← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

البخاري أراد أن يونس قال فيهِ: ((عن جابر)) . وفيه: إشارة إلى أن غيرهما خالف في ذكر جابر، وإن ذكره أصح، وما ذكره أبو مسعود تصريح بذلك. وقوله: ((وحديث جابر)) يدل عليه، والله أعلم. وحاصل الأمر: أنه اختلف في إسناده على فليح: فرواه، عنه الأ كثرون، منهم: محمد بن الصلت والهيثم بن جميل وسريج، فقالوا: عن سعيد بن الحارث، عن أبي هريرة. وخالفهم أبو تميلة يحيى بن واضح، فرواه عن سعيد بن الحارث، عن جابر. وعند البخاري، أن هذا أصح. وأما يونس بن محمد، فرواه عن فليح، واختلف عنه: فذكر البخاري والترمذي في ((جامعه)) : أنه رواه عن فليح عن سعيد، عن جابر، متابعة لأبي تميلة. وكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) . وكذلك خرجه البيهقي من رواية محمد بن عبيد الله المنادي،

стр. 4342

عن يونس. وقد قال مهنا: قلت لأحمد: هل سمع سعيد بن الحارث من أبي هريرة؟ فلم يقل شيئاً. وقد ذكر البيهقي: أن أبا تميلة روي عنه، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة –أيضاً. ثم خرجه من طريق أحمد بن عمرو الحرشي، عن أبي تميلة كذلك. فتبين بهذا: أن ابا تميلة ويونس اختلف عليهما في ذكر: ((أبي هريرة وجابر)) ، وأن اكثر الرواة قال فيه: ((عن أبي هريرة)) ، ومنهم من اختلف عليه في ذكر ((أبي هريرة وجابر)) . وقد ذكر الإمام أحمد، أنه حديث أبي هريرة، وهذا يدل على أن المحفوظ قول من قالَ: ((عن أبي هريرة)) ، كما قاله أبو مسعود، خلاف ما قاله البخاري. وفي الباب: أحاديث أخر، ليست على شرط البخاري. ومن أجودها: حديث عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع من طريق آخر. خرجه أبو داود. وخرجه ابن ماجه، وعنده: أن ابن عمر كان يخرج إلى العيد في طريق، ويرجع في أخرى، ويزعم أن رسول الله ﷺ كان

стр. 4343

يفعله. وقد استغربه الإمام أحمد، وقال: لم أسمع هذا قط. وقال –أيضاً -: العمري يرفعه، ومالك وابن عيينة لا يرفعانه. يعني: يقفانه على ابن عمر من فعله. قيل له: قد رواه عبيد الله –يعني: أخا العمري، عن نافع، عن ابن عمر؟ فأنكره، وقال: من رواه؟ قيل لهُ: عبد العزيز بن محمد – يعني: الدراوردي. - قالَ: عبد العزيز يروي مناكير.

стр. 4344

وقال البرقاني: سألت الدارقطني: هل رواه عن نافع غير العمري؟ قَالَ: من وجه يثبت، لا. ثُمَّ قالَ: روي عن مالك، عن نافع، ولكن لايثبت. انتهى. والصحيح عن مالك وغيره: وقفه دون رفعه. وكذا رواه وكيع عن العمري - موقوفا. وقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد. وألحق الجمعة بالعيد في ذلك. ولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يكره. وفي ((سنن أبي داود)) حديث، فيه: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يفعلون ذلك في زمانه.. وتكلم الناس في المعنى الذي لأجله يسحب مخالفة الطريق، وكثر قولهم في ذلك، وأكثره ليس بقوي. وقد روي في حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يغدو من طريق ويرجع من اخر؛ ليتسع الناس في الطريق. وعبد الرحمن هذا، ضعيف جداً.

стр. 4345

ومعنى الاتساع في الطريق: أنه يخشى كثرة الزحام في الطريق الأول. وهذا أحد ما قيل في معناه. وقيل: ليشهد به الطريقان. وقيل: ليتصدق على من كان فيهما من السؤال. وقيل: ليكثر التقاء المسلمين بعضهم ببعض للسلام والتودد. وقيل: للتفاؤل بتغير الحال إلى الرضى والمغفرة؛ فإنه يرجى لمن شهد العيد أن يرجع مغفوراً لهُ. وقيل: كان يغدو في أطول الطريقين ويرجع في أقصرهما؛ لتكثر خطاه في المشي إلى الصَّلاة. وهذا هو الذي رجحه كثير من الشافعية. وقد روي في حديث عكس هذا: فرواه سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعثمان إذا خرجوا إلى العيد من طريق رجعوا في طريق آخر أبعد منه. وسليمان بن أرقم، متروك. ولا أصل لحديثه هذا بهذا الإسناد. وعلى تقدير أن يكون له أصل، فيمكن توجيهه بأن القاصد لصلاة العيد ينبغي له قصدها من أقرب الطرق؛ لأنه إن كانَ أماماً فلئلا يطول انتظاره، وان كانَ مأموماً فخشية أن يسبق بالصلاة أو بعضها، أو أن يتمكن من صلاتها في مكان يمكنه الاقتداء فيهِ بالإمام؛ ولهذا شرع له التبكير؛ ليقرب من الإمام. والراجع من الصَّلاة قد أمن ذَلِكَ كله،

