← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

٨٣٦ - حدثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: سألت أبا سعيدٍ الخدري، فقال: رأيت النبي ﷺ يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته. هذا مختصر من الحديث الذي فيه ذكر طلب ليلة القدر، وقد سبق بتمامه في ((أبواب السجود)) ، وسيأتي في آخر ((الصيام)) –إن شاء الله –بألفاظٍ أخر، وفي بعضها: أانه قال: فبصرت عيني رسول الله ﷺ ، فنظرت إليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلىء. ولا شك أنه لم ينظر إلى وجهه إلا بعد انصرافه من الصلاة، فدل على أنه ﷺ لم يمسح أثر الطين من جبهته وأنفه في الصلاة، وهذا هو الذي أشار إليه الحميدي. وقد اتفقوا على أن تركه في الصلاة أفضل، فإنه يشبه العبث،

стр. 3607

واختلفوا: هل هو مكروهُ، أم لا؟ قال ابن المنذر: روينا عن ابن مسعودٍ، أنه قال: من الجفاء مسح الرجل أثر سجوده في الصلاة. وكره ذلك الأوزاعي وأحمد ومالك. وقال الشافعي: تركه أحب إلي، وإن فعل فلا شيء عليه. ورخص مالك وأصحاب الرأي فيه. انتهى. وروي عن ابن عباس، أنه قال: لا يمسح وجهه من التراب في الصلاة حتى يتشهد ويسلم. وعن سعيد بن جبير: أنه عدّه من الجفاء. وعن الحسن: أنه رخص فيه. وقال سفيان –في نفض التراب عن اليدين في الصلاة -: يُكره. وأما عن الوجه فهو أيسر، وفي كراهته حديثان مرفوعان: أحدهما: خرّجه ابن ماجه من روايةٍ هارون بن هارون بن عبد الله بن الهدير، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته)) . وهارون هذا، قال البخاري: لا يتابع على حديثه. وضَّعفه النسائي

стр. 3608

والدارقطني. والثاني: من رواية سعيد بن عبيد الله بن زياد بن جبير بن حية، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ ، قال: ((ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده)) . خَّرجه البزار في ((مسنده)) والطبراني والدارقطني وغيرهم. وسعيد هذا، احتج به البخاري ووثقه أحمد وابن معينٍ وأبو زرعة وغيرهم. لكنه خولف في إسناد هذا الحديث: فرواه قتادة والجريري، عن ابن بريدة، عن ابن مسعودٍ من قوله. ورواه كهمس، عن ابن بريدة، قال: كان يقال ذلك. وهذا الموقوف أصح. وحكى البيهقي، عن البخاري، أنه قال في المرفوع: هو حديث منكر يضطربون فيه.

стр. 3609

وأشار الترمذي إليه في ((باب: البول قائما)) ، ولم يخرجه، ثم قال: حديث بريدة في هذا غير محفوظٍ. قال البيهقي: وقد روي فيه من أوجه أخرى، كلها ضعيفة. فأما مسح الوجه من أثر السجود بعد الصلاة، فمفهوم ما روي عن ابن مسعودٍ وابن عباسٍ يدل على أنه غير مكروهٍ. وروى الميموني، عن أحمد، أنه كان اذا فرغ من صلاته مسح جبينه. وقد روي من حديث أنسٍ، أن النبي ﷺ كان اذا قضى صلاته مسح جبهته بكفه اليمنى. وله طرق عن أنس، كلها واهية. وكرهه طائفة؛ لما فيه من إزالة أثر العبادة، كما كرهوا التنشيف من الوضوء والسواك للصائم. وقال عبيد بن عميرٍ: لا تزال الملائكة تصلي على إلانسان ما دام أثر السجود في وجهه. خَّرجه البيهقي بإسنادٍ صحيحٍ. وحكى القاضي أبو يعلي روايةً عن أحمد، أنه كان في وجهه شيء من أثر السجود فمسحه رجل، فغضب، وقال: قطعت استغفار الملائكة عني. وذكر إسنادها عنه، وفيه رجل غير مسمىً.

стр. 3610

وبوب النسائي ((باب: ترك مسح الجبهة بعد التسليم)) ، ثم خرج حديث أبي سعيد الخدري الذي خَّرجه البخاري هاهنا، وفي آخره: قال ابو سعيدٍ: مطرنا ليلة أحدى وعشرين، فوكف المسجد في مصلى النبي ﷺ ، فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح، ووجهه مبتل طيناً وماءً. * * * ١٥٢ -

стр. 3611

باب التسليم

стр. 3612

٨٣٧ - حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا إبراهيم بن سعد: ثنا الزهري، عن هند بنت الحارث، أن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيراً قبل أن يقوم. قال ابن ئهاب: فأرى –والله أعلم - أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم. المقصود من هذا الحديث: ذكر تسليم النبي ﷺ من الصلاة، وتسليمه من الصلاة مذكور في أحاديث كثيرة جداً، قد سبق بعضها، ويأتي بعضها، كمثل حديث ابن بحينة في قيام النبي ﷺ من الثنتين ولم يجلس، ومثل حديث عمران بن حصين حين صلى خلف علي بن أبي طالب –﵄، ومثل حديث أبي هريرة في سلام النبي ﷺ من اثنتين، وكلام ذي اليدين له، وحديث ابن مسعودٍ في سجود السهو –أيضاً. والاحاديث في ذلك كثيرة جداً. ولعله ذكر هاهنا هذا الحديث لما ذكر فيه من قيام النساء حين يقضي تسلميه؛ فإن هذا الكلام يشعر بإنه كانَ يسلم تسليمتين، فإذا قضاهما

