Полный текст (4 834 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
النبي ﷺ إلى هرقل: ((أما بعد؛ فاني ادعوك بدعاية الإسلام)) .
والمعنى في الفصل بأما بعد: الإشعار بأن الأمور كلها وان جلت وعظمت فهي تابعة لحمد الله والثناء عليهِ، فذاك هوَ المقصود بالاضافة، وجميع المهمات تبع له من أمور الدين والدنيا.
ولهذا قال النبي ﷺ : ((كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع)) ، وفي روايةٍ: ((أجذم)) .
خرّجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة.
وقد روي مرسلاً.
فالحمد لله متقدم على جميع الكلام، والكلام كله متأخر عنه وتبع له.
ولا يستثنى مما ذكرناه من الخطب إلا خطبة العيد، فقد قيل: إنها تستفتح
بالتكبير.
стр. 4027
وقد روى عن أبي موسى الأشعري، أنه استفتح خطبتي العيدين بالحمد، ثم كبر بعد الحمد. وهو الأظهر.
وكذا قيل في خطبة الاستسقاء.
ومن الناس من قال: تستفتح بالحمد –أيضاً.
وقد ذكر بعض ائمة الشافعية: أن الخطب كلها تستفتح بالحمد بغير خلافٍ، وإنما التكبير في العيد يكون قبل الخطبة، وليس منها، وإن ذلك نص الشافعي.
وكذا ذكر طائفةٌ من أصحابنا: أن ظاهر كلام أحمد أنه يكبر إذا جلس على المنبر قبل الخطبة، وأنه ليس من الخطبة، فإذا قام استفتح الخطبة بالحمد.
وذكروا: قولُ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: يكبر الإمام على المنبر يوم العيد قبل الخطبة تسعاً، وبعدها سبعاً.
فأما خطبة الجمعة، فلا خلاف أنها تستفتح بالحمد.
وخرّجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب أحمرت عيناه، وعلا
стр. 4028
صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: ((صبحكم ومساكم)) ، ويقول ((بعثت أنا والساعة
كهاتين)) ، ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: ((أما بعد؛ فإن خيرٌ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة
ضلالة)) ، ثم يقول: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي)) .
وفي روايةٍ له - أيضاً - بهذا الإسناد: كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته - ثم ساق الحديث بمثله.
وفي روايةٍ له – أيضاً -: كان النبي ﷺ يخطب الناس، يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: ((من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله)) –ثم ساق الحديث بمثل الرواية الأولى.
وقد أن النبي ﷺ يأمر بهذه الخطبة لكل من له حاجة، أن يبدأ بها قبل ذكر
حاجته، كما خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن مسعودٍ، قال: علمنا رسول الله ﷺ -
стр. 4029
خطبة الحاجة: ((إن الحمد لله نستعينه ونستغفرة، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله الا الله، واشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يا ايها الذين امنوا اتقوا الله الذي تساءلون به والارحام أن الله كان عليكم رقيبا﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
[آل عمران:١٠٢] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا﴾ - إلى قوله -: ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١٠٧] .
وهذا لفظ أبي داود.
وفي روايةٍ له: ((الحمد لله)) ، بغير ((إن)) ، وهي روايةٍ الأكثرين.
وفي روايةٍ له: ((في خطبة الحاجة في النكاح وغيره)) .
وعند ابن ماجه: ((الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفرة، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا)) –وذكر الحديث، وفيه: زيادة: ((وحده لا شريك
له)) .
وحسن الترمذي هذا الحديث، وصححه جماعة، منهم: ابن خراش وغيره.
وخرّج النسائي في ((اليوم والليلة)) من حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ ((فإن شئت أن تصل خطبتك بآيٍ من القرآن)) - فذكر آلايات الثلاث، ثم قال: ((أما بعد، ثم يتكلم بحاجته)) .
стр. 4030
وخرّجه أبو داود من وجه آخر، عن ابن مسعودٍ، عن النبي ﷺ ، أنه كان إذا تشهد قال: ((الحمد لله)) - فذكره كما تقدم، زاد فيه –بعد قوله: ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) -: ((أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً)) .
وروى أبو مالكٍ الأشجعي، عن نبيط بن شريط، أنه سمع النبي ﷺ يخطب عند الجمرة فقال: ((الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفرة، وأشهد أن لا إله الا الله، وان محمداً عبده ورسوله، واوصيكم بتقوى الله)) –وذكر الحديث.
وخرّج أبو داود في ((مراسليه)) من روايةٍ يونس، عن ابن شهاب، أنه سأله عن تشهد النبي ﷺ يوم الجمعة؟ فقالَ ابن شهاب: ((أن الحمد لله وحده واستعينه
واستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل لهُ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله فقد غوى، نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه، ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه، ويجتنب سخطه؛ فإنما نحن به وله)) .
وخرّجه في ((السنن)) مختصراً.
وخرّجه في ((المراسيل)) –أيضاً - من روايةٍ عقيل، عن ابن شهاب، قال: كان صدرخطبة رسول الله ﷺ : ((الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره)) – فذكره بمثله.
стр. 4031
ومن روايةٍ يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغنا عن رسول الله ﷺ ، أنه كان يقول إذا خطب: ((كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله فيعجله أحد، ولا يخف لامر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الناس أمراً، ويريد الله أمراً، ما شاء الله كان، ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله، لا يكون شيء إلا بإذن الله ) .
ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال: كان أكثر ما كان رسول الله … ﷺ يقول على المنبر: ((أتقوا الله وقولوا قولاً سديداً)) .