стр. 4346

فيمشي حيث شاء، ويسلك أبعد الطرق، ويقف فيها لحاجته وللقاء الناس والسلام عليهم والدعاء لهم، وغير ذَلِكَ من المصالح. وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين، أنهم كانوا يتلاقون يوم العيد، ويدعو بعضهم لبعض بالقبول. ورخص فيه الإمام أحمد، وقال: لا أبتدئ به أحداً، فإن قاله لي، رددت عليه. وقال - مرة -: ما أحسنه، إلا أن يخاف الشهرة. كأنه يشير إلى أنه يخشى أن يشتهر المعروف بالدين والعلم بذلك، فيقصد لدعائه، فيكره لما فيه من الشهرة. وقد خرج الإمام أحمد من حديث المنكدر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، قال: رأيت رسول الله ﷺ قائماً في السوق يوم العيد، ينظر والناس يمرون. ورواه الشافعي، عن إبراهيم بن محمد: حدثني معاذ بن عبد الرحمن التيمي، عن أبيه، عن جده، أنه رأى رسول الله ﷺ رجع من المصلى في يوم عيد، فسلك على التمارين أسفل السوق، حتى إذا كان عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل فج أسلم، فدعا ثم انصرف. قال الشافعي: فأحب أن يصنع الإمام مثل هذا، وأن يقف في موضع يدعو الله ، مستقبل القبلة.

стр. 4347

٢٥ - باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين ، وكذلك النساء، ومن كان في البيوت والقرى؛ لقول النَّبيّ ﷺ : ((هذا عيدنا أهل الإسلام)) . وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية، فجمع أهله وبنيه، فصلى بهم كصلاة أهل المصر وتكبيرهم. وقال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد، يصلون ركعتين، كما يصنع الإمام ٠ وكان عطاء إذا فاته العيد صلى ركعتين. ذكر البخاري في هذا الباب مسائل. أحدها: من فاته صلاة العيد مع الإمام من أهل المصر، فإنه يصلي ركعتين. وحكاه عن عطاء. وحكي - أيضا - عن أبي حنيفة والحسن وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي، وهو قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد - في رواية، عنه. ثم اختلفوا: هل يصلي ركعتين بتكبيركتكبيرالإمام، أم يصلي بغير تكبير؟

стр. 4348

فقالَ الحسن والنخعي ومالك والشافعي وأحمد –في رواية -: يصلي بتكبير، كما يصلي الإمام. واستدلوا بالمروي عن أنس، وأنس لم يفته في المصر بل كان ساكناً خارجاً من المصر بعيداً منه، فهوفي حكم أهل القرى. وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد –في رواية عنه. والقول بانه يصلي كما يصلي الإمام قول أبي حنيفة وأبي بكر بن أبي شيبة، حتى قالَ: لايكبر إلا كما يكبر الإمام، لا يزيد عليه ولا ينقص. وكذا قاله الإمام أحمد –في رواية أبي طالب. وعن ابن سيرين، قال: كانوا يستحبون إذا فات الرجل العيدان أن يمضي إلى الجبان، فيصنع كما يصنع الإمام. وقال أحمد –في رواية الأثرم -: أن صليت ذهب إلى الجبان فصلى، وإن شاء صلى مكانه. وقال - في رواية إسماعيل بن سعيد -: إذا صلى وحده لم يجهربالقراءة، وإن جهر جاز. وهذا عنده حكم المصلي الصلاة الجهرية مفرداً، فلو صلاها في جماعة جهر بها بغير إشكال، كما فعله الليث بن سعد. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الإمام لايجهر بالقرأة في

стр. 4349

صلاة العيدين إلا بمقدار ما يسمع من يليه، روي ذلك عن علي، وهو قول الحسن والنخعي والثوري. وذكر الحسن، عن أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يسمعون القراءة في العيدين والجمعة من يليهم. خرجه المروزي في ((كتاب العيدين)) . وهو قول الثوري في الجمعة والعيدين جميعاً. وقال عطاء والأوزاعي وأحمد –في الرواية الأخرى -: يصلي من فاته العيد ركعتين بغير تكبير. هذه الرواية، حكاها أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب ((الشافي)) . وقال أحمد: إنما التكبير مع الجماعة. وجعله أبو بكر عبد العزيز كالتكبير خلف المكتوبة في أيام التشريق. وروى حنبل، عن أحمد، أنه مخير، إن شاء صلى بتكبير، وإن شاء صلى بغير تكبير. وقالت طائفة: من فاتته صلاة العيد مع الإمام صلى أربع ركعات. روي ذلك عن ابن مسعود من غير وجه. وسوى ابن مسعود بين من فاتته الجمعة، ومن فاته العيد، فقال - في كل منهما -: يصلي أربعاً. واحتج به الإمام أحمد. ولا عبرة بتضعيف ابن المنذر له؛ فإنه روي بأسانيد صحيحة.