стр. 3613

قام النساء، فإنه لا يقال: ((قضى الله)) بمعنى الفراغ منه إلا فيما لهُ أجزاء متعددة تنقضي شيئاً فشيئاً، كما قالَ تعالى: ﴿فإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٣] ، ﴿? فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة:١٠] ، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] . وقول النبي ﷺ في الشيطان وهربه من الأذان والتثويب به: ((فإذا قضي الأذان –وإذا قضي التثويب –أقبل)) . ولا يكاد يقال لمن سلم على قومٍ مرة: قضى سلامه، بمعنى فرغ، ولا لمن كبر للإحرام: قضى تكبيره، ولا لمن عطس فحمد الله: قضى حمده. ولم يخرج البخاري الأحاديث المصرحة بتسليم النبي ﷺ تسليمتين عن يمينه وشماله في الصلاة شيئاً، ولعله كان يميل إلى قول من يقول بالتسليمة الواحدة، وقد كان شيخه ابن المديني يميل إلى ذلك، متابعة لشيوخه البصريين. وخَّرج مسلم في ((صحيحه)) من أحاديث التسليمتين عدة أحاديث: منها: حديث مجاهد، عن أبي معمر، أن أميراً كان يسلم تسليمتين بمكة، فقال – يعني: ابن مسعودٍ -: أنى علقها، أن رسول الله ﷺ كان يفعله. وقد اختلف في رفعه ووقفه، وخَّرجه مسلم بالوجهتين. وخرّج –أيضاً - من حديث سعد بن أبي وقاصٍ، قال: كنت أرى

стр. 3614

رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده. وهو من رواية عبد الله بن جعفرٍ المخرمي، ولم يخرج له البخاري. وخرّج –أيضاً - من حديث عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله)) . وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره: ((السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)) . خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وفي روايةٍ لهم: حتى يرى بياض خده. وخرّجه الترمذي بدون ذلك، وصححه. وخرّجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)) والحاكم وصححه. وصححه العقيلي، وقال: الأحاديث صحاح ثابتةٌ من حديث ابن مسعودٍ في تسليمتين. وفي رواية للنسائي: ورأيت أبا بكرٍ وعمر يفعلان ذلك.

стр. 3615

قد اختلف في إسناده على أبي إسحاق على أقوالٍ كثيرةٍ، وفي رفعه ووقفه، وكان شعبةُ ينكر أن يكون مرفوعاً. وروى عمرو بن يحيى المازني، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، أنه سأل ابن عمر عن صلاة النبي ﷺ : كيف كانت؟ قال: ((الله أكبر)) ، كلما وضع ورفع، ثم يقول: ((السلام عليكم ورحمه الله)) عن يمينه، ((السلام عليكم ورحمه الله)) عن يساره. خَّرجه الإمام أحمد والنسائي. وهذا إسناد جيد. قال ابن عبد البر: هو إسناد مدني صحيح، إلا أنه يعلل بأن ابن عمر كان يسلم تسليمةً واحدةً، فكيف يروي هذا عن النبي ﷺ ثم يخالفه؟ وقد ذكر البيهقي أنه اختلف في إسناده، لكنه رجح صحته. ورواه –أيضاً - بقية، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سالمٍ، عن ابن عمر –مرفوعاً - أيضاً.

стр. 3616

قال أبو حاتم: هو منكر. وقال الدارقطني: اختلف على بقية في لفظه: روي أنه كان يسلم تسليمتين، وروي تسليمةً واحدةً، وكلها غير محفوظةٍ. وقال الأثرم: هو حديث واهٍ، وابن عمر كان يسلم واحدةً، قد عرف ذلك عنه من وجوهٍ، والزهري كان ينكر حديث التسليمتين، ويقول: ما سمعنا بهذا. وروي –أيضاً - من حديث حميدٍ الساعدي، أنه لما وصف صلاة النبي ﷺ : سلم عن يمينه وشماله. خرّجه أبو داود من رواية الحسن بن الحر: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالكٍ، عن محمد بن عمرة وابن عطاءٍ، عن عباس بن سهلٍ، عنه. وقد سبق الكلام على هذا الإسناد. وفي الباب أحاديث كثيرة، لا تخلو أسانيد غالبها من كلام. وقد قال الإمام أحمد –في رواية ابنه عبد الله -: ثبت عندنا، عن النبي ﷺ من غير وجهٍ، أنه كان يسلم عن يمينه وعن شماله، حتى يرى بياض خده. وقال العقيلي: الأحاديث الصحاح عن ابن مسعودٍ وسعد بن أبي

стр. 3617

وقاص وغيرهما في تسليمتين. وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه كان يسلم تسليمةً واحدةً من وجوهٍ لا يصح منها شيء -: قاله ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم. وقال الإمام أحمد: لا نعرف عن النبي ﷺ في التسليمة الواحدة إلا حديثاً مرسلاً لابن شهابٍ الزهري، عن النبي ﷺ . انتهى. ومرسيل ابن شهابٍ من أوهى المراسيل وأضعفها. ومن أشهرها: حديث زهير بن محمدٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يسلم في الصلاة تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً. خرّجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن زهير، به. وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من من هذا الوجه. قال محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه. وخرّجه ابن ماجه من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير، به، مختصراً. وخرّجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما. وأخطأ فيما قال؛

