Полный текст (4 834 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
وقال الحكم وأبو حنيفة وعامةُ أصحابه: تنعقد الصلاة بكل لفظ من ألفاظ الذكر، كالتهليل والتسبيح.
وعن النخعي، قالَ: يجزئه، ويسجد للسهو.
وعن الشعبي، قالَ: بأي أسماء الله تعالى افتتحت الصلاة أجزأكَ.
وفي الإسناد إليه مجهولٌ.
خرجه ابن أبي شيبة في ((كتابه)) .
وهو رواية عن الثوري، رواها عنه النعمان بن عبد السلام.
وحكى ابن المنذر، عن الزهري، أن الصلاة تنعقد بمجرد النية، ولا تحتاج إلى لفظ بالكلية.
قلت: وروي نحوه – أيضاً – عن عطاء:
قالَ عبد الرزاق: عن ابن جريجٍ، قلت لعطاء: أقيمت الصلاة وأنا مع الناس، فكبر الإمام ورفع من الركعة، ولم أكبر في ذَلِكَ؟ قالَ: إن كنت قد اعتدلت في الصف فاعتدَّ بها، وإن كنت لم تزل تتحدث حتى ركعَ ورفع رأسه من الركعة فكبر ثم اركعْ واعتدَّ بها وإن كنت لم تعتدل في الصف فلا.
وعن ابن جريج، عن عطاء، في رجل دخل المسجد والإمام ساجد، أو حين رفع رأسه من الركعة أو السجدة، أو جالساً يتشهد: يكبر تكبيرة استفتاح الصلاة؟ قالَ: إن شاء فليكبر، وإن شاء فلا يكبر، ولكن إذا قام وقد قام الإمام فليكبر ويستفتح.
стр. 3012
وروى – أيضاً – عن معمر، عن قتادة، في رجل انتهى إلى قوم وهم جلوس في آخر صلاتهم؟ قالَ: يجلس معهم، ولا يكبر.
ولعله أراد: أنه يكتفي بتكبيره إذا قام إلى القضاء، فلا يكونُ قبل ذَلِكَ قد دخل في الصلاة
وقريبٌ من هذا: أنه قد روي عن طائفة من السلف، أن من نسى تكبيرة الافتتاح في الصلاة، فإنه تجزئه تكبيرة الركوع، روي هذا عن سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم والأوزاعي، وهو رواية عن حماد بن أبي سليمان، حكاه ابن المنذر وغيره.
وروي عن الزهري، أنه قالَ: يسجد للسهو إذا سها.
وهذا يحتاج إلى تحقيق ونظر في مأخذ ذَلِكَ.
وظاهر ما حكاه ابن المنذر عن هؤلاء: أنهم رأوا تكبيرة الركوع تقوم مقام تكبيرة الافتتاح في انعقاد الصلاة بها، وهو ظاهر كلامهم – أيضاً -، حيث قالوا تجزئة تكبيرة الركوع، وتنعقد بها الصلاة. وقال بكر المزني: يكبر إذا ذكر.
وظاهر كلامهم: أنه عامٌ في حق الإمام والمأموم والمنفرد، وقد روي عن الحكم صريحاً في الإمام، فأما في حق الإمام والمنفرد، فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون الصلاة انعقدت بمجرد النية، كما روي عن
стр. 3013
الزهري.
والثاني: أن تكون الصلاة إنما انعقدت بتكبيرة الركوع، وتكون القراءةُ ساقطةً عنهما في هذه الركعة، بناء على أن القراءة لا تجب في جميع الركعات وهذا هوَ الذي يتبادر فهمهُ من كلامهم.
وهو قول سفيان الثوري، ذكره أصحابه في كتبهم، لكنه يشترط: أن ينوي بتكبيرته عندَ الركوع تكبيرة الإحرام، كما سيأتي قوله في ذَلِكَ.
وأما قول بكر المزني: ((يكبر إذا ذكر)) ، فإن أراد ما يركع، فهوَ يرجع إلى ما ذكرنا، وإن كانَ مراده أعمَّ من ذَلِكَ، فلا يرجع إلا إلى أنَّ الصلاة يدخل فيهِا بمجرد النيةِ – أيضاً – إلا أن يكون أراد أنه يكبر متى ذكر، ويستأنف الصلاة من حينئذ.
وأما في حق المأموم، فقد وافق من تقدم ذكرهُ على قولهم يجزئه تكبيرة الركوع، مالك وأحمد – في رواية عنهما.
فذكر مالك في ((الموطأ)) في الإمام والمنفرد أنهما إذا نسيا تكبيرة الإحرام يبتدئان الصلاة. وفي المأموم نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع: رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه.
قالَ ابن عبد البر: قالَ الزهري والأوزاعي وطائفةٌ: تكبيرة الإحرام يبتدئان الصلاة. وفي المأموم إذا نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع: رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه.
قالَ ابن عبد البر: قالَ الزهري والأوزاعي وطائفة: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة.
وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد: أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحدٍ منهما.
стр. 3014
والصحيح من مذهبه: إيجاب تكبيرة الإحرام، وأنها فرضٌ ركنٌ من أركان الصلاة.
قلت: يمكن أن يحمل ما نقل عن السلف، أو عن بعضهم في المأموم خاصةً، وكذلك حكاه عنهم ابن عبد البر في المأموم خاصةً، وهذا أشبه وأظهر.
ويدل عليهِ: ما خرجه حربٌ بإسناده، عن خليد، عن الحسن وقتادة قالا: إن نسيت تكبيرة الاستفتاح وكبرت للركوع وأنت مع الإمام فقد مضت صلاتك.
وبإسناده، عن الوليد بن مسلم: قالَ أبو عمرو – يعني: الأوزاعي – فيمن نسي تكبيرة الاستفتاح: إن كانَ وحده استأنف الصلاة، وأن كانَ مع الإمام أجزأته تكبيرة الركوع، وكان كمن أدرك ركعة الإمام فكبر تكبيرة، وأمكن كفيه من ركبتيه، ورفع الإمام رأسه فقد أجزأتهُ تلك الركعة.
قالَ الوليد: فقلت لأبي عمرو: فإن نسي تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع؟ فأخبرني، أن ابن شهاب قالَ: يضيف إلى صلاته ركعةً، ولا يعتدُّ بتلك الركعة التي لم يكبِّر لها.
