← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

كلام فإنه لله، يثنى به عليه ويمجد به. وفسرت ((الطيبات)) بالاعمال الصالحة كلها؛ فإنها توصف بالطيب، فتكون كلها لله بمعنى: أنه يعبد بها ويتقرب بها إليه. فهذا جعله النبي ﷺ بدل قوله: ((السلام على الله)) وأما سلامهم على جبريل وميكائيل وفلان وفلان من خواص الخلق، فأقرهم النبي ﷺ على ذكر السلام؛ لأن الخلق كلهم يطلب السلام من الله. وفي تفسير ((السلام على فلان)) قولان: أحدهما: أن المراد بالسلام اسم الله - يعني: فكأنه يقول: اسم الله عليك. والثاني: أن المراد: سلّم الله عليك تسليماً وسلاماً، ومن سلّم عليه الله فقد سلم من الآفات كلها ثم أقرهم أن يسلموا على النبي بخصوصه ابتداءً؛ فإنه أشرف المخلوقين وأفضلهم، وحقه على الأمة أوجب من سائر الخلق؛ لأن هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كان بتعليمه وإرشاده ﷺ تسليماً، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته. والسلام على النبي بلفظ: ((السلام عليك أيها النبي)) ، وهكذا في سائر

стр. 3572

الروايات؛ ولذلك كان عمر يعلم الناس في التشهد على المنبر بمحضر من الصحابة. وقد اختار بعضهم أن يقال بعد زمان النبي ﷺ : ((السلام على النبي)) ، وقد ذكر البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) أنهم كانوا يسلمون على النبي ﷺ بعد موته في التشهد كذلك، وهو رواية عن ابن عمر وعائشة. ثم عطف على ذكر السلام على النبي: ((ورحمة الله وبركاته)) ، وهذا مطابق لقول الملائكة لإبراهيم عليه سلام: ﴿رَحْمةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] ويستدل بذلك على جواز الدعاء بالرحمة للنبي ﷺ وفيه اختلاف بين العلماء. ثم أمرهم بعد ذلك بأن يقولوا: ((السلام علينا)) والضمير عائد على المصلي نفسه، وعلى من حضره من الملائكة والمصلين وغيرهم. وفي هذا مستند لمن أستجب لمن يدعوه لغيره أن يبدأ بالدعاء لنفسه قبله، وهو قول علماء الكوفة، وخالفهم آخرون، وقد أطال الاستدلال لذلك في ((كتاب الدعاء)) من ((صحيحه)) هذا، ويأتي - أن شاء الله تعالى - في موضعه بتوفيق الله وعونه.

стр. 3573

وقوله: ((وعلى عباد الله الصالحين)) هو كما قال ﷺ : ((فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض)) . فيعني ذلك عن تعيين أسمائهم؛ فإن حصرهم لا يمكن، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ وقد خرّج النسائي حديث ابن مسعود في التشهد، ولفظه: قال عبد الله: كنا لا ندري ما نقول إذا صلينا، فعلمنا نبي الله ﷺ جوامع الكلم: ((التحيات لله)) – فذكره. وفي رواية أخرى له: كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين، غير أن نسبح ونكبر ونحمد ربنا، وأن محمد ﷺ علم فواتح الكلم وخواتمه، فقال: ((إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات الله)) - فذكره. ثم أمرهم أن يختموه بالشهادتين، فيشهدون لله بتفرده بإلالهية، ويشهدون لمحمد بالعبودية والرسالة؛ فإن مقام العبودية أشرف مقامات الخلق؛ ولهذا سمى الله محمد ﷺ في أشرف مقاماته وأعلاها بالعبودية، كما قال تعالى في صفة ليلة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ، وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] .

стр. 3574

وقال في حقه في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩] ، وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] . ولهذا

стр. 3575

المعنى لما سلّم على الصالحين في هذا التشهد سماهم: ((عبادا الله)) ، والصالحون هم القائمون بما لله عليهم من الحقوق له ولخلقه، وإنما سمي التشهد تشهداً لختمه بالشهادتين. ولم يخرج البخاري في التشهد غير تشهد ابن مسعود، وقد أجمع العلماء على أنه أصح أحاديث التشهد، وقد روي عن النبي ﷺ التشهد من روايات أخر فيها بعض المخالفة لحديث ابن مسعود بزيادة ونقص، وقد خرج مسلم منها حديث ابن عباس وأبي موسى الأشعري، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد وإسحاق. وحديث أبي موسى فيه: ((التحيات الطيبات الصلوات لله)) ، وباقيه كتشهد ابن مسعود. وحديث ابن عباس فيه: ((التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله)) وباقيه كتشهد ابن مسعود، غير أن في آخره: ((وأشهد أن محمداً رسول الله)) . وكل ما صح عن النبي ﷺ من التشهدات، فإنه يصح الصلاة به، حكى طائفة الإجماع على ذلك،

