← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

يجلس في كل ركعتين ويسلم. ورواه ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان النَّبيّ ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة، بركعتيه قبل الصبح، يصلي ستا مثنى مثنى، ويوتر بخمس، لا يقعد بينهن إلا في آخرهن. خرّجه أبو داود. وذكر البيهقي في ((كتاب المعرفة)) ، عن الشافعي، أنه اختار حديث الزهري، من غير أن يضيق غيره؛ لفضل حفظ الزهري على حفظ غيره؛ ولموفقته رواية القاسم، عن عائشة، ورواية الجمهور عن [ابن] عمر وابن عباس، عن النبي ﷺ . قال: وبهذا النوع من الترجيح ترك البخاري رواية هشام في الوتر، ورواية سعد بن هشام، عن عائشة في الوتر، فلم يخرج واحدة منهما في ((صحيحه)) ، مع كونهما من شرطه في سائر الروايات. ثم ذكر بإسناده، عن أبي معين، قال: الزهري اثبت في عروة من هشام بن عروة في عروة ٠ وخرّج مسلم من حديث عراك، عن عروة عن عائشة، أن رسول الله … ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، بركعتي الفجر. وقد روى هذا المعنى، عن عائشة: أبو سلمة والقاسم بن محمد ومسروق. وقد خرّج البخاري أحاديثهم، وتأتى - فيما بعد. ولفظه

стр. 4412

حديث مسروق، عنده: قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل، فقالت: سبع وتسع وإحدى عشرة. وخرّج مسلم من حديث عبد الله بن شقيق، عن عائشة، أن النبي، كان يصلي في بيتها بعد العشاء ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر. ففي هذه الرواية: أن الإحدى عشرة التي كان يصليها بالليل منها ركعتان بعد العشاء، قبل أن ينام. وقد تقدم في رواية عمرو بن الحارث ويونس، عن الزهري، عن عروة عن عائشة ما يشهد لذلك –أيضا. وقد روي عنها، أن الإحدى عشرة ركعة منها ركعتان كان يصليهما بعد الوتر. روى ذلك عنها: أبو سلمة وسعد بن هشام. وسنذكر حديثهما فيما بعد – أن شاء الله . وفي حديث سعد، عنها: أنه كان يصلي إحدى عشرة، ثم لما أسن واخذ اللحم صلى تسعاً. خرّجه مسلم. وخرّج أبو داود من رواية أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل، ثم أنه

стр. 4413

صلى إحدى عشرة ركعة وترك ركعتين، ثم قبض حين قبض وهو يصلي من الليل تسع ركعات. وخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل تسع ركعات. وحسنه الترمذي. وفي إسناده: اختلاف عن الأعمش. وقد روي عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل تسع ركعات، فلما كثر لحمه وسن صلى سبع ركعات. خرّجه النسائي. ورواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم سلمة: كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة، فلما كبر وضعف أوتر بسبع. خرّجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي، وحسنه.

стр. 4414

أبو معاوية، مقدم على أصحاب الأعمش، إلا أن الدارقطني قال: من قال فيه: ((عن عمارة بن عمير)) فهو أشبه بالصواب من قول من قال: ((عمرو بن مرة)) . وقال الأثرم: اضطرب الأعمش في إسناده وفي متنه. قال: ويحيى الجزار، لم يلق عائشة، ولا أم سلمة. وخرّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة: بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشرة وثلاث، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة، ولا بأنقص من سبع، وكان لا يدع ركعتين قبل الفجر. ففي هذه الرواية: أن مجموع صلاة الليل تسمى وتراً، وأنه كان يوتر بثلاث عشرة سوى ركعتي الفجر، ولعلها أدخلت في ذلك الركعتين بعد صلاة العشاء حتى توافق سائر الروايات عنها ٠ وأما إطالة السجود المذكور في حديث عائشة الذي خرجه، فقد بوب عليه في ((أبواب قيام الليل)) ، واعاد فيه الحديث، ويأتي الكلام على معناه هنالك –إن شاء الله .

