← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالكِ، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد ابن خالد الجهني، أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافرٌ)) - الحديث. وسيأتي بتمامه في ((الاستسقاء)) –إن شاء الله تعالى. والمقصود منه هاهنا: إقباله ﷺ بعد انصرافه من صلاة الصبح، والمعنى: بعد فراغه منها. الحديث الثالث: ٨٤٧ -

стр. 3677

ثنا عبد الله بن منيرٍ: سمع يزيد: أنا حميدٌ، عن أنسٍ، قال: أخر رسول الله ﷺ الصلاة ذات ليلةٍ إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلمَّا صلى أقبل علينا بوجهه، فقال: ((إن الناس قد صلوا ورقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة)) . قد تقدم في ((باب: وقت العشاء)) بسياق أتم من هذا. والمقصود منه هاهنا: إقباله ﷺ بوجهه بعد الصلاة. وخرّج مسلمٌ في ((صحيحه)) من حديث البراء بن عازبٍ، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه؛ ليقبل علينا بوجهه. قال: فسمعته يقول: ((رب قني عذابك يوم تبعث عبادك)) - وفيه: ذكر الدعاء بعد الصلاة –أيضاً. وخرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن الأسود، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ ، فكان إذا انصرف انحرف. وصححه الترمذي. وفي رواية بعضهم: فصلى، ثم انحرف. وروى عبد الله بن فروخٍ: أنا ابن جريج، عن عطاءٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليت مع أبي بكر، فكأن إذا سلم وثب مكانه، كانه يقوم على رضفٍ. خرّجه البيهقي. وقال: تفرد به عبد الله بن فروخ المصري، وله أفرادٌ، والله أعلم. قلت: وثقه قومٌ، وخرج له مسلمٌ في ((صحيحه)) ، وتكلم فيه آخرون.

стр. 3678

وقد رواه عبد الرزاق في ((كتابه)) عن ابن جريجٍ، قال: نبئت عن أنس بن مالكٍ - فذكر الحديث بتمامه. وهذا أصح. قال البيهقي: والمشهور: عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، قال: كان أبو بكرٍ الصديق إذا سلم قام كأنه جالسٌ على الرضف. قال: وروينا عن عليّ، أنه سلم ثم قام. ثم خرج بإسناده، عن خارجة بن زيدٍ، أنه كان يعيب على الأئمة جلوسهم بعد أن يسلموا، ويقول: السنة في ذلك أن يقوم الإمام ساعة يسلم. قال: وروينا عن الشعبي والنخعي، أنهما كرهاه. ويذكر عن عمر بن الخطاب. والله أعلم. وروى عبد الرزاق بإسنادٍ صحيحٍ، عن ابن عمر، قال: كان الإمام إذا سلم انكفت وانكفتنا معه. وعن ابن مسعودٍ، قال: إذا سلم الإمام فليقم، ولينحرف عن مجلسه. وعنه، أنه كان إذا سلم قام عن مجلسه أو انحرف. وممن روي عنه، أن الإمام ينحرف ويستقبل القوم بوجهه: علي بن

стр. 3679

أبي طالبٍ وطلحة والزبير. وقال النخعي: إذا سلم الإمام ثم استقبل القبلة فأحصبوه. وكره ذلك الثوري وأحمد وغيرهما من العلماء. ولم يرخص في إطالة استقبال الإمام القبلة بعد سلامه للذكر والدعاء إلا بعض المتأخرين ممن لا يعرف السنن والآثار، ومنهم من استحب في عقب صلاة الفجر أن يأتي بالتهليل عشرٌ مراتٍ. ذكره طائفةٌ من أصحابنا وغيرهم، لما روى شهر بن حوشبٍ، عن عبد الرحمن بن غنمٍ، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: ((من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثانٍ رجله قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيءٍ قديرٌ –عشرٌ مرات – كتب له عشرٌ حسناتٍ ومحي عنه عشرٌ سيئاتٍ، ورفع له عشرٌ درجاتٍ، وكان يومه ذلك في حرزٍ من كل مكروهٍ، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنبٍ أن يدركه في ذلك اليوم، إلا الشرك بالله)) . خَّرجه الترمذي بهذا اللفظ، وقال: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. وخَّرجه النسائي في ((اليوم والليلة)) بنحوه. وخَّرجه –أيضاً –من وجهٍ آخر من حديث شهرٍ، عن عبد الرحمن، عن معاذٍ بن جبلٍ، عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يذكر: ((وهو ثانٍ رجله)) ،