وفي خطب النبي ﷺ أحاديث أخر مرسلة، يطول ذكرها.
فظهر بهذا: أن خطبة النبي ﷺ كانت تشتمل على حمد الله والثناء عليه بما هو
أهله، وعلى الشهادة لله بالتوحيد، ولمحمد بالرسالة.
وقد خرّج أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ،
стр. 4032
أنه قال: ((كل خطبة ليس فيها تشهدٌ فهي كاليد الجذماء)) .
ورجاله ثقاتٌ.
وأنه ﷺ كان يعظ الناس ويذكرهم بالله وبوحدانيته، وتفرده بالربوبية والمشيئة، ويحثهم على تقواه وطاعته.
وكان - غالباً - يفصل بين التحميد وتوابعه من الشهادتين، وما بعد ذلك من الوعظ والأمر والنهي، بقوله: ((أما بعد)) .
وكان –أيضاً - يتلو من القرآن في خطبته.
وفي ((الصحيحين)) عن يعلى بن أمية، أنه سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر:
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف:٧٧] .
وفي ((صحيح مسلم)) ، أن النبي ﷺ كان يقرأ كل جمعةٍ على المنبر، إذا خطب الناس: ﴿ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ [ق:١] .
وفيه - أيضاً -، عن جابر بن سمرة، أن النبي ﷺ كانت له خطبتان، يجلس
بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس.
وخرّجه النسائي، ولفظه: ((كان النبي ﷺ يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، ويقرأ آيات، ويذكر الله)) .
وترجم عليه: ((القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها)) .
وخرّجه ابن ماجه، ولفظه: ((ثم يقوم فيقرأ آياتٍ)) .
فإن كان ذلك
стр. 4033
محفوظاً فهو صريح فيما بوب عليه النسائي.
وظاهر كلام الخرقي من أصحابنا يدل على مثله –أيضاً.
وفي القراءة في الخطبة أحاديث كثيرةٌ:
وروى ابن لهيعة: حدثني أبو صخر –وهو: حميد بن زياد -، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ لم يكن يدع قراءة سورة الأعراف في كل جمعةٍ.
خرّجه ابن عدي.
فإن كان هذا محفوظاً فلعله كان يواظب على ذلك؛ لما فيها من قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ?وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف:٢٠٤) فيكون مقصوده: الأمر بالاستماع والانصات للخطبة والموعظة.
وقد قال الإمام أحمد: أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة، وفي الخطبة.
وكان عثمان بن عفان يأمر في خطبته بالإنصات؛ ولهذا اعتاد الناس في هذه الأزمان أن يذكروا قبل الخطبة بين يدي الخطيب بصوت عال يسمع الناس حديث أبي هريرة في الأمر بالإنصاف، كما سيأتي ذكره –أن شاء الله .
стр. 4034
وكان مع ذلك مقتصداً في خطبته ولا يطيلها، بل كانت صلاته قصداً وخطبته قصداً.
خرّجه مسلم من حديث جابر بن سمرة.
وخَّرج –أيضاً - من حديث عمار، عن ﴿النبي ﷺ : قال﴾ : ((أن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة؛ فإن من البيان سحراً)) .
ولم ينقل عنه ﷺ أنه كان يصلي على نفسه في الخطبة، بل كان يشهد لنفسه بالعبودية والرسالة؛ ولكن روي عنه الأمر بالإكثار من الصلاة عليه في يوم الجمعة وليلة الجمعة، وان الصلاة عليه معروضة عليه.
стр. 4035
وقد روي في حديث مرسل، رواه ابن إسحاق، عن المغيرة بن عثمان بن محمد بن الاخنس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بالمدينة، أن قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد، ايها الناس، فقدموا لأنفسكم، تعلمن والله، ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه، ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه –ليس له ترجمانٌ، ولا حاجب يحجبه دونه -: ألم يأتك رسولي، فيبلغك، وآتيتك مالاً، وأفضلت، فما قدمت لنفسك؟ فينظر يميناً وشمالا، فلا يرى شيئاً، ثم ينظر قدامه، فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يفعل فبكلمة طيبة؟ فإن بها تجزئ الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام على رسول الله ورحمته وبركاته)) .
فالصلاة والسلام عليه في الخطبة يوم الجمعة حسنٌ متأكد الاستحباب، لكن لا يظهر أنه تبطل الخطبة بتركه، بل الواجب الشهادتان مع الحمد والموعظة.
стр. 4036
وأما القراءة، فالأكثرون على وجوبها في الخطبة، وهو المشهور عن أحمد. وحكي عنه روايةٍ، أنها مستحبةٌ غير واجبةٍ.
واكثر أصحابنا على ايجاب الصلاة علىالنبي ﷺ ، ومنهم من قال: الواجب الشهادة له بالرسالة والعبودية.
وفي وجوب ذلك كله –في كل واحدة من الخطبتين - نظر، والأشهر عند أصحابنا: وجوبه.
وظاهر كلام الخرقي: أن الموعظة تكون في الخطبة الثانية.
ولأصحابنا وجه في القراءة، أنها تجب في احدى الخطبتين.
والمنصوص عن أحمد: ما نقله عنه محمد بن الحكم، وقد سأله عن الرجل يخطب يوم الجمعة، فيكبر، ويصلي على النبي ﷺ ، ويحمد الله، تكون خطبةً؟ وقلت له: إن أصحاب ابن مسعودٍ يقولون: إذا كبر، وصلى ﴿على﴾ النبي ﷺ ، وحمد الله، تكون خطبةً؟ قال: لا تكون خطبةً، إلا كما خطب النبي ﷺ ، أو خطبةً تامةً.