стр. 3576

لكن اختلفوا في أفضل التشهدات: فذهب إلاكثرون إلى ترجيح تشهد ابن مسعود، وتفضيله، والأخذ به وقد روى ابن عمر، أن أبا بكر الصديق كان يعلمهم على المنبر كما يُعلم الصبيان في الكتاب، ثم ذكره بمثل تشهد ابن مسعود. خرّجه ابن أبي شيبة. وروى - أيضاً - نحوه عن أبي سعيد الخدري وغيره، وهو قول علماء العراق من أهل الكوفة والبصرة، من التابعين ومن بعدهم. قال أبو إسحاق، عن الأسود: رأيت علقمة يتعلم التشهد من عبد الله، كما يتعلم السورة من القرآن. وقال إبراهيم، عن الأسود: كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة كما يعلمنا السورة من القران، يأخذ علينا الألف والواو. وقال إبراهيم: كانوا يتحفظون هذا التشهد - تشهد عبد الله - ويتبعونه حرفاً حرفاً. خرّجه ابن أبي شيبة وغيره وذكر الترمذي أن العمل على تشهد ابن مسعود عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وأنه قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق.

стр. 3577

وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور وأهل الرأي وكثير من أهل المشرق وحكاه ابن البر عن أكثر أهل الحديث. وروي عن خصيف قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله، اختلف علينا في التشهد: فقال: ((عليك بتشهد ابن مسعود)) . وقد نص أحمد على أنه لو تشهد بغيره بما روي عن النبي ﷺ أنه يجزئه. وذكر القاضي أبو يعلى: أن كلام أحمد في التشهد بما روي عن الصحابة، كعمر أو غيره: هل يجزئ، أو لا؟ - محتمل، والأظهر: أنه يجزئ. وقد روي عن علي وابن عمر وعائشة تشهدت أخر. وقد نص إسحاق على جواز التشهد بذلك كله -: نقله حرب ومن أصحابنا من قال: يجب التشهد بتشهد ابن مسعود، ولا يجزئ أن يسقط منه واواً ولا الفاً. وهذا خلاف أحمد. والمحققون من أصحابنا على أنه يجوز التشهد بجميع أنواع التشهدات المروية عن النبي ﷺ كما نص عليه أحمد. وقال طائفة، منهم: القاضي أبو يعلى في كتابه ((الجامع الكبير)) : إذا أسقط من التشهد ما هو ساقط في بعض الروايات دون بعض صحت صلاته، وإن أسقط ما هو ساقط في جميعها لم تصح.

стр. 3578

وقيل لأحمد: لو قال في تشهده: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله)) : هل يجزئه؟ قالَ: أرجو. وقد ورد مثل ذَلِكَ في بعض روايات حديث أبي موسى، وهو في بعض نسخ ((صحيح مسلم)) ، وهي رواية لأبي دواد والنسائي. والأفضل عند الشافعي: التشهد بتشهد ابن عباس، الذي نقله عن النبي ﷺ وخرّجه مسلم، وهو قول الليث بن سعد. والأفضل عن مالك تشهد عمر بن الخطاب، وقد ذكره في ((الموطأ)) موقوفاً على عمر، أنه كان يعلمه الناس على المنبر يقول: قولوا: ((التحيات لله، الزاكيات لله، الصلوات لله)) وباقيه كتشهد ابن مسعود وإليه ذهب الزهري ومعمر. وقد روى عن عمر مرفوعاً من وجوه لا تثبت، والله أعلم. وطائفة مم علماء الأندلس اختاروا تشهد ابن مسعود، وكان يقال عنه: أنه لم يكن بالاندلس من اجتمع له علم الحديث والفقه أحد قبله مثله. وقد روي من حديث سلمان الفارسي، أن النبي ﷺ علمه التشهد

стр. 3579

حرفاً حرفاً - فذكر مثل حديث تشهد ابن مسعود سواء، قال: ثم قال: ((قلها يا سلمان في صلاتك، ولا تزد فيها حرفاً، ولا تنتقص منها حرفاً)) . خرّجه البزار في ((مسنده)) وفي إسناده ضعف. والله أعلم. * * * ١٤٩ -

стр. 3580

باب الدعاء قبل السلام فيه حديثان الأول: ٨٣٢ -

стр. 3581

حدثنا أبو اليمان: أنا شعيب، عن الزهري: أنا عروة، عن عائشة أخبرته، أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: ((اللهم أني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)) ، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقالَ: ((إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب ووعد فاخلف)) . ٨٣٣ -

стр. 3582

وعن الزهري، قال: أخبرني عروة، أن عائشة قالت: سمعت النبي … ﷺ يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال.