стр. 3618

فإن روايات الشاميين عن زهيرٍ مناكير عند أحمد ويحيى بن معينٍ والبخاري وغيرهم. قال أحمد –في رواية الأثرم -: أحاديث التنيسي عن زهيرٍ بواطيل. قال: وأظنٌّه قال: موضوعةٌ. قال: فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة. فقال: مثلُ هذا. وذكر ابن عبد البر: أن يحيى بن معين سئل عن هذا الحديث، فضعفه. وقال أبو حاتم الرازي: هو منكر، إنما هو عن عائشة –موقوفٌ. وكذا رواه وهيب بن خالد، عن هشام. وكذا رواه الوليد بن مسلمٍ عن زهير بن محمدٍ، عن هشامٍ، عن أبيه –موقوفاً. قال الوليد: فقلت لزهيرٍ: فهل بلغك عن رسول الله ﷺ فيه شيء؟ قال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري، أن رسول الله ﷺ سلم تسليمةً واحدةً. قال العقيلي: حديث الوليد أولى. يعني: من حديث عمرو بن أبي سلمة. قال: وعمرو في حديثه وهم.

стр. 3619

قال الدارقطني: الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وهم. وخرج النسائي من حديث سعد بن هشامٍ، عن عائشة في صفة صلاة النبي ﷺ بالليل، أنه كان يسلم تسليمةً يسمعنا. وخَّرجه الإمام أحمد، ولفظه: يسلم تسليمةً واحدةً: ((السلام عليكم)) يرفع بها صوته، حتى يوقظنا. وقدحمله الإمام أحمد على أنه كان يجهر بالواحدة، ويسر الثانية. وروي عبد الوهاب الثقفي، عن حميدٍ، عن أنسٍ، أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة.

стр. 3620

خَّرجه الطبراني والبيهقي. ورفعه خطأ، إنما هو موقوف، كذا رواه أصحاب حميدٍ، عنه، عن أنسٍ، من فعله. وروى جرير بن حازمٍ، عن أيوب، عن أنسٍ، أن النبي ﷺ وأبا بكرٍ وعمر كانوا يسلمون تسليمةً واحدةً. خَّرجه البزار في ((مسنده)) . وأيوب، رأى أنساً، ولم يسمع منه -: قاله أبو حاتمٍ. وقال الأثرم: هذا حديث مرسل، وهو منكر، وسمعت أبا عبد الله

стр. 3621

يقول: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب. وروى روح بن عطاء بن أبي ميمونة: ثنا أبي، عن الحسن، عن سمرة: كان رسول الله ﷺ يسلم في الصلاة تسليمةً واحدةً قبالة وجهه، فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره. خَّرجه الدارقطني والعقيلي والبيهقي وغيرهم، وخَّرجه بقي بن مخلدٍ مختصراً. وروح هذا، ضعفه ابن معين وغيره، وقال الأثرم: لا يحتج به. وفي الباب أحاديث أخر لا تقوم بها حجة، لضعف أسانيدها.

стр. 3622

وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك: فمنهم من كان يسلم ثنتين، ومنهم من كان يسلم واحدةً. قال عمار بن أبي عمارٍ: كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين، ومسجد المهاجرين يسلمون تسليمةً واحدةً. وأكثر أهل العلم على التسليمتين. وممن روي عنه ذلك من الصحابة: أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعودٍ وعمار وسهل بن سعدٍ ونافع بن عبد الحارث. وروي عن عطاءٍ والشعبي وعلقمة ومسروقٍ وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن ميمونٍ وأبي وائلٍ وأبي عبد الرحمن السلمي. وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثورٍ، وحكي عن الأوزاعي. وروي التسليمة الواحدة عن ابن عمر وأنسٍ وعائشة وسلمة بن الأكوع، وروى عن عثمان وعليً –أيضاً -، وعن الحسن وابن سيرين وعطاءٍ –أيضاً – وعمر بن عبد العزيز والزهري، وهو قول مالكٍ والاوزاعي والليث. وهو قول قديم للشافعي. وحكاه أحمد عن أهل المدينة، وقال: ما كانوا يسلمون إلا واحدةً. قال: وإنما حدثت

стр. 3623

التسليمتان في زمن بني هاشمٍ. يعني: في ولاية بني العباس. وقال الليث: أدركت الناس يسلمون تسليمةً واحدةً. وقد اختلف على كثيرٍ من السلف في ذلك، فروى عنهم التسليمتان، وروي عنهم التسليمة الواحدة، وهو دليلٌ على أن ذلك كان عندهم سائغاً، وإن كان بعضه أفضل من بعضٍ، وكان الأغلب على أهل المدينة التسليمة الواحدة، وعلى أهل العراق التسليمتان. وحكي للشافعي قولٌ ثالثٌ قديمٌ –أيضاً -، وقيل: إن الربيع نقله عنه، فيكون حينئذٍ جديداً -: أنه إن كان المصلي منفرداً أو في جماعةٍ قليلةٍ ولا لغط عندهم فتسليمةٌ واحدةٌ، وإلا فتسليمتان. والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه، وصحت صلاته، وذكره ابن المنذر إجماعاً ممن يحفظ عنه من أهل العلم. وذهب طائفة منهم إلى أنه لا يخرج من الصلاة إلا بالتسليمتين معاً، وهو قول الحسن بن حي وأحمد –في روايةٍ عنه – وبعض المالكية وبعض أهل الظاهر. واستدلوا بقوله ﵇: ((تحليلها التسليم)) ، وقالوا: التسليم إلى ما عهد منه فعله، وهو التسليمتان، وبقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ، وقدكان يسلم تسليمتين.