стр. 4350

وهذا قول الشعبي والثوري وأحمد –في رواية أخرى، عنه -، وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا، بناءً على اختيارهم اشتراط الجماعة للعيد والاستيطان، ويكون الأربع عيداً. نص عليه أحمد في رواية الميموني. وهذا يشبه قول ابن شاقلا: إن أدرك تشهد الجمعة يصلي أربعاً، وهي جمعة له، كما سبق ذلك. وعلى هذا، فيصلي وحده من غير جماعة، نص عليه أحمد في رواية محمد بن الحكم، وكذا ذكره أبو بكر عبد العزيز. وإنما يصلي في جماعة إذا قلنا: يصلي صلاة العيد على صفتها. وهل يصلي الأربع بسلام واحد، أو يخير بين ذلك وبين صلاتها بسلامين؟ فيهِ عن أحمد روايتان. واختار أبو بكر صلاتها بسلام واحد، تشبيهاً لصلاتها بصلاة من تفوته الجمعة. وعن أحمد: يخير بين أن يصلي ركعتين أو أربعاً. وهذا مذهب الثوري الذي حكاه أصحابه، عنه. واستدل أحمد، بأنه روي عن أنس، أنه صلى ركعتين، وعن ابن مسعود أنه صلى أربعاً. وكذلك روي عن علي، أنه أمر من يصلي بضعفة الناس في المسجد أربعاً، ولا يخطب بهم. وروي أحمد بن القاسم، عن أحمد الجمع بين فعل أنس وقول ابن مسعود على وجه آخر، وهو: إن صلى من فاته العيد جماعة صلى

стр. 4351

كصلاة الإمام ركعتين، كما فعل أنس، وإن صلى وحده صلى أربعاً، كما قال ابن مسعود. وقال إسحاق: إن صلاها في بيته صلاها أربعاً كالظهر، وإن صلاها في المصلى صلاها ركعتين بالتكبير؛ لأن علياً أمر الذي يصلي بضعفة الناس في المسجد أن يصلي أربعا، ركعتين مكان صلاة العيد، وركعتين مكان خروجهم إلى الجبان، كذا رواه حنش بن المعتمر عن علي. واعلم؛ أن الاختلاف في هذه المسألة ينبني على أصل، وهو: أن صلاة العيد: هل يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام؟ فيهِ قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد. وأكثر العلماء، على أنه لايشترط لها ذَلِكَ، وهو قول مالك والشافعي. ومذهب أبي حنيفة وإسحاق: أنه يشترط لها ذلك. فعلى قول الأولين: يصليها المنفرد لنفسه في السفر والحضر والمرأة والعبد ومن فاتته، جماعة وفرادى. لكن لا يخطب لها خطبة الإمام؛ لأن فيهِ افتئاتاً عليهِ، وتفريقاً للكلمة. وعلى قول الآخرين: لايصليها إلا الإمام أو من أذن لهُ، ولا تصلى إلا كما تصلى الجمعة، ومن فاتته، فإنه لايقضيها على صفتها، كما لايقضي الجمعة على صفتها. ثم اختلفوا: فقال أبو حنيفة وأصحابه: لاتقضى بالكلية، بل

стр. 4352

تسقط، ولا يصلي من فاتته مع الإمام عيدا أصلا، وإنما يصلي تطوعاً مطلقاً، إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صلى أربعاً. وقال أحمد وإسحاق: بل تقضى كما قال ابن مسعود وغيره من الصحابة. وليست العيد كالجمعة؛ ولهذا يصليها الإمام والناس معه إذا لم يعلموا بالعيد إلا من آخر النهار من غد يوم الفطر، والجمعة لا تقضى بعد خروج وقتها، ولأن الخطبة ليست شرطاً لها، فهي كسائر الصلوات، بخلاف الجمعة. والذين قالوا: تقضى إذا فاتت مع الإمام، لم يختلفوا أنها تقضى ما دام وقتها باقياً ٠ فإن خرج وقتها، فهل تقضى؟ قالَ مالك: لاتقضى. وعن الشافعي قولان. والمشهور عندنا: إنما تقضى. وخرجوا فيها رواية اخرى: أنها لاتقضى. وأصل ذلك: أن السنن الرواتب: هل تقضى في غير وقتها، أم لا؟ وفيه قولان، وروايتان عن أحمد؛ فإن فرض العيد يسقط بفعل الإمام، فيصير في حق من فاتته سنة. ولو أدرك الإمام وقد صلى وهو يخطب للعيد ففيه أقوال: أحدها: أنه يجلس فيسمع الخطبة، ثم إذا فرغ الإمام صلى قضاءً، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأبي ثور، ونص عليه أحمد –أيضا.

