Полный текст (4 834 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
٩٢ - بَاب
رَفْعِ الْبَصَرِ إلى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ
стр. 3152
٧٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد الله: أنا يَحْيَى بْن سَعِيد: أنا ابن أَبِي عروبة: نا قتادة، أن أنس بْن مَالِك حدثهم، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((مَا بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء فِي صلاتهم)) ، فاشتد قوله قي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: ((لينتهين عَن ذَلِكَ أو ليخطفن الله أبصارهم)) .
هَذَا الإسناد كله مصرح بسماع رواته بعضهم من بعض، وقد أمن بذلك تدليس قتادة فِيهِ.
وفي الحَدِيْث: دليل عَلَى كراهة رفع بصره إلى السماء فِي صلاته.
وقد روي هَذَا الحَدِيْث عَن النَّبِيّ ﷺ من رِوَايَة عدة من الصَّحَابَة.
وروي النهي عَن حذيفة وابن مَسْعُود.
وَقَالَ سُفْيَان: بلغنا أن رَسُول الله ﷺ كَانَ يرفع بصره إلى السماء فِي الصلاة، حَتَّى نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] فرمى ببصره نحو مسجده.
والمعنى فِي كراهة ذَلِكَ: خشوع المصلي وخفض بصره، ونظره إلى محل سجوده؛ فإنه واقف بَيْن يدي الله يناجيه، فينبغي أن
стр. 3153
يكون خاشعاً منكساً رأسه، مطرقاً إلى الأرض.
وقد تقدم فِي تفسير الخشوع أن خشوع البصر: غضه.
وإنما يكره رفع البصر إلى السماء عبثاً، فأما لحاجة فيجوز.
وقد أشارت عَائِشَة لأختها أسماء إلى السماء فِي صلاة الكسوف.
وقد نَصَّ أحمد عَلَى أن من تجشأ فِي صلاته فإنه يرفع رأسه إلى السماء؛ لئلا يتأذى من إلى جانبه برائحة جشائه.
ولكن؛ قَدْ يقال - مَعَ رفع رأسه -: إنه يغض بصره.
وقد سبق عَن عُمَر وابن سابط: رفع الوجه إلى السماء عِنْدَ تكبيره الإحرام.
وزاد ابن سابط: وإذا رفع رأسه.
وأما تغميض البصر فِي الصلاة، فاختلفوا فِيهِ:
فكرهه الأكثرون، منهم: أبو حنيفة والثوري والليث وأحمد.
قَالَ مُجَاهِد: هُوَ من فعل اليهود.
وفي النهي عَنْهُ حَدِيْث مرفوع، خرجه ابن عدي، وإسناده ضَعِيف.
ورخص فِيهِ مَالِك.
وَقَالَ ابن سيرين: كَانَ يؤمر إذا كَانَ يكثر الالتفات فِي الصلاة أن يغمض عينيه.
خرجه عَبْد الرزاق.
стр. 3154
٩٣ - بَاب
الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ
فِيهِ حديثان:
الأول:
стр. 3155
٧٥١ - حَدَّثَنَا مسدد: ثنا أبو الأحوص: ثنا أشعث بْن سليم - هُوَ: أبو الشعثاء -، عَن أَبِيه، عَن مسروق، عَن عَائِشَة، قَالَتْ: سألت رَسُول الله ﷺ عَن الالتفات فِي الصلاة: فَقَالَ: ((هُوَ اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)) .
الثاني:
стр. 3156
٧٥٢ - حَدَّثَنَا قتيبة: ثنا سُفْيَان، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَةَ، عَن عَائِشَة، أن النَّبِيّ ﷺ صلى فِي خميصة لها أعلام، فَقَالَ: ((شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بِهَا إلى أَبِي جهم، وأتوني بأنبجانية)) .
حَدِيْث عَائِشَة فِي خميصة، قَدْ سبق فِي ((أبواب: الصلاة فِي الثيات)) فِي
((بَاب: إذا صلى فِي ثوب وله أعلام ونظر إلى علمها)) ، وسبق الكلام
стр. 3157
عَلِيهِ مستوفى.
وبعده حَدِيْث أنس، أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ لعائشة: ((أميطي عنا قرامك؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض فِي صلاتي)) .
وذكرنا أن الحديثين دليلاً عَلَى كراهة أن يصلي إلى مَا يلهي النظر إليه أأو لبسه فِي الصلاة.