стр. 3624

ومن ذهب إلى قول الجمهور، قال: التسليم مصدرٌ، والمصدر يصدق على القليل والكثير، ولا يقتضي عدداً، فيدخل فيه التسليمة الواحدة. واستدلوا بأن الصحابة قد كان منهم من يسلم تسليمتين، ومنهم من يسلم تسليمةً واحدةً، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء، بل قد روي عن جماعةٍ منهم التسليمتان والتسليمة الواحدة، فدل على أنهم كانوا يفعلون أحياناً هذا وأحياناً هذا، وهذا اجماع منهم على أن الواحدة تكفي. قال أكثر أصحابنا: ومحل الخلاف عن أحمد في الصلاة المكتوبة، فأما التطوع فيجزئ فيه تسليمة، واستدلوا بحديث عائشة في صلاة النبي ﷺ بالليل، وقد سبق ذكره. وخرّج الإمام أحمد من حديث إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمةٍ يسمعناها. وقد تأول حديث عائشة في هذا المعنى على أنه كان يسمعهم واحدةً ويخفي الثانية، وقد نص أحمد على ذلك، وأن الأولى تكون أرفع من الثانية في الجهر. وقد روى أبو رزينٍ، قال: سمعت علياً يسلم في الصلاة عن يمينه

стр. 3625

وعن شماله، والتي عن شماله أخفض. ومن أصحابنا من قال: يجهر بالثانية ويخفض بالأولى، وهو قول النخعي. واختلفوا في صفة التسليم: فقالت طائفةٌ: صفة التسليم: ((السلام عليكم ورحمه الله)) ، وهذا مروي عن النبي ﷺ من وجوه، إليه ذهب أكثر العلماء. ولو اقتصر على قوله ((السلام عليكم)) أجزأه عند جمهورهم، ولأصحاب أحمد فيه وجهان. وقالت طائفة: يزيد مع ذلك: ((وبركاته)) ، ومنهم: الأسود بن يزيد، كان يقولها في التسليمة الأولى. وقال النخعي: أقولها وأخفيها. واستحبه طائفة من الشافعية. وقد خرّج أبو داود من حديث وائل بن حجر، أنه صلى مع النبي ﷺ ، فكان يسلم عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) ، وعن شماله: ((السلام عليكم ورحمة الله)) . ومن أصحابنا من قال: إنما فعل ذلك مرةً لبيان الجواز.

стр. 3626

وكان من السلف من يقول في التسليمة الأولى: ((السلام عليكم ورحمه الله)) ، ويقتصر في الثانية على ((السلام عليكم)) ، وروي عن عمار وغيره. وقد تقدم حديث ابن عمر المرفوع بموافقة ذلك. وقالت طائفة: بل يقتصر على قوله: ((السلام عليكم)) بكل حالٍ، وهو قول مالك والليث بن سعدٍ، وروي عن علي وغيره. وكذلك هو في بعض روايات حديث جابر بن سمرة المرفوع. وفي بعضها زيادة: ((ورحمه الله)) . وقد خَّرجه مسلم بالوجهين. واكثر العلماء على أنه لا يخرج من الصلاة بدون التسليم، واستدلوا بحديث: ((تحليلها التسليم)) . وممن قال من الصحابة: تحليل الصلاة التسليم: ابن مسعودٍ وابن عباسٍ، وحكاه الإمام أحمد إجماعاً. وذهب طائفة إلى أنه يخرج من الصلاة بفعل كل منافٍ لها، من أكلٍ أو شربٍ أو كلامٍ أو حدثٍ، وهو قول الحكم وحماد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي وإسحاق. ولم يفرقوا بين أن يوجد المنافي باختيار المصلي أو بغير اختياره إلا أبا حنيفة، فإنه قال: إن وجد باختياره خرج من الصلاة بذلك، وإن وجد بغير اختياره بطلت صلاته، وجعل الفرض الخروج منها بفعل المنافي باختيار المصلى لذلك. وخالفه صاحباه في اشتراط ذلك.

стр. 3627

وقد حكي عن طائفة من السلف: أن من أحدث بعد تشهده تمت صلاته، منهم: الحسن وابن سيرين وعطاء – على خلاف عنه – والنخعي. وروي ذلك عنن علي بن أبي طالب، وقد أنكر صحته أحمد وأبو حاتمٍ الرازي وغيرهما. وروي –أيضاً - عن ابن مسعود من طريقٍ منقطعٍ. واستدل لهؤلاء بحديث ابن مسعود: ((إذا قلت هذا وقضيت هذا فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)) . وقد سبق ذكره، والاختلاف في رفعه ووقفه على ابن مسعودٍ. واختلف في لفظه –أيضاً -: فرواه بعضهم، وقال: قال ابن مسعودٍ: فإذا فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف. خَّرجه البيهقي. وهذه الرواية تدل على أنه إنما خيره إذا فرغ من صلاته، وإنما يفرغ بالتسليم؛ بدليل ما روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم، إذا سلم الإمام فقم إن شئت. قال البيهقي: وهذا أثر صحيح. وقال: ويكون مراد ابن مسعودٍ: الإنكار على من زعم أن المأموم لا يقوم حتى يقوم إمامه. وحمل أبو حنيفة وإسحاق حديث: ((تحليلها والتسليم)) على