стр. 3583

إنما في هذا الحديث أنه كان يدعو بذلك في صلاته، وليس فيه أنه كان يدعو به في تشهده قبل السلام، كما بوب عليه. وقد روى مسروق، عن عائشة في ذكر عذاب القبر، أن النبي ﷺ لم يصل صلاة بعد ذلك إلا تعوذ من عذاب القبر. وقد خرّجه البخاري في موضع آخر. وخرّجه النسائي من رواية جسرة بنت دجاجة، عن عائشة، وفي حديثها: أنه كان يقول في ذلك دبر كل صلاة. وهذا يدل على أنه كان يقوله في تشهده. ويستدل على ذلك - أيضاً - بحديث أخر، خرّجه مسلم من رواية إلاوزاعي، عن حسان ابن عطية، عن محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة وعن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -، عن النبي ﷺ قال: ((إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم أني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) . وفي رواية له بالطريق الأول خاصة: ((إذا فرع أحدكم من التشهد فليقل)) .

стр. 3584

وفي رواية أخرى له أيضاً -: ((التشهد الأخير)) . وخرّج - أيضاً - من رواية هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان يتعوذ من ذلك - ولم يذكر: الصلاة. وكذلك خرّجه البخاري في ((الجنائز)) من رواية هشام. وهذا يدل على أن رواية إلاوزاعي حمل فيها حديث يحيى، عن أبي سلمة على لفظ حديث حسان، عن ابن أبي عائشة، ولعل البخاري لم يخرّجه لذلك؛ فإن المعروف ذكر الصلاة في رواية ابن أبي عائشة خاصة، ولم يخرج له البخاري. وخرّج أبو داود من رواية عُمر بن يونس اليمامي: حدثني ابن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول بعد التشهد: ((اللهم، إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة الدجال)) . وروى مالك، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يعلمهم الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن – فذكره، ولم يذكر: الصلاة. وخرّجه من طريقه مسلمٌ. وكذلك خرج - أيضاً - من طريق ابن عيية، عن ابن طاوس، عن

стр. 3585

أبيه، عن أبي هريرة - ومن طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه يأمر بهذا التعوذ، ولم يذكر: الصلاة - أيضاً. وذكر مسلم، أنّ طاوساً كان يروي هذا الحديث عن ثلاثة، أو عن أربعة، وأنه أمر ابنه أن يعيد الصلاة حيث لم يتعوذ فيها من ذلك. وخرّجه الحاكم من طريق ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبيّ ﷺ . وذكر الدارقطني أن ابن طاوس كانَ يرويه، عن أبيه مرسلاً. وسماع عائشة دعاء النَّبيّ ﷺ في صلاته يدل على أنه كانَ أحياناً يسمع من يليه دعاءه، كما كانَ أحياناً يسمع من يليه الآية من القرآن. الحديث الثاني: ٨٣٤ -

стр. 3586

حدثنا قتيبة: ثنا الليثُ، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بكر الصديق، أنه قال

стр. 3587

لرسول الله ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فأغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)) . وهذا الحديث - أيضاً - إنما فيه: ذكرُ الدعاء في الصلاة من غير تخصيص بالتشهد، وقد سبق ذكرُ الدعاء في الركوع والسجود والاختلاف فيه. والكلام على الاختلاف في إسناد هذا الحديث، وفي بعض ألفاظه وفي معانيه يأتي في موضع آخر - أن شاء الله . * * * ١٥٠ -

стр. 3588

باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب

стр. 3589

٨٣٥ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن الأعمش: حدثني شقيق، عن عبد الله، قال: كُنا إذا كُنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ : ((لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء – أو بين السماء والأرض – أشهد إلا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسولهُ، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فبدعوا)) . وقد سبق في رواية للإمام أحمد التصريح بأن هذا الدعاء إنما هو في التشهد الأخير خاصةً، فأما التشهد الأول فلا يدعو بعده عند جمهور العلماء، ولا يزاد عليه عند أكثرهم، حتى قال الثوري - في رواية عنه - إن فعل ذلك عمداً بطلت صلاته. إلا أن الشافعي - في الجديد - قال: يصلي فيه على النبي ﷺ وحده دون آله. وقال مالك: يدعى فيه كالتشهد