وقال أبو عمرٍو: وإذا كانَ وحده، فنسي الأولى والآخرة أعاد الصلاة وإذا كانَ مع الإمام أضاف إلى صلاته ركعةً أخرى.
فقد فرق الأوزاعي بين المنفرد والمأموم، وأما الزهري فلم يفرق.
والتفريق بينهما لهُ مأخذان:
стр. 3015
أحدهما: أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير، كما يتحمل عنه القراءة، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد.
قالَ حنبل: سألت أبا عبد الله عن قول: إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه؟ فقالَ أبو عبد الله: يجزئه إن كانَ ساهياً؛ لأن صلاة الإمام لهُ صلاةٌ.
فصرح بالمأخذ، وهو تحملُ الإمام عنه تكبيرة الإحرام في حال السهو.
ذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز في ((كتاب الشافي)) ، وهذه رواية غريبة عن أحمد، لم يذكرها الأصحاب.
والمذهب عندهم: أنه لا يجزئه، كما لا يجزئ الإمام والمنفرد، وقد نقله غير واحد عن أحمد.
ونقل إسماعيل بن سعيد، عن أحمد فيمن ترك تكبيرة الافتتاح في الصلاة؟ قالَ: إن تركها عمداً لم تجزئه صلاته.
ومفهومه: أنه إن تركها سهواً أجزأته صلاته.
وينبغي حمل ذَلِكَ على المأموم خاصةً، كما نقله حنبل.
وهذا المأخذ هوَ مأخذ من فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد، كالأوزاعي؛ ولهذا طرد قوله في المأموم ينسى تكبيرة الافتتاح مع تكبيرة الركوع، وقال: إن صلاته جائزة، ويقضي ركعةً.
ولو كانَ مأخذه: أن
стр. 3016
صلاته انعقدت بالتكبيرة في الركعة الثانية، لم يكن بين الإمام والمأموم فرقٌ.
وهو – أيضاً – مأخذ مالك وأصحابه:
وفي ((تهذيب المدونة)) : وإن ذكر مأموم أنه نسي تكبيرة الإحرام، فإن كانَ كبر للركوع ونوى بها تكبيرة الإحرام أجزأه، فإن كبرها ولم ينو بها ذَلِكَ تمادى مع الإمام، وأعاد صلاته احتياطاً؛ لأنه لا يجزئه عندَ ربيعة، ويجزئه عندَ ابن المسيب، وإن لَم يكبر للركوع ولا للافتتاح حتى ركع الإمام ركعةً ركعها معه، وابتدأ التكبير، وكان الآن داخلاً في الصلاة، ويقضي ركعةً بعد سلام الإمام، ولو كانَ وحده ابتدأ متى ذكر، قبل ركعةً أو بعد ركعةٍ، نوى بتكبيره الركوع الإحرام أم لا، وكذلك الإمام لا يجزئه إن نوى بتكبيرة الإحرام الركوع، فأن فعل أعاد هوَ ومن خلفه. انتهى.
وهذا التفريق، إنما هوَ لتحمل الإمام القراءة.
وما ذكر مِن أن المسبوق إن لَم ينو بتكبيرته عند الركوع الإحرام يتمادى معَ
الإمام، ويعيد صلاته احتياطاً، مخالف لما نص عليهِ مالك في ((الموطأ)) : أنَّهُ تجزئه صلاته إذا سها عَن تكبيرة الافتتاح.
ولكن في بعض رواية ((الموطأ)) عَن مالك، أنه اشترط في هَذا الموضع: نية الافتتاح - أيضاً.
وذكر ابن عبد البر: أن أصحاب مالك اضطربوا في هَذهِ المسألة اضطراباً عظيماً، ونقضوا أصلهم في وجوب تكبيرة الإحرام في حق المأموم؛ لأجل الاختلاف فيهِ.
وقد قالَ مالك في ((الموطأ)) : إن المأموم إذا نسي تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وكبرَّ في الثانية، أنَّهُ يبتدئ صلاته أحبُّ إليَّ.
стр. 3017
فظاهر هَذا: أنه لَم يوجب عليهِ الإعادة للاختلاف في تحمل الإمام عَنهُ التكبير، وهذا يدل على أنه رأى الاختلاف في حق المأموم خاصةً؛ فإنه قالَ في المنفرد: يعيد صلاته جزماً.
والمأخذ الثاني: وقد بنى ما روى عَن السلف عليهِ طائفة مِن العلماء، مِنهُم: عباس العنبري، وَهوَ: أن المأموم إذا أدرك الإمام في الركوع فكبر تكبيرة واحدةً، فإنه تجزئهُ وتنعقد صلاته عند جمهور العلماء، وفيه خلاف عَن ابن سيرين وحماد بنِ أبي سليمان.
وحكاه بعض أصحابنا روايةً عَن أحمد أنه لا يصح حتى يكبر تكبيرتين، ولا يصح هَذا عَن أحمد.
فعلى قول الجمهور: إذا كبر تكبيرةً واحدةً، فله أربعةُ أحوال:
إحداها: أن ينوي بها تكبيرة الافتتاح، فتجزئه صلاته بغير توقف.
الحالة الثانية: أن ينوي تكبيرة الركوع خاصةً، فلا تجزئه عند الأكثرين -: قاله الثوري ومالك.
ونص عليهِ أحمد في رواية أبي الحارث، واحتج بأن النبي ﷺ قالَ: ((تحريمها
التكبير)) . وهذا لَم يحرم بالصلاة.
فإن كانَ ساهياً عَن تكبيرة الإحرام، فقالَ مالك في ((الموطأ)) : تجزئه.
وَهوَ رواية حنبل عَن أحمد.
ولا تجزئه عند الثوري، وَهوَ المشهور عَن أحمد ومذهب الأكثرين.
стр. 3018
الحالة الثالثة: أن ينويهما معاً، ففيه قولان:
أحدهما: تجزئه، حكي عَن أبي حنيفة ومالك وأبي ثور، وحكي رواية عَن أحمد، اختارها ابن شاقلا.
والثاني: لا تجزئه، وَهوَ المشهور عند أصحابنا، وقول الشَافِعي وإسحاق.
الحالة الرابعة: أن لا ينوي شيئاً، بل يطلق النية، فهل تجزئه، أم لا؟ في قولان.