стр. 3628

التشهد، وقالوا: يسمى التشهد تسليماً؛ لما فيه من التسليم على النبي والصالحين. وهذا بعيد جداً. واستدلوا –أيضاً - بما روى عبد الرحمن بن زيادٍ الأفريقي، أن عبد الرحمن بن رافعٍ وبكر بن سوادة أخبراه، عن عبد الله ابن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا أحدث وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم جازت صلاته)) . خَّرجه الترمذي. وقال: إسناده ليس بالقوي، وقد اضطربوا في إسناده، والأفريقي ضعفه القطان وأحمد بن حنبلٍ. وخَّرجه أبو داود بمعناه. وخَّرجه الدارقطني، ولفظه: ((إذا أحدث بعدما يرفع رأسه من آخر سجدة واستوى جالساً تمت صلاته)) . وقد روي بهذا المعنى عن الأفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو –مرفوعاً. وهذا اضطراب منه في إسناده، كما أشار اليه الترمذي، ورفعه منكر جداً، ولعله موقوف، والأفريقي لا يعتمد على ما ينفرد به. قال حربٌ: ذكرت هذا الحديث لأحمد، فرده، ولم يصححه.

стр. 3629

وقال الجوزجاني: هذا الحديث لا يبلغ القوة أن يدفع أحاديث: ((تحليلها التسليم)) . وأجاب بعضهم عن هذا، وعن حديث ابن مسعودٍ –على تقدير صحتهما –بالنسخ، واستدل بما روى عمر بن ذرَّ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، قالَ: كانَ النَّبيّ ﷺ إذا قعد في آخر صلاته قدر التشهد أقبل على الناس بوجهه، وذلك قبل أن ينزل التسليم. خَّرجه البيهقي. وخَّرجه وكيعٌ في ((كتابه)) عن عمر بن ذرَّ، عن عطاءٍ – بمعناه -، وقال: حتَّى نزل التسليم. وقد ذكرنا –فيما تقدم في أول ((كتاب الصَّلاة)) –حديثاً، عن عمر، أن النَّبيّ ﷺ كانَ يصلي في أول الاسلام ركعتين، ثُمَّ أمر أن يصلي أربعا، فكان يسلم بين كل ركعتين، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل، يرى أنه قد أتم الصَّلاة، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى، ويعلن بالثانية، فافعلوا ذَلِكَ. خَّرجه الإسماعيلي. وإسناده ضعيف.

стр. 3630

ولم يقل بذلك أحد من علماء المسلمين: إن الصَّلاة الرباعية المكتوبة يسلم فيها مرتين: مرة في التشهد الأول، ومرة في الثاني، ولكن الإمام يسر السلام الأول، ويعلن بالثاني، والأحاديث كلها تدل على أنه لم يكن يسلم فيها إلا مرةً واحدةً، في التشهد الثاني خاصةً. * * * ١٥٣ -

стр. 3631

باب يسلم حين يسلم الإمام وكان ابن عمر يستحب إذا سلم الإمام أن يسلم من خلفه. روى وكيع بإسناده، عن مجاهد، قال: سألت ابن عمر، يسلم الإمام وقد بقي شيءٌ من الدعاء، أدعو أو أسلم؟ قال: لا، بل سلم. وقد نص الإمام أحمد على هذه المسالة، وأن يسلم مع الإمام ويدع الدعاء، إلا أن يكون قد بقي عليه منه شيءٌ يسيرٌ، فيتمه ثم يسلم. ومذهب سفيان - فيما نقله عنه أصحابه -: إذا سلم الإمام سلم من خلفه، وإن كان بقي عليه شيءٌ من التشهد قطعه. ولعل مراده: الدعاء بعد التشهد. ولكن نقل حسان بن إبراهيم، عن سفيان: أنه قال: إن كان بقي عليه شيءٌ من التشهد فليسلم، فإنه أحب إلي. واستحب أحمد وإسحاق سلام المأموم عقب سلام الإمام، وجعله أحمد من جملة الائتمام به، وعدم الاختلاف عليه. والأولى للمأموم أن يسلم عقب فراغ الإمام من التسليمتين، فان سلم بعد تسليمته الأولى جاز عند من يقول: إن الثانية غير واجبةٍ؛ لأنه يرى أن الإمام قد خرج من الصلاة بتسليمته الأولى، ولم يجز عند من يرى أن الثانية واجبةٌ، لا يخرج من الصلاة بدونها.

стр. 3632

واختلف أصحاب الشافعي: هل الأفضل أن يسلم المأموم بعد تسليمة الإمام الأولى، أو بعد تسليمته الثانية؟ على وجهين. وقال الشافعي – في ((البويطي)) -: من كان خلف إمامٍ، فإذا فرغ الإمام من سلامه سلم عن يمينه وعن شماله. وهذا يدل على أنه لا يسلم إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين، ويدل –أيضاً -، على أنه لا يستحب للمأموم التخلف عن سلام الإمام، بل يسلم عقب سلامه. وهذا على قول من قال من أصحابه –كالمتولي -: إنه يستحب للمأموم أن يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى –أظهر. وقال القاضي أبو الطيب الطبري منهم: المأموم بالخيار، إن شاء سلم بعده، وإن شاء استدام الجلوس للتعوذ والدعاء وأطال لك، وعلل: أنه قد انقطعت قدوته بالإمام بسلامه. وهذا مخالفة لنص الشافعي، وعامة أصحابه، وللمأثور عن الصحابة. ولو سلم المأموم مع تسلم إمامه، ففي بطلان صلاته لأصحابنا وأصحاب الشافعي وجهان، سبق ذكرهما عند ذكر متابعة المأموم للإمام. والأصح عندنا وعندهم: أنه لا تبطل صلاته، كما لو قارنه في سائر الأركان، سوى تكبيرة الإحرام. ومذهب مالك: البطلان. وقد استحب طائفة من السلف التسليم مع الإمام.