стр. 3590

الأخير. وروي عن ابن عمر. وخرّج النسائي من حديث سعد بن هشام، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيحمد الله ويثني على نبيه ﷺ ، ويدعو بينهن، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويقعد، ويحمد الله ويصلي على نبيه ﷺ ، ويدعو، ثم يسلم تسليماً يسمعناً. وحمل بعض أصحابنا هذا على أنه ﷺ كان يفعله أحيانا في صلاة النفل، لبيان الجواز دون الاستحباب. وخرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ كان في الركعتين كأنه على الرضف حتى يقوم. وحسّنه. وأبو عبيدة، وإن لم يسمع من أبيه، إلا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه -: قاله ابن المدني وغيره. وروي عن أبي بكر الصديق نحو ذلك.

стр. 3591

فأما الدعاء قبل السلام في التشهد الأخير، فإنه مشروع بغير خلاف. وحكى ابن المنذر، عن الحسن، أنه كَرِه الدعاء في المكتوبة، وأباحه في التطوع. ولعله أراد في غير التشهد. وقد دل عليه حديثُ ابن مسعود هذا، وليس هو بواجب كما ذكره البخاريّ، ومن العلماء من حكى الإجماع على ذلك. قد يستدل بما روى الحسن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، قال أخذ علقمة بيدي، فحدثني أن ابن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله ﷺ أخذ بيده، فعلّمه التشهد في الصلاة - فذكر إلى آخره، ثم قال: إذا قلت هذا - أو قضيتُ هذا - فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وان شئت أن تقعد فاقعد. خرّجه الإمام أحمد وأبو داود. وقال إسحاق بن راهويه: صح هذا عن النبي ﷺ . وهذا ظاهر في أن ما بعد التشهد ليس بواجب، ولكن قد قيل: إن القائلَ: ((إذا قلت هذا)) إلى آخره، هو ابن مسعود، وليس مرفوعاً –؛ كذلك قاله الدارقطني وأبو علي النيسابوري والبيهقي وأبو بكر الخطيب وغيرهم من الحفاظ.

стр. 3592

على هذا التقدير، فإذا قال ابن مسعود هذا، وهو راوي الحديث الذي فيه: ((ثم ليتخير من الدعاء)) دل على أنه فهم من ذلك الاستحباب دون الوجوب؛ ولهذا ردّه إلى اختياره ومشيئته وإعجابه، وراوي الحديث أعلم بمعنى ما روى، فيرجع إليه فهم ذلك. وقد سبق عن طاوسٍ: ما حكاه عنه مسلم، أنه بلغه عنه، أنه أمر ابنه بالاعادة إذا لم يتعوذ في صلاته من تلك الأربع. وحكي بعض أصحابنا وجهاً لهم بمثل ذلك. وحكُي عن أبي طالب، عن أحمد، أنه قال: من ترك شيئاً من الدعاء في الصلاة عمداً يعيد. وقوله: ((ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو)) يستدل به على أنه يجوز الدعاء في الصلاة بما لا يوافق لفظه لفظ القرآن، وعامة الأدعية المروية عن النبي ﷺ في صلاته كذلك، وقد سبق في الباب الماضي بعض ذلك. وهذا قول جمهور العلماء، خلافاً لأبي حنيفة والثوري في قولهما: لا يدعو في صلاته إلا بما يوافق لفظَ القرآن، فإن خالف بطلت صلاته. وحكى أصحاب سفيان الثوري مذهبه كذلك. والصحيح - المنصوص عن أحمد -: أنه يجوز الدعاء بما يعود بمصلحة الدين بكل حالٍ، وهو قول جمهور العلماء. وفي ((سنن أبي داود)) أن النبي ﷺ قال لرجل: ((كيف تقول في الصلاة؟)) قالَ: أتشهد، ثُمَّ أقول: اللهمّ إني أسألك الجنة، وأعوذُ بك من النار، أما إني لا أحسنُ دندنتك