وهذا يدل على أنه لا بد من ذلك من موعظةٍ.
وقد صرح به في روايةٍ حنبل، فقال: كان النبي ﷺ إذا خطب وعظ فأنذر وحذر الناس.
فهذا تفسير قوله: لا تكون خطبةً إلا كما خطب النبي ﷺ .
ومذهب الشافعي وأصحابه: لا يصح
стр. 4037
٣٥ - باب
الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة
стр. 4038
٩٣٣ - حدثنا إبراهيم بن المنذر: ثنا الوليد: ثنا أبو عمرو: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالكٍ، قال: اصابت الناس سنةٌ على عهد النبي ﷺ ، فبينا ﷺ يخطب في يوم جمعةٍ قام أعرابيٌ، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه - وما نرى في السماء قزعة - ـ، فوالذي نفسي بيده، ما وضعها حتى ثار السحاب امثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ ، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى. وقام ذلك الأعرابي –أو قال: غيره -، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: ((اللهم، حوالينا، ولا علينا)) . فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب الا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي –قناة - شهراً، ولم يجئ احد من ناحية الا حدث بالجود)) ﴾ .
باهرة من آيات النبوة ومعجزاتها.
و ((لجوبة)) –بفتح الجيم -: الفجوة بين البيوت، والفجوة متسع في الارض –وغيرها –فارغ.
وقال الخطابي: المراد بالجوبة: الترس. قال: وفي حديث أخر: ((فبقيت المدينة كالترس)) ، والمراد: أنها بقيت في استدارتها غير ممطورةٍ.
ورواه بعضهم: ((الجونة) - بالنون -، وهو تصحيفٌ.
والمراد: أن السحاب انكشط عن المدينة وبقي على ما حولها.
وهذا يدل على أن القائم إليه في الجمعة الثانية كان من أهل المدينة، وأنه شكا ضررهم؛ ولذلك لم يدع برفع المطر عن غيرهم.
و ((قناة)) : اسم وادٍ بالمدينة، تجري عند السيول و ((الجود)) –بفتح الجيم -: المطر العظيم.
стр. 4039
٣٦ - باب
الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب
وإذا قال لصاحبه: ((أنصت)) ، فقد لغا
وقال سلمان، عن النبي ﷺ : ((وينصت إذا تكلم الإمام)) .
حديث سلمان، خرّجه البخاري فيما تقدم في موضعين.
стр. 4040
٩٣٤ - حدثنا يحيى بن بكير: نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني سعيدٍ بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: انصت –والإمام يخطب –فقد لغوت)) .
حدثنا عبد الله بن يوسف: أنا مالكٍ، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله … ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت، فقد لغوت)) .
هذا الحديث الثاني، يوجد في بعض روايات هذا الكتاب، ولا يوجد في أكثرها.
الفضل في الجمعة، وحصول التكفير بها مشروط بشروط،
стр. 4041
منها: أن يدنو من الإمام، ويستمع وينصت، ولا يلغو.
وقد ورد ذلك في أحاديث متعددة، قد ذكرنا بعضها فيما تقدم.
و ((اللغو)) : هو الكلام الباطل المهدر، الذي لا فائدة فيه.
ومنه: لغو اليمين، وهو مالا يعبأ به ولا ينعقد.
ومنه: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاما﴾ (الفرقان:٧٢) ، وقوله ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً?﴾ (النبأ:٣٥) .
وقد جعل النبي ﷺ في هذ الحديث الأمر بالإنصات في حال الخطبة لغواً، وإن كان أمر بمعروف ونهيا عن منكرٍ، فدل على أن كل كلام يشغل عن الاستماع والإنصات فهو في حكم اللغو، وإنما يسكت المتكلم بالإشارة.
وكان ابن عمر يشير اليه، وتارة يحصبه بالحصى.
وكره علقمة رميه بالحصى.
ولا خلاف في جواز الإشارة اليه بين العلماء، الا ما حكي عن طاوس وحده، ولا يصح؛ لأن الإشارة في الصلاة جائزةٌ، ففي حال الخطبة اولى.
стр. 4042
وروى أنس، أن رجلاً دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأشار الناس اليه أن اسكت، فساله ثلاث مراتٍ، كل ذلك يشيرون اليه أن اسكت، فقال له رسول الله … ﷺ : ((ويحك، ما أعددت لها)) –وذكر الحديث.
خرّجه البيهقي وغيره.
ولا يستثنى من ذلك إلا ما لابد منه، مما يجوز قطع الصلاة لأجله، كتحذير الأعمى من الوقوع في بئر ونحوه.
فأما رد السلام وتشميت العاطس، ففيه اختلاف سبقت الإشارة اليه، وكذلك حكم كلام الإمام ومن يكلمه لمصلحةٍ.
وأجمع العلماء على أن الأفضل لمن سمع خطبةً الإمام أن ينصت ويستمع، وانه افضل ممن يشتغل عن ذلك بذكر الله في نفسه، أو تلاوة قرآن أو دعاءٍ.
قال عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ، قلت لعطاء: أسبح في يوم الجمعة واهلل، وأنا اعقل الخطيب. قال: لا، إلا الشيء اليسير، واجعله بينك وبين نفسك.
وروى بإسناده، عن طاوسٍ، قال: إذا كان الإمام على المنبر فلا يدع احد بشيء، ولا يذكر الله، إلا أن يذكر الإمام.
