الحَدِيْث الأول:
стр. 2756
٦٧٨ – حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نصر: حَدَّثَنَا حسين، عَن زائدة، عَن عَبْد الملك ابن عمير، قَالَ: حَدَّثَنِي أبو بردة، عَن أَبِي موسى، قَالَ: مرض النَّبِيّ ﷺ فاشتد مرضه، فَقَالَ: ((مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس)) . قَالَتْ عَائِشَة: إنه رَجُل رقيق، إذا قام مقامك لَمْ يستطع أن يصلي بالناس. قَالَ: ((مري أَبَا بَكْر فليصل بالناس)) ، فعادت، فَقَالَ: ((مري أَبَا بَكْر فليصل بالناس؛ فإنكن صواحب يوسف)) ، فأتاه الرسول، فصلى بالناس فِي حَيَاة النَّبِيّ ﷺ .
استدل البخاري بهذا الحَدِيْث عَلَى أن أهل الفضل والعلم أحق بالإمامة من غيرهم؛ فإن النَّبِيّ ﷺ أمر أَبَا بَكْر من بين الصَّحَابَة كلهم بالصلاة بالناس، وروجع فِي ذَلِكَ مراراً وَهُوَ يأبى إلا تقديمه فِي الصلاة عَلَى غيره من الصَّحَابَة، وإنما قدمه لعلمه وفضله؛ فأما فضله عَلَى سائر الصَّحَابَة فهو مِمَّا اجتمع عَلِيهِ أهل السنة والجماعة، وأما علمه فكذلك.
وقد حكى أبو بَكْر ابن السمعاني وغيره إجماع أهل السنة عَلِيهِ – أَيْضاً.
стр. 2757
وهذا مِمَّا يستدل بِهِ من قَالَ: إن الأفقه والأعلم مقدم عَلَى مقدم عَلَى الأقرإ؛ فإن أَبِي بْن كعب كَانَ أقرأ الصَّحَابَة، كما قَالَ عُمَر: ((أَبِي أقرؤنا)) .
وروي عَن النَّبِيّ ﷺ من وجوه، أَنَّهُ قَالَ: ((أقرأ أمتي لكتاب الله أَبِي بْن كعب)) .
خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه – وصححه الترمذي – من حَدِيْث أَبِي قلابة، عَن أنس.
وقد روي عَن أَبِي قلابة مرسلاً من غير ذكر ((أَنَس)) ، وَهُوَ أصح عِنْدَ كثير من الحفاظ.
فلما قدم النَّبِيّ ﷺ أَبَا بَكْر عَلَى أَبِي بْن كعب فِي الصلاة بالناس دل عَلَى أن الأعلم والأفقه والأفضل مقدم عَلَى الأقرإ.
وقد اختلف العلماء: هَلْ يقدم الأقرأ عَلَى الأفقه، أم الأفقه عَلَى الأقرإ؟
فَقَالَتْ طائفة: يقدم الأفقه، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي ثور.
وَقَالَ الليث: يؤمهم أفضلهم وخيرهم، ثُمَّ أقرؤهم، ثُمَّ أسنهم.
وقالت طائفة: يقدم الأقرأ عَلَى الأفقه، وحكي عَن الأشعث بْن قيس وابن سيرين والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، حكاه عنهم ابن المنذر واختاره.
وما حكيناه عَن الثوري، حكاه أصحابه
стр. 2758
عَنْهُ فِي كتبهم المصنفة عَلَى مذهبه.
ونص أحمد عَلَى أَنَّهُ يقدم الأقرأ إذا كَانَ يعرف مَا يحتاج إليه الصلاة من الفقه، وكذلك قَالَ كثير من المحققين من أصحابه، وحكموا مذهبه عَلَى هَذَا الوجه.
واستدل من قدم الأقرأ بما خرجه مُسْلِم فِي ((صحيحه)) من حَدِيْث أوس بْن ضمعج، عَن أَبِي مَسْعُود الأنصاري، عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا فِي القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا فِي السنة سواء فأقدمهم هجرة)) .
وفي رِوَايَة لمسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة)) .