стр. 3593

ولا دندنة معاذ، قالَ النَّبيّ ﷺ : ((حولها ندندن)) . وهذا يشعر بأنه يجوز الدعاء بمصالح الآخرة بأي لفظٍ كان. واختلفوا: هل يجوز الدعاء في الصلاة بالمصالح الدنيوية خاصة؟ فقالت طائفة: يجوز، منهم: عروة ومالك والشافعي، وحُكي روايةً عن أحمد، واستدلوا بعموم حديث ابن مسعود. وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وهو المشهور عن أحمد، واختاره أبو محمد الجويني من الشافعية. وإنما هذا فيما لم يرد النص بمثله كالرزق والعافية والصحة ونحو ذلك مما ورد الدعاء به في الأخبار في الصلاة وغيرها، فإنه يجوز الدعاء به في الصلاة، وإنما الممنوع طلبُ تفاصيل حوائج الدنيا؛ كالطعام الطيب والجارية الوضيئة. والثوب الحسن ونحو ذَلِكَ، فان هذا عندهم من جنس كلام الآدميين الذي قالَ فيهِ النَّبيّ ﷺ : ((أن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)) . ولا فرق في استحباب الدعاء بين الإمام والمأموم والمنفرد عند جمهور العلماء. واستحب إسحاق للإمام أن يدعو في هذا الموضع بصيغة الجمع؛ ليشمل المأمومين معه، وكره أن يخص نفسه؛ للحديث المروي في النهي عن ذلك. وللشافعية وجه ضعيف: أن الإمام لا يدعو، وهو خلاف نص

стр. 3594

الشافعي؛ فإنه قال في كتاب ((الأم)) : أحبُّ لكلَُ مصلًّ أن يزيد على التشهد والصلاة على النبي ﷺ ذكر الله وتحميده ودعاءً في الركعتين الأخيرتين، وأرى أن تكون زيادته ذلك إن كان إماماً أقل من قدر التشهد، والصلاة على النبي ﷺ فيها قليلا؛ للتخفيف عمن خلفه، وأرى أن يكون جلوسه إذا كان وحده أكثر من ذلك، ولا أكره ما طال ما لم يخرجه ذلك إلى سهو أو خاف فيه سهواً، وإن لم يزد على التشهد والصلاة على النبي ﷺ كرهت ذلك، ولا إعادة عليه، ولا سجود سهو. انتهى كلامه. وقد تضمن: أنه بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ يشرع له ذكر الله وتحميده، وهو خلاف نص أحمد؛ فإنه نص على أنه يدعو بعد التشهد من غير ثناء وحمد. وسئل أحمد - أيضاً -: هل يحمد الله الصلاة على النبي ﷺ ؟ فقال: لا أعرفه. وقال القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا أنه لم يستحب ذلك. ولا يستحب للأمام أن يدعو أكثر من قدر التشهد خشية الإطالة على المأمومين، فأما المنفرد فإنه يطيل ما لم يخف السهو فيكره له الزيادة. وقد بوّب النسائيّ في ((سننه)) : ((باب: الذكر بعد التشهد)) ، وخرج

стр. 3595

فيه حديث عكرمة بن عمار: ثنا إسحاق بن أبي طلحة، عن أنسٍ، قال: جاءت أم سليٍم إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي، قال: ((سبحي الله عشراً، واحمديه عشراً، وكبريه عشرا، ثم سليه حاجتك، يقول: نعم، نعم)) . وخرّج –أيضاً – بعد ذلك من حديث جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله ﷺ كان يقول في صلاته بعد التشهد: ((أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمدٍ)) . وهذا الحديث إنما يعرف فيه أن النبي ﷺ كان يقوله في تشهده في الخطبة، كما في ((صحيح مسلمٍ)) وغيره، فلعل ذكر الصلاة فيه مما توهمه بعض الرواة، حيث سمع أنه كان يقوله في تشهده، فظنّ أنه تشهد الصلاة. وحديث أنسٍ المتقدم، خرّجه الترمذيّ والحاكمُ في ((باب: صلاة التسبيح)) . وحسّنه الترمذي، وصححه الحاكم، وجعلاه من جملة أحاديث صلاة التسبيح. وخرّجه الإمام أحمد، ولم يذكر فيه: ((في صلاتي)) .