стр. 3633

وروى وكيع في ((كتابه)) عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يسلم مع تسليم الإمام. وبإسناده، عن إبراهيم، قال: إن شئت سلمت معه، وإن شئت سلمت بعده. وعن عطاءٍ، أنه كان ربما سلم تسليمه، وربما سلم بعده. وقد يحتمل أن يكون مراد هؤلاء السلف بالسلام معه: السلام عقبيه، من غير مهلةٍ، وبالسلام بعده: التأخر عنه. والله أعلم. وقد وقع في كلام المتقدمين في إسلام الزوجين معاً ما يدل على أن مرادهم به: اجتماعهما في الإسلام في مجلسٍ واحدٍ، أو يومٍ واحدٍ، وفيه حديثٌ مرفوعٌ يشهد بذلك. وإن سلم المأموم قبل سلام إمامه لم يجز، وبطلت صلاته إن تعمد ذلك ولم ينو مفارقته على وجه يجوز معه المفارقة، إلا عند من يرى أن السلام ليس من الصلاة، ويخرج منها بإنهاء التشهد، أو بدون التشهد عند من يرى أن التشهد الأخير سنة. لكن من قال منهم: لا يخرج من الصلاة إلا بالإتيان بالمنافي، فإنه لا يجيز للمأموم أن يخرج من الصلاة قبل خروج إمامه بذلك. وظاهر ما روي عن ابن مسعودٍ يدل على جوازه، وأنه يخرج من الصلاة بإنهاء التشهد، وقد تقدم قوله: فإذا قلت ذلك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد.

стр. 3634

وروي ذلك عن علي صريحاً، فروى عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: إذا تشهد الرجل وخاف أن يحدث قبل أن يسلم الإمام فليسلم، فقد تمت صلاته. وقد رواه الحكم، عن عاصمٍ، عن علي، ولفظه: إذا جلس مقدار التشهد، ثم أحدث فقد تمت صلاته. فيكون أمره بالمبادرة بالسلام على وجه الاستحباب، فإنه لو أحدث لم تبطل صلاته عنده. وقد حكي مذهب أبي حنيفة مثل ذلك. والله أعلم. قال البخاري: ٨٣٨ -

стр. 3635

ثنا حبان بن موسى: ثنا عبد الله – هو: ابن المبارك -: أنا معمر، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عتبان، قال صلينا مع رسول الله ﷺ ، فسلمنا حين سلم. هذا مختصر من حديث عتبان الطويل في إنكاره بصره، وطلبه من النبي ﷺ أن يأتي إلى بيته فيصلي فيه في مكان يتخذه مسجدا، وقد خَّرجه بتمامه في الباب الذي يلي هذا عن عبدان، عن ابن المبارك. وقد خَّرجه فيما مضى من طريق عقيل ومالك وإبراهيم بن سعدٍ، عن الزهري – مختصراً ومطولاً -، وليس في رواياتهم: ((

стр. 3636

فسلمنا حين سلم)) ، إنما هذه في رواية معمرٍ المخَّرجة في هذا الباب. وقوله: ((سلَّمنا حين سلم)) ظاهرة يقتضي أنهم سَّلموا مع سلامه؛ لأن ((الحين)) معناه الوقت، فظاهر اللفظ يقتضي أن سلامهم كانَ في وقت سلامه مقارناً لهُ، وليس هذا هوَ المراد –والله أعلم – وإنما المراد: أنهم سلمو اعقيب سلامه من غير تأخر عنه، وعبر عن ذَلِكَ باتحاد الوقت، والحيز؛ فإن التعاقب شبيه بالتقارب وهو – أيضاً –المراد –والله اعلم. من المروري عن ابن عمر وغيره من السلف في السلام مع الإمام، وأنهم أرادوا بالمعية: التعاقب، دون التقارن. * * *

стр. 3637

١٥٤ - باب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة خَّرج فيه حديث عتبان –أيضاً: ٨٣٩ - ٨٤٠ -

стр. 3638

عن عبدان، عن ابن المبارك، بالإسناد المتقدم، وذكر الحديث بتمامه، وفي آخر قالَ: فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ معه بعدما أشتد النهار، فأستأذن النبي ﷺ ، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: ((اين تحب أن اصلي من بيتك؟)) فأشار إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام وصففنا خلفه، ثم سلم، وسلمنا حين سلم. مراده بهذا الحديث في هذا الباب: أن الذين صلوا مع النبي ﷺ في بيت عتبان سلموا مع النبي ﷺ حين سلم من الصلاة، ولم يوجد منهم سوى السلام من الصلاة كسلام النبي ﷺ منها، وفي ذلك ردٌ على من قال: إن المأموم يرد على الإمام سلامه مع تسليمه من السلام إما قبله أو بعده. وقد قال بذلك طوائف من السلف، منهم: ابن عمر وأبو هريرة: فروي عن ابن عمر، أنه كان إذا سلم الإمام رد عليه، ثم سلم عن يمينه، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه وإلاّ سكت.