стр. 4353

والثاني: أنه يصلي والإمام يخطب، كما يصلي الداخل في خطبة الجمعة والإمام يخطب، وهو قول الليث؛ لكن الليث صلى العيد بأصحابه والإمام يخطب. وقال الشافعية: إن كانَ الإمام يخطب في المصلى، جلس واستمع؛ لأنه مالم يفرغ من الخطبة فهو في شعار اقامة العيد، فيتابع فيما بقي منه، ولا يشغل عنه بالصلاة، وإن كان يخطب في المسجد؛ فإنه يصلي قبل أن يجلس. ثم لهم وجهان: أحدهما: يصلي تحية المسجد، كالداخل يوم الجمعة، وهو قول بعض أصحابنا –أيضا. والثاني: يصلي العيد؛ لأنها آكد، وتدخل التحية ضمنا وتبعاً، كمن دخل المسجد يوم الجمعة وعليه صلاة الفجر؛ فإنه يقضيها وتدخل التحية تبعاً. ووجه قول الأوزاعي وأحمد: أن استماع الخطبة من كمال متابعة الإمام في هذا اليوم، فإذا فاتت الصَّلاة معه لم يفوت استماع الخطبة، وليس كذلك الداخل في خطبة الجمعة؛ لأن المقصود الاعظم الصلاة، وهي لاتفوت بالتحية. المسألة الثانية: صلاة النساء في بيوتهن في المصر، وكذلك المريض ونحوه. وهذا مبني على أن صلاة العيد: هل يشترط لها العدد والاستيطان

стр. 4354

وإذن الإمام، أم لا؟ فمن قالَ: لا يشترط ذَلِكَ جوز للمرأة أن تصلي صلاة العيد في بيتها على وجهها، وكذلك المريض، بل يجيز ذَلِكَ لكل من تخلف في بيته، أن يصلي كما يصلي الإمام، ولا سيما إن كانَ يقول مع ذَلِكَ أن صلاة العيدين سنة، كما يقوله الشافعي وغيره. وقال الحسن – في المسافر يدركه الأضحى -: فإذا طلعت الشمس صلى ركعتين، ويضحي إن شاء. وأما من يشترط لها العدد وإذن الإمام، فلا يرى لمن تخلف في بيته أن يصلي صلاة العيد على وجهها، بل يصلي ركعتين بغير تكبير –أو أربعاً -، على ما سبق. قال الثوري وإسحاق –في النساء -: يصلين في بيوتهن أربعاً. وعند أبي حنيفة وأصحابه: لاتقضي بحال، كما تقدم. المسألة الثالثة: أهل القرى: هل يصلون العيد في قراهم كما يصلي الإمام في المصر ونوابه في الأمصار؟ وقد حكى عن عكرمة، أنهم يصلونها كصلاة أهل الأمصار. قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، في القوم يكونون في السواد في سفرتهم عيد فطر أو أضحى، قال: فيجتمعون، فيصلون، يؤمهم أحدهم. وقد تقدم أن جمهور العلماء على أن الجمعة تقام في القرى، فالعيد أولى. لكن من يشترط العدد لصلاة العيد، كأحمد –في رواية - وإسحاق، يقول: لابد أن يكون في القرية أربعون رجلا كالجمعة. قال إسحاق:

стр. 4355

وإن لم يخطب بهم صلوا أربعا - أيضا - قال: وإذا لم تكن خطبة فليس بعيد. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لاعيد إلا في مصر جامع، كقولهم في الجمعة. ولا خلاف أنه يجب على أهل القرى والمسافرين، وإنما الخلاف في صحة فعلها منهم، والأكثرون على صحته وجوازه. ويستدل لذلك بفعل أنس بن مالك؛ فإنه كانَ يسكن خارجا من البصرة على أميال منها. فروى الإمام أحمد –فيما رواه عنه ابنه عبد الله في ((مسائله)) -: ثناهشيم: أنا عبيد الله بن أبي بكر، عن جده أنس بن مالك، أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الناس بالبصرة، وكان منزله بالطف جمع أهله وولده ومواليه، ثم يامر مولاه عبد الله بن أبي عتبة أن يصلي بهم. قال: يكبر بهم تسع تكبيرات، خمس في الأولى، وأربع في الآخرة، ويوالي بين القراءتين. وروى محمد بن الحكم، عن أحمد –فيمن تفوته صلاة العيد -: يجمع أهله وولده، كما فعل أنس، ويكبر تسع تكبيرات في الركعتين، ويوالي بين القراءتين. وهذا يدل على أنه أخذ بجميع ما روي عن أنس فيمن تفوته صلاة العيد مع الإمام، سواء كان لبعده عن الإمام أو لغير ذَلِكَ، وأنه يكبر تسع تكبيرات في الركعتين، ويوالي بين القراءتين. وهذا خلاف مذهبه في

стр. 4356

تكبير الإمام ونوابه في الامصار، فإنه يرى أنهم يكبرون في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات. وفي موالاته بين القراءتين روايتان عنه: أشهرهما: أنه يكبر قبل القراءة في الركعتين. والثانية: أنه يوالي بينهما. واختارها أبو بكر بن جعفر. فأما التكبير في الاولى سبعاً وفي الثانية خمساً، وهو قول جمهور العلماء، وقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة، عن عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري، وقال: مضت السنة به. وحكاه ابن أبي الزناد عن فقهاء المدينة السبعة. وهو قول مكحول وربيعة والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود. وأكثر أهل الحديث، منهم: ابن المديني وابن أبي شيبة وأبو خثيمة وسليمان بن داود الهاشمي وغيرهم. ولكن اختلفوا: هل يكبر في الأولى سبعاً غير تكبيرة افتتاح الصلاة، أم بها؟ فقالَ مالك وأحمد: يحسب منها تكبيرة الافتتاح. وروي ذلك عن ابن عباس صريحاً. وقال الشافعي: لا يحسب منها. وعن الليث والأوزاعي قولان، كالمذهبين. وقالت طائفة: يكبر في الأولى خمساً بتكبيرة الافتتاح، وفي الثانية أربعاً