وأما حَدِيْث عَائِشَة الَّذِي خرجه هاهنا فِي الالتفات، فتفرد بِهِ دون مُسْلِم، وفي إسناده اخْتِلَاف عَلَى أشعث بْن أَبِي الشعثاء.
فالأكثرون رووه عَنْهُ، كما رواه عَنْهُ أبو الأحوص، كما أسنده البخاري من طريقه.
قَالَ الدارقطني: وَهُوَ الصحيح عَنْهُ، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، لَمْ يذكر:
((مسروقاً)) فِي إسناده.
ورواه إسرائيل، عَن أشعث، عَن أَبِي عطية الهمداني، عَن مسروق، عَن عَائِشَة.
ورواه مِسْعَر، عَن أشعث، عَن أَبِي وائل، عَن مسروق، عَن عَائِشَة وكلهم رفعوه.
ورواه الأعمش موقوفاً، واختلف عَلِيهِ:
فرواه الأكثرون، عَنْهُ، عَن عمارة، عَن أَبِي عطية، عَن عَائِشَة موقوفاً.
وَقَالَ شعبة، عَن الأعمش، عَن خيثمة، عَن أَبِي عطية، عَن عَائِشَة موقوفاً.
ولهذا الاختلاف - والله أعلم - تركه مُسْلِم فَلَمْ يخرجه.
وفي الالتفات أحاديث أخر متعددة، لا تخلو أسانيدها من مقال.
ومن أجودها: مَا رَوَى الزُّهْرِيّ، عَن أَبِي الأحوص، عَن أي ذر، قَالَ: قَالَ
стр. 3158
رَسُول الله ﷺ : ((لا يزال الله مقبلاً عَلَى العبد وَهُوَ فِي صلاته مَا لَمْ يلتفت، فإذا التفت انصرف عَنْهُ)) .
رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة فِي ((صحيحه)) .
وأبو الأحوص، قَدْ قيل: إنه غير معروف.
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حَدِيْث الحارث، عَن النَّبِيّ ﷺ فِي حَدِيْث طويل ذكره -: ((إن الله ينصب وجهه لوجه عبده مَا لَمْ يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا)) .
وصححه الترمذي.
وروى عَبْد الرزاق، عَن ابن جُرَيْج، عَن عَطَاء: سَمِعْت أبا هُرَيْرَةَ يَقُول: إذا صلى أحدكم فلا يلتفت؛ فإنه يناجي [ربه] إن ربه أمامه، وإنه يناجيه، فلا يلتفت.
قَالَ عَطَاء: وبلغنا أن الرب يَقُول: ((يابن آدم، إلى أين تلتفت، أنا خير ممن تلتفت إليه)) .
ورواه إِبْرَاهِيْم بْن يزيد الخوزي وعمر بْن قيس المكي سندل - وهما ضعيفان -، عَن عَطَاء، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ - مرفوعاً كله.
والموقوف أصح -:
стр. 3159
قاله العقيلي وغيره.
وكذا رواه طلحة بْن عَمْرِو، عَن عَطَاء، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَا التفت عَبْد فِي صلاته قط إلا قَالَ الله: ((أنا خير لَكَ مِمَّا تلتفت إليه)) .
والأشبه: أن هَذَا قَوْلِ عَطَاء، كما سبق.
وقوله: ((هُوَ اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)) يعني: أن الشيطان يسترق من العبد فِي صلاته التفاته فيها ويختطفه مِنْهُ اختطافاً حَتَّى يدخل عَلِيهِ بذلك نقص في صلاته وخلل ولم يأمره بالإعادة لذلك، فدل على أنه نقص لا يوجب الإعادة والالتفات نوعان:
أحدهما: التفات القلب إلى غير الصلاة ومتعلقاتها، وهذا يخل بالخشوع فيها، وقد سبق ذكر الخشوع في الصلاة وحكمه.
والثاني: التفات الوجه بالنظر إلى غير ما فيه مصلحة الصلاة، والكلام هاهنا في ذلك.
وروي عن ابن مسعود، قال: لا يقطع الصلاة إلا الالتفات.
خرجه وكيع بإسناد فيه ضعف.
وروى بإسناد جيد، عن ابن عمر، قال: يدعى الناس يوم القيامة المنقوصين. قيل: وما المنقوصون؟ قالَ: الذي أحدهم صلاته في وضوئه والتفاته.
стр. 3160
قالَ ابن المنذر -: فيما يجب على الملتفت في الصلاة -:
فقالت طائفة: تنقص صلاته، ولا إعادة.