стр. 4043
وقول مالكٍ كقول عطاءٍ -: ذكره في ((تهذيب المدونة)) .
وروى حرب بإسناده، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: سألت علقمة: متى يكره الكلام يوم الجمعة؟ قال: إذا خَّرج الإمام، وإذا خطب الإمام. قلت: فكيف ترى في رجل يقرأ في نفسه؟ قال: لعل ذلك لا يضره، أن شاء الله.
قال سفيان: ذاك إذا لم يسمع الخطبة.
وروي عن سعيدٍ بن جبير والنخعي: الرخصة في القراءة والإمام يخطب.
ولعله إذا لم يسمع الخطبة أو إذا تكلم الإمام بما لا يجوز استماعه.
وكره الأوزاعي لمن سمع الخطبة أن يتشهد، وقال: قد جهل، ولم تذهب جمعته.
واختلفوا: في الإمام إذا صلى على النبي ﷺ يوم الجمعة: هل يوافقه المأموم؟
فقالت طائفةٌ: يصلي المأموم على النبي ﷺ في نفسه، وهو قولُ مالكٍ وأبي يوسف وأحمد وإسحاق.
واستدلوا: بأن الصلاة على النبي ﷺ خصوصاً يوم الجمعة متأكدة الاستحباب، ومختلف في وجوبها كلما ذكر، فيشرع الاتيان بها في حال الخطبة عند ذكره، لأن سببها
стр. 4044
موجود، فهو كالتأمين على دعاء الإمام، وأولى.
وقال بعض الشافعية: إذا قرأ الإمام: ﴿إِنَّ اللَّهَ?وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ﴾ (الأحزاب:٥٦) –الآية، جاز للمأموم أن يصلي على النبي ﷺ ، ويرفع بها صوته.
وقالت طائفةٌ: بل ينصت، وهو قولُ سفيان وأبي حنيفة ومحمد والليث بن سعدٍ ومالك –في روايةٍ – والشافعي.
وقال الأوزاعي: ينبغي للإمام إذا صلى على النبي ﷺ يوم الجمعة أن يسكت حتى يصلي الناس، فإن لم يسكت فأنصت، وأمن على دعائه.
واختلفوا فيمن لم يسمع الخطبة لبعده: هل يذكر الله ويقرأ القرآن في نفسه، أو ينصت؟ على قولين:
أحدهما: يذكر الله في نفسه ويقرأ، وهو قولُ علقمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق.
وقولهم هذا شبه قول الأكثرين في قراءة المأموم إذا لم يسمع قراءته.
والثاني: أنه ينصت ولا يتكلم بشيء، وهو قولُ الزهري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة.
واستدلوا: بقول عثمان: إن للمنصت
стр. 4045
الذي لا يسمع مثل ما للسامع المنصت.
خرّجه مالكٌ في ((الموطإ)) .
وقالت طائفةٌ: من لا يسمع لا إنصات عليه، بل يباح له الكلام، وهو قولُ عروة بن الزبير، وطائفة من أصحاب الشافعي.
وأومأ إليه أحمد، فإنه قال: يشرب الماء إذا لم يسمع الخطبة.
واختاره القاضي أبو يعلى من أصحابنا.
وقال ابن عقيل منهم: له أن يقرئ القرآن، ويذاكر بالعلم.
وهو بعيدٌ؛ فإن رفع الصوت ربما منع من أقرب منه إلى الإمام ممن يسمع من السماع، بخلاف الذكر في نفسه والقراءة.
واختلفوا: هل انصات من سمع الخطبة واجبٌ، وكلامه في تلك الحال محرم، أو هو مكروه فقط، فلا يأثم به؟ على قولين:
أحدهما: أنه محرم، وهو قول الأكثرين، منهم: الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي –في القديم – وأحمد –في المشهور عنه.
والمنقول عن أكثر السلف يشهد له.
وقال عطاءٌ ومجاهد: الانصات يوم الجمعة واجبٌ.
وقد أمر ابن مسعودٍ بقرع رأس المتكلم بالعصى، وكان ابن عمر يحصبه
بالحصباء.
وروي عنه، أنه قال: المتكلم لا
стр. 4046
جمعةٍ له، ولمن أجابه: أنت حمارٌ.
وقال ابن مسعودٍ وغيره لمن تكلم في جمعةٍ: هذا حظك من صلاتك.
ويدل على تحريمه: قولُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] ، وقد تقدم قولُ الإمام أحمد: اجمعوا أنها نزلت في الصلاة والخطبة.
ولأن الخطبة وجبت في الجمعة تذكيراً للناس وموعظةً لهم، فاذا لم يجب استماعها لم تبق فائدة في وجوبها في نفسها؛ فإن إيجاب المتكلم بما لا يجب استماعه يصير لغواً لا فائدة له.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ ، قال: ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت، لا جمعةٍ له)) .
وإنما شبهه بالحمار يحمل أسفاراً، لأن الحمار لا ينتفع من حمله الأسفار بشيء، فكذلك من لم يستمع الإمام يوم الجمعة.
وهذا المثل ضربه الله لليهود الذين لم ينتفعوا بشيء من علمهم، وليس لنا مثل بالسوء، ولا التشبه بمن ذمه الله من أهل الكتاب قبلنا، فيما ذموا عليه.
وخَّرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث علي، عن النبي ﷺ ،
стр. 4047
قال: ((من دنا من الإمام فلغا، ولم يستمع ولم ينصت، كان له كفل من الوزر، ومن قال له: مه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعةٍ له)) .