стр. 3680

إنما قال: ((قبل أن يتكلم)) ، وذكر في صلاة العصر مثل ذلك. وخرّجه الإمام أحمد من حديث شهرٍ، وعن ابن غنمٍ - مرسلاً، وعنده ((من قال من قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح)) –وذكر الحديث. وشهر بن حوشبٍ، مختلفٌ فيه، وهو كثير الاضطراب، وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث كما ترى. وقيل: عنه، عن ابن غنم عن أبي هريرة. وقيل: عن شهر، عن أبي أمامة. قال الدارقطني: الاضطراب فيه من قبل شهرٍ. وقد روي نحوه عن النبي ﷺ من وجوهٍ أخر، كلها ضعيفةٌ. وحكى بعض أصحاب سفيان الثوري، عنه، أنه قال: يستحب للإمام إذا صلى أن لا يجلس مستقبل القبلة، بل يتحول من مكانه أو ينحرف، إلا في العصر والفجر. ولم يأخذ الإمام أحمد بحديث أبي ذر، فإنه ذكر له هذا الحديث، فقال: أعجب إليّ أن لا يجلس، لأن النبي ﷺ كان إذا صلى الغداة أقبل عليهم بوجهه. يعني: أن هذا أصح من حديث شهر بن حوشبٍ هذا، مع أنه ليس في جميع رواياته: ((قبل أن يثنى رجله)) ، بل في بعضها. * * * ١٥٧ -

стр. 3681

باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام

стр. 3682

٨٤٨ - وقال لنا آدم: ثنا شعبة، عن أيوب، عن نافعٍ، قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة. وفعله القاسم. ويذكر عن أبي هريرة –رفعه -: ((لا يتطوع الإمام في مكانه)) . ولم يصح. هذا الذي ذكر أنه لا يصح، خَّرجه الإمام وأبو داود وابن ماجه من رواية ليث، عن حجاج بن عبيدٍ، عن إبراهيم ابن إسماعيل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر، أو عن يمينه أو شماله في الصلاة)) –يعني: في السبحة. وليس في هذا ذكر الإمام، كما أورده البخاري. وضعف إسناده من جهة ليث بن أبي سليمٍ، وفيه ضعفٌ مشهورٌ. ومن جهة إبراهيم بن إسماعيل، ويقال فيه: إسماعيل بن إبراهيم، وهو حجازي، روى عنه

стр. 3683

عمرو بن دينارٍ وغيره. قال أبو حاتمٍ الرازي: مجهولٌ. وكذا قال في حجاج بن عبيد، وقد اختلف في اسم أبيه. واختلف في إسناد الحديث على ليثٍ –أيضاً. وخرج أبو داود وابن ماجه –أيضاً - من حديث عطاءٍ الخراساني، عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يصلي الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه)) . وقال أبو داود: وعطاء الخراساني لم يدرك المغيرة. وقد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة، فأما قبلها فيجوز بالاتفاق -: قاله بعض أصحابنا: فكرهت طائفةٌ تطوعه في مكانه بعد صلاته، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالكٌ وأحمد وإسحاق. وروي عن علي –﵁، أنه كرهه. وقال النخعي: كانوا يكرهونه. ورخص فيه ابن عقيلٍ من أصحابنا، كما رجحه البخاري، ونقله عن ابن عمر والقاسم بن محمدٍ. فأما المروي عن ابن عمر، فإنه لم يفعله وهو إمامٌ، بل كان مأموماً، كذلك قال الإمام أحمد،.

стр. 3684

وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك، وهو قول مالكٍ وأحمد. وقد خرج أبو داود حديثاً يقتضي كراهته من حديث أبي رمثة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكرٍ وعمر يقومان فيالصف المقدم عن يمينه، وكان رجلٌ قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله ﷺ ، ثم سلم عن يمينه وعن يساره، حتى رأيت بياض خديه، ثم انفتل، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع، فوثب إليه عمر، فاخذ بمنكبيه فهزَّه، ثم قال: أجلس؛ فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فصل، فرفع النبي ﷺ بصره، فقال: ((أصاب الله بك يا بن الخطاب)) . وهذا الحديث يدل على كراهة أن يصل المكتوبة بالتطوع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم. ويدل عليه - أيضاً -: ما روى السائب بن يزيد، قال: صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلما سلم قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاةٍ حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، أن لا توصل صلاةٌ بصلاةٍ حتى نتكلم أو