روي عن عائشة، أنها قالت: الالتفات في الصلاة نقص.
وبه قال سعيد بن جبير.
وقال عطاء: لا يقطع الالتفات الصلاة.
وبه قال مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي.
وقال الحكم: من تأمل من عن يمينه في الصلاة أو عن شماله حتى يعرفه فليس له صلاة.
وقال أبو ثور: إذا التفت ببدنه كله تفسد صلاته.
وروينا عن الحسن، أنه قال: إذا استدبر القبلة استقبل، وإن التفت عن يمينه وعن شماله مضى في صلاته.
والذي قاله الحسن حسن. انتهى.
قال ابن المنصور: قلت لأحمد: إذا التفت في الصلاة يعيد الصلاة؟ قالَ: ولا أعلم أني سمعت فيهِ حديثاً أنه يعيد.
قال إسحاق: كما قال.
وقال أصحابنا: الالتفات الذي لا يبطل أن يلوي عنقه، فأما إن استدار بصدره بطلت صلاته، لأنه ترك استقبال القبلة بمعظم بدنه، بخلاف ما إذا استدار بوجهه، فإن معظم بدنه مستقبل للقبلة.
وحكوا عن المالكلية، أنه لا يبطل بالتفاته بصدره حتى يستدبر، إلحاقاً للصدر على الوجه.
فأما الالتفات لمصلحة الصلاة، كالتفات أبي بكر لما صفق الناس خلفه وأكثروا التصفيق – وقد سبق حديثه – فلا ينقص الصلاة.
ويدل عليه: قول النبي ﷺ : ((من نابه شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه)) .
стр. 3161
وكذلك التفت النبي ﷺ إلى من صلى خلفه، لما صلى بهم جالساً وصلوا وراءه قياماً، وقد سبق - أيضاً.
وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه كان يلتفت في صلاته لمصلحة غير مصلحة الصلاة:
فروى سهل بن الحنظلية، قال: ثوب بالصلاة – يعني: صلاة الصبح -، فجعل رسول الله يصلي، وهو يلتفت إلى الشعب.
خرجه أبو داود.
وقال: كان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس.
وخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم وصححه.
وهذا فيه جمع بين الصلاة والجهاد.
ومن هذا المعنى: قول عمر: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة.
وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه كان يلحظ في صلاته.
فروى الفضل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يلحظ يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهرة.
خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي.
وقال: غريب ثم خرجه من طريق وكيع، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن بعض أصحاب عكرمة، أن النبي ﷺ كان يلحظ في الصلاة – فذكر نحوه.
стр. 3162
وخرجه أبو داود في بعض نسخ ((سننه)) .
ثم خرجه من طريق رجلٍ، عن عكرمة.
وقال: هو أصح.
وأنكر الدارقطني وصل الحديث إنكاراً شديداً، وقال: هو مرسل.
стр. 3163
وقد رواه – أيضاً – مندل، عن الشيباني عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى يلاحظ يميناً وشمالاً.
خرجه ابن عدي.
ومندل، ضعيف.
وروى الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن النبي ﷺ كان يلمح في الصلاة، ولا يلتفت.
خرجه ابن أبي شيبة بإسناد فيه جهالة، وهو مرسل.
وقد وصله بعضهم، وأنكر ذلك الإمام أحمد، وضعف إسناده، وقال: إنما هو: عن رجل، عن سعيد.
وقد يحمل هذا – إن صح – على الالتفات لمصلحة.
وقد روى عن علي بن شيبان الحنفي، قال: قدمنا على النبي ﷺ وصلينا معه، فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود فقال: ((لا صلاة لمن لا يقيم صلبه)) .
خرجه الإمام أحمد وابن حبان وابن ماجه.
وقد روي الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً عن طائفة من السلف، منهم أنس والنخعي وعبد الله بن معقل بن مقرن.
وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يلتفت في صلاته
стр. 3164
حتى يقضيها.
وعن أبي جعفر القارئ، قال كنت أصلي وابن عمر ورائي، ولا أعلم فالتفت، فغمزني.
وروى حميد، عن معاوية بن قرة، قال: قيل لابن عمر: إن الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا؟ قال: لكنا نقول كذا وكذا.
وفي رواية: ونكون مثل الناس.
وقد رويت الرخصة في الالتفات في النافلة.