أحدهما: لا تجزئه حتى ينوي بها الافتتاح؛ فإنه قَد اجتمع في هَذا المحل تكبيرتان؛ إحداهما فرض، فاحتاج الفرض إلى تمييزه بالنية، بخلاف تكبير الإمام أو المنفرد أو المأموم إذا أدرك الإمام قبل الركوع، فإنه لَم يجتمع في حقه تكبيرتان في وقت واحدٍ.
وهذا القول حكي عَن أبي حنيفة، وَهوَ قول الثوري ومالك وإسحاق، ونقله ابن منصور وغير واحدٍ عَن أحمد.
وقاله أبو بكر عبد العزيز بنِ جعفر مِن أصحابنا في ((كتب الشافي)) والقاضي أبو يعلى في ((جامعه الكبير)) ، وجعله المذهب روايةً واحدةً، وتأول ما خالف ذَلِكَ عَن أحمد.
والثاني: تجزئه وإن أطلق النية -: نقله ابن منصور - أيضاً - عَن أحمد، ونقله
- أيضاً - صالح ومهنا وأبو طالب عَن أحمد.
وقال: ما علمنا أحداً قالَ: ينوي بها الافتتاح.
يشير إلى الصحابة والتابعين.
وعلل: بأنَّهُ خرج مِن بيته وَهوَ يريد الصلاة.
يشير إلى أن نية الصلاة موجودة معه؛ بخروجه إلى الصلاة، فلا يكبر للصلاة إلا بتلك النية، ولا يكبر للركوع إلا مِن دخل في الصلاة ن فأما مِن لَم يكن دخل فيها فإنما يكبر لدخوله في
стр. 3019
الصلاة أولاً، ولا يضره عدم استحضاره لهذه النية عند التكبيرة؛ لأن تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير جائزٌ عنده.
وللشافعي قولان في هَذهِ المسألة.
وقد يجاب عَن قول مِن قالَ: إنه قَد اجتمع في حقه تكبيرتان بأنهما لَم تجتمعا عليهِ؛ فإن تكبيرة الافتتاح محلها القيام، وتكبيرة الركوع محلها الانحناء للركوع، فلم تجتمعا في محل واحد.
وهذا بناءً على أنه لا تنعقد صلاة مدرك الركوع، إلا بالتكبير قائماً، وَهوَ قول الشَافِعي وإسحاق وأصحابنا.
وحكى صاحب ((شرحِ المهذب)) أنه رواية عَن مالك. قالَ: والمشهور عَنهُ: أنه تنعقد صلاته إذا كبر وَهوَ مسبوق في حال الركوع. قالَ: وَهوَ نصه في ((المدونة)) و ((الموطأ)) .
قلت: هَذا مقتضى الرواية عَن مالك في المأموم إذا نسي تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع: أنه تجزئه، كذا رواه القعنبي وغيره عَن مالك.
ورواه يحيى بنِ يحيى، عَن مالك بشرط أن ينوي بها الافتتاح.
فينبغي على هَذا: أن لا يأتي بها إلا قائماً.
أو مقتضى قول مِن قالَ: تجزئه تكبيرة الركوع عَن تكبيرة الإحرام: أنه تنعقد الصلا بالتكبير في حال الركوع؛ لأن تكبيرة الركوع إنما تكون في حال الانحناء
للركوع.
وقد روى عبد الرزاق في ((كتابه)) عَن ابن جريج، قالَ: أخبرت عَن ابن مسعود، أنه كانَ يقول: إذا وجدت الإمام والناس جلوساً في آخر الصلاة فكبر قائماً، ثم اجلس وكبر حين تجلس، فتلك تكبيرتان: الأولى وأنت قائم
стр. 3020
لاستفتاح الصلاة، الأخرى حين تجلس؛ كأنها للسجدة.
وهذا منقطع.
وهذا التفسير كأنه مِن قول ابن جريج.
وروى وكيع، عَن إبراهيم بن إسماعيل بنِ مجمع، عَن الزهري، عن عروة وزيد بنِ ثابت، أنهما كانا يجيئان والامام راكع، فيكبران تكبيرة الافتتاح، لافتتاح الصلاة وللركعة.
إبراهيم هَذا، فيهِ مقال.
وقد رواه معمر وإبراهيم بنِ سعد وابن أبي ذئب، عَن الزهري، عَن ابن عمر وزيد بنِ ثابت، قالا: تجزئه تكبيرة واحدةٌ.
وروي عَن معمر، عَز الزهري، سالم، عَن ابن عمر وزيد.
فيصير إسناده متصلاً.
وليس في رواية أحدٍ مِنهُم يكبر للافتتاح،، وهذا أصح - إن شاء الله تعالى.
стр. 3021
٨٣ - باب
رَفعِ اليدَينِ في التَّكبيرَةِ الأُولَى معَ الاِفْتِتَاحِ سَواءً
стр. 3022
٧٣٥ - حدثنا عبد الله بنِ مسلمة، عَن مالك، عَن ابن شهاب، عَن سالم بنِ
عبد الله، عَن أبيه، أن رسول الله ﷺ كانَ يرفع حَذو منكبيه إذا افتتحَ الصلاة وإذا كبر للركوع، واذا رفعَ رأسه مِن الركوع رفعهما كذلك أيضاً، وقالَ: ((سمع الله لمن حمدهُ، ربنا ولك الحمد)) ، وكان لا يفعل ذَلِكَ في السجود.
مقصود بهذا الحديث في هَذا الباب مسألتان
إحداهما:
أن رفع اليدين عند افتتاح الصلاة مشروع، وهذا كالمجمع عليهِ.
قالَ ابن المنذر: لَم يختلف أهلُ العلم أنَّ رسول الله ﷺ كانَ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة.
وحكى بعضهم رواية عَن مالك، أنه لا يرفع يديه في الصلاة بحالٍ -: ذكره ابن عبد البر وغيره.
ولعل ذَلِكَ لا يصح عَن مالك، وحديثه هَذا مجمع على صحته لا مطعن لأحد فيهِ.
والرفع في افتتاح الصلاة سنةٌ مسنونة، وليس بركنٍ ولا فرض عند
стр. 3023
جمهور العلماء، ولا تبطل الصلاة بتركهِ عند أحد مِنهُم.