والقول الثاني: أنه مكروه غير محرم، وهو قولُ الشافعي –الجديد – وحكي روايةً عن أحمد.
واختلف من قال بتحريمه: هل تبطل به الجمعة؟
واختلف من قال بتحريمه: هل تبطل به الجمعة؟
فحكي عن طائفةٌ أنه تبطل به الجمعة.
قال عطاءٌ الخراساني وعكرمة: من لغا فلا جمعةٍ له.
وقال الأوزاعي: من تكلم عمداً صارت جمعته ظهراً، ومن تكلم ساهياً لم يتره الله فضلها، إن شاء الله تعالى.
وزعم بعضهم أن قولُ الأوزاعي هذا يخالف الإجماع، وليس كذلك، ولم يرد الأوزاعي أنه يصلي ظهراً، إنما أراد أن ثواب جمعته يفوته، ويبقى له فضل صلاة الظهر، وتبرأ ذمته منها.
وكذلك قال فيمن قال كتاباً والإمام يخطب، قال: ذاك حظه من جمعته، ولم يامره باعادة الصلاة. وكذلك قال فيمن شرب الماء والإمام يخطب.
وقد روي في احاديث متعددةٍ مرسلةٍ، وبعضها متصلة الأسانيد، وفيها ضعف، أن من لغا لا جمعةٍ له، وأن ذلك حظه منها.
والمراد: أنه
стр. 4048
يفوته ثواب الجمعة، وبذلك فسره عطاءٍ وابن وهبٍ –صاحب
مالكٍ.
وقال إسحاق: يخشى عليه فوات الأجر.
قال عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: يقال: من تكلم فكلامه حظه من الجمعة –يقول: من أجر الجمعة، فأما أن يوفي أربعاً، فلا.
وقال –أيضاً -: قلت لعطاء: هل تعلم شيئاً يقطع جمعةٍ الإنسان، حتى يجب أن يصلي أربعاً، من كلام أو تخطي رقاب الناس، أو شيء غير ذلك؟ قال: لا.
وكذا قال الحسن والزهري، فيمن تكلم والإمام يخطب: يصلي ركعتين.
وقال الثوري: يستغفر الله، ويصلي.
ولا يصح عن أحدٍ خلاف ذلك. والله أعلم.
واختلفوا: متى يجب الإنصات يوم الجمعة؟
فقال الجمهور: بشروع الإمام في الخطبة، وهو المروي عن عمر بن الخطاب –﵁، وكانوا يفعلونه في زمانه، وروي عن سعدٍ بن أبي وقاص وابن عباسٍ.
وقالت طائفةٌ: ينقطع بخروج الإمام، وإن لم يتكلم، كما تنتطع الصلاة
بخروجه، وهو قولُ طائفةٌ من الكوفيين، منهم: الحكم، وحكي عن أبي حنيفة، وروي عن ابن عمر وابن عباسٍ.
стр. 4049
وقد خرّج البخاري حديث سلمان الفارسي في الانصات بلفظين: في أحدهما: ذكر خروج الإمام، وفي الآخر: ذكر كلامه.
فمن الناس من قال: رواية الخروج مطلقة، تحتمل حالة الكلام وغيرها، ورواية الكلام مقيدة فتقضي على المطلقة.
ومنهم من قال: إن الرواية المطلقة إنما دلت على اثبات فضل ترك الكلام
بالخروج، لا على منعه وتحريمه.
واستحب عطاءٌ: أن يتكلم من حضر الجمعة قبل أن يخطب الإمام.
وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: قال: إذا خرج الإمام يوم الجمعة فافصل بكلام قبل أن يخطب. قلت: سلم الإمام، فرددت عليه أيكون ذلك فصلا؟ قال: إني أحب أن تزيد –أيضاً - بكلام، السلام في القرآن.
يعني: أن السلام لا يكفي في الفصل؛ لأنه مما في القرآن، والمقصود: الفصل بكلام من كلام الآدميين.
وهذا قولُ غريبٌ.
واختلفوا: إلى أي وقتٍ ينتهي النهي عن الكلام؟
فقال الجمهور: ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين، ويجوز الكلام مع نزوله، وبين الصلاة والخطبة.
стр. 4050
وقالت طائفةٌ: ينتهي النهي إلى الدخول في الصلاة.
وقد سبق ذكر ذلك عند ذكر الكلام بين الإقامة والصلاة بما يغني عن إعادته
هاهنا.
واتفقوا على أن النهي عن الكلام يستمر ما دام يتكلم بما يشرع التكلم به في الخطبة، من حمد الله والثناء، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وقراءة القرآن، والموعظة وغير ذلك.
وحكى ابن عبد البر عن طائفةٌ، منهم: الشعبي وأبو بردة، أنه لا ينهى عن الكلام إلاّ في حال قراءة القرآن خاصةً، ويجوز في غيرها.
وهذا لا يصح عنهم، وسنذكر وجه ما روي عنهم فيما بعد –أن شاء الله تعالى.
ولو شرع الإمام في خطبته في كلامٍ مباحٍ أو مستحب كالدعاء، فإنه يستمع له وينصت، وهذا قولُ جمهور العلماء، منهم: عطاءٌ وغيره.
ولأصحابنا ثلاثة أوجهٍ: أحدها: تحريم الكلام في الحالين. والثاني: لا يحرم. والثالث: أن كان مستحباً كالدعاء حرم الكلام معه، وإن كان مباحاً لم يحرم.