فخرج الترمذي في حديث علي بن زيد، عن ابن المسيب، عن أنس، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يابني، إياك والالتفات في الصلاة؛ فإن الالتفات في الصَّلاة
هلكة، فإن كان لا بد ففي التطوع، لا في الفريضة)) .
وقال: حديث حسن.
وذكر في ((كتاب العلل)) : أنه ذاكر به البخاري، فلم يعرفه، ولم يعرف لابن المسيب عن أنس شيئا.
وقد روي عن أنس من وجوه أخر، وقد ضعفت كلها.
وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف، عن أبي الدرداء مرفوعاً.
ولا
стр. 3165
يصح إسناده – أيضاً.
قال الدارقطني: إسناده مضطرب، لا يثبت.
والله أعلم.
стр. 3166
٩٤ - باب
هل يلتفت لأمر ينْزل به
أو يَرَى شيئاً أو بصاَقاً في القِبلْةِ؟
وقال سهل: التفت أبو بكر، فرأى النبي ﷺ .
حديث سهل، قد سبق بتمامه في التفات أبي بكر لما جاء النبي ﷺ ، وأكثر الناس التصفيق خلف أبي بكر.
خرج فيه حديثين:
أحدهما:
قال:
стр. 3167
٧٥٣ - حدثنا قتيبة: ثناليث، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: رأى النبي ﷺ نخامة قبلة المسجد، وهو يصلى بين يدي الناس فحتها، ثم قال حين أنصرف: ((إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن الله قبل وجهه، فلا يتنخمن أحد قبل وجهه في
الصلاة)) .
رواه موسى بن عقبة وابن أبي رواد، عن نافع.
هذا الحديث، قد خرجه البخاري في مواضع أخر من طريق مالك وجويرية ابن أسماء، عن نافع.
ومراده بتخريجه هاهنا: أن النبي ﷺ رآها في حال صلاته، كما في رواية الليث التي خرجها هاهنا، وذكر أنه تابعه على ذلك موسى بن عقبة
стр. 3168
وابن أبي رواد.
وقد خرج مسلم حديث موسى، إلا أنه لم يتم لفظه.
وقد رواه أيوب، عن نافع، وذكر فيه أن النبي ﷺ رأى النخامة وهو يخطبُ.
خرجه أبو داود.
وظاهر رواية الليث يدل على أنه حتها وهو في الصلاة.
وقد روى: أنه حتها حين فرغ من الصلاة.
خرجه الإمام أحمد من رواية عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: صلى رسول الله ﷺ ، فرأى نخامة، فلما قضى صلاته قال: ((إن أحدكم إذا صلى في المسجد فإنه يناجي ربه، وإن الله ﵎ يستقبله بوجهه، فلا يتنخمن أحدكم في القبلة، ولا عن يمينه)) ثم دعا بعود فحكه، ثم دعا بخلوق فخضبه.
فهذه رواية ابن أبي رواد التي أشار إليها البخاري.
وأما رواية موسى بن عقبة [. . . . .]
وبكل حال؛ فليس في الحديث دليل على الالتفات في الصلاة، إنما فيه دليل على جواز نظر المصلي إلى قبلته، ورؤيته ما فيها، وأن ذلك لا ينافي الخشوع كما يحكى عن بعضهم، وأنه لا يكره للمصلي أن ينظر
стр. 3169
في قيامه إلى ما بين يديه، ويزيد رفع بصره عن محل سجوده.
وأما حديث سهل المتقدم، ففيه جواز التفات المصلي في صلاته لأمر يعرض له في صلاته، ولا سيما إذا نبهه المأمومون بالتسبيح ونحوه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((فإنه إذا سبح به التفت)) .
وقد سبق في ((أبواب: المساجد)) قول النبي ﷺ في المصلي: ((إنه يبزق عن يساره، أو تحت قدمه)) .
وبصاقه يساره إنما يكون بنوع من الالتفات يسير، ولكنه لمصلحة الصلاة؛ فلذلك أمر به.
الحديث الثاني:
стр. 3170
٧٥٤ – حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك، قال: بينما المسلمون في صلاة الفجر، لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف، فتبسم يضحك، ونكص أبو بكر على عقبيه، ليصل الصف، فظن أنه يريد الخروج، وهم المسلمون أن يفتتنوا في
صلاتهم، فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، وتوفي في آخر ذلك اليوم ﷺ .
قد تقدم هذا الحديث – أيضاً.