стр. 3685

نخرج. خَّرجه مسلمٌ –بمعناه. وروى حربٌ بإسناده، عن عطاءٍ، أنه قال فيمن صلى المكتوبة: لا يصلي مكانه نافلةً إلا أن يقطع بحديثٍ، أو يتقدم أو يتأخر. وعن الأوزاعي، قال: إنما يجب ذلك على الإمام، أن يتحول من مصلاه. قيل له: فما يجزئ من ذلك؟ قال: أدناه أن يزيل قدميه من مكانه. قيل له: فإن ضاق مكانه؟ قال: فليتربع بعد سلامه؛ فإنه يجزئه. وروى – أيضاً -: بإسناده، عن ابن مسعودٍ، أنه كان إذا سلم قام وتحول من مكانه غير بعيدٍ. قال حربٌ: ثنا محمد بن آدم: ثنا أبو المليح الرقي، عن حبيبٍ، قال: كان ابن عمر يكره أن يصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة، حتى يتقدم أو يتأخر أو يتكلم. وهذه الرواية تخالف رواية نافع التي خرجها البخاري. وقد ذكر قتادة، عن ابن عمر، أنه رأى رجلاً صلى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة، فنهاه عنه، وقال: لا أراك تصلي في مقامك. قال

стр. 3686

سعيدٌ: فذكرته لابن المسيب، فقال: إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة. وعن عكرمة، قال: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحولٍ أو كلامٍ. خرَّجهما عبد الرزاق. ومذهب مالك: أنه يكره في الجمعة أن يتنفل في مكانه من المسجد، ولا ينتقل منه وإن كان مأموماً، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بكل حالٍ. وقد قال الشافعي في ((سنن حرملة)) : حديث السائب بن يزيد، عن معاوية في هذا ثابتٌ عندنا، وبه نأخذ. قال: وهذا مثل قوله لمن صلى وقد أقيمت الصلاة: ((أصلاتان معاً؟!)) كأنه أحب أن يفصلهما منها حتى

стр. 3687

تكون المكتوبات منفرداتٍ مع السلام بفصلٍ بعد السلام. وقدروي أن النبي ﷺ اضطجع بعد ركعتي الفجر. وروى الشافعي، عن ابن عيينة، عن عمروٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة، فأراد أن يتنفل بعدها أن لا يتنفل حتى يتكلم أو يتقدم. قال ابن عبد البر: هذا حديثٌ صحيحٌ. قال: وقال الشعبي: إذا صليت المكتوبة، ثم اردت أن تتطوع، فاخط خطوةً. وخالف ابن عمر ابن عباسٍ في هذا، وقال: وأي فصلٍ أفصل من السلام؟ وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا والشافعية: أن هذا كله خلاف الأولى من غير كراهةٍ فيه، وحديث معاوية يدل على الكراهة. قال البخاري –﵀ -

стр. 3688

٨٤٩ - حدثنا أبو الوليد: ثنا إبراهيم بن سعد: ثنا الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ كان إذا سلم

стр. 3689

مكث في مكانه يسيراً. قال ابن شهاب: فنرى –والله أعلم – لكي ينفذ من ينصرف من النساء.

стр. 3690

٨٥٠ - وقال ابن أبي مريم: أنا نافع بن يزيد: حدثني جعفر بن ربيعة، أن ابن شهاب كتب إليه، قال: حدثتني هند ابنت الحارث الفراسية، عن أن سلمة زوج النبي ﷺ وكانت من صواحباتها -، قالت: كان يسلم، فينصرف النساء فيدخلن في بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ . ثم ذكر رواياتٍ أخر عن الزهري، حاصلها يرجع إلى قولين في نسبة هند بنت الحارث: منهم من قال: ((الفراسية)) . ومنهم من قال: ((القرشية)) . وقيل: انها فراسيةٌ بالنسب، قرشية بالحلف، كانت تحت معبد بن المقداد بن الأسود. وفي الحديث: دليل على أن النبي ﷺ كان يمكث في المسجد بعد تسليمه من الصلاة يسيراً، وإنما كان يمكث بعد إقباله على الناس بوجهه، لا يمكث مستقبلاً للقبلة، وبهذا يجمع بين هذا الحديث والأحاديث المذكورة في الباب الماضي.

стр. 3691

ويدل على أنه كان يجلس قبل انصرافه يسيراً: ما خَّرجه مسلمٌ من حديث البراء بن عازبٍ، قال: رمقت الصلاة مع النبي ﷺ ، فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريباً من السواء. فهذا الحديث: صريحٌ في أنه كان يجلس بعد تسليمه قريباً من قدر ركوعه أو سجوده أو جلوسه بين السجدتين، ثم ينصرف بعد ذلك. وخرّج مسلمٌ –أيضاً –من حديث عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللهم، أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والاكرام)) . وقد سأل أبو داود الإمام أحمد عن تفسير حديث عائشة، وهل المعنى: أنه يجلس في مقعده حتى ينحرف؟ قال: لا أدري. فتوقف: هل المراد جلوسه مستقبل القبلة يسيراً؟ قال: وقال أبو يحيى الناقد: صليت خلف أبي عبد الله –يعني: أحمد -، فكان إذا سلم من الصلاة لبث هنيةً، ثم ينحرف. قال: فظننته يقول ما روي عن النبي ﷺ . فحكى القاضي في كراهة جلوس الإمام مستقبل القبلة بعد سلامه يسيراً روايتين عن أحمد. والمنصوص عن أحمد في تكبير أيام التشريق: أن