وحكي عَن الحميدي وداود وأحمد بنِ يسار مِن الشافعية: أنه تبطل الصلاة بتركه.
وروي عن علي بنِ المديني ما يشبهه، وأن الرفع واجب، لا يحل تركه.
ونقل حرب، عَن إسحاق ما يدل على بطلان الصلاة بترك الرفع عند تكبيرة الإحرام، وأنه واجب.
وَهوَ قول أبي بكر بنِ أبي شيبة والجوزجاني.
وقال ابن خزيمة: هوَ ركن مِن أركان الصلاة، حكاه الحاكم في ((تاريخ
نيسابور)) عَن خاله أبي علي المؤذن - وأثنى عليهِ -، أنَّهُ سمع ابن خزيمة يقوله.
وحكاه ابن بد البر روايةً عَن الأوزاعي؛ لقوله فيمن ترك الرفع: نقصت صلاته.
وهذا لا يدل؛ فإن مراده: لَم يتم سننها، كَما قالَ ابن سيرين: الرفع مِن تمام الصلاة.
ونص أحمد على أن مِن ترك الرفع نقصت صلاته.
وفي تسميته: ((مِن تمام الصلاة)) ، عَنهُ روايتان.
ولا خلاف أنَّهُ لا يبطل تركه عمداً ولا سهواً.
وتوقف إسحاق بنِ راهوية في تسميته: ((ناقص الصلاة)) ، وقال: لا أقول سفيان الثوري ناقص الصلاة.
واستدل الأكثرون على أنَّهُ غير واجب، بأن النبي ﷺ لَم يعلمه المسيء
стр. 3024
في صلاته، كَما علمه التكبير لافتتاح الصلاة، ولو كانَ حكم الرفع حكم التكبير لعلمه إياه معه.
وقد روى الوليد بنِ مسلم، عَن الأوزاعي: حدثني إسحاق بنِ عبد الله بنِ أبي طلحة، قالَ: بصر رسول الله ﷺ برجلٍ يسيء في صلاته، فقالَ لَهُ رسول الله ﷺ :
((أحسن صلاتك)) ، وأمره برفع يديه عند تكبيرة الاستفتاح للصلاة، وبالقراءة، وبرفع يديه إذا كبر للركوع، وبرفع يديه عند تكبيرة السجدة التي بعد الركوع.
خرجه ابن جوصا في ((مسند الأوزاعي)) .
وَهوَ مرسل.
ورواه جماعةٌ عَن الوليد، عَن الأوزاعي، عَن إسحاق، عَن أنس، أن النبي ﷺ كانَ يفعل ذلك في صلاته.
وَهوَ أصح.
وفي رواية: أن الوليد لَم يسمعه مِن الأوزاعي.
والوليد مدلس عَن غير الثقات، وقد استنكر الإمام أحمد حديثه هَذا.
المسألة الثانية:
أن الرفع يكون معَ التكبير سواءً؛ ولهذا بوبَ عليهِ: ((رفع اليدين في التكبيرة الأولى معَ الافتتاح سواءً)) .
ومراده بالافتتاح: التكبيرة نفسها؛ فإن هَذهِ التكبيرة هي افتتاح الصلاة، كَما في حديث عائشة: كانَ النبي ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير.
стр. 3025
فالصلاة لها مفتاح، وَهوَ الطهور، كَما في حديث علي وأبي سعيد مرفوعاً:
((مفتاح الصلاة الطهور)) . ولها افتتاح، وَهوَ التكبير , ولها استفتاح، وَهوَ ما يقوله بين التكبير والقراءة مِن الذكر والدعاء.
وممن ذهب إلى أن رفع اليدين معَ تكبيرة الإحرام سواء، فيبدأُ بهِ معَ ابتدائها، وينتهي معَ انتهائها: الإمام أحمد وعلي بنِ المديني، ونص عليهِ الشَافِعي في ((الأم)) ، قالَ: يرفع يديه معَ افتتاح التكبيرة، ويرد يديه عَن الرفع معَ انقضائه، ويثبت يديه
مرفوعتين حتى يفرغ مِن التكبير كله. وقال: إن أثبت يديه بعد انقضاء التكبير قليلاً لَم يضره، ولا آمره بهِ.
ومن أصحابه مِن قالَ: يرفع يديه ابتداء التكبير، ولا استحباب في انتهائه.
ومنهم مِن قالَ: يرفعهما قبل التكبير، ثُمَّ يرسلهما بعد فراغه مِن التكبير.
وقال إسحاق: إن رفع يديه معَ التكبير أجزأهُ، وأحب إلينا أن يرفع يديه، ثُمَّ يكبر.
وحكاه بعض أصحابنا روايةً عَن أحمد.
ومن أصحابنا مِن قالَ: يخير بين الرفع معَ التكبير وقبله، وهما سواء في الفضيلة وقد استدل البخاري لقوله بحديث ابن عمر، أن النبي ﷺ كانَ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة.
يعني: إذا كبر للافتتاح.
وقد خرجه فيما بعد، ولفظهُ: رأيت النبي ﷺ افتتح التكبير في
стр. 3026
الصلاة، فرفع يديه حين يكبر - وذكر الحديث.
وفي رواية لمسلم مِن طريق ابن جريج ويونس وعقيل، كلهم عَن الزهري بهذا الإسناد، أن النبي ﷺ كانَ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثُمَّ كبر.
وروى الإمام أحمد، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قالَ: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه مع التكبير معا.
قالَ الدارقطني في ((العلل)) : رواه يونس وعقيل وابن أخي الزهري والنعمان ابن راشد والزبيدي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﷺ كانَ يرفع يديه، ثم يكبر.
رواه شعيب بن أبي حمزة وإبراهيم ابن أبي عبلة وابن جريج وفليح وهشيم وإسماعيل بن علية وابن عيينة، عن الزهري، وقالوا: يرفع يديه حين يكبر.
وخرج أبو داود من حديث وائل بن حجر، عن النبي ﷺ ، أنه رفع يديه ثم كبر.
وخرج - أيضا - من حديث وائل بن حجر، أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه مع التكبيرة.
وروى حرب الكرماني: ثنا محمد بن الوزير: ثنا الوليد بن مسلم، قالَ: قالَ أبو عمرو: أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن
стр. 3027
أنس بن مالك أن النبي ﷺ يرفعهما مع التكبير.