والمقصود منه في هذا الباب: أن أبا بكر ومن كان خلفه في صلاة الفجر رأوا النبي ﷺ حين كشف ستر
стр. 3171
حجرة عائشة، وظنوا أنه خارج للصلاة، حتى نكص أبو بكر على عقبيه، ليصل إلى الصف؛ لأجل النبي ﷺ ، حتى يجيء فيقوم مقامه في الإمامة.
وإنما يكون نظرهم إليه في الصلاة بنوع من الالتفات، فإن حجرة عن يسار المسجد، ليست في قبلته، على ما لا يخفى، وقد أشار إليهم النبي ﷺ أن أتموا صلاتكم، ولم ينههم عن نظرهم إليه فدل على جواز التفات المصلى التفاتاً يسيراً يتعلق بالصلاة، فإنه غير منهي عنه.
стр. 3172
٩٥ - باب
وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها
في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت
قد ذكرنا هذا الباب بكماله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] في آخر سورة الأعراف، فأغنى عن إعادته هنا.
ولله الحمد.
стр. 3173
٩٦ - باب
القراءة في الظهر
فيه ثلاثة أحاديث:
الأول:
стр. 3174
٧٥٨ - حدثنا أبو النعمان: ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر ابن سمرة، قال: قال سعد: قد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ، صلاة العشي، لا أخرم عنها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين. قال عمر: ذلك الظن بك.
صلاة العشي: هي صلاة الظهر والعصر، لأن العشي هو ما بعد الزوال.
وركودهُ في الأوليين وتطويله، إنما هو لطول القراءة، وقد خالف ابن عباس في ذلك.
وقد خرج البخاري فيما بعد من حديث أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قرأ النبي ﷺ فيما أمر، وسكت فيما أمر ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: ٦٤] و ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ [الأحزاب: ٢١] .
стр. 3175
فهذا يدل على أن ابن عباس كان يرى أن النبي ﷺ لم يكن يقرأ في صلاة الظهر والعصر شيئاً.
وقد تأوله الإسماعيلي وغيره على أنه لم يكن يجهر بالقراءة، بل يقرأ سراً وهذا لا يصح؛ فإن قراءة السر لا تسمى سكوتا.
وقد روي عن ابن عباس التصريح بخلاف بذلك.
وخرج الإمام أحمد حديث أيوب، عن عكرمة بزيادة في أوله، وهي لم يكن ابن عباس يقرأ في الظهر والعصر – وذكر الحديث.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث موسى بن سالم: ثنا عبد الله بن
عبيد الله، قال: دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم، فقلنا لشباب منا: سل ابن عباس: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: لا. قيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه فقال: خمشاً، هذه شر من الأولى، وكان عبداً مأموراً بلغ ما أرسل به – وذكر الحديث.
وخرج الإمام أحمد من رواية أبي يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس نحو حديث أيوب، وزاد: قيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فغضب منهم وقال: أيتهم رسول الله ﷺ ؟!
стр. 3176
وروى ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أنه سئل أفي الظهر والعصر قراءة؟ قال: لا قيل له عن رسول الله ﷺ هذا؟ قال: لا، ثم قال: إن رسول الله ﷺ لو قرأ علم ذلك الناس.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود - أيضاً - من طريق حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر
والعصر، أم لا؟
وهذه الرواية تقتضي أنه شك في ذلك، ولم يجزم فيه بشيء.
وخرج الإمام أحمد من رواية الحسن العرني، عن ابن عباس، قال: ما أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر، أم لا، ولكنا نقرأ.
الحسن العرني، لم يسمع من ابن عباس.
وروى موسى بن عبد العزيز القنباري، عن الحكم - هو ابن أبان - عن
عكرمة، عن ابن عباس، قال: لم أسمع رسول الله ﷺ قرأ في الظهر والعصر، ولم يأمرنا به، وقد بلغ ﷺ .
قد روي عن ابن عباس من وجه آخر، أن النبي ﷺ كان يقرأ، ولكن في إسناده ضعف.
خرجه أبو داود في ((كتاب الصلاة)) من طريق سفيان، عن زيد العمي، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال رمق أصحاب رسولِ الله ﷺ ، رسولَ الله ﷺ فحزروا قراءته في الظهر والعصر، بقدر (تَنْزِيلُ) [السجدة: ٢] ،
وقال: لم يسنده عن سفيان إلاّ يزيد بن هارون، ولم نسمعه من أحد إلاّ من الحسن بن منصور، وذكرته لأبي: فأعجب به، وقال: حديث غريب.