стр. 4357

بعد القراءة، بتكبيرة الركوع. روى ذلك عن ابن مسعود وإسحاق، وهو قول سفيان وأهل الكوفة. وروي عن ابن عباس –في رواية عنه. وفي عدد التكبير أقوال متعددة للسلف، فيه احاديث مرفوعة معددة - أيضا -، لم يخرج منها البخاري شيئاً، وليس منها على شرطه شيء. وقد روى هارون بن عبد الله، عن أحمد، أنه قالَ: ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح عن النبي ﷺ . ذكره الخلال. وروى حرب، عن أحمد قريباً من ذلك. قال حرب: وسألت ابن المديني: هل صح فيه عن النبي ﷺ ؟ قالَ: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيّ ﷺ قالَ: ويروى عن أبي هريرة –من قوله - صحيح. انتهى. وحكى الترمذي في ((علله)) ، عن البخاري، أنه صحح هذا الحديث. وقال أحمد –في رواية -: أنا اذهب إليه. وقد خرجه في ((المسند)) وأبو داود وابن ماجة بألفاظ مختلفة،

стр. 4358

ومعناها واحد: أن التكبير في الأولى سبع، وفي الثانية خمس. وفي رواية أحمد وأبي داود: أن القراءة بعدهما. وقد استوفينا الأحاديث في ذَلِكَ، والكلام عليها في ((شرح الترمذي)) بحمد الله ومنه. ونقل الميموني، عن أحمد، قال: التكبير في العيدين سبعاً في الأولى وخمساً، وقد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في التكبير، وكله جائز. وهذا نص منه على أنه يجوز التكبير على كل صفة رويت عن الصحابة من غير كراهة، وإن كانَ الافضل عنده سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية. ورجح هذا ابن عبد البر، وجعله من الاختلاف المباح، كأنواع الأذان والتشهدات ونحوها. ثم خرج البخاري في هذا الباب:

стр. 4359

٩٨٧ - حديث عائشة في الجاريتين اللتين كانتا عندها تدففان وتغنيان. وقد ذكرنا لفظه في ((باب: سنة العيدين لأهل الإسلام)) إلى قوله: ((دعهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد)) وتلك الأيام أيام منى. وزاد فيه:

стр. 4360

٩٨٨ - وقالت عائشة: رأيت النبي ﷺ يسترني، وأنا أنظر إلى الحبشة،

стр. 4361

وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر، فقال النَّبِيّ ﷺ : ((دعهم، أمنا بني أرفدة)) –يعني: من الأمن. خرجه عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. ولكن؛ ليس فيهِ اللفظ الذي احتج به في أول الباب، وهو قوله: ((هذا عيدنا أهل الإسلام)) ، إنما خرجه بهذا اللفظ في ((باب: سنة العيدين)) كما تقدم. وليس فيه لفظة: ((أهل الإسلام)) ، ولم أجده بهذه الزيادة في شيء من الكتب الستة، وإنما تعرف هذه اللفظة في حديث عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ : ((يوم عرفة، ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام)) . ووجه الاستدلال به على ما بوب عليه البخاري: أن النبي ﷺ جعل العيد عاما لأهل الإسلام كلهم، فدل على أنهم يشتركون فيمايشرع فيه جميعهم، رجالهم ونساؤهم، أهل أمصارهم، وأهل قراهم فتكون صلاة العيد مشروعة لجميعهم من غير تخصيص لأحد منهم. والمنازع في ذلك قد يقول: أنا لا أمنع ذلك، ولا أن يشهد العيد جميع المسلمين إذا صلاها الإمام أو نائبه في المصلى، فأما الإنفراد بصلاتها لآحاد الناس في بيوتهم، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فعله، ولو كان مشروعاً لما تركوه، ولو فعلوه لنقل.

стр. 4362

وأيضا؛ فمما يدل عَلَى أن الاستيطان يعتبر لها: أن النَّبِيّ ﷺ لَمْ يفعلها قط فِي اسفاره مَعَ كثرة أسفاره، وقد ادركه عيد النحر بمنى، وأدركه عيد الفطر فِي غزوة الفتح وَهُوَ مسافر، ولم ينقل أنهُ صلى العيدين فِي شيء من أسفاره، ولو فعل ذَلِكَ لما أهمل نقله؛ لتوفر الدواعي على نقله، وكثرة الحاجة إليه. والله أعلم. وأيضا؛ فالحديث إنما ورد في ايام منى، وظاهره: أنها أيام التشريق. ولو قيل: إن يوم النحر يدخل فيها، فلا يلزم من كونها عيداً للمسلمين جميعاً أن يشترك المسلمون جميعهم في كل ما يشرع فيها؛ فإنه يشرع فيها للحاج ما لا يشرع لغيرهم من أهل الأمصار، فلا يمتنع أن يشرع لأهل الأمصار الاجتماع على مالا يشرع لغيرهم بإنفرادهم، كالنساء والمسافرين. والله أعلم.