стр. 3596

وقد روي الحديث بلفظٍ آخر بإسنادٍ آخر، وهو: ((إذا صليت الصلاة المكتوبة فسبحي)) . وهذا اللفظ يحمل على أنها تقول ذلك إذا فرغت من صلاتها، فيستدل به حينئذٍ على فضل الذكر والدعاء عقب الصلاة المكتوبة، وعلى ذلك حمله ابن حبان وغيره. وقد روي عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يفتتح قيام الليل، يكبر عشراً، ويسبح عشراً، ويحمد عشراً، ويهلل عشراً، ويستغفر عشراً، ويقول: ((اللهم، اغفر لي واهدني وارزقني)) –عشراً، ويقول: ((اللهم، أني أعوذ بك من ضيق المقام يوم الحساب)) - عشراً. خرّجه النسائي. وخرّجه من وجوهٍ متعددةٍ بألفاظٍ متقاربةٍ، وفي بعضها: ثم يستفتح الصلاة. وهذه الرواية تشهد لأنه كان يقول ذلك قبل دخوله في الصلاة. والله أعلم. وروى جعفر الفريابي في ((كتاب الذكر)) بإسنادٍ صحيحٍ، عن ابن عمر، أنه رأى رجلاً دخل في الصلاة، فكبر، ثم قال: اللهم اغفر لي وأرحمني، فضرب ابن عمر منكبيه وقال: أبدأ بحمد الله عز وجل

стр. 3597

والثناء عليه. وهذا يدل على استحباب ذلك عند افتتاح الصلاة. ومما يستدل به على استحباب الثناء على الله في التشهد قبل الدعاء: ما روى أنس قال: كنت مع رسول الله ﷺ ، ورجل قائم يصلي، فلما ركع وسجد وتشهد دعا، فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك، فقال النبي ﷺ لأصحابه: ((هل تدرون بما دعا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قالَ: ((والذي نفسي بيده، لقد دعا باسمه العظيم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى)) . خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم وقال: صحيح على شرطهما. وعن محجن بن الأدرع، أن النبي ﷺ دخل المسجد، فإذا رجل قد قضى صلاته وهو يتشهد، فقال: اللهم، إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله ﷺ : ((قد غفر له)) –ثلاثاً. خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم، وقال: على شرطهما.

стр. 3598

وخرّج الترمذي من حديث ابن مسعود، قال كنت أصلي والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله تعالى، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ : ((سل تعطه. سل تعطه)) . وقال: حسن صحيح. وعن فضالة بن عبيدٍ، قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته، فلم يصل على النبي ﷺ ، فقال: ((عجل هذا)) ، ثم دعاه، فقال له –أو لغيره -: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ ، ثم ليدع بما شاء)) . خرّجه الترمذي، وقال: حسن. وخرّجه الإمام أحمد وأبو داود وعنده: ((فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه)) . وخرّجه النسائي، وزاد: فسمع رسول الله ﷺ رجلاً يصلي فمجد الله وحمده، وصلى على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ((أدع تجب، وسل تعطه)) . وخرّجه الترمذي بهذا المعنى –أيضاً -، وعنده: فقال: ((عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله

стр. 3599

وصلَّ عليَّ، ثم ادعه)) –وذكر باقيه بمعناه. وفي هذا الحديث وحديث ابن مسعودٍ: استحباب تقديم الثناء على الله على الصلاة على نبيه ﷺ ، وهذا قد يصدق بالدعاء بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ ، لأن التشهد فيه ثناء على الله ، فلا يحتاج إلى إعادة الثناء. وقال إسحاق: يحمد الله بعد التشهد وقبل الصلاة على النبي ﷺ : نقله عنه حرب. واستحب إسحاق وبعض الشافعية أن يبتدئ التشهد بـ ((بسم الله)) ، وفيه حديث مرفوع ضعفه غير واحدٍ. وقد روي عن ابن عمر، أنه كان إذا تشهد التشهد الأخير دعا فيه، ثم أخر السلام على النبي ﷺ وعلى نفسه وعباد الله الصالحين إلى بعد الدعاء، ثم يختم دعاءه بالسلام، ثم يسلم عن يمينه. ولم يذكر البخاري الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، وقد دّل هذان

стр. 3600

الحديثان – أعنى: حديث ابن مسعود وفضالة –عليها، ولكن ليسا على شرطه. وقد روى ابن إسحاق: حدثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن محمد بن عبد الله بن زيدٍ، عن عقبة بن عمرو، قال: قالوا: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ قالَ: ((قولوا: اللهم، صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد)) . خرّجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)) والدارقطني –وقال: إسناد حسن متصل –والحاكم – وقال: صحيح الإسناد. ويشهد لذلك: قول الصحابة للنبي ﷺ : ((هذا السلام عليك قد عرفناه)) ، وإنما عرفوا السلام عليه في التشهد في الصلاة، وهو: ((السلام على النبي ورحمة الله وبركاته)) ، فيكون سؤالهم عن الصلاة عليه في