وزيد العمي، متكلم فيهِ.
الحديث الثاني:
стр. 3177
٧٥٩ - ثنا أبو نعيم: ثنا شيبان، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قالَ: كانَ النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية، ويسمع الآية أحياناً، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يطول [في الأولى، وكان يطول] في الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية.
في هذا الحديث: دليل على استحباب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر بسورة سورة مع الفاتحة، وهذا متفق على استحبابه بين العلماء، وفي وجوبه خلاف سبق ذكره.
وفيه: أن النبي ﷺ كانت القراءة بسورة تامة، وهذا هوَ
стр. 3178
الأفضل بالاتفاق؛ فأن قرأ السورة في ركعتين لم يكره - أيضاً - وقد فعله أبو بكر الصديق. قالَ: الزهري: أخبرني أنس، أن أبا بكر صلى بهم صلاة الفجر، فافتتح بهم سورة البقرة، فقرأها في ركعتين، فلما سلم قام إليه عمر، فقالَ: ما كنت تفرغ حتَّى تطلع الشمس. قالَ: لو طلعت لألفتنا غير غافلين.
ورخص فيهِ سعيد بن جبير وقتادة وأحمد، ولا نعلم فيهِ خلافاً إلاّ رواية عن
مالك. وسيأتي حديث قراءة النبي ﷺ بالأعراف في ركعتين من المغرب. وفي ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن السائب، أن النبي ﷺ صلى بهم صلاة الفجر فافتتح بسورة المؤمنين، حتى أتى عليهِ ذكر موسى وهارون فأخذته سعلة فركع.
وكذلك لو قرأ في ركعة بسورة وفي أخرى ببعض سورة، وقد روي عن عمر وابن مسعود.
وإن قرأ في الركعتين ببعض سورة: إما في أوائلها، أو أواسطها، أو أواخرها ففي كراهته خلاف عن أحمد، وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله ؛ فإن البخاري أشار إلى هذه المسائل.
وليس في حديث أبي قتادة تعيين السورتين المقروء بهما في الظهر والعصر، وقد ورد تعيين السور، وتقدير قراءته في أحاديث أخر.
стр. 3179
فخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، قالَ: كنا نحزر قيام رسول الله، في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿ألم
تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذَلِكَ، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر قدر قيامه من الأخريين في الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذَلِكَ.
وفي رواية لهُ أيضاً: كانَ يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية - أو قالَ: نصف ذَلِكَ - وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة، وفي الأخريين قدر نصف ذَلِكَ.
وخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد، قالَ: اجتمع ثلاثون من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة النبي ﷺ فيما لم يجهر به من الصلاة، فما اختلف منهم رجلان، فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى بقدر النصف من ذَلِكَ، وقاسوا ذَلِكَ في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر.
وفي إسناده: زيد العمي، وفيه مقال.
стр. 3180
وخرج مسلم - أيضاً - من حديث جابر بن سمرة، قالَ: كانَ رسول الله ﷺ ، يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحو ذَلِكَ، وفي الصبح أطول من ذَلِكَ.
وفي رواية: كانَ يقرأ في الظهر ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ .
وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وعندهم: كانَ يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق، وشبهها.
وقد سبق حديث عمران بن حصين، أن النبي، صلى بهم الظهر والعصر، ثم قالَ: ((أيكم قرأ خلفي بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ؟)) قالَ رجل: أنا.
قالَ: ((قد علمت أن بعضكم خالجنيها)) .
خرجه مسلم - أيضاً.
وخرج النسائي وابن ماجه من حديث البراء بن عازب، قالَ: كانَ رسول الله ﷺ يصلي بنا الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات.
وخرج النسائي من حديث أنس، أنه صلى بهم الظهر، قالَ: إني صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر فقرأ لنا بهاتيين السوررتين في الظهر: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ
стр. 3181
الْغَاشِيَةِ﴾ .
وذكر الترمذي - تعليقاً - أن عمر كتب إلى أبي موسى، يأمره أن يقرأ بأوساط المفصل.
وهو قول طائفة من أصحابنا.
وقال إسحاق: الظهر تعدل في القراءة بالعشاء. لكنه يقول: إن الظهر يقرأ فيها بنحو الثلاثين آية.
وحديث جابر بن سمرة الذي خرجه مسلم كما تقدم: يدل على أن قراءة الظهر أقصر من قراءة الصبح.