стр. 3692

الإمام يكبر مستقبل القبلة قبل أن ينحرف، وحكاه عن النخعي. قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفرٍ: والعمل على ذلك. وهذا يدل على أنه يستحب اليسير للإمام قبل انحرافه. ومن المتأخرين من أصحابنا من قال: إنما يكبر الإمام بعد استقباله للناس، واستدلوا فيه بحديثٍ مرفوعٍ، لا يصح إسناده. والمنقول عن السلف يدل على أن الإمام ينحرف عقب سلامه، ثم يجلس إن شاء. روى عبد الرزاق في ((كتابه)) عن معمرٍ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعودٍ، قال: إذا سلم الإمام فليقم ولينحرف عن مجلسه. قلت: يجزئه ينحرف عن مجلسه ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف يغرب أو يشرق، عن غير واحدٍ. وكان المسئول معمراً. والله أعلم. وروى –أيضاً - بإسناده، عن مجاهدٍ، قال: ليس من السنة أن يقعد حتى يقوم، ثم يقعد بعد إن شاء. وعن سعيد بن جبيرٍ، أنه كان يفعله. وعن عطاءٍ، قال: قد كان يجلس الإمام بعد ما يسلم –وأقول أنا: التسليم: الانصراف - قدر

стр. 3693

ما ينتعل نعليه. وعن عبيدة، أنه قال لما سمع مصعباً يكبر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة: ماله، قاتله الله، نعار بالبدع. ويستثنى من ذلك: الجلوس بعد الفجر، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسناً. ففي ((صحيح مسلم)) عن جابر بن سمرة، أن النبي ﷺ كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام. وروى وكيعٌ بإسناده، عن النخعي، أنه كان إذا سلم قام، إلا الفجر والعصر. فقيل له في ذلك؟ فقالَ: ليس بعدهما صلاة. قالَ أحمد –في الإمام إذا صلى يقوم الفجر أو العصر -: أعجب إلي أن ينحرف، ولا يقوم من موضعه. وكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس. فأما جلوسه بعد الظهر، فقال أحمد: لا يعجبني. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلامه: أنه يستحب بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها، ولا يستحب بعد غيرها. قال: وروى الخلالُ بإسناده، عن عابدٍ الطائيَّ، قال: كانوا يكر هونَ جلوسَ الإمام في مصلاهُ بعد صلاةٍ يصلي بعدها، فإذا كانت صلاةٌ لا يصلى بعدها فإن شاءَ قامَ، وإن شاءَ جلسَ.

стр. 3694

وحكي عن أصحاب الشافعيَّ: أن المستحب للإمامِ أن يقومَ ولا يجلسَ في كل الصلواتِ. وقد نصَّ الشافعيَّ في ((المختصر)) على أنه يستحبَُ للإمامِ أن يقومَ عقبَ سلامهِ إذا لم سكن خلفهَ نساءٌ. فأما المأموم فلا يكره له الجلوسُ بعدَ الصلا ة في مكانه، يذكرُ اللهَ، حصوصاً بعد الصبحِ والعصرِ، ولا نعلمُ في ذلك خلافاً. وقد صحَ الحديثُ في أن الملائكةَ تصليَّ على العبدِ ما دامَ في مصلاه، ما لم يحدثُ، وقد سبق ذكرهُ، ووردت أحاديثُ في الجلوسِ بعد الصبحِ والعصرِ، وكان السلفُ الصالحُ يحافظونَ عليه. ومتى أطال الإمامُ الجلوس في مصلاهُ، فإن للمأمومِ ان ينصرفَ ويتركه، وسواءٌ كان جلوسهُ مكروهاً أو غير مكروهٍ. قال ابنُ مسعودٍ: إذا فرغَ الإمامُ ولم يقم ولم ينحرفُ، وكانت لك حاجةٌ فاذهب ودعه، فقد تمتَّ صلاتك.