стр. 4415

٢ - باب ساعات الوتر وقال أبو هريرة: أوصاني النبي ﷺ بالوتر قبل النوم. حديث أبي هريرة هذا، قد أسنده في ((أبواب صلاة الضحى)) من رواية شعبة: ثنا الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: صيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ، وصلاة الضحى، ونوم على وتر٠. وخرّجه مسلم، وزاد فيه: عن عباس الجريري وأبي شمر الضبعي كلاهما، عن أبي عثمان. وخرّجاه - أيضا - من رواية أبي التياح، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة - بنحوه، وفي حديثه: وأن أوتر قبل أن أنام. وخرجه مسلم وحده من رواية أبي رافع الصائغ، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ مثل حديث أبي عثمان، عنه. وله طرق كثيرة جدا، عن أبي هريرة، قد ذكرت كثيرا منها في ((كتاب شرح الترمذي)) .

стр. 4416

وذكر الحافظ أبو موسى المديني، أنه رواه عن أبي هريرة قريب من سبعين رجلا. وفي متنه –أيضا – اختلاف، إلا أن المحفوظ منه: ذكر هذه الخصال الثلاث المذكورة في رواية أبي عثمان. وقد روي عن أبي الدرداء، أن النبي ﷺ وصاه بهذه الخصال الثلاث –أيضا. خرّجه مسلم في ((صحيحه)) . وروي –أيضا - عن أبي ذر، أن النَّبي ﷺ أوصاه بها. خرّجه الإمام أحمد والنسائي. وخرّج ابن ماجه من حديث عمر بن الخطاب، أن النبي، قال: ((لا تنم إلا على وتر)) . وخرّجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وهو قطعة من حديث، خرج بعضه أبو داود –أيضا. وقال على بن المديني: إسناده مجهول. وخرج الإمام أحمد بإسناد فيه انقطاع، عن سعد بن أبي وقاص، أنه كان يوتر بعد العشاء بركعة، يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: ((الذي لا ينام حتى يوتر حازم)) . وخرّج البزار بإسناد ضعيف جداً، عن علي بن أبي طالب: نهاني

стр. 4417

رسول الله ﷺ أن أنام إلا على وتر. وخرّج ابن عدي بإسناد ضعيف، عن عمار بن ياسر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((أوتر قبل أن تنام)) . وروى الإمام أحمد: ثنا أبو سلمة الخزاعي: ثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي: أخبرني نافع بن ثابت، عن ابن الزبير، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العشاء ركع أربع ركعات، وأوتر بسجدة، ثم نام حتى يصلي بعد صلاته بالليل. نافع، هو ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير، ورواياته عن جده ابن الزبير منقطعة –في ظاهر كلام البخاري وأبي حاتم. خرّج البخاري في هذا الباب حديثين: الأول:

стр. 4418

٩٩٥ - نا أبو النعمان: نا حماد بن زيد: نا أنس بن سيرين، قال: قلت لابن عمر: أرأيت ركعتين قبل صلاة الغداة، أطيل فيهما القراءة؟ قالَ: كانَ النَّبيّ ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وكان الأذان بأذنيه. قالَ حماد: أي: سرعة. وخرّجه مسلم – بمعناه. وخرّجه من حديث شعبة، عن أنس بن

стр. 4419

سيرين، وزاد فيه: ويوتر بركعة من آخر الليل. وخرّجه الإمام أحمد من حديث حبيب بن الشهيد، عن أنس بن سيرين، وفيه: فإذا خشي الصبح أوتر بركعة. وقد تقدم لفظه بتمامه. وقد تقدم حديث نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة)) . خرج مسلم من حديث أبي مجلز: سمعت ابن عمر يحدث، عن النَّبيّ ﷺ ، قالَ: ((الوتر ركعة من آخر الليل)) . وفي رواية – أيضا -: سألت ابن عباس عن الوتر، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ركعة من آخر الليل)) ، وسألت ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ركعة من آخر الليل)) . الحديث الثاني:

стр. 4420

٩٩٦ - نا عمر بن حفص: نا أبي: نا الأعمش: نا مسلم، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كل الليل أوتر رسول الله ﷺ ، وانتهى وتره إلى السحر. ((مسلم)) ، هو: ابن صبيح أبو الضحى، وصُبيح بضم الصاد. وخرّجه مسلم – أيضا – من طريق الأعمش، ولفظه: ((من كل الليل