стр. 3601

الصلاة –أيضاً. وقد خرّج ابن عدي من حديث طلحة، قال قلت: يا رسول الله، هذا التشهد قد عرفنا، فكيف الصلاة عليك –فذكره. وفي إسناده: سليمان بن أيوب الطلحي، وقد وثقه يعقوب بن شيبة وغيره وقال ابن عديً: عامة أحاديثه أفراد لا يتابعه عليها أحد. وخرج الحاكم والبيهقي من حديث ابن مسعودٍ، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا تشهد أحدكم في الصلاة، فليقل: اللهم صل على محمد وآل محمدٍ، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، وارحم محمداً وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ)) . وفي إسناده: رجل غير مسمىً. وخرّج الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن مجاهدٍ، عن مجاهدٍ، قال: أخذ بيدي ابن أبي ليلى –أو أبو معمرٍ -، قال: علمني ابن مسعودٍ التشهد، وقال: علمنا رسول الله ﷺ : ((التحيات لله)) –فذكره إلى آخره، وزاد بعده: الصلاة على النبي ﷺ . وقال: ابن مجاهد هذا، ضعيف الحديث. وخرّج البيهقي من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((إذا جلستم بين

стр. 3602

الركعتين فقولوا: التحيات لله)) – إلى آخر التشهد. قال عبد الله: وإذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أصابت كل عبدٍ صالحٍ أو نبيً مرسلٍ، ثم يبدأ بالثناء على الله والمدحة له بما هو أهله، وبالصلاة على النبي ﷺ ، ثم يسأل بعد ذلك. والظاهر: أن آخره من قول ابن مسعود. وفيه: استحباب الثناء على الله بعد التشهد قبل الصلاة على النبي ﷺ . ولا نعلم خلافاٌ بين العلماء في أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير مشروعة، واختلفوا: هل تصح الصلاة بدونها؟ على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: لا تصح الصلاة بدونها بكل حال، وهو مذهب الشافعي وأحمد –في رواية عنه. وروي عن أبي مسعودٍ الأنصاري، قال: ما أرى أن لي صلاة تمت لا أصلي فيها على محمد وآله. وخرّج ابن ماجه من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعدٍ، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : ((لا صلاة لمن لم يصل على نبيه ﷺ )) . وعبد المهيمن، تكلموا فيه. والثاني: تصح الصلاة بدونها مع السهو دون العمد، وهو رواية أخرى عن أحمد وإسحاق. وروي معناه عن ابن عمر من قوله. خرّجه المعمري في كتاب ((عمل يومٍ وليلةٍ)) .

стр. 3603

واستدل بعض من قال ذلك بحديث فضالة بن عبيد المتقدم ذكره، فإن النبي ﷺ لم يأمر من صلى ولم يصل عليه بالإعادة حيث لم يكن يعلم ذلك، وإنما علمه أن يقولها فيما بعد. والثالث: تصح الصلاة بدونها بكل حال، وهو قول أكثر العلماء، منهم: أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق –في رواية عنهما – وداود وابن جريرٍ وغيرهم. وقال النخعي: كانوا يكتفون بالتشهد من الصلاة على النبي ﷺ . خرّجه سعيد بن منصورٍ. ولعله أراد: أن التسليم عليه والشهادة له بالرسالة تكفي من الصلاة عليه. وقد روي عنه ما يدل على أن ذلك مراده، وعن منصور والثوري نحوه – أيضاً. واستدل لذلك بأن النبي ﷺ لم يعلم المسيء في صلاته الصلاة عليه، ولا صح عنه أنه علمها أصحابه مع التشهد، مع أنه علمهم الدعاء بعده، وليس بواجبٍ كما سبق.

стр. 3604

والأمر بها في حديث ابن إسحاق لا يدل على الوجوب؛ فإنه إنما أمرهم عندَ سؤالهم عنه، وهذه قرينة تخرج الأمر عن الوجوب، على ما ذكره طائفة من الأصوليين؛ فإنه لو كان أمره للوجوب لا بتدأهم به، ولم يؤخره إلى سؤالهم، مع حاجتهم إلى بيان ما يجب في صلاتهم؛ فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فدل على أنه اكتفى بالسلام عليه عن الصلاة. يدل على ذلك: أن عمر كان يعلم الناس التشهد على المنبر، ولم يذكر فيه الصلاة على النبي ﷺ ، وكذلك روي صفة التشهد عن طائفةٍ من الصحابة، منهم: ابن عمر وعائشة وغيرهما، ولم يذكروا فيه الصلاة على النبي ﷺ . * * * ١٥١ -

стр. 3605

باب من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى قال أبو عبد الله: رأيت الحميدي يحتج بهذا الحديث أن لا يمسح الجبهة في الصلاة.