وخرجه الحَاكِم، وعنده ((يؤم القوم أكثرهم قرآناً)) – وذكر الحَدِيْث.
وخرج مُسْلِم – أَيْضاً – من حَدِيْث أَبِي نضرة، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((إذا كانوا ثَلَاثَة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)) .
وخرج البخاري فِي ((كتابه)) هَذَا من حَدِيْث عَمْرِو بْن سَلَمَة الجرمي، عَن أَبِيه، أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً)) .
وخرج – أَيْضاً – فِيهِ من حَدِيْث ابن عُمَر، قَالَ: لما قدم المهاجرون الأولون قَبْلَ مقدم النَّبِيّ ﷺ كَانَ يؤمهم سَالِم مَوْلَى أَبِي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً.
стр. 2759
وخرج الإمام أحمد من حَدِيْث أَبِي موسى الأشعري، عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((يؤمكم أقرؤكم)) .
وخرجه أبو داود وابن ماجه من حَدِيْث ابن عَبَّاس، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: ((ليؤمكم قراؤكم)) .
وفي الباب أحاديث أخر.
وقد تأول الشَّافِعِيّ وغيره هذه الأحاديث عَلَى أن النَّبِيّ ﷺ إنما خاطب أصحابه، وكان أكثرهم قرآناً أكثرهم فقهاً؛ فإن قراءتهم كَانَتْ علماً وعملاً بخلاف من بعدهم.
وأجيب عَن هَذَا بوجهين:
أحدهما: أن هَذَا خطاب عام للأمة كلهم، فلا يختص بالصحابة.
والثاني: أَنَّهُ فرق بَيْن الأقرإ والأعلم بالسنة، وقدم الأقرإ عَلِيهِ.
وأجاب الإمام أحمد عَن تقديم النَّبِيّ ﷺ أَبَا بَكْر عَلَى أَبِي بْن كعب وغيره، بأنه أراد بذلك التنبيه عَلَى خلافته، فلهذا المعنى قدمه فِي الصلاة عَلَى النَّاس كلهم.
وقد منع بعضهم أن يكون أَبِي بْن كعب أقرأ من أَبِي بَكْر، لأن المراد بالأقرإ فِي الإمامة الأكثر قرآناً. وَقَالَ: كَانَ أبو بَكْر يقرأ القران كله، فلا مزية لأبي بْن كعب عَلِيهِ فِي ذَلِكَ، وامتاز أبو بَكْر بالعلم والفضل.
وهذه المسألة لأصحابنا فيها وجهان: إذا اجتمع قارئان، أحدهما أكثر
стр. 2760
قرآناً، والآخر أجود قراءةً، فهل يقدم الأكثر قرآناً عَلَى الأجود قراءة، أم بالعكس؟
وأكثر الأحاديث تدل ى اعتبار كثرة القرآن.
وإن اجتمع فقيهان قارئان، أحدهما أفقه، والآخر أجود قراءة، ففي أيهما يقدم وجهان – أَيْضاً.
وقيل: إن المنصوص عَن أحمد، أَنَّهُ يقدم الأقرأ.
الحَدِيْث الثاني:
стр. 2761
٦٧٩ – حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف، أنا مَالِك، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ، [عَن أَبِيه] ، عَن عَائِشَة، أنها قَالَتْ: إن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي مرضه: ((مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس)) . قَالَتْ عَائِشَة: قُلتُ: إن أَبَا بَكْر إذا قام فِي مقامك لَمْ يسمع النَّاس من البكاء، فمر عُمَر فليصل بالناس، قَالَتْ عَائِشَة: فَقُلْت لحفصة: قولي: إن أَبَا بَكْر إذا قام مقامك لَمْ يسمع النَّاس من البكاء، فمر عُمَر فليصل بالناس، ففعلت حَفْصَةَ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ((مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس)) . فَقَالَتْ حفصة لعائشة: مَا كُنْتُ لأصيب منك خيراً.
والمراد من هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب: امر النَّبِيّ ﷺ أَبَا بَكْر بالصلاة بالناس فِي مرضه، وأنه روجع فِي ذَلِكَ فزجر من راجعه، وكرر الأمر بذلك.