стр. 3695

خرجه عبد الرزاقِ. وذكر بإسناده عن عطاء، قال: كلامهُ بمنزلةِ قيامه، فإن تكلم فليقم المأمومُ إن شاءَ. وإن لم يطل الإمام الجلوس، فالسنة أن لا يقوم المأموم حتى يقوم الإمام، كذا قال الزهري والحسن وقتادة وغيرهم. وقال الزهري: إنما جعل الإمام ليؤتم به. يشير إلى أن مشروعية الاقتداء به لا تنقطع إلا بانصرافه. وفي ((صحيح مسلمٍ)) عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: ((أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف)) . وحديث أم سلمة المخرج في هذا الباب يدل عليه، فإن النبي ﷺ كان يجلس يسيراً حتى ينصرف النساء، فلا يختلط بهن الرجال، وهذا يدل على أن الرجال كانوا يجلسون معه، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه. وقد روي ذلك صريحاً في هذا الحديث: خَّرجه البخاري فيما بعد من رواية يونس، عن ابن شهاب، ولفظه: إن النساء كن إذا سلمن من الصلاة قمن وثبت رسول الله ﷺ ومن معه من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال.

стр. 3696

وفي هذا الحديث: دليل على أن النبي ﷺ لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاء عاما للمأمومين، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء، كما أمر بشهود النساء العيدين حتى الحيض، وقال: ((يشهدن الخير ودعوة المسلمين)) ، فلو كان عقبٌ الصلاة دعاء عام لشهده النساء مع الرجال –أيضاً. وقال الشافعي في ((الأم)) : فإن قام الإمام قبل ذلك، أو جلس أطول من ذلك، فلا شيء عليه. قال: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام أو معه أحب إلي. وظاهر كلام كثير من السلف: كراهة ذلك، كما تقدم. وفي ((تهذيب المدونة)) للمالكية، ولا يقيم الإمام في مصلاه إذا سلم، إلا أن يكون في سفرٍ أو فنائه، وإن شاء تنحى وأقام. * * * ١٥٨ -

стр. 3697

باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم

стр. 3698

٨٥١ - حدثنا محمد بن عبيد: ثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد: أخبرني ابن أبي مليكة، عن عقبة، قال: صليت وراء رسول الله ﷺ بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلي بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ((ذكرت شيئاً من تبرٍ عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته)) . فيه: دليل على أن الإسراع بالقيام عقب السلام من غير تمهلٍ لم يكن من عادة النبي ﷺ ، ولهذا تعجبوا من سرعته في هذه المرة، وعلم منهم ذلك، فلذلك أعلمهم بعذره. وفيخ: دليلٌ على أن التخطي للإمام لحاجةٍ جائزٌ، وإن كان بعد فراغه من الصلاة، كما له أن يتخطى الصفوف في حال دخوله –أيضاً -، وأما غيره، فيكره له ذلك. وظاهر كلام أحمد أنه يكره للإمام –أيضاً. قال إسحاق بن هانئٍ:

стр. 3699

سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلي بالقوم، فإذا فرغ من الصلاة خرج من بين رجلين، أفهو متخطً؟ قال: نعم، وأحب إلى أن يتنحى عن القبلة قليلاً حتى ينصرف النساء، فإن خرج مع الحائط فهذا ليس بمتخط. وظاهر هذا: كراهةٌ تخطيهم للإمام، وقد يكون مراده: إذا لم يكن له حاجة تدعوه إلى ذلك. والتبر: هو قطع الذهب قبل أن يضرب. والظاهر: أنه كان من مال الصدقة أو غيرها من الأموال التي يجب قسمتها على المساكين ونحوهم. وقد خَّرجه البخاري في موضعٍ آخر، وذكر فيه: أنه كان تبراً من الصدقة، وقال: ((كرهت أن أبيته، فقسمته)) . * * * ١٥٩ -

стр. 3700

باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال وكان أنسٌ ينفتل عن يمينه وعن يساره، ويعيب على من يتوخى –أو يعمد – الانفتال عن يمينه. الانفتال: هو الانحراف عن جهة القبلة إلى الجهة التي يجلس اليها الإمام بعد انحرافه، كما سبق ذكره. وحكمه: حكم الانصراف بالقيام نم محل الصلاة. وقد نص عليه إسحاق وغيره. وقد ذكر البخاري، عن أنسٍ، أنه كان ينفتل عن يمينه ويساره، ويعيب على من يتوخى الانفتال عن يمينه - يعني: يتحراه ويقصده. وفي ((مسند الإمام أحمد)) من رواية أبي الأوبر الحارثي، عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ ينفتل عن يمينه وشماله. وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت النبي ﷺ ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة.