стр. 3639

وروي عنه، أنه كان يسلم عن يمينه، ثم يرد على الإمام. وعن أبي هريرة، أنه كان إذا سلم الإمام قال: السلام عليك أيها القارئ. وقال عطاء: ابدأ بالامام، ثم سلم على من عن يمينك، ثم على من عن شمالك. وعن الحسن وقتادة نحوه. وقال الشعبي: إذا سلم الإمام فَّرد عليه. وكان سالمٌ يفعله. وقاله النخعي. وقال الزهري: هو سنةٌ. قال مكحولٌ: كان أصحاب النبي ﷺ يردون على الإمام إذا سلم عليهم. وقال عطاء –أيضاً -: حق عليك أن ترد على الإمام إذا سلم. وقال – مرةً -: هو مخيرٌ، إن شاء رد عليه، وإن شاء صبر حتى يسلم لنفسه، وينوي به الإمام، ومن صلى على جانبيه. وقال في الرد على الإمام: يرد في نفسه، ولا يسمعه. وكذا قال حمادٌ. فإن كان مرادُ من قال: يرد على الإمام: أنه يرد ﵇ في نفسه، ولا يتكلم به، فهذا الرد إذا فعله في الصلاة لا تبطل به الصلاة، وإن كان مراده: أنه يرد بلسانه، كما هو ظاهر أكثرهم، فإنه ينبني على أن ردَّ السلام في الصلاة لا يبطل الصلاة، وقد ذهب إلى ذلك

стр. 3640

طائفة من السلف، ويأتي ذكره في موضعٍ آخر – إن شاء الله تعالى. وقد ينبني –أيضاً -، على أن السلام ليس من فروض الصلاة، وأنه يخرج من الصلاة بكل منافٍ لها من الكلام ونحوه، كما قال ذلك من ذكرنا قوله من قبل. وأما من قال: إن الرد على الإمام يكون بعد السلام من الصلاة، فهذا لا إشكال فيه؛ فإنه قد خرج من الصلاة بالسلام، وقد ذهب إلى ذلك غير واحد من الأئمة المشهورين. قال مالكٌ، في المأموم: يسلم تسليمةً عن يمينه، وأخرى عن يساره، ثم يرد على الإمام. قال ابن عبد البر: تحصيل قول مالكٍ في ذلك: أن الإمام يسلم واحدةً تلقاء وجهه، ويتيامن بها قليلاً - وأن المصلي لنفسه –يعني: منفرداً –يسلم اثنين – في رواية ابن القاسم، وأن المأموم يسلم ثلاثا إن كان عن يساره أحد. واختلف قوله في موضع رد المأموم على الإمام: فمرةً قال: يسلم عن يمينه وعن يساره، ثم يرد على الإمام. ومرة قال: يرد على الإمام بعد أن يسلم عن يمينه، ثم يسلم عن يساره. وقد روى أهل المدينة عن مالك وبعض المصريين، أن الإمام والمنفرد سواءٌ، يسلم كل واحد منهما تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه، ويتيامن بها قليلاً. قال: وكان الليث بن سعد يبدأ بالرد على الإمام، ثم

стр. 3641

يسلم عن يمينه وعن يساره. ونقل أبو داود عن أحمد في الرد على الإمام قبل السلام، قال: لا. قيل له: فبعده؟ قال: نعم، وإن شاء نوى بالسلام الرد. قال: وما أعرف فيه حديثاً عالياً يعتمد عليه. قال القاضي أبو يعلى: زظاهر هذا: أنه مخير في الرد على الإمام بالنية في حال سلامه، أو بالقول بعده، فيقول: السلام عليك أيها القارئ. قال: ويسر به، ولا يجهر. نقل المروذي عن أحمد في الرجل يرد السلام على الإمام، فقال: إذا نوى بتسليمه الردَّ فقد ردَّ عليه، فإن فعل رجلٌ فليخفه. قال: ومعناه: إن ردَّ عليه بالقول فليخفه. وقال إسحاق: لا اختلاف بين أهل العلم في الرد على الإمام إذا سلم كما سلم، ولكن اختلفوا: هل يبدأ بالرد عليه قبل السلام، أم يرد عليه بعد السلام؟ قال: وأحب إلي أن يرد بعد السلام. قال واذا رفع صوته بالردَّ قدر ما يسمع الإمام والصف الذي يليه جاز، وإن أسره وأسمع أذنيه بالرد على الإمام أجزأه. وكل من قال: يرد على الإمام قال: يرد عليه بلفظ السلام من غير زيادة، إلا ما روي عن أبي هريرة، أنه يقال: السلام عليك أيها القارئ، كما سبق. واختلفوا في المأموم: هل ينوي بسلامه من الصلاة الرد على إمامه، أم لا؟ وفيه قولان:

стр. 3642

أحدهما: لا ينوي ذلك، ونص عليه أحمد في رواية مُهنا وغيره، وهو اختيار ابن حامدٍ من أصحابنا؛ لأن السلام ركن من أركان الصلاة، لا يخرج منها بدونه، على ما تقدم، والصلاة لا يردّ فيها السلام على أحدٍ، بل هو مبطلٌ للصلاة؛ لأنه خطاب آدمي، هذا مذهبنا، وقول جمهور العلماء. وعلى هذا: فهل تبطل صلاته بذلك؟ قالَ ابن حامد من أصحابنا: إن لم ينو سوى الرد بطلت صلاته، وإن نوى الردَّ والخروج من الصَّلاة ففي البطلان وجهان؛ لأنه لم يخلص النية لخطاب المخلوق، فأشبه ما لو قال لمن دق عليه الباب: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦] ينوي به القراءة والإذن له؛ فإن في بطلان الصَّلاة بذلك روايتين، أصحهما: لا تبطل. قالَ أحمد – في رواية جعفر بن محمدٍ -: السلام على الإمام لا نعرف لهُ موضعاً، وتسليم الإمام هوَ انقضاء الصَّلاة، ليس هوَ سلام على القوم، فيجب عليهم أن يردوا، ولكن ابن عمر شدد في هذا، يسلم الرجل وينوي به السلام من الصَّلاة والرد على الإمام، كأنه يقوله على وجه الإنكار لذلك. قيل له: أنهم يقولون: إن ردَّ السلام على الإمام واجبٌ. قال: أرجو أن لا يكون واجباً، وإن رد فلا بأس. والقول الثاني: أنه ينوي المأموم بسلامه الرد على إمامه، وهو قول عطاءٍ والنخعي وحماد والثوري، ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه. وهل هو مسنونٌ مستحبٌ، أو جائز؟ فيه روايتان –أيضاً - عن أحمد:

стр. 3643

قال – في رواية يعقوب بن بختان -: ينوي بسلامه الرد. وهو اختيار أبي حفصٍ العكبري. وقال – في رواية غيره -: لا بأس به. فظاهره: جوازه فقط، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره. وقال - في رواية ابن هانئ -: إذا نوى بتسليمه الردَّ على الإمام أجزأه. وظاهر هذا: أنه واجبٌ؛ لأنه رد سلامٍ، فيكون فرض كفاية، إلا أن يقال: إن المسلم في الصلاة لا يجب الرد عليه، أو يقال: أنه يجوز تأخير الرد إلى بعد السلام. ولكن إذا جوزنا تأخيره وجب أحد أمرين: إما أن ينوي الرد بالسلام، أو أن يرد بعد ذلك، وهو قول عطاءٍ كما تقدم. وتبويب البخاري قد يشعر بذلك؛ لقوله: ((واكتفى بتسليم الإمام)) ، ويحتمل أنه أراد أن تسليم الصلاة كافٍ عن الردَّ، وإن لم ينو به الردَّ، كما قاله أحمد في روايةٍ. وقال يحيى بن سعيدٍ الأنصاري: إذا سلمت عن يمينك أجزأك من الرد عليه. وكذا قال النخعي. ولم يشترطا أن ينوي بسلامه الردَّ. قال أبو حفصٍ العكبري: وينوي بالأولى الخروج من الصلاة، وبالثانية الرد على الإمام والحفظة.

стр. 3644

وممن رأى أن ينوي بسلامة الرد على الإمام: أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما. ثم قال أصحاب الشافعي: إن كان المأموم عن يمين الإمام نوى بتسليمه الأولى السلام على من عن يمينه من الملائكة والمسلمين من الإنس والجن، وينوي بالثانية ذلك مع الرد على إمامه، وإن كان المأموم عن يسار إمامه نواه في الأولى، وإن كان محاذياً له نواه في أيتهما شاء، والأولى افضل -: نص عليه الشافعي في ((الأم)) ، وينوي الإمام بسلامه من عن يمينه ويساره يمينه ويساره من الملائكة والمسلمين من المأمومين وغيرهم، وينوي بعض المأمومين الردَّ على من بعضٍ. قالوا: وكل هذه النيات مستحبةٌ، لا يجب منها شيءٌ. وقال أصحاب أبي حنيفة ينوي المصلي بكل تسليمةٍ من في تلك الجهة من الناس والحفظة. وهل يقدم الآدميين على الملائكة في النية؟ على روايتين عندهم: أحدهما: يقدم الملائكة؛ لأنهم عندهم أفضل. والثانية: يقدم الناس؛ لمشاهدتهم. ويدخل المأموم الإمام في الجهة التي هو فيها. فإن كان بحذائه أدخله في اليمين؛ لأنهما أفضل. وروى عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن حمادٍ، قال: إذا كان الإمام عن يمينك ثم سلمت عن يمينك، ونويت الإمام كفى ذلك، وإذا كان عن يسارك ثم سلمت عن يسارك ونويت الإمام كفى ذلك - أيضاً -، وإن كان بين يديك فسلم عليه في نفسك، ثم سلم عن يمينك وشمالك.

стр. 3645

وأما نية الخروج من الصلاة، فهل هي واجبةٌ، تبطل الصلاة بتركها، أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا، اختار ابن حامد وجوبها، واختار الأكثرون عدم الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد. وينوي الخروج بالأولى، سواءٌ قلنا: يخرج بها من الصلاة، أو قلنا: لا يخرج إلا بالثانية؛ لأن النية تستصحب إلى الثانية. ومن الأصحاب من قال: أن قلنا: الثانية سنةٌ نوى بالأولى الخروج، وإن قلنا: الثانية فرضٌ نوى الخروج بالثانية خاص. والصحيح: الأول. ولأصحاب الشافعي في وجوب نية الخروج بالسلام وبطلان الصلاة بتركها وجهان –أيضاً. ونص الشافعي على أن ينوي بالسلام الخروج. ولكن اختلفوا: هل هو محمولٌ على الاستحباب، أو الوجوب؟ وإنما ينوي الخروج عندهم بالأولى؛ لان الثانية ليست عندهم واجبةً بغير خلافٍ. واستدل من استحب أن ينوي بسلامه الحفظة والامام والمأمين بما خَّرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ ، فقلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ : ((علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيلٍ شمسٍ، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثميسلم على إخيه من على يمينه وشماله)) .
следующие страницы →