стр. 2762
الحَدِيْث الثالث:
стр. 2763
٦٨٠ – حَدَّثَنَا أبو اليمان، أنا شعيب، عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أخبرني أنس بْن مَالِك الأنصاري – وكان تبع النَّبِيّ ﷺ وخدمه وصحبه -، أن أَبَا بَكْر كَانَ يصلي بهم فِي وجع النَّبِيّ ﷺ الَّذِي توفى فِيهِ، حَتَّى إذا كَانَ يوم الأثنين وهم صفوف فِي الصلاة، فكشف النَّبِيّ ﷺ ستر الحجرة، ينظر إلينا وَهُوَ قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثُمَّ تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النَّبِيّ ﷺ ، فنكص أبو بَكْر عَلَى عقبيه ليصل الصف، وظن أن النَّبِيّ ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النَّبِيّ ﷺ : أن ((أتموا صلاتكم)) ، وأرخى الستر، فتوفي من يومه ﷺ .
فِي هَذَا الحَدِيْث أن أَبَا بَكْر استمر عَلَى إقامته فِي الصلاة إلى أن توفي رَسُول الله ﷺ ، وأن النَّبِيّ ﷺ كشف الستر، ونظر إليه وَهُوَ يؤم النَّاس فِي صلاة الصبح يوم الأثنين، وهي آخر صلاة أدركها النَّبِيّ ﷺ فِي حياته، فظن أبو بَكْر أَنَّهُ خارج إلى الصلاة، فأخذ فِي التأخر إلى صف المأمومين؛ ليتقدم النَّبِيّ ﷺ فيؤم النَّاس، فأشار إليهم النَّبِيّ ﷺ ، أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر.
وهذا فِيهِ أمر لأبي بَكْر بأن يستمر عَلَى إمامته فِي آخر صلاة أدركها وَهُوَ حي.
وظاهر هَذَا الحَدِيْث، يدل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يخرج إلى المسجد ولم يصل مَعَ الجماعة تلك الصلاة، لا إماماً ولا مأموماً.
وقد قَالَ كثير من السلف، إنه خرج وصلى خلف أَبِي بَكْر فِي الصف
стр. 2764
تلك الصلاة.
وقد سبق حَدِيْث أَنَس، أن آخر صلاة صلاها رَسُول الله ﷺ في ثوب متوشحاً خلف أَبِي بَكْر.
وقد جمع البيهقي وغيره بَيْن تلك وبين حَدِيْث أَنَس هَذَا، بأنه أرخى الستر ودخل، ثُمَّ وجد خفة فخرج فصلى خلف أَبِي بَكْر الركعة الثانية، وقضى الركعة الَّتِيْ فاتته.
وقد صح هَذَا المعنى عَن عُبَيْدِ بْن عمير – أَيْضاً.
وروي صريحاً – أَيْضاً – من حَدِيْث عَائِشَة وأم سَلَمَة وأبي سَعِيد.
خرجه ابن سعد فِي ((طبقاته)) عَن الواقدي.
الحَدِيْث الرابع:
стр. 2765
٦٨١: حَدَّثَنَا أبو معمر، قَالَ: ثنا عَبْد الوارث: ثنا عَبْد العزيز، عَن أَنَس، قَالَ: لَمْ يخرج النَّبِيّ ﷺ ثلاثاً، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بَكْر فتقدم، فَقَالَ نبي الله ﷺ بالحجاب، فرفعه، فلما وضح وجه النَّبِيّ ﷺ مَا رأينا منظراً كَانَ أعجب إلينا من وجه النَّبِيّ ﷺ حِينَ وضح لنا، فأوما النَّبِيّ ﷺ بيده إلى أَبِي بَكْر أن يتقدم، وأرخى النَّبِيّ ﷺ الحجاب، فَلَمْ يقدر عَلِيهِ حَتَّى مات.
وهذا الحَدِيْث قريب من حَدِيْث الزُّهْرِيّ عَن أَنَس الَّذِي قبله، وفيه: التصريح بإيماء النَّبِيّ ﷺ إلى أَبِي بَكْر أن يتقدم ويؤم النَّاس، ولكنه يوهم أن أَبَا بَكْر لَمْ يكن قَدْ دَخَلَ فِي الصلاة، وحديث الزُّهْرِيّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَخَلَ فِي الصلاة.