стр. 3701

وفي رواية للإمام أحمد: ((ينصرف)) بدل: ((ينفتل)) . وخرج مسلمٌ في هذا الباب حديث البراء بن عازب، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه. وخرّجه من روايةٍ أخرى ليس فيها: ((ثم يقبل علينا بوجهه)) . ولكن روي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام. خرّجه الإسماعيلي في ((حديث مسعرٍ من جمعه)) ، ولفظه: كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله ﷺ ، لأنه كان يبدأ بالسلام عن يمينه. وفي رواية أخرى له: أنه كان يبدأ بمن علي يمينه، فيسلم عليه. قال أبو داود: كان أبو عبد الله –يعني: أحمد – ينحرف عن يمينه. قال ابن منصورٍ: كان أحمد يقعد ناحية اليسرى، ويتساند. قال القاضي أبو يعلى: وهما متفقان؛ لأنه إذا انحرف عن يمينه حصل جلوسه ناحية يساره. قال: وقال ابن أبي حاتمٍ: سمعت يقول: تدبرت الاحاديث التي رويت في إستقبال النبي ﷺ الناس بوجهه،

стр. 3702

فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت. وقال ابن بطة من أصحابنا: يجلس عن يسرة القبلة. ونقل حربٌ، عن إسحاق، أنه كان يخير في ذلك كالانصراف. وللشافعية وجهان: أحدهما: التخيير كقول إسحاق. والثاني: أن الانفتال عن يمينه أفضل. ثم لهم في كيفيته وجهان: أحدهما –وحكوه عن أبي حنيفة -: أنه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس، ويجلس على يمين المحراب. والثاني –وهو أصح عند البغوي وغيره -: بالعكس. واستدلوا له بحديث البراء بن عازبٍ الذي خَّرجه مسلمٌ. وأما الانصراف: فهو قيام المصلي وذهابه من موضع صلاته إلى حاجته، فيذهب حيث كانت حاجته، سواءٌ كانت من وجهة اليمين أو اليسار، ولا يستحب له أن يقصد جهة اليمين مع حاجته إلى غيرها، هذا قول جمهور العلماء، وروي عن علي وابن مسعود وابن عمر والنخعي وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق. وإنما كان أكثر انصراف النبي ﷺ عن يساره؛ لأن بيوته كانت من جهة اليسار.

стр. 3703

وقد خَّرجه الإمام أحمد مصرحاً بذلك من رواية ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن ابن مسعودٍ حدثه، أن النَّبيّ ﷺ كانَ عامةً ما ينصرف من الصَّلاة على يساره إلى الحجرات. فإن لم يكن له حاجةٌ في جهةٍ من الجهات، فقال الشافعي وكثيرٌ من أصحابنا: انصرافه إلى اليمين أفضل، فإن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في شأنه كله. وحمل بعضهم على ذلك حديث السدي، قال: سألت أنساً: كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري؟ فقال: أما أنا فأكثر ما رأيت النبي ﷺ ينصرف عن يمينه. خرّجه مسلمٌ. والسدي، هو: إسماعيل بن عبد الرحمن، وقد تكلم فيه غير واحدٍ، ووثقه أحمد وغيره. وعن يحيى فيه روايتان. ولم يخرج له البخاري، وأظنه ذكر هاهنا الأثر الذي علقه عن أنسٍ ليعلل به هذا الذي رواه عنه السدي. والله أعلم.

стр. 3704

وحكى ابن عبد البر، عن الحسن وطائفة من العلماء: أن الانصراف عن اليمين أفضل. وقد حكاه ابن عمر عن فلانٍ، وأنكره عليه، ولعله يريد به ابن عباسٍ –﵄. وسئل عطاءٌ: أيهما يستحب؟ قال: سواءٌ، ولم يفرق بين أن يكون له حاجة، أو لا. وخرّج الإمام أحمد والنسائي من حديث عائشة. أن النبي ﷺ كان ينصرف عن يمينه وشماله. وهو من رواية بقية، عن الزبيدي، أن مكحولاً حدثه، إن مسروق بن الاجدع حدثه، عن عائشة. وهذا إسنادٌ جيدٌ. لكن رواه عبد الله بن سالمٍ الحمصي –وهو ثقةٌ ثبتٌ -، عن الزبيدي، عن سليمان بن موسى، عن مكحولٍ بهذا الإسناد. قالَ الدارقطني: وقوله أشبه بالصواب.