وقد تقدم ذكر علة هذا الحديث، وأنه روي مر سلا، وأن الوليد لم يسمعه من الأوزاعي، بل دلسه عنه.
وروى - أيضا - من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة، قالَ: ما رأيت رسول الله ﷺ قام إلى الصلاة قط إلا شهر بيديه إلى السماء قبل أن يكبر، ثم يكبر.
وقد حمل بعضهم هذا على أن هذا الرفع كانَ للدعاء قبل الصلاة.
وخرجه البيهقي، ولفظه: ما رأيت رسول ﷺ قام في صلاة فريضة ولا تطوع إلا شهر يديه إلى السماء يدعوا، ثم يكبر.
وقد روي عن ابن عمر وغيره استحباب رفع رأسه ووجهه إلى السماء _ أيضا _ مع التكبير.
خرجه حرب بإسناده صحيح، عن ابن جريج، قالَ: سألت نافعا، فقلت: أكان ابن عمر إذا كبر بالصلاة يرفع رأسه ووجهه إلى السماء؟ فقالَ: نعم قليلا.
ومن طريق ابن جريج - أيضا -، قالَ: أخبرني ابن سابط، أن وجه التكبير: أن يكبر الرجل بيديه ووجهه وفيه، ويرفع رأسه وفاه شيئا حين يبدىء وحين يرفع رأسه.
стр. 3028
وأعلم؛ أن حديث مالك الذي خرجه البخاري في هذا الباب، عن القعنبي، عنه ليس فيهِ ذكر الرفع إذا ركع، إنما فيهِ الرفع افتتح الصلاة، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكذا هوَ في ((موطأ القعنبي)) عن مالك، وكذا رواه عامة رواة ((الموطأ)) عن مالك.
ورواه جماعة عن مالك، فذكروا فيهِ الرفع إذا كبر للركوع - أيضاً - منهم: الشافعي وابن وهب ويحيى القطان وابن مهدي وجويرية بن أسماء وإبراهيم بن طهمان ومعن وخالد بن مخلد وبشر بن عمر وغيرهم.
وكذلك رواه عامة أصحاب الزهري، عنه، منهم: يونس وشعيب وعقيل وابن جريج وغيرهم.
وكذلك رواه سليمان الشيباني والعلاء بن عبد الرحمن وغيرهما، عن سالم ابن عبد الله.
ذكر البيهقي وغيره.
وممن رواه عن مالك بذكر الرفع عندَ الركوع: عبد الله بن يوسف التنيسي وابن المبارك وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن نافع وإسماعيل بن أبي أويس ويحيى بن يحيى النيسابوري.
стр. 3029
٨٤ - بَابُ
رَفعُ الْيَدَيَنِ إذَا كَبَّر، وَإِذَا ركَعَ، وإِذَا رَفّعَ
فيهِ حديثان:
أحدهما:
قالَ:
стр. 3030
٧٣٦ - حدثنا محمد بن مقاتل: ثنا عبد الله: أنا يونس، عن الزهري: أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، قالَ: رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذَلِكَ حين يكبر للركوع، ويفعل ذَلِكَ إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: ((سمع الله لمن حمده)) ، ولا يفعل ذَلِكَ في السجود.
الثاني:
قالَ:
стр. 3031
٧٣٧ - حدثنا إسحاق الواسطي: ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي قلابة، أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدث أن رسول الله ﷺ صنع هكذا.
لم يخرج البخاري في ((صحيحه)) في رفع اليدين غير حديث ابن عمر وحديث مالك بن الحويرث، وقد أفرد للرفع كتابا، خرج فيهِ
стр. 3032
الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، وكذلك صنف في الرفع غير واحد من أئمة أهل الحديث، منهم: النسائي ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما.
وسبب اعتنائهم بذلك: أن جميع أمصار المسلمين، كالحجاز واليمين ومصر والعراق كانَ عامة أهلها يرون رفع الأيدي في الصلاة عندَ الركوع والرفع منه، سوى أهل الكوفة، فكانوا لا يرفعون أيديهم في الصلاة، إلا في افتتاح الصلاة خاصة، فاعتنى علماء الأمصار بهذه المسألة، والاحتجاج لها، والرد على من خالفها.
قل الأوزاعي: ما اجتمع عليهِ علماء أهل الحجاز والشام والبصرة: أن رسول الله ﷺ كانَ يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة، وحين يكبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، إلا أهل الكوفة، فإنهم خالفوا في ذَلِكَ أئمتهم.
خرجه ابن جرير وغيره.
وقال البخاري في ((كتابه رفع اليدين)) بعد أن روى الآثار في المسألة:
فهؤلاء أهل مكة والمدينة واليمن والعراق قد اتفقوا على رفع الأيدي.
وقال محمد بن نصر المروزي: لا نعلم مصرا من الأمصار تركوا الرفع بأجمعهم في الخفض والرفع منه، إلا أهل الكوفة.
وروى البيهقي بإسناده عن الأوزاعي، أنه تناظر هوَ والثوري في هذه المسألة بمكة، وغضب واشتد غضبه، وقال للثوري: قم بنا إلى المقام نلتعن
стр. 3033
أينا على الحق، فتبسم الثوري لما رأى الأوزاعي قد احتد ﵄.
وحديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر مما اتفق العلماء كلهم على صحته وتلقيه بالقبول، وعليه اعتمد أئمة الإسلام في هذه المسألة، منهم: الأوزاعي وابن
المبارك، وقال: ثبت عن النبي ﷺ .
كذلك قالَ الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم.
وأما مالك، فإنه خرجه في ((كتاب الموطإ)) في ((باب: افتتاح الصلاة)) ، وذكر عن نافع، عن ابن عمر، أنه كانَ يعمل به.
وقد روى عامة أصحاب مالك، أنه كانَ يعمل به، منهم: ابن وهب وأبو مصعب وأشهب والوليد بن مسلم وسعيد بن أبي مريم.
وإنما روى عنه الرفع عندَ افتتاح الصلاة خاصة: ابن القاسم، قالَ: وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفا. وقال: إن كانَ ففي الإحرام.
قالَ محمد بن الحكم: لم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم.