стр. 4363

٢٦ - باب الصلاة قبل العيد وبعدها وقال أبو المعلى: سمعت سعيداً، عن ابن عباس: كره الصلاة قبل العيد.

стр. 4364

٩٨٩ - حدثنا أبو الوليد: ثنا شعبة: أخبرني عدي بن ثابت، قالَ: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خرج يوم عيد الفطر، فصلى ركعتين، ولم يصل قبلها ولا بعدها، ومعه بلال. ((أبو المعلى)) ، هو: يحيى بن ميمون الكوفي، ثقة مشهور. وقد اختلف الناس في معنى ترك النبي ﷺ الصلاة يوم العيد قبلها وبعدها: فمنهم من قال: لأنه كان إماماً، والإمام لايتطوع موضع صلاة العيد قبلها ولا بعدها؛ لأن حضوره كاقامة الصَّلاة، فلا يتطوع بعده، وإذا خطب انصرف وانصرف الناس معه، فلو صلى فلربما احتبس الناس لهُ، وفيه مشقة. وهذا تأويل جماعة، منهم: سليمان بن حرب وطائفة من الشافعية وغيرهم. وأنكر ذلك الإمام أحمد، وقال: إنما لم يصل قبلها ولا بعدها؛ لأنه لا صلاة قبلها ولا بعدها. واستدل بأن ابن عباس وابن عمر

стр. 4365

رويا أن النَّبيّ ﷺ لم يصل قبلها ولا بعدها وكرها الصلاة قبلها وبعدها استدلالاً بما روياه، فعلهم أنهما فهما مما روياه كراهة الصلاة قبلها وبعدها، وهما أعلم بما رويا. فأما كراهة ابن عباس، فقد ذكره البخاري تعليقاً، وروي عنه من وجوه أخرَ. وأما حديث ابن عمر، فمن رواية أبان بن عبد الله البجلي، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن عمر، أنه خرج يوم عيد فطر، ولم يصل قبلها ولابعدها، وذكر أن النبي ﷺ فعله. خرجه الإمام أحمد والترمذي. وقال: حسن صحيح. وحكى في ((علله)) عن البخاري، أنه قال: هو حديث صحيح، وأبان البجلي صدوق. وأبان هذا، وثقه ابن معين، وقال أحمد: صدوق صالح الحديث. وروى مالك وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يصلي قبل العيد ولا بعدها – ولم يرفعه. وكذا رواه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. قال الإمام أحمد: روي عن ابن عمر وابن عباس وسلمة بن

стр. 4366

الأكوع وبريدة، أنهم لم يصلوا قبلها ولا بعدها. انتهى. وروي –أيضا - عن علي وجابر وابن أبي أوفى. وقال الزهري: ما علمنا أحداً كانَ يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد ولا بعده. ذكره عبد الرزاق، عن معمر، عنه. وخرجه جعفر الفريابي من رواية يونس، عن الزهري، قال: لم يبلغنا أن احداً من أصحاب النبي ﷺ كان يسبح يوم الفطر والأضحى قبل الصلاة ولا بعدها، إلا أن يمر منهم مار بمسجد رسول الله ﷺ ، فيسبح فيه. وخرجه الأثرم من رواية الزبيدي، عن الزهري، قال: لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر عن أحد من سلف هذه الأمة، أنه كان يصلي قبلها ولا بعدها. وكان عمر بن عبد العزيز لا يسبح قبلها ولا بعدها، ويبكر بالخروج إلى الخطبة والصلاة، كما لا يصلي أحد قبلها. وحكى الإمام أحمد هذا القول عن أهل المدينة. وروي عن الشعبي،

стр. 4367

قالَ: أتيت المدينة وهم متوافرون، فلم أر أحداً من الفقهاء يصلي قبلها ولا بعدها. خرجه الفريابي. وهو قول مالك وأحمد وإسحاق. وحكاه الترمذي عن الشافعي. وهؤلاء، منهم من كان ينهى عن الصلاة قبلها، ويزجر عنه، وروي عن أبي قتادة الأنصاري وحذيفة وغيرهما. ومنهم من كان يخبر بأنه ليس من السنة، ولا ينهى عنه، ومنهم علي بن أبي طالب ﵁. وحكى الإمام أحمد عن أهل البصرة، أنهم رجعوا في الصلاة قبلها وبعدها، روي عن أنس وأبي برزة الاسلمي والحسن وأخيه سعيد وجابر بن زيد وأبي بردة بن أبي موسى، وهو المشهور عن الشافعي. وقد حكاه الإمام أحمد –في رواية الأثرم - عن أنس وأبي برزة. وروى الإمام أحمد –في رواية ابنه عبد الله -: نا محمد بن جعفر: نا سعيد، عن قتادة، أن أبا برزة الأسلمي وأنس بن مالك والحسن وعطاء بن يسار، كانوا لا يرون بالصلاة قبل الإمام ولا بعده بأساً.