стр. 4421

قد أوتر)) - الحديث. وخرّجه من حديث سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، كما خرجه البخاري – أعني: ((كل الليل أوتر)) –، إلا أنه قال: ((فانتهى وتره إلى آخر الليل)) . وخرّجه أيضا من رواية أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عائشة، قالت: من كل الليل أوتر رسول الله ﷺ : من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر ٠ وهذه الرواية تصرح بأن المراد: أنه ﷺ كانَ يوتر أحيانا من أول الليل، وأحيانا من وسطه، وأحيانا من آخره، وأنه ليس المراد: أن وتره وقع في كل ساعة ساعة من الليل، أو في كل جزء جزء منه. وروي هذا الحديث عن عائشة –بمعناه – من رواية ربيعة الجرشي، وعبد الله بن أبي قيس عنها، وغضيف بن الحارث، ويحيى بن يعمر.

стр. 4422

وروي عن علي من رواية أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ : من أوله، وأوسطه، وانتهى وتره إلى السحر. خرّجه الإمام أحمد وابن ماجه. وخرّجه أحمد –أيضا – من رواية أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي – بنحوه. وقال علي بن المديني: هو إسناد كوفي حسن. وروي عن عبد خير، عن علي – بنحوه – أيضا. وخرّج الإمام أحمد –أيضا – بإسناد جيد، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: كان رسول الله ﷺ يوتر من أول الليل وأوسطه وآخره. وخرّج الإسماعيلي في ((مسند عمر)) من رواية أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن الحارث بن معاوية، قال: سألت عمر عن الوتر في أول الليل، أو في وسطه، أو في آخره؟ فقالَ عمر: كل ذَلِكَ قد عمل رسول الله ﷺ ، ولكن ائت أمهات المؤمنين فسلهن عن ذَلِكَ؛ فإنهن أبصر بما كان يصنع من ذلك، فأتاهن فسألهن، فقلن له: كل ذلك قد عمل رسول الله ﷺ ، وقبض وهو يوتر من آخر الليل. أبو بكر بن أبي مريم، ضعيف.

стр. 4423

وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه حسن الوتر من أول الليل ومن آخره. كما خرّجه الإمام أحمد وابن ماجه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: ((أي حين توتر؟)) قالَ: أول الليل بعد العتمة ٠ قالَ: ((فأنت يا عمر؟)) قال: آخر الليل. قال النبي ﷺ : ((أما أنت يا أبا بكر فقد أخذت بالوثقى، وأما أنت يا عمر فقد أخذت بالقوة)) . وخرّجه أبو داود من حديث عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة الأنصاري، عن النبي ﷺ – نحوه. وإسناده ثقات، إلا أن الصواب عند حذاق الحفاظ: عن ابن رباح – مرسلا. وقد روي هذا الحديث من رواية ابن عمر وعقبة بن عامر وغيرهما، بأسانيد لينة. ورواه الزهري، عن سعيد بن المسيب - مرسلا -، وهو من أجود

стр. 4424

المراسيل. كذا رواه الزبيدي وغيره عن الزهري. ورواه بعضهم، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. والصواب إرساله -: قاله الدارقطني. ورواه مسعر، عن سعد بن إبراهيم، واختلف عنه: فقيل: عن مسعر، عن سعد، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري. وقيل: عنه، عن سعد، عن أبي سلمة – مرسلا. وقيل: عنه، عن سعد، عن ابن المسيب، عن أم سلمة. والظاهر: أنه غير ثابت. وخرّجه ابن مردويه من هذا الوجه، وفي حديثه: أن النبي ﷺ قال: ((أما أنت يا أبا بكر، كما قال القائل: أحرزت نهبي وأبتغي النوافل ٠ وأما أنت يا عمر، فتأخذ – أو تعمل - عمل الأقوياء)) .