стр. 3705

وسليمان بن موسى، مختلفٌ في أمره. وروى قبيصة بن الهلب، عن أبيه، قالَ: كانَ رسول الله ﷺ يؤمنا، فينصرف على جانبيه جميعاً، عن يمينه وشماله. خَّرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي. وقال: حديثٌ حسنٌ، وعليه العمل عندَ أهل العلم. قالَ وصح الأمران عن النَّبيّ ﷺ . * * * ١٦٠ -

стр. 3706

باب ما جاء في الثوم النئ والبصل والكراث وقول النبي ﷺ : ((من أكل الثوم والبصل، من الجوع أو غيره، فلا يقربن مسجدنا)) . خرّج فيه: عن ابن عمر، وجابر، وأنسٍ: فاما حديث ابن عمر: فقال: ٨٥٣ -

стр. 3707

ثنا مسددٌ: ثنا يحيى، عن عبيد الله: حدثني نافعٌ، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال – في غزوة خيبر -: ((من أكل من هذه الشجرة –يعني: الثوم – فلا يقربن مسجدنا)) . وخَّرجه مسلم، ولفظه: ((فلا يقربن المساجد)) . وهذا صريحٌ بعموم المساجد، والسياق يدل عليه؛ فإنه لم يكن بخيبر مسجد بني للنبي ﷺ ، إنما كان يصلي بالناس في موضع نزوله منها. وقد روي، أنه أتخذ بها مسجداً، والظاهر: أنه نصب احجاراً في مكان، فكان يصلي بالناس فيه، ثم قد نهى من أكل الثوم عن قربان موضع صلاتهم.

стр. 3708

يدل عليه: ما خَّرجه مسلمٌ من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: لم نعد أن فتحت خيبر، فوقعنا أصحاب رسول الله ﷺ في تلك البقلة الثوم، والناس جياعٌ، فاكلنا منها أكلاً شديداً، فوجد رسول الله ﷺ الريح، فقال: ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا في المسجد)) ، فقال الناس: حرمت، حرمت. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: ((يأيها الناس، إنه ليس بي تحريم ما أحل الله، ولكنها شجرةٌ أكره ريحها)) . وخرّج الإمام أحمد من حديث معقل بن يسار، قال: كنا مع النبي ﷺ في مسيرٍ له، فنزلنا في مكان كثير الثوم، وإن أناساً من المسلمين أصابوا منه، ثم جاءوا إلى المصلى يصلون مع النبي ﷺ ، فنهاهم عنها، صم جاءوا بعد ذلك إلى المصلى، فوجد ريحها منهم، فقال: ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا في مسجدنا)) . وأما حديث جابرٍ، فمن طريقين: أحدهما:

стр. 3709

٨٥٤ - حدثنا عبد الله بن محمد: ثنا أبو عاصمٍ: أنا ابن جريجٍ: أخبرني عطاءٌ، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : ((من أكل من هذه الشجرة –يريد: الثوم – فلا يغشانا في مساجدنا)) . قلت: ما يعنى به؟ قال: ما أراه يعني إلا نيئه. وقال مخلد بن يزيد، عن ابن جريجٍ: إلا نتنه.

стр. 3710

وهذه الرواية –أيضاً - صريحة بعموم المساجد، والمسئول والمجيب لعله عطاءٌ وفي أبي عاصم. ((نيئه)) ، بالهمز، ويقال بالتشديد بدون همزة، والمراد به: ما ليس بمطبوخٍ، فإنه قد ورد في المطبوخ رخصةٌ، لزوال بعض ريحه بالطبخ. وقد قال عمر –﵁ – في خطبته -: إنكم تأكلون شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد أمر به وأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخا. خَّرجه مسلمٌ. وخرّج أبو داود والنسائي من حديث معاوية بن قرة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهى عن هاتين الشجرتين، وقال: ((من أكلهما فلا يقربن مسجدنا)) وقال: ((إن كنتم لابد آكلوهما، فاميتوهما طبخاً)) . قال: يعني: البصل والثوم. وقال البخاري –فيما نقله عنه الترمذي في ((علله)) -: حديثٌ حسنٌ. وخرّج الطبراني معناه من حديث أنس، عن النبي ﷺ ، وقال فيه: ((فإن كنتم لابد آكلوهما فاقتلوهما بالنار قتلاً)) .

стр. 3711

وخرّج أبو داود من حديث علي، قال: نهي عن أكل الثوم، إلا مطبوخاً. خَّرجه الترمذي. ثم خَّرجه - موقوفاً - عن علي، أنه كره أكله إلا مطبوخاً. وخرّج ابن ماجه من حديث عقبة بن عامر، أن النبي ﷺ قال لأصحابه: ((لا تأكلوا البصل)) ، ثم قال كلمة خفية: ((النئ)) . وأما رواية مخلد بن يزيد الحراني، عن ابن جريج، التي ذكرها البخاري –تعليقاً -، فمعناها: نتن ريحه، ولأجلها كره دخول المسجد لآكله. وخرّج مسلم حديث جابر هذا من رواية يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، ولفظه: ((من أكل من هذه البقلة: الثوم)) –وقال مرةٍ -: ((من أكل من البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم)) . وخرّج معناه من حديث أبي الزبير، عن جابر –أيضاً. وخرّج مسلم –أيضاً - من حديث الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن

стр. 3712

مسجدنا، ولا يؤذينا بريح الثوم)) . فدل هذا الحديث – مع الذي قبله – على أن علة المنع من قربان المسجد تأذى من يشهده من المؤمنين والملائكة بالرائحة الكريهة. وفي عامة هذه الأحاديث: تسمية الثوم شجرةً. قال الخطابي: فيه أنه جعل الثوم من جملة الشجر، والعامة انما يسمون الشجر ما كان له ساق يحمل أغصانه دون غيره. وعند العرب: أن كل ما بقيت له أرومة في الأرض تخلف ما قطع فهو شجر، وما لا أرومة له فهو نجمٌ، فالقطن شجرٌ، يبقى في كثير من البلدان سنين، وكذلك الباذنجان، فأما اليقطين والريحان ونحوهما فليس بشجر، فلو حلف رجل على شيء من الأشجار فالاعتبار من جهة الاسم والحقيقة على له ذكرت، وفي العرف ما تعارفه الناس. انتهى. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٤٦] ، فلا يرد على ذكره؛ فإنها شجرة مقيدة بكونها من يقطين، وكلامه إنما هوَ في اطلاق اسم الشجر. وقد اختلف أصحابنا الفقهاء فيما يتكرر حمله من أصول الخضروات ونحوهما: هل هو ملتحق بالشجر، أو بالزرع؟ وفيه وجهان، ينبني

стр. 3713

عليهما مسائل متعددة، قد ذكرناها في ((كتاب القواعد في الفقه)) . الطريق الثاني:

стр. 3714

٨٥٥ - ثنا سعيد بن عفير: ثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب: زعم عطاء، أن جابر بن عبد الله زعم، أن النبي ﷺ قال: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا – أو قال: فلعتزل مسجدنا -، وليقعد في بيته)) . وأن النبي ﷺ أتى بقدر فيه خضروات من بقول، فوجد لها ريحا، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: ((قربوها)) –الي بعض أصحابه كان معه -، فلما رأه كره أكلها. قال: ((كل، فإني أناجي من لا تناجي)) . وقال أحمد بن صالح، عن ابن وهب: ((أُتي بِبَدرٍ)) . قال ابن وهب: يعني: طبقاً فيه خضرواتٌ. ولم يذكر الليث وأبو صفوان، عن يونس قصةَ القدرِ، فلا أدري: هو من قول الزهري، أو في الحديث؟ قالَ الخطابي: قول ابن شهاب: ((زعم عطاء، أن جابراً زعمَ)) ليس على معنى التهمة لهما، ولكن لما كان أمراً مختلفاً فيه حكىعنهم بالزعم، وقد يستعمل فيما يختلف فيه كما يستعمل فيما يرتاب به، ويقال: في قولِ فلانٍ مزاعمٌ، إذا لميكن موثوقاً به. وذكر: أن رواية ((القدر)) تصحيفٌ، إنما الصواب ((ببدرٍ)) وهو الطبق،

стр. 3715

كما قاله ابن وهب، وسمي بدراً لاستدارئه وحسن اتساقه، تشبيهاً بالقمر. قال: وإن لم يكن ((القدر)) تصحيفاً، فلعله كان مطبوخاً، ولذلك لم يكره أكله لأصحابه، ثم بين أن كراهته لا تبلغُ التحريمَ لقوله: ((أناجي من لا تناجي)) ، يريد: الملك. انتهى. وخرج ابن جرير الطبري بإسناد فيه ضعفٌ من حديث أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال –لما امتنعَ من أكل الطعام الذي أرسله إليه -: ((إن فيها هذه البقلةَ: الثومَ، وأنا رجلٌ أقربُ الناسَ وأناجيهم، فأكره أن يجدُوا مني ريحهُ، ولكن مُر أهلكَ أن يأكلوها)) . وهذه الرواية: تدلُ على أنه كره أكلها لكثرةِ مخالطتهِ للناس وتعليمهم القرآن والعلمَ، فيستفاد من ذلك: أن من كان على هذه الصفة، فإنه يكره ذلك من ذلك ما لا يكره لمن لم يكن مثلَ حاله. ولكن؛ روى مالكٌ، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، قالَ: كانَ رسول الله ﷺ لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث من أجل أن الملائكة تأتيه، مِن أجل أنه يكلم جبريل ﵇.
следующие страницы →