فأما أن تكلم بكلام محرم، كبدعةٍ أو كسب السلف، كما كان يفعله بنو أمية، سوى عمر بن عبد العزيز –رحمة الله عليه -، فقالت طائفةٌ: يلحق بالخطب وينصت لهُ، روي عن عمرو بن مرة وقتادة.
стр. 4051
والأكثرون على خلاف ذلك، منهم: الشعبي وسعيد بن جبيرٍ وأبو بردة وعطاءٌ والنخعي والزهري وعروة والليث ابن سعدٍ.
وهو الصحيح؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] الآية، وما كانَ محرماً حرم استماعه والانصات إليه، ووجب التشاغل عنه كسماع الغناء والآت اللهو، ونحو ذلك.
ولعل قول عمرو بن مرة وقتادة في كلامٍ مباحٍ لا في محرمٍ.
وفي بطلان الخطبة بالكلام المحرم قبل فراغ أركان الخطبة وجهان لأصحابنا، كالوجهين لهم في بطلان الأذان بالكلام المحرم في أثنائه.
وفي جواز الكلام في جلوس الإمام بين الخطبتين وجهان لأصحابنا والشافعية، ومنعه أصحاب مالكٍ.
وهذا كله في حق الجالس في المسجد من حين خروج الإمام، فأما من دخل المسجد في حال الخطبة، فقال طائفةٌ: إنما يمتنع عليه الكلام إذا جلس وأخذ مجلسه، وما دام يمشي فله أن يتكلم ويكلم من معه، وهذا قولُ الزهري وقتادة والثوري والشافعي.
وعموم قوله: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت - والإمام يخطب – فقد لغوت)) ، ويشمل القائم والقاعد والماشي.
* * *
٣٧ -
стр. 4052
باب
الساعة التي في يوم الجمعة
стр. 4053
٩٣٥ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالكٍ عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: ((فيه ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، وهو قائمٌ يصلي يسال الله شيئاً، إلا أعطاه إياه)) - وأشار بيده يقللها.
وخرّجه في ((كتاب الطلاق)) في ((باب: الإشارة في الطلاق وغيره)) من طريق آخر، فقال:
نا مسددٌ: نا بشر بن المفضل: نا سلمة بن علقمة، عن محمد
стр. 4054
بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((في الجمعة ساعةٌ، لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، قائمٌ يصلي، يسأل الله خيراً، إلا أعطاه)) –وقال بيده، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر، قلنا: يزهدها.
وخرّجه في ((الدعوات)) - أيضاً - من روايةٍ أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة – بمعناه، وقال فيه: وقال بيده. قلنا: يقللها، يزهدها.
قوله: ((في الجمعة)) - وفي الرواية الأخرى: ((في يوم الجمعة –ساعةٌ)) .
يقتضي أنها في كل يوم جمعةٍ: وهذا قولُ جمهور العلماء.
وقد تنازع في ذلك أبو هريرة وكعب، فقال: أبو هريرة في كل يوم جمعةٍ.
وقال كعبٌ: في السنة مرةً، ثم رجع كعب إلى قولُ أبي هريرة، ثم ذكر أبو هريرة لعبد الله بن سلامٍ ما قاله كعبٌ أولاً، فكذبه فقال له: إنه رجع عنه.
وقد زعم قوم أن ساعة الإجابة في الجمعة رفعت.
فروى عبد الرزاق في ((كتابه)) بإسناده، أن أبا هريرة قيل له: زعموا أن ليلة القدر رفعت. قال: كذب من قال ذلك. قيل له: فهي في كل رمضان نستقبله؟ قال: نعم. فقيل له: إنهم زعموا أن الساعة في يوم الجمعة التي لا يدعو فيها مسلم إلا استجيب له رفعت. قال: كذب من قال ذلك. قيل له: هي في كل جمعةٍ نستقبلها؟ قال: نعم.
стр. 4055
وقوله: ((ساعةٌ)) يحتمل أنه أراد بها الساعة الزمنية من ساعات النهار.
زقال عبد الله بن سلامٍ: النهار اثنا عشرة ساعةً، والساعة التي تذكر من يوم الجمعة آخر ساعات النهار.
خرّجه عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ: حدثني موسى بن عقبة، أنه سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع عبد الله بن سلام يقوله.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ.
وقد رواه الجلاح أبو كثيرٍ، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي ﷺ بمعناه.
خرّجه أبو داود والنسائي.
وعندي: أن روايةٍ موسى بن عقبة الموقوفة أصح.
ويعضده: أن جماعةً رووه، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام، ومنهم من قال: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلامٍ، كما سياتي.
وظاهر هذا: أنها جزء من اثني عشر جزء من النهار، فلا تختلف بطول النهار وقصره، ولكن الإشارة إلى تقليلها يدل على أنها ليست ساعةً زمانيةً، بل هي عبارة عن زمن يسيرٍ.
стр. 4056
وقوله –في الرواية الأخرى -: ((يزهدها)) ، معناه: يقللها –أيضاً -، ومنه الزهد في الدنيا، وهو احتقارها وتقليلها وتحقيرها، هو من اعمال القلوب، لا من أعمال الجوارح.