стр. 4368

وقد خرج البيهقي من رواية الداناج، أنه رأى أبا بردة يصلي يوم العيد قبل الإمام. فظن صاحب ((شرح المهذب)) ، أن من حكاه عنة أبي برزة الأسلمي فقد وهم وصحف، وليس كما قال. ورخصت طائفة أخرى في الصلاة بعدها دون ما قبلها، وحكاه الإمام أحمد عن أهل الكوفة. وقد روي عن علي من وجه ضعيف. وعن ابن مسعود وأصحابه. وعن ابن أبي ليلى والنخعي والثوري وأبي حنيفة والأوزاعي. وفرقت طائفة بين أن يصلي العيد في المصلى، فلا يصلي قبلها ولا بعدها، وبين أن يصلي في المسجد فيصلي قبلها وبعدها، وهو قول الليث، ورواية عن مالك. ولم يذكر في ((تهذيب المدونة)) سواها. وعنه، الرخصة أن يصلي قبلها في المسجد خاصة. وهذا كله في حق غير الإمام، فأما الإمام فلا نعلم في كراهة الصلاة له خلافاً قبلها وبعدها. وكل هذا في الصلاة في موضع صلاة العيد، فأما الصلاة في غير موضع صلاة العيد، كالصلاة في البيت أو في المسجد، إذا صليت العيد في المصلى، فقال أكثرهم: لا تكره الصلاة فيه قبلها وبعدها. روي ذلك عن بريدة ورافع بن خديج. وذكره عباس بن سهل، عن أصحاب النبي ﷺ ، أنهم كانوا يفعلونه. وكان عروة

стр. 4369

يفعله. وروي عن ابن مسعود، أنه كان يصلي بعد العيد في بيته. وهو مذهب أحمد وإسحاق. وروى عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ كان لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين. خرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم. وقال: سنة عزيزة، بإسناد صحيح. كذا قال؛ وابن عقيل مختلف فيهِ. وقالت طائفة: لا صلاة يوم العيد حتَّى تزول الشمس. وصح عن ابن عمر، أنه كان يفعله. وعن كعب بن عجرة، أنه أنكر على من صلى بعد العيد في المسجد، وذكر أنه خلاف السنة، وقال: هاتان الركعتان سبحة هذا اليوم حتى تكون الصلاة تدعوك. واختار هذا القول أبو بكر الآجري، وأنه تكره الصلاة يوم العيد حتى تزول الشمس، وحكاه عن أحمد. وحكايته عن أحمد غريبة. وعند أحمد وأكثر أصحابه: لاتصلي قبل العيد، ولو صليت في

стр. 4370

المسجد ودخل إليه بعد زوال وقت النهي. وسئل أحمد - في رواية أحمد بن القاسم -: لو كان على رجل صلاة في ذلك الوقت: هل يصلي؟ قالَ: أخاف أن يقتدي به بعض من يراه. قيل لهُ: فإن يكن ممن يقتدى به؟ قال: لا أكرهه، وسهل فيه.

стр. 4371

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٤ - أبواب الوتر ١ - باب ما جاء في الوتر فيه أربعة أحاديث: الحديث الأول:

стр. 4372

٩٩٠ - حدثنا عبد الله بن يوسف: انا مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر، أن رجلاً سأل النبي ? ﷺ عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعه واحدة، توتر له ما قد صلى)) .

стр. 4373

٩٩١ - وعن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر، حتى يأمر ببعض حاجته.

стр. 4374

وقوله ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى)) –يعني: ركعتين ركعتين. والمراد: انه يسلم في كل ركعتين، وبذلك فسره ابن عمر. أخرجه مسلم في ((صحيحه)) . ويدل بمفهومه على أن صلاة النهار ليست كذلك، وأنه يجوز أن تصلى أربعا. وقد كان ابن عمر –وهو راوي الحديث – يصلي بالنهار أربعا، فدل على أنه عمل بمفهوم ما روى. فروى يحيى الأنصاري وعبيد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان يتطوع بالنهار ((بأربعٍ)) ، لا يفصل بينهن. وبهذا رد يحيى بن معين وغيره الحديث المروي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) .

стр. 4375

خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، من رواية شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي الازدي، عن ابن عمر. وقد أعله الترمذي، بأن شعبة اختلف عليه في رفعه ووقفه. وذكر الإمام أحمد: أن شعبة كان يتهيبه. وأعله ابن معين وغيره، بأن أصحاب ابن عمر الحفاظ رووا كلهم، عنه، عن النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى)) ، من غير ذكر النهار، أكثر من خمسة عشر نفسا، فلا يقبل تفرد علي الازدي بما يخالفهم. وأعله الإمام أحمد وغيره بأنه روي عن ابن عمر، أنه كان يصلي بالنهار أربعاً، فلو كان عنده نص عن النبي ﷺ لم يخالفه.