وذكر ابن عبد البر، عن أحمد بن خالد _ وهو: ابن الجباب، وكان أعلم أهل الأندلس بالفقه والحديث في وقته -، قالَ: كانَ جماعة من أصحابنا يرفعون أيديهم في الصلاة على حديث ابن عمر، ورواية من روى ذَلِكَ عن مالك وجماعة لا يرفعون، على رواية ابن القاسم، ولا
стр. 3034
يعيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء.
قلت: افترق الناس في هذه المسألة فرقا ثلاثة.
ففرفة منهم: تنكر على من يرفع أو تبدعه، وهؤلاء عامة فقهاء أهل الكوفة، حتى غالى بعصهم فجعله مبطلا للصلاة، وادعى بعضهم أن الرفع نسخ.
وقد وافقهم بعض المتقدمين من أهل الشام، حتى ضرب من رفع يديه في صلاته في زمن عمر بن عبد العزيز وغضب عمر من ذَلِكَ وأنكره على من فعله وحجبه عنه.
وفرقة: لا ينكرون على واحد من الفريقين، ويعدون ذَلِكَ من مسائل الخلاف السائغ، ثم منهم من يميل إلى الرفع، ومنهم من يميل إلى تركه، ومنهم: سفيان الثوري.
وقد روى ابن أبي شيبة في ((كتابه)) عن طائفة كثيرة من الصحابة والتابعين، أنهم لم يرفعوا أيديهم إلا عندَ الافتتاح، منهم عمر وابن عمر.
وهي رواية مجاهد عنه، وقد ضعفها الإمام أحمد والبخاري والدارقطني وغيرهم.
ومنهم: علي وابن مسعود وأصحابهما.
وقد روى ذَلِكَ عن علي وابن مسعود مرفوعا، وضعف المرفوع عامة أئمة الحديث قديما وحديثا.
стр. 3035
وأكثر الصحابة والتابعين على الرفع عندَ الركوع، والرفع منه - أيضا -، حتى قالَ قتادة، عن الحسن: كانَ أصحاب رسول الله ﷺ في صلاتهم كأن أيديهم أيديهم المراوح، إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤسهم.
وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير أنه سئل عن رفع اليدين في الصلاة، فقالَ: هوَ شيء يزين به الرجل صلاته؛ كانَ أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم في الافتتاح، وعند الركوع، وإذا رفعوا رؤسوهم.
وهو قول عامة التابعين.
وقال عمر بن عبد العزيز: إن كنا لنؤدب عليها بالمدينة إذا لم نرفع أيدينا.
وقول عامة فقهاء الأمصار.
وكان الإمام أحمد لا بيالغ في الإنكار على المخالفة في هذه المسألة:
روى عنه المروذي وغيره، أنه سئل عمن ترك الرفع يقال: إنه تارك للسنة؟
قالَ: لا تقل هكذا، ولكن قل: راغب عن فعل النبي ﷺ .
ونقل عنه الميموني، قالَ: الرفع عندنا أكثر وأثبت، فإن تأول رجل، فما
أصنع؟ !
وسئل الإمام أحمد، فقيل لهُ: إن عندنا قوما يأمروننا برفع اليدين في الصلاة، وقوما ينهوننا عنه؟ فقالَ: لا ينهاك إلا مبتدع، فعل ذَلِكَ رسول الله ﷺ ، وكان ابن عمر يحصب من لا يرفع.
فلم يبدع إلا من نهى عن الرفع وجعله مكروها، فأما المتأول في
стр. 3036
تركه من غير نهي عنه فلم يبدعه.
وقد حمل القاضي أبو يعلى قول أحمد: أنه مبتدع، على من ترك الرفع عندَ تكبيرة الإحرام. وهو بعيد.
ونقل جماعة عن أحمد في تارك الرفع، أنه يقال: إنه تارك السنة.
قالَ القاضي أبو يعلى: إنما توقف في ذَلِكَ في رواية المروذي متابعة للفظ المروي عن النبي ﷺ ، أنه قالَ: ((من رغب عن سنتي فليس مني)) ، وإلا ففي الحقيقة: الراغب عن الرفع هوَ التارك لهُ.
ونقل حرب، عن أحمد، قالَ: أنا أصلي خلف من لا يرفع يديه، والرفع أحب إلي وأصح.
وكلام البخاري في ((كتاب رفع اليدين)) لهُ إنما يدل على الإنكار على من أنكر الرفع، وقال: هوَ بدعة - أيضاً.
وخرج مسلم في ((صحيحه)) في الرفع عندَ الركوع والرفع منه حديث ابن عمر ومالك بن الحويرث - أيضاً.
وخرجه - أيضاً - من حديث وائل بن حجر.
وخرجه أبو داود والترمذي من حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة، منهم: أبو قتادة.
وخرجه ابن ماجه - أيضا.
стр. 3037
وخرجه أبو داود - أيضا - من حديث أبي هريرة.
وخرجه ابن ماجه من حديث أنس وجابر وابن عباس.
وقد روي من وجوه أخر، حتى قالَ بعضهم: رواه قريب من ثلاثين نفسا من الصحابة.
وقال غيره: رواه نيف وثلاثون من الصحابة.
وقال الحاكم: رواه العشرة المشهود لهم بالجنة.
وفي هذه العبارات تسامح شديد، وقد ذكرت هذه الأحاديث وطرقها وعللها في ((كتاب شرح الترمذي)) بحمد الله ومنه.
وأحسن من ذَلِكَ: قول الشافعي: رواه عن النبي ﷺ اثنا عشر غير ابن عمر.
وهذه عبارة صحيحة حسنة مليحة.
وكذا قالَ ابن عبد البر وغيره من الحفاظ.
وذكر الترمذي في ((جامعه)) لهُ أربعة عشر روايا عن النبي ﷺ .
ولم يوجب الرفع عندَ الركوع والرفع منه، ويبطل الصلاة بتركه، إلا شذوذ من الناس من أصحاب داود ونحوهم.
وسئل حماد بن زيد، عن معنى رفع اليدين في الصلاة؟ فقالَ: هوَ من إجلال الله.
خرجه أبو موسى المديني.
وقال الشافعي: فعلته إعظاما لجلال الله، واتباعا لسنة رسول الله ﷺ ،
стр. 3038
ورجاء لثواب الله.
خرجه البيهقي في ((مناقبه)) .