وقد روي حديث يدل على أنها بعض ساعةٍ:
فروى الضحاك بن عثمان، عن سالمٍ أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلامٍ، قال: قلت –ورسول الله ﷺ جالسٌ -: إنا لنجد في كتاب الله: في يوم الجمعة ساعة، لا يوافقها عبد مؤمن يصلي، يسأل الله شيئاً، إلا قضى له حاجته. قال عبد الله: فاشار الي رسول الله ﷺ : ((أو بعض ساعة)) . قلت: صدقت ((أو بعض ساعة)) . قلت: أي ساعة هي؟ قال: ((آخر ساعة من ساعات النهار)) . قلت: إنها ليست ساعة صلاةٍ؟ قال: ((بلى، أن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس، لا يجلسه إلا الصلاة، فهو في صلاة)) .
خرّجه الإمام أحمد وابن ماجه، وهذا لفظه.
ورواته كلهم ثقات؛ لكن له علةٌ مؤثرةٌ، وهي أن الحفاظ المتقنين رووا هذا الحديث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، في ذكر ساعة الإجابة، وعن عبد الله بن سلامٍ في تعيينها بعد العصر.
كذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
خرّجه من طريقه مالكٍ في ((الموطإ)) ، وأحمد وأبو داود والترمذي، وصححه.
وذكر فيه: ((خيرٌ
стр. 4057
يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه ساعة الإجابة)) ورفع ذلك كله.
ثم ذكر أبو هريرة، عن عبد الله بن سلامٍ، أنه قال له: هي بعد، وأنه ناظره في الصلاة فيها.
وكذا رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مختصراً.
ورواه سعيدٍ بن الحارث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة –مرفوعاً.
وفي روايةٍ عنه بالشك في رفعه في ساعة الإجابة، وجعل ذكر تعيينها من روايةٍ أبي سلمة، عن عبد الله بن سلامٍ.
وكذا رواه معمرٌ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة.
ورواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فجعل الحديث كله عن كعب في: ((خيرٌ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة)) .
لم يرفع منه شيئاً، وقال: لم اسمعه من النبي ﷺ ، حدثني به كعبٌ.
ورواه حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن كعب، قال: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم جمعةٍ، فيه خلق الله آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة.
стр. 4058
ورواه معاوية بن سلامٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة –موقوفاً.
ورواه محمد بن كثير، عن الأوزاعي، فرفعه.
ورفعه خطأٌ.
ورجح هذه الرواية أبو زرعة الدمشقي.
ويعضده –أيضاً -: روايةٍ حماد بن سلمة، عن قيس بن سعدٍ، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فرفع منه ذكر ساعة الإجابة، وجعل باقي الحديث في فضل يوم الجمعة، وما فيه من الخصال، وتعيين ساعة الإجابة كله من قولُ كعب.
ولعل هذا هو الأشبه.
وقد سبق أن موسى بن عقبة روى عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلامٍ قوله في تعيين ساعة الإجابة –أيضاً.
وخَّرج الإمام أحمد من روايةٍ فليح بن سليمان، عن سعيدٍ بن الحارث، عن أبي سلمة، أنه سمع أبا هريرة يحدث، عن النبي ﷺ في ساعة الإجابة.
قال: فلما توفي أبو هريرة قلت: لو جئت أبا سعيدٍ فسألته عن هذه الساعة.
أن يكون عنده منها علم، فاتيته، فسالته، فقال:
стр. 4059
سألنا النبي ﷺ عنها، فقال: ((إني كنت أعلمتها، ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر)) . قال: ثم خرجت من
عنده، فدخلت على عبد الله بن سلامٍ.
هكذا ساقه الإمام أحمد، ولم يذكر ما قاله ابن سلامٍ.
وقد خرّجه البزار بتمامه، وذكر فيه: أن ابن سلامٍ قال له: خلق الله آدم يوم الجمعة، وأسكنه الجنة يوم الجمعة، وأهبطه إلى الأرض يوم الجمعة، وتوفاه يوم الجمعة، وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، وهي آخر ساعةٍ من يوم الجمعة. قلت: ألست تعلم أن النبي ﷺ يقول: ((في صلاةٍ)) ؟ قال: أولست تعلم أن النبي ﷺ قال: ((من انتظر الصلاة فهو في صلاة)) ؟ .
فهذه الرواية –أيضاً - تدل على أن ذكر فضل يوم الجمعة وما فيه من الخصال إنما هو من رواية أبي سلمة عن عبد الله بن سلامٍ، ورواية الأوزاعي وغيره تدل على أن هذا القدر كان أبو هريرة يرويه عن كعبٍ.
وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ((خيرٌ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة)) ، وذكر ما فيه من الخصال من طرق متعددة، وهي معللة بما ذكرناه؛ ولذلك لم يخرّج البخاري منها شيئاً.
وقد خرّجه مسلم من طريق الاعرج، عن أبي هريرة –مرفوعاً.
وخرّجه ابن حبان من روايةٍ العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة –
стр. 4060
مرفوعاً.
وروي عن العلاء، عن إسحاق أبي عبد الله، عن أبي هريرة –مرفوعاً.
فتحرر من هذا: أن المرفوع عن أبي هريرة من الحديث ذكر ساعة الجمعة.
وزعم ابن خزيمة: أن قوله: ((خيرٌ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة)) مرفوع –أيضاً - بغير خلافٍ، وأن الاختلاف عن أبي هريرة فيما بعد ذلك من ذكر الخصال التي في الجمعة.
وحديث أبي سعيدٍ يدل على أن النبي ﷺ أنسي معرفة وقتها، كما انسي معرفة ليلة القدر.
وقد روي عن النبي ﷺ في تعيينها أحاديث متعددةٌ:
ومن أغربها: أن ساعة الإجابة هي نهار الجمعة كله.