стр. 4376

وتوقف أحمد –في رواية، عنه – في حديث الأزدي. وقال - مرة -: إسناده جيد، ونحن لا نتقيه. وقد روي، عن ابن عمر موقوفاً عليه - أيضاً - ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) . وروي عنه - مرفوعاً - من وجه آخر. وقيل: إنه ليس بمحفوظ. قاله الدارقطني وغيره.

стр. 4377

وذكر مالك، أنه بلغه، أن ابن عمر كان يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين. قلت: من يقول: لا مفهوم لقوله ﷺ : ((صلاة والليل مثنى مثنى)) يقول: إن ذكر الليل إنما كان جوابا لسؤال سائل، سأل عن صلاة الليل، ومثل هذا يدفع أن يكون له مفهوم معتبر. والله أعلم. وقد بوب البخاري في ((أبواب صلاة التطوع)) على أن ((صلاة النهار مثنى مثنى)) ، ويأتي الكلام فيه في موضعه – إن شاء الله تعالى. والكلام هنا في صلاة الليل. وهذا الحديث: يدل على أن التطوع بالليل كله مثنى مثنى، سوى ركعة الوتر، فإنها واحدة. وقد عارض هذا حديث عائشة الذي خرجه مسلم، خرجه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل

стр. 4378

ثلاث عشرة ركعة، يوتر في ذلك بخمس، لا يجلس في شيء منهن، إلا في آخرهن. وقد تكلم في حديث هشام هذا غير واحد. قال ابن عبر البر: قد أنكر مالك. وقال: مذ صار هشام إلى العراق أتانا عنه ما لم يعرف منه. وقد أعله الأثرم، بأن يقال في حديثه: ((كان يوتر بواحدة)) ، كذا رواه مالك وغيره عن الزهري. ورواه عمرو بن الحارث ويونس، عن الزهري، وفي حديثهما: ((يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة)) . وقد خرجه مسلم من طريقهما – أيضا. وكذا رواه ابن أبي ذئب والأوزاعي، عن الزهري. خرج حديثهما أبو داود ٠ قال الأثرم: وقد روى هذا الحديث عن عائشة غير واحد، لم يذكروا في حديثهم ما ذكره هشام عن أبيه، من سرد الخمس. ورواه القاسم، عن عائشة، في حديثه: ((يوتر بواحدة)) . ولم يوافق هشاماً على قوله إلا ابن إسحاق، فرواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة – بنحو رواية

стр. 4379

هشام. وخرجه أبو داود من طريقه كذلك. ورواه - أيضا - سعد بن هشام، عن عائشة، واختلف عليه فيه: فخرجه مسلم من رواية قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، أنه سال عائشة عن وتر النبي ﷺ ، فقالت: كان يصلي تسع ركعات، لا يجلس إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثُمَّ ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي ركعة، ثم يقعد، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسن نبي الله ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني. وفي رواية له: أن قتادة اخبره سعد بن هشام بهذا، وكان جاراً له. وقد خرّجه أبو داود بلفظ آخر، وهو: أنه ﷺ كان يصلي ثمان ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس فيذكر الله، ثم يدعو، ثم يسلم تسليماً، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، ثم يصلي ركعة، فتلك إحدى عشرة ركعة. وفي هذه الرواية: أنه كان يصلي الركعتين جالساً قبل الوتر، ثم يوتر بعدها بواحدة. وهذا يخالف ما في رواية مسلم. ورواه سعد بن هشام، عن عائشة، واختلف عليه في لفظه:

стр. 4380

فروي عنه: الوتر بتسعٍ، وروى عنه: بواحدة. ورواه أبان عن قتادة بهذا الإسناد، ولفظه: كان النبي ﷺ يوتر بثلاث، ولا يقعد إلا في آخرهن. قال الإمام أحمد: فهذه الرواية خطأ. يشير إلى إنها مختصرة من رواية قتادة المبسوطة. وقد روي في هذا المعنى من حديث ابن عباس وأم سلمة. وقد تكلم الأثرم في إسنادهما. وطعن البخاري في حديث أم سلمة بانقطاعه، وذكر أن حديث ابن عمر في الوتر بركعة أصح من ذلك. وكذلك الروايات الصحيحة عن ابن عباس في وصفه صلاة النبي ﷺ ليلة بات عند خالته ميمونة، يدل عليه: أنه ﷺ من كل ركعتين وأوتر بواحدة. فلهذا رجحت طائفة حديث ابن عمر وابن عباس، وقالوا: لا يصلي بالليل إلا مثنى مثنى، ويوتر بواحدة. وهذه طريقة البخاري والأثرم. وقال ابن عبد البر: هو قول أهل الحجاز، وبعض أهل العراق ٠ ثم حكى عن مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد، أن صلاة الليل مثنى مثنى. قال: وقال أبو حنيفة في صلاة الليل: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعا، وإن شئت ستاً وثمانياً، ولا تسلم إلا في آخرهن. وقال الثوري والحسن بن حي: صلاة الليل ما شئت، بعد أن تقعد في كل ركعتين وتسلم في آخرهن.
следующие страницы →