стр. 4425

ورواه وكيع في ((كتابه)) عن معسر، عن ابن المسيب –مرسلا -، وزاد فيه: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: ((أنت مثل الذي قال: أحرزت نهبي وأبتغي النوافل)) . وهذه الرواية أصح ٠ والله أعلم. وقد رواه الشافعي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن المسيب – مرسلا – بهذه الزيادة – أيضا. والكلام في وقت الوتر في مسألتين: إحداهما: في وقت جوازه. فذهب أكثر أهل العلم إلى أن أول وقته من بعد صلاة العشاء، فلو أوتر من قبل صلاة العشاء لم يقع موقعا وأمر بإعادته. ولو كان ناسيا، أو ظانا أنه قد صلى العشاء، مثل أن يصلي العشاء محدثا ناسيا، ثم يتوضأ ويصلي الوتر، ثم يذكر بعد الصلاة أنه صلى العشاء ناسيا، فإنه يقضي القضاء ثم الوتر. هذا قول جمهور العلماء، منهم: الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد.. وقال أبو حنيفة: وقته وقت العشاء؛ فإنه واجب عنده، ويجب الترتيب بينهما، بشرط الذكر ويسقط بالسهو، فلا يعيد الوتر – عنده – في الصورة المذكورة.

стр. 4426

وكذلك مذهب سفيان، إذا صلى الوتر ناسيا للعشاء، ثم ذكر، أنه يصلي العشاء ولا يعيد الوتر. وللشافعية وجهان آخران: أحدهما: أن وقته يدخل بدخول وقت العشاء، ويجوز فعله قبل صلاة العشاء، تعمد ذلك أو لم يتعمد. والثاني: أن وقته لا يدخل إلا بعد العشاء وصلاة أخرى، فإن كان وتره بأكثر من ركعة صح فعله بعد صلاة العشاء، وإن أوتر بركعة لم يصح حتى يتقدمه نفل بينه وبين صلاة العشاء. واستدل لقول الجمهور بحديث خارجة بن حذافة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: ((إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: الوتر، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر)) . خرّجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي – وغربه – والحاكم - وصححه. وقال الأثرم: ليس بقوي. وخرّجه الإمام أحمد بإسناد جيد، عن أبي بصرة، أن النبي ﷺ قال: ((إن الله زادكم صلاة، وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى أن يطلع

стр. 4427

الفجر)) . وبإسناد فيه انقطاع، عن معاذ، عن النبي ﷺ ، قال: ((زادني ربي صلاة، هي الوتر، ووقتها بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر)) . وأما آخر وقته، فذهب الأكثرون إلى أنه يخرج وقته بذهاب الليل، فإذا طلع الفجر صار فعله قضاء، وما دام الليل باقيا، فإن وقته باق. ولا نعلم في ذلك خلافا، إلا ما ذكره القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتابه ((شرح المذهب)) ، أنه إذا أخره حتى خرج وقت العشاء المختار – وهو نصف الليل، أو ثلثه – صار قضاء. وهذا قول ساقط جدا؛ لأن صلاة العشاء لا تصير قضاء بتأخيرها حتَّى يخرج وقتها المختار، وإن قيل: إن تأخيرها إليه عمدا لا يجوز، كما سبق ذكره في ((المواقيت)) ، فكيف يصير تأخير الوتر إلى ذَلِكَ الوقت قضاء؟ وأما إذا خرج الليل بطلوع الفجر، فإنه يذهب وقت أدائه عند جمهور العلماء، ويصير قضاء حينئذ. وهو قول الشافعي وأحمد - في المشهور عنهما -، وقول أبي حنيفة والثوري. وروي عن عمر وابن عمر وأبي موسى وأبي الدرداء وسعيد بن جبير وعطاء والنخعي. حتى قال

стр. 4428

النخعي: لأن يدركني الفجر وأنا أتسحر أحب إلي من أن يدركني وأنا أوتر. ويدل عليه: حديث: ((فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة)) ، وسيأتي حديث: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا)) . وخرّج مسلم من طرق، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، أن رجلا سأل النبي ﷺ : كيف صلاة الليل؟ قالَ: ((مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فصل ركعة، واجعل آخر صلاتك وترا)) . وخرّجه من طريق ابن أبي زائدة، عن عاصم الأحوال، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((بادروا الصبح بالوتر)) . وهذا لعله رواه بالمعنى من الحديث الذي قبله. وخرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن أبي زائدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((بادروا الصبح بالوتر)) . وصححه الترمذي. وقد ذكر الدارقطني وغيره: أن ابن أبي زائدة تفرد بهذا الحديث