وقال طائفة: يقرأ في الظهر بطوال المفصل كالصبح، وهو قول الثوري والشافعي وطائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلي في ((جامعه الكبير)) ، لكنه خصه بالركعة الأولى من الظهر.
وروى وكيع بإسناده، عن عمر، أنه قرأ في الظهر بـ ﴿ق﴾ ﴿والذاريات﴾ .
وعن عبد الله بن عمرو، أنه قرأ في الظهر بـ ﴿كهيعص﴾ .
وروى حرب بإسناده، عن ابن عمر، أنه كانَ يقرأ في الظهر بـ ﴿ق﴾
﴿والذاريات﴾ .
وخرجه ابن جرير، وعنده: بـ ﴿ق﴾ ﴿والنازعات﴾ .
قالَ: وكان عمر يقرأ بـ ﴿ق﴾ .
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كانَ يقرأ في الظهر بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ١] و ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَك﴾ [الفتح: ١] .
стр. 3182
وممن رأي استحباب القراءة في الظهر بقدر ثلاثين آية: إبراهيم النخعي والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق.
وقال الثوري وإسحاق: كانوا يستحبون أن يقرأوا في الظهر قدر ثلاثين في الركعة الأولى، وفي الثانية بنصفها - زاد إسحاق: أو أكثر.
وظاهر كلام أحمد وفعله يدل على أن المستحب أن يقرأ في الصبح والظهر في الركعة الأولى من طوال المفصل، وفي الثانية من وسطه.
وروي عن خباب بن الأرت، أنه قرأ في الظهر بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة:١] .
قالَ أبو بكر الأثرم: الوجه في اختلاف الأحاديث في القراءة في الظهر أنه كله جائز، وأحسنه استعمال طول القراءة في الصيف، وطول الأيام، واستعمال التقصير في القراءة في الشتاء وقصر الأيام، وفي الأسفار، وذلك كله معمول به. انتهى.
ومن الناس من حمل اختلاف الأحاديث في قدر القراءة على أن النبي ﷺ كانَ يراعي أحوال المأمومين، فإذا علم أنهم يؤثرون التطويل طول، أو التخفيف خفف، وكذلك إذا عرض لهُ في صلاته ما يقتضي التخفيف، مثل أن يسمع بكاء صبي مع أمه، ونحو ذَلِكَ.
وفي حديث أبي قتادة: يطول الركعة الأولى على الثانية.
وقد ذهب إلى القول بظاهره في استحباب تطويل الركعة الأولى على ما بعدها من جميع الصوات طائفة من العلماء، منهم: الثوري
стр. 3183
وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، وطائفة من أصحاب الشافعي، وروى عن عمر ﵁.
وقد خرج الإمام أحمد وأبو داود حديث أبي قتادة، وزاد فيهِ: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى.
وخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، قالَ: لقد كانت صلاة الظهر
تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى؛ مما يطولها.
وقد سبق حديث أبي سعيد الذي خرجه مسلم، أن قراءته في الثانية كانت على النصف من قراءته في الأولى.
وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري، أن النبي ﷺ كانَ يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن، لكي يثوب الناس.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يطيل سوى الركعة من الفجر؛ لأنه وقت غفلة ونوم، ويسوي بين الركعات في سائر الصلوات.
وقال مالك والشافعي: يسوى بين الركعتين الأولتين في جميع الصلوات واستدل لذلك بقول (سعد) : ((أركد في الأوليين)) ، وليس بصريح ولا ظاهر في التسوية بينهما.
стр. 3184
واستدل أيضاً - بحديث أبي سعيد، أنهم حزروا قيام النبي ﷺ في الظهر في الركعتين الأوليين قدر قراءة ثلاثين آية، وقد سبق.
ولكن في رواية أحمد وابن ماجه: أن قيامه في الثانية كانَ على النصف من ذَلِكَ، وهذه الرواية توافق أكثر الأحاديث الصحيحة، فهي أولى.
واستدل لهم بقراءة النبي ﷺ : ((سبح)) و ((الغاشية)) و ((الجمعة))
و ((المنافقين)) و ((تَنزِيُلُ السجدة)) و ((هلُ أَتَى)) و ((ق)) و ((اقتْرَبَتْ)) ، هي سور متقاربة.
وأما تطويل الركعة الثالثة على الرابعة، فالأكثرون على أنه لا يستحب، ومن الشافعية من نقل الاتفاق عليهِ، ومنهم من حكى لأصحابهم فيهِ وجهين.