стр. 2766
الحَدِيْث الخامس:
стр. 2767
٦٨٢ – حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وهب: حَدَّثَنِي يونس، عَن ابن شِهَاب، عَن حَمْزَة بْن عَبْد الله، أَنَّهُ أخبره عَن أَبِيه، قَالَ: لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قيل لَهُ فِي الصلاة. قَالَ: ((مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس)) . قَالَتْ عَائِشَة: أن أَبَا بَكْر رَجُل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء. قَالَ: ((مروه فليصل)) ، فعاودته، فَقَالَ: ((مروه فليصل، فإنكن صواحب يوسف)) .
تابعه: الزبيدي وابن أخي الزُّهْرِيّ وإسحاق بْن يَحْيَى الكلبي، عَن الزُّهْرِيّ.
وقال عقيل ومعمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حَمْزَة، عَن النَّبِيّ ﷺ مرسلاً.
قَدْ ذكر البخاري الاختلاف عَلَى الزُّهْرِيّ فِي إسناده، وأنه روي عَنْهُ متصلاً ومرسلاً.
فخرجه من طريق ابن وهب، عَن يونس، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حَمْزَة بْن عَبْد الله بْن عُمَر، عَنْهُ أَبِيه – متصلاً -، وذكر أَنَّهُ تابعه عَلَى وصله الزبيدي وابن أخي الزُّهْرِيّ وإسحاق الكلبي، وأرسله عَن الزُّهْرِيّ، عَن حَمْزَة – من غير ذكر ابن عُمَر -: عقيل ومعمر.
стр. 2768
وقد اختلف عَن معمر:
وخرجه مُسْلِم من حَدِيْث معمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حَمْزَة، عَن عَائِشَة.
واختلف فِيهِ عَلَى عقيل – أَيْضاً -:
فروي عَنْهُ، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حَمْزَة – مرسلاً.
وروي عَنْهُ، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حَمْزَة، عَن عَائِشَة.
وكذا قَالَ يونس بْن أَبِي إِسْحَاق، عَن الزُّهْرِيّ.
وكلاهما محفوظ عَنْهُ -: ذكر ذَلِكَ الدارقطني فِي موضع من ((علله)) .
وذكر فِي موضع آخر مِنْهَا: أَنَّهُ رواه عقيل، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حَمْزَة، عَن أَبِيه.
قَالَ: وَهُوَ الصواب.
قُلتُ: ورواه ابن المبارك، عَن يونس ومعمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حَمْزَة – مرسلاً.
стр. 2769
٤٧ - بَاب
مَنْ قَامَ إلى جَنْبِ الإمَامِ لِعِلَّةٍ
стр. 2770
٦٨٣ – حَدَّثَنَا زكريا بْن يَحْيَى: ثنا ابن نمير: ثنا هِشَام بْن عُرْوَةَ، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، قَالَتْ: أمر رَسُول الله ﷺ أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه، فكان يصلي بهم.
قَالَ عُرْوَةَ: فوجد رَسُول الله ﷺ من نفسه خفة، فخرج، فإذا أبو بَكْر يؤم النَّاس، فلما رآه أبو بَكْر استأخر، فأشار إليه أن كما أنت، فجلس رَسُول الله ﷺ حذاء أَبِي بَكْر إلى جنبه، فكان أبو بَكْر يصلي بصلاة رَسُول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر.
المُتَّصِل من هَذَا الحَدِيْث: هُوَ أمر النَّبِيّ ﷺ أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه، فكان يصلي بهم، وما بعده مدرج من قَوْلِ عُرْوَةَ، كما خرجه البخاري هاهنا.
وكذا خرجه مُسْلِم عَن جماعة، كلهم عَن ابن نمير، بِهِ.
وكذا رَوَى هَذَا الكلام الآخر مَالِك فِي ((موطئه)) عَن هِشَام، عَن أَبِيه – مرسلاً.
وقد وصله بعض الرواة بحديث عَائِشَة، فمن وصله بحديث عَائِشَة فَقَدْ أدرجه.
следующие страницы →