стр. 4429

بالإسنادين. وذكر الأثرم: أنه ذكر لأبي عبد الله – يعني: أحمد بن حنبل – حديث ابن أبي زائدة هذا من الوجهين، فقال: في الإسناد الأول: عاصم، لم يرو عن عبد الله بن شقيق شيئا، ولم يروه إلا ابن أبي زائدة، وما أدري. فذكر له الإسناد الثاني، فقال أحمد: هذا أراه اختصره من حديث: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة)) ، وهو بمعناه. قالَ: فقلت له: روى هذين أحد غيره؟ قالَ: لا. قلت: والظاهر أنه اختصر حديث عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر أيضا -، كما اختصر حديث عبيد الله، عن نافع، عنه. والله أعلم. وخرج مسلم – أيضا – من حديث ابن جريج: أخبرني نافع، أن ابن عمر كان يقول: من صلى بالليل فليجعل صلاته وترا قبل الصبح، كذلك كان رسول الله يأمرهم. خرجه، عن هارون بن عبد الله: نا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج – فذكره. وخرجه الترمذي عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق: أنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا طلع الفجر فقد ذهب [كل] صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل

стр. 4430

طلوع الفجر)) . وقال: تفرد به سليمان بن موسى على هذا اللفظ. وذكر المروذي عن أحمد، أنه قال: لم يسمعه ابن جريج من سليمان بن موسى، إنما قال: ((قال سليمان)) . قيل له: إن عبد الرزاق قد قال: عن ابن جريج: أنا سليمان؟ فأنكره، وقال: نحن كتبنا من كتب عبد الرزاق، ولم يكن بها، وهؤلاء كتبوا عنه بأخرة. وخرجه الحاكم من طريق محمد بن الفرج الأزرق: نا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: حدثني سليمان بن موسى: نا نافع، أن ابن عمر كان يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا؛ فإن رسول الله ﷺ أمر بذلك، فإذا كانَ الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل؛ فإن رسول الله ﷺ قال: ((أوتروا قبل الفجر)) . وقال: إسناد صحيح. وهذه الرواية أشبه من رواية الترمذي؛ فإن فيها أن ذهاب كل صلاة الليل بطلوع الفجر، إنما هوَ من قول ابن عمر، واستدل لهُ بأمر النَّبيّ ﷺ -

стр. 4431

بالوتر قبل الفجر. ورواية ابن جريج التي صرح فيها بسماعه من نافع – كما خرجه مسلم - ليس فيها شيء مما تفرد به سليمان بن موسى، وسليمان مختلف في توثيقه. وخرج مسلم –أيضا – من رواية يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو نضرة، أن أبا سعيد أخبرهم، أنهم سألوا النبي ﷺ عن الوتر، فقال: ((أوتروا قبل الصبح)) . وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: قال: ((الوتر بليل)) . وخرجه ابن خزيمة والحاكم، من حديث قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: ((من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له)) . وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وذهب طائفة إلى أن الوتر لا يفوت وقته حتى يصلي الصبح: فروي عن علي وابن مسعود، وقال: الوتر ما بين الصلاتين. يريدان: صلاة العشاء وصلاة الفجر. وعن عائشة –معنى ذلك.

стр. 4432

وممن روي عنه، أنه أوتر بعد طلوع الفجر: عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وحذيفة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وفضالة بن عبيد وغيرهم. وقال أيوب وحميد الطويل: أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر. وهو قول القاسم بن محمد وغيره. وذكر ابن عبد البر: أنه لا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف في قولهم ٠ قال: ويحتمل أن يكونوا قالوه فيمن نسيه أو نام عنه، دون من تعمده. وممن ذهب إلى هذا: مالك والشافعي – في القديم – وأحمد – في رواية عنه – وإسحاق٠ وقد ذكرنا – فيما تقدم - حديث أبي بصرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((صلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر)) . وخرج الطبراني بإسناد ضعيف، عن عقبة بن عامر وعمرو بن العاص كلاهما، عن النبي ﷺ ، أنه قال – في صلاة الوتر -: ((هي لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الشمس)) .