وهذا إنما يتفرع على أحد قولي الشافعي باستحباب القراءة في الأخريين بسور مع الفاتحة.
وقد خرج البزار والبيهقي من حديث عبد الله بن أبي أوفي، قالَ: كانَ
رسول الله ﷺ يطيل الركعة الأولى من الظهر، فلا يزال يقرأ قائماً ما دام يسمع خفق نعال القوم، ويجعل الركعة الثانية أقصر من الأولى، والثالثة أقصر من الثانية، والرابعة أقصر من الثالثة وذكر مثل ذَلِكَ في صلاة العصر والمغرب وفي إسناده: أبو إسحاق الحميسي، ضعفوه.
стр. 3185
وقد خرجه بقي بن مخلد في ((مسنده)) بإسناد أجود من هذا، لكن ذكر أبو حاتم الرازي أن فيهِ انقطاعاً، ولفظه في الظهر: ويجعل الثانية أقصر من الأولى، والثالثة أقصر من الثانية، والرابعة كذلك، وقال في العصر: يطيل في الأولى، ويقصر الثانية والثالثة والرابعة كذلك. وقال في المغرب: يطيل في الأولى، ويقصر في الثانية والثالثة.
وهذا اللفظ لا يدل على تقصير الرابعة عن الثالثة.
وقوله: ((ويسمعنا الآية أحياناً)) مما يحقق أنه ﷺ كانَ يقرأ في الظهر والعصر، ويأتي بقية الكلام على ذَلِكَ فيما بعد - إن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث:
стр. 3186
٧٦٠ - حدثنا عمر - هوَ: ابن حفص بن غياث -: ثنا أبي: ثنا الأعمش: حدثني عمارة، عن أبي معمر، قالَ: سألنا خبابا: أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهرِ
والعصر؟ ، قالَ: نعم قلنا: بأي شيء كنتم تعرفون ذَلِكَ؟ قالَ: باضطراب لحيته.
يعني: بحركة شعر لحيته.
هكذا رواه جماعة عن الأعمش.
ورواه بعضهم عنه، قالَ: بتحريك لحيته.
ورواه أبو معاوية، عن الأعمش، فقالَ: باضطراب لحييه - بيائين تثنية لحي، وهو عظم الفك.
وقد كانَ غير واحد من الصحابة يستدل بمثل هذا على قراءة النبي ﷺ في صلاة النهار.
стр. 3187
وروى سفيان، عن أبي الزعراء، عن أبي الأحوص، عن بعض أصحاب النبي
ﷺ ، قالَ: كانت تعرف قراءة النبي ﷺ في الظهر بتحريك لحيته.
خرجه الإمام أحمد.
وخرج - أيضاً - من رواية كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله، قالَ: تماروا في القراءة في الظهر والعصر، فأرسلوا إلى خارجه بن زيد،
فقالَ: قالَ أبي: قام - أو كانَ النبي ﷺ يطيل القيام، ويحرك شفتيه، فقد أعلم ذَلِكَ لم يكن إلا بقراءة، فأنا أفعله.
وفي هذه الأحاديث: دليل على أن قراءة السر تكون بتحريك اللسان والشفتين وبذلك يتحرك شعر اللحية، وهذا القدر لابد منه في القراءة والذكر وغيرهما من الكلام.
فأما إسماع نفسه فاشترطه الشافعي وبعض الحنفية وكثير من
стр. 3188
أصحابنا.
وقال الثوري: لا يشترط، بل يكفي تصوير الحروف، وهو قول الحرقي من الحنفية، وظاهر كلام أحمد.
قالَ أبو داود: قيل لأحمد: كم يرفع صوته بالقراءة؟ فقالَ: قالَ ابن مسعود: من أسمع أذنية فلم يخافت.
فهذا يدل على أن إسماع الأذنين جهر، فيكون السر دونه.
وكذا قالَ ابن أبي موسى من أصحابنا: القراءة التي يسرها في الصلاة يتحرك اللسان والشفتان بالتكلم بالقرآن، فأما الجهر فيسمع نفسه ومن يليه.
стр. 3189
٩٧ - باب
القراءة في العصر
стр. 3190
٧٦١ - حدثنا محمد بن يوسف: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة ابن عمير، عن أبي معمر، قالَ: قلنا لخباب بن الأرت: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قالَ: نعم. قلت: بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قالَ: باضطراب لحيته.
следующие страницы →