стр. 3039
٨٥ - بَابُ
إلَى أيْنَ يرفَعُ يَدَيْه ؟
قالَ أبو حميد - في أصحابه -: رفع النبي ﷺ حذو منكبيه.
حديث أبي حميد هذا، قد خرجه البخاري فيما بعد من رواية محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كانَ جالسا في نفر من أصحاب النبي ﷺ ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ ، فقالَ أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه _ وذكر بقية الحديث، ولم يذكر فيهِ رفع اليدين في غير هذا الموضع.
وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من وجه آخر، عن محمد ابن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، قالَ: سمعته في عشرة من الصحابة، منهم: أبو قتادة، ويقول: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ . قالوا: فاعرض قالَ: كانَ رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قالَ: ((الله أكبر)) ، وركع، ثم قالَ: ((سمع الله لمن حمده)) ، ورفع يديه.
стр. 3040
وعند أبي داود: ثم يرفع رأسه، فيقول: ((سمع الله لمن حمده)) ، ثم يرفع يديه حتى تحاذي منكبيه معتدلا.
وفي حديثه - أيضا -: رفع اليدين إذا قام من الركعتين.
وفي رواية للترمذي: قالوا: صدقت؛ هكذا كانَ يصلي النبي ﷺ .
ورواه _ أيضا _: عباس بن سهل بن سعد، قالَ: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة النبي ﷺ ، فقالَ أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قام فكبر.
ورفع يديه، ثم رفع حين كبر للركوع، ثم قام فرفع يديه فاستوى حتى رجع كل عظم إلى موضعه.
خرجه أبن ماجه.
وخرجه أبو داود مختصرا.
وخرجه من وجه آخر، عن عباس مختصرا - أيضا -، وذكر أنه كانَ في المجلس: سهل بن سعد وأبو هريرة وأبو حميد وأبو أسيد.
وقد صحح الترمذي هذا الحديث.
وذكر الخلال، عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي، قالَ: سئل أحمد بن حنبل عن حديث أبي حميد الساعدي، عن النبي ﷺ في رفع الأيدي؟ فقالَ: صحيح.
стр. 3041
قالَ البخاري:
стр. 3042
٧٣٨ - حدثنا أبو اليمان: أنا شعيب، عن الزهري: أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قالَ: رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل [مثل ذَلِكَ] ، وإذا قالَ:
((سمع الله لمن حمده)) فعل مثله، وقال: ((ربنا ولك الحمد)) ولا يفعل ذَلِكَ حين يسجد، ولا حين يرفع من السجود.
ومراد البخاري: أن حديث ابن عمر فيهِ رفع اليدين إلى المنكبين، وكذلك حديث أبي حميد ومن معه من الصحابة.
وكذلك روي من حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة، عن النبي ﷺ .
خرج حديثهما أبو داود.
وخرج مسلم من حديث مالك بن الحويرث، أن النبي ﷺ كانَ يرفع يديه إلى فروع أذنيه.
وقد روى عنه - أيضا -: ((إلى حذو منكبيه)) .
خرجه الدارقطني.
واختلفت ألفاظ الروايات في حديث وائل بن حجر، عن النبي ﷺ : فروي عنه الرفع إلى حيال أذنيه. وروي عنه: الرفع إلى المنكبين. وروي
стр. 3043
عنه: أنه جاء بعد ذَلِكَ في الشتاء، فرآهم يرفعون أيديهم في الأكسية والبرانس إلى صدورهم.
وقد خرجه أبو داود وغيره بهذه الألفاظ.
وقد اختلف العلماء في الترجيح:
فمنهم: من رجح رواية من روى: الرفع إلى المنكبين؛ لصحة الروايات بذلك، واختلاف ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين.
وهذه طريقة البخاري، وهي _ أيضا _ ظاهر مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، عملا بحديث ابن عمر، فإنه أصح أحاديث الباب، وهو _ أيضا _ قول:
أكثر السلف، وروي عن عمر بن الخطاب.
قالَ ابن عبد البر: عليهِ جمهور التابعين، وفقهاء الأمصار، وأهل الحديث.
ومنهم: من أخذ بحديث مالك بن الحويرث في الرفع إلى فروع الأذنين، وهو قول أهل الكوفة، منهم: النخعي وأبو حنيفة والثوري، وقول أحمد - في رواية عنه -، رجحها أبو بكر الخلال.
ومنهم: من قالَ: هما سواء لصحة الأحاديث بهما، وهو رواية أخرى عن
أحمد، اختارها الخرقي وأبو حفص العكبري وغيرهما.
وقال ابن المنذر: هوَ قول بعض أهل الحديث، وهو حسن.
وروى مالك في ((الموطأ)) عن نافع، عن ابن عمر، أنه كانَ إذا ابتدأ الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع من الركوع رفعهما دون ذَلِكَ.
стр. 3044
وخرجه أبوداود، وذكر أنه انفرد به مالك.
قالَ: وذكر الليث: قالَ ابن جريج: قلت لنافع: أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن؟ قالَ: لا سواء. قلت: أشر لي. فأشار إلى الثديين أو أسفل من ذَلِكَ.
وقال حرب الكرماني: ربما رأيت أحمد يرفع يديه إلى فروع أذنيه، وربما رفعهما إلى منكبيه، وربما رفعهما إلى صدره، ورأيت الأمر عنده واسعا.
وقال طائفة من الشافعية: جمع الشافعي بين الروايات في هذا، بأنه يرفعهما حتى تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه.
قالوا: ومن حكى للشافعي ثلاثة أقوال في ذَلِكَ فقد وهم.
واختلفوا في المرأة: كيف ترفع يديها في الصلاة؟
فقالت طائفة: ترفع كما يرفع الرجل إلى المنكبين.
روي عن أم الدرداء، أنها كانت تفعله، وهو قول الأوزاعي والشافعي.
وقالت طائفة: ترفع إلى ثدييها، ولا تزيد على ذَلِكَ، وهو قول حماد وإسحاق.
وروي نحوه عن حفصة بنت سيرين، أنها كانت تفعله.
وقال أحمد - في رواية عنه - ترفع يديها في الصلاة، ولا ترفع كما يرفع الرجل، دون ذَلِكَ.
ونقل عنه جماعة، أنه قالَ: ما سمعنا في المرأة، فإن فعلت فلا بأس.