стр. 3606

٨٣٦ - حدثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: سألت أبا سعيدٍ الخدري، فقال: رأيت النبي ﷺ يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته. هذا مختصر من الحديث الذي فيه ذكر طلب ليلة القدر، وقد سبق بتمامه في ((أبواب السجود)) ، وسيأتي في آخر ((الصيام)) –إن شاء الله –بألفاظٍ أخر، وفي بعضها: أانه قال: فبصرت عيني رسول الله ﷺ ، فنظرت إليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلىء. ولا شك أنه لم ينظر إلى وجهه إلا بعد انصرافه من الصلاة، فدل على أنه ﷺ لم يمسح أثر الطين من جبهته وأنفه في الصلاة، وهذا هو الذي أشار إليه الحميدي. وقد اتفقوا على أن تركه في الصلاة أفضل، فإنه يشبه العبث،

стр. 3607

واختلفوا: هل هو مكروهُ، أم لا؟ قال ابن المنذر: روينا عن ابن مسعودٍ، أنه قال: من الجفاء مسح الرجل أثر سجوده في الصلاة. وكره ذلك الأوزاعي وأحمد ومالك. وقال الشافعي: تركه أحب إلي، وإن فعل فلا شيء عليه. ورخص مالك وأصحاب الرأي فيه. انتهى. وروي عن ابن عباس، أنه قال: لا يمسح وجهه من التراب في الصلاة حتى يتشهد ويسلم. وعن سعيد بن جبير: أنه عدّه من الجفاء. وعن الحسن: أنه رخص فيه. وقال سفيان –في نفض التراب عن اليدين في الصلاة -: يُكره. وأما عن الوجه فهو أيسر، وفي كراهته حديثان مرفوعان: أحدهما: خرّجه ابن ماجه من روايةٍ هارون بن هارون بن عبد الله بن الهدير، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته)) . وهارون هذا، قال البخاري: لا يتابع على حديثه. وضَّعفه النسائي

стр. 3608

والدارقطني. والثاني: من رواية سعيد بن عبيد الله بن زياد بن جبير بن حية، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ ، قال: ((ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده)) . خَّرجه البزار في ((مسنده)) والطبراني والدارقطني وغيرهم. وسعيد هذا، احتج به البخاري ووثقه أحمد وابن معينٍ وأبو زرعة وغيرهم. لكنه خولف في إسناد هذا الحديث: فرواه قتادة والجريري، عن ابن بريدة، عن ابن مسعودٍ من قوله. ورواه كهمس، عن ابن بريدة، قال: كان يقال ذلك. وهذا الموقوف أصح. وحكى البيهقي، عن البخاري، أنه قال في المرفوع: هو حديث منكر يضطربون فيه.

стр. 3609

وأشار الترمذي إليه في ((باب: البول قائما)) ، ولم يخرجه، ثم قال: حديث بريدة في هذا غير محفوظٍ. قال البيهقي: وقد روي فيه من أوجه أخرى، كلها ضعيفة. فأما مسح الوجه من أثر السجود بعد الصلاة، فمفهوم ما روي عن ابن مسعودٍ وابن عباسٍ يدل على أنه غير مكروهٍ. وروى الميموني، عن أحمد، أنه كان اذا فرغ من صلاته مسح جبينه. وقد روي من حديث أنسٍ، أن النبي ﷺ كان اذا قضى صلاته مسح جبهته بكفه اليمنى. وله طرق عن أنس، كلها واهية. وكرهه طائفة؛ لما فيه من إزالة أثر العبادة، كما كرهوا التنشيف من الوضوء والسواك للصائم. وقال عبيد بن عميرٍ: لا تزال الملائكة تصلي على إلانسان ما دام أثر السجود في وجهه. خَّرجه البيهقي بإسنادٍ صحيحٍ. وحكى القاضي أبو يعلي روايةً عن أحمد، أنه كان في وجهه شيء من أثر السجود فمسحه رجل، فغضب، وقال: قطعت استغفار الملائكة عني. وذكر إسنادها عنه، وفيه رجل غير مسمىً.

стр. 3610

وبوب النسائي ((باب: ترك مسح الجبهة بعد التسليم)) ، ثم خرج حديث أبي سعيد الخدري الذي خَّرجه البخاري هاهنا، وفي آخره: قال ابو سعيدٍ: مطرنا ليلة أحدى وعشرين، فوكف المسجد في مصلى النبي ﷺ ، فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح، ووجهه مبتل طيناً وماءً. * * * ١٥٢ -
следующие страницы →