وهو من روايةٍ هانئ بن خالدٍ، عن أبي جعفر الرازي، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((الساعة التي في يوم الجمعة ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس)) .
خرّجه العقيلي.
وقال: هانئ بن خالد حديثه غير محفوظ، وليس بمعروف بالنقل، ولا يتابع
عليه، ولا يعرف إلا به.
ومنها: أنها آخر نهار الجمعة:
روى عبد السلام بن حفص، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة،
стр. 4061
عن النبي … ﷺ ، قال: ((إن الساعة التي يتحرى فيها الدعاء يوم الجمعة هي آخر ساعة من
الجمعة)) .
خرّجه ابن عبد البر.
وقال: عبد السلام هذا مدني ثقةٌ.
قلت: رفعه منكرٌ، وعبد السلام هذا وان وثقه ابن معين، فقد قال فيه أبو حاتم الرزاي: ليس بالمعروف.
ولا يقبل تفرده برفع هذا.
وليته يصح موقوفاً، فقد روى شعبة والثوري، عن يونس بن خباب، عن
عطاء، عن أبي هريرة، قال: الساعة التي في الجمعة بعد العصر.
وخرّجه عبد الرزاق، عن الثوري، به، ولفظه: الساعة التي تقوم في يوم الجمعة ما بين العصر إلى أن تغرب الشمس.
وخرّجه وكيعٌ عن يونس، به.
ويونس بن خباب، شيعيٌ ضعيفٌ.
قال الدارقطني في ((العلل)) : ومن رفعه عن الثوري فقد وهم.
стр. 4062
وقال: وفيه نائلٌ: ((عن يونس بن عبيدٍ)) ، ووهم فيه - أيضاً.
وروى إسماعيل بن عياش، عن سهيل بن أبي صالحٍ، عن مسلم بن مسافر، عن أبي رزين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن في الجمعة ساعةً)) –يقللها بيده - ((لا يوافقها عبدٌ مؤمنٌ وهو يصلي، فيسأل الله فيها إلا استجاب له)) . قيل: أي الساعات هي يا رسول الله؟ قال: ((ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس)) .
خرّجه أبو أحمد الحاكم وأبو بكر عبد العزيز بن جعفر.
وإسناده
стр. 4063
لا يصح، وروايات إسماعيل بن عياش عن الحجازيين رديئةٌ.
وروى عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن ابن جريجٍ: حدثني العباس، عن محمد بن مسلمة الأنصاري، عن أبي سعيدٍ الخدري وأبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن في الجمعة ساعةً، لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، يسأل الله فيها خيراً، إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر)) .
وخرّجه الإمام أحمد في ((مسنده)) ، عن عبد الرزاق.
وخرّجه العقيلي في ((كتابه)) .
وقال: العباس رجلٌ مجهولٌ، لا نعرفه، ومحمد بنمسلمة –أيضاً - مجهولٌ. وذكر عن البخاري، أنه قال: محمد بن مسلمة الأنصاري، عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة - في ساعة الجمعة -: لا يتابع عليه.
قال العقيلي: الرواية في فضل الساعة التي في يوم الجمعة ثابتهٌ عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه، فأما التوقيت، فالرواية فيه لينةٌ.
يعني بالتوقيت: تعيين ساعة الإجابة.
وروى فرج بن فضالة، عن علي بن أبي طلحة، عنابي هريرة، قال: قيل للنبي ﷺ : لأي شيءٍ سمي يوم الجمعة؟ قال: ((لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي أخر ثلاث ساعاتٍ منها ساعةٌ، من دعا الله فيها استجيب له)) .
стр. 4064
خرّجه الإمام أحمد.
وفرج بن فضالة، مختلفٌ فيه، وقد ضعفه ابن معينٍ وغيره.
وعلي بن أبي طلحة، لم يسمع من أبي هريرة.
وروى محمد بن أبي حميد، عن موسى بن وردان، عن أنسٍ، عن النبي ﷺ ، قال: ((إلتمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر، إلى غيبوبة الشمس)) .
خرّجه الترمذي.
وقال: غريبٌ.
ومحمد بن أبي حميد، منكر الحديث.
وخرّجه الطبراني من طريق ابن لهيعة، عن موسى بن وردان –بنحوه، وزاد في آخر الحديث: ((وهي قدر هذا)) –يعني: قبضةً.
ويروى من حديث فاطمة –﵍، عن أبيها ﷺ ، أنه قال في هذه الساعة: ((إذا تدلى نصف الشمس للغروب)) .
وفي إسناده اضطرابٌ وانقطاعٌ وجهالةٌ، ولا يثبت إسناده.
стр. 4065
وروى عبد الرزاق، عن عمر بن ذر، عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن رسول الله ﷺ كان في صلاة العصر يوم الجمعة، والناس خلفه إذ سنح كلبٌ ليمر بين أيديهم، فخر الكلب فمات قبل أن يمر، فلما أقبل رسول الله ﷺ بوجهه على القوم قال: ((أيكم دعا على هذا الكلب؟)) فقال رجل من القوم: أنا دعوت عليه. فقال النبي ﷺ : ((دعوت عليه في ساعة يستجاب فيها الدعاء)) .
وهذا مرسلٌ.
ويروى بإسنادٍ منقطعٍ، عن أبي الدرداء –نحوه، إلا أن فيه: أنه دعا الله باسمه الأعظم، ولم يذكر الساعة.
ومنها: أنها الساعة التي تصلى فيها الجمعة:
فخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث ابن وهبٍ، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قال عبد الله بن عمر:
следующие страницы →