قالَ القاضي أبو يعلى: ظاهر هذا: أنه رآه فعلا جائزا، ولم يره مسنونا.
وقال عطاء: ترفع دون رفع الرجل، وإن تركته فلا بأس.
стр. 3045
٨٦ - بابُ
رَفْعِ الَيدَيْنِ إذا قَامَ منَ الرَّكْعَتَيْنِ
стр. 3046
٧٣٩ - حدثنا عياش: ثنا عبد الأعلى، قالَ: ثنا عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر كانَ إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قالَ: ((سمع الله لمن حمده)) رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذَلِكَ ابن عمر إلى النبي ﷺ .
ورواه حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .
ورواه إبراهيم بن طهمان، عن أيوب وموسى بن عقبة - مختصرا.
عياش، هوَ: ابن الوليد الرقام البصري.
وعبد الأعلى، هوَ: ابن عبد الأعلى الشامي البصري.
وقد روى هذا الحديث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعا.
وأنما رواه الناس عن عبيد الله - موقوفا - منهم: عبد الوهاب الثقفي ومحمد بن بشر، إلا أن محمدا لم يذكر فيهِ: الرفع إذا قام من الركعتين.
وكذلك رواه أصحاب نافع عنه موقوفا.
فلهذا المعنى احتاج البخاري
стр. 3047
إلى ذكر من تابعه عبد الأعلى على رفعه؛ ليدفع ما قيل من تفرده به.
فقد قالَ الإمام أحمد في رواية المروذي وغيره: رواه عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وبلغني أن عبد الأعلى رفعه.
وقد روي عن أحمد، أنه صحح رفعه، وسنذكره _ إن شاء الله .
وقال الدارقطني في ((العلل)) : أشبهها بالصواب عن عبيد الله: ما قاله عبد الأعلى. ثم قالَ: والموقوف عن نافع أصح.
وخرجه أبو داود في ((السنن)) ، عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، كما خرجه البخاري مرفوعا.
ثم قالَ: الصحيح: قول ابن عمر، وليس بمرفوع. قالَ: روى بقية أوله عن عبيد الله وأسنده. قالَ: ورواه الثقفي، عن عبيد الله، أوقفه على ابن عمر، وقال فيهِ: إذا قام من الركعتين يرفعهما إلى ثدييه وهذا هوَ الصحيح.
ورواه الليث بن سعد ومالك وأيوب وابن جريج _ موقوفا. وأسنده حماد بن سلمة وحده، عن أيوب، ولم يذكر أيوب ومالك: الرفع إذا قام من السجدتين، وذكره الليث في حديثه - انتهى.
وقد رفعه بعضهم عن مالك، ولا يصح،
стр. 3048
قد رواه رزق الله بن موسى، عن يحيى القطان، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، أنه كانَ إذا دخل في الصلاة رفع يديه نحو صدره، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بعد ذَلِكَ.
قالَ العقيلي والدارقطني: لا يتابع رزق الله على رفعه.
وذكر الدارقطني: أن عبد الله بن نافع الصائغ وخالد بن مخلد وإسحاق الجندي رووه، عن مالك - مرفوعا.
قالَ: ولا يصح ذَلِكَ في حديث مالك، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كانَ يرفع في كل رفع ووضع. وقال: وهذا وهم على مالك في رفعه ولفظه.
قالَ: ورواه إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعا - أيضا.
وإسماعيل، سيء الحفظ لحديث الحجازيين.
ورواه إساعيل - أيضا - عن موسى بن عقبة وعبيد الله كلاهما، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعا - في التكبير في هذه المواضع الأربعة، دون الرفع.
وأما رواية إبراهيم بن طهمان التي استشهد بها البخاري، فخرجها البيهقي من رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب بن أبي تميمة وموسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كانَ يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا استوى قائما من ركوعه حذو منكبيه، ويقول: كانَ رسول الله ﷺ يفعل ذَلِكَ.
ولم يذكر في حديثه: الرفع إذا قام من
стр. 3049
الركعتين.
وهذا هوَ الرفع الذي أشار إليه البخاري.
قالَ الدارقطني: وتابع إبراهيم بن طهمان: حماد بن سلمة، عن أيوب _ وقيل: عن هدبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، وإنما أراد: حماد بن سلمة: والله أعلم.
والصحيح: عن حماد بن زيد، عن أيوب _ موقوفا.
وكذا قالَ أبو ضمرة، عن موسى بن عقبة.
قالَ: وروي عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعا -: قاله محمد بن شعيب بن شابور.
وروي عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا.
ورواه إسماعيل بن أمية والليث، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا.
قالَ: والموقوف عن نافع أصح. انتهى.
قالَ: وروي عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع وسالم، عن ابن عمر _ مرفوعا.
قلت: هوَ غير محفوظ عن يحيى. وهذا هوَ المعروف عن الإمام أحمد وقول أبي داود والدارقطني.
فرواية نافع، عن ابن عمر، الأكثرون على أن وقفها أصح من رفعها، وكل هؤلاء لم يذكروا في رواياتهم القيام من الثنتين، وصحح رفعها
стр. 3050
البخاري والبيهقي.
قالَ ابن عبد البر: هذا أحد الأحاديث الأربعة التي اختلف فيها سالم ونافع، فرفعها سالم ووقفها نافع، والقول فيها قول سالم، ولم يلتفت الناس إلى نافع، هذا أحدهما. والثاني: حديث: ((فيما سقت السماء العشر)) .
والثالث: حديث ((من باع عبدا وله مال)) . والرابع: حديث: ((تخرج نار من قبل اليمن)) . انتهى.
وقال النسائي والدارقطني: أحاديث نافع الثلاثة الموقوفة أولى بالصواب.
ورجح أحمد وقف: ((فيما سقت السماء)) وتوقف في حديث: ((من باع عبدا لهُ مال)) . وقال إذا اختلف سالم ونافع فلا يقضى لأحدهما.
يشير إلى أنه لا بد من الترجيح بدليل.
وقد روي الرفع إذا قام من الركعتين من رواية سالم، عن ابن عمر.
خرجه النسائي من طريق معتمر، عن عبيد الله بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﷺ كانَ يرفع يديه إذا دخل في الصلاة , وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا قام من الركعتين.
يرفع يديه كذلك حذاء المنكبين.
следующие страницы →