стр. 4433

وقد حكى يحيى بن آدم، عن قوم، أن الوتر لا يفوت وقته حتى تطلع الشمس. وظاهر هذا: أنه يوتر بعد صلاة الصبح، ما لم تطلع الشمس، وتكون أداء. وفي ((المسند)) ، عن علي، أن النبي ﷺ كان يوتر عند الآذان. وقد سبق ذكره في الصلاة إذا أقيمت الصلاة. وفيه –أيضا – بإسناد فيه جهالة، عن علي، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نوتر هذه الساعة، ثم أمر المؤذن أن يؤذن أو يقيم. وخرّج الطبراني من حديث أبي ذر، قال: أمرني رسول الله ﷺ بالوتر بعد الفجر. وفي إسناده اختلاف. وروي مرسلا. والمرسل أصح عند أبي حاتم وأبي زرعة الرزايين. وروى ابن جريج: أخبرني زياد بن سعد، أن أبا نهيك أخبره، أن أبا الدرداء خطب، فقال: من أدركه الصبح فلا وتر له ٠ فقالت عائشة: كان النبي ﷺ يدركه الصبح فيوتر. خرّجه الطبراني. وخرّجه الإمام أحمد، ولفظه: كان يدركه بصبح

стр. 4434

فيوتر. وأبو نهيك، ليس بالمشهور. ولا يدرى: هل سمع من عائشة، أم لا؟ وقد روي عن أبي الدرداء خلاف هذا. وخرّج الحاكم من رواية أبي قلابة، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: ربما رأيت النبي ﷺ يوتر، وقد قام الناس لصلاة الصبح. وقال: صحيح الإسناد. وخرّج – أيضا – من رواية محمد بن فليح، عن أبيه، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ((إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر)) . وقال: صحيح على شرطهما. والبخاري يخرج بهذا الإسناد كثيرا. وروى زهير بن معاوية، عن خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قرة، عن الأغر المزني، أن رجلا قال: يا رسول الله، أصبحت ولم أوتر؟ فقالَ: ((إنما الوتر بليل)) – ثلاث مرات أو أربعة -، ثُمَّ قالَ: ((قم فأوتر)) .

стр. 4435

وخرجه البزار – مختصرا، ولفظه: ((من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له)) . ورواه وكيع في ((كتابه)) عن خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قرة – مرسلا. وهو أشبه. وروى وكيع، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن النبي ﷺ – مثله -، إلا أنه قال: عن الوتر حتى أصبحت. وفي المعنى –أيضا – عن أبي سعيد الخدري – مرفوعا – من وجهين، لا يصح واحد منهما. وروى أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع، عن ابن عباس، أنه بات عند النبي ﷺ ليلة، فصلى النَّبيّ ﷺ ، فجعل يسلم من كل ركعتين، فلما انفجر الفجر قام فأوتر بركعة، ثم ركع ركعتي الفجر، ثم اضطجع. خرّجها الطبراني وابن خزيمة في ((صحيحه)) . وحمله: إنما أوتر بعد طلوع الفجر الأول.

стр. 4436

ثم خرج من رواية عباد بن منصور، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس، أنه بات ليلة عند النبي ﷺ – فذكر الحديث، وفيه [فذكر] فصلى النبي ﷺ ما كان عليه من الليل، مثنى مثنى، ركعتين ركعتين، فلما طلع الفجر الأول، قام فصلى تسع ركعات، يسلم في كل ركعتين، وأوتر بواحدة، وهي التاسعة، ثم أمسك حتى إذا أضاء الفجر جدا قام فركع ركعتي الفجر، ثم نام. قلت: وكلا الحديثين إسناد ضعيف. والله أعلم. وعلى تقدير صحة هذه الأحاديث، أو شيء منها، فقد تحمل على أن الوتر يقضى بعد ذهاب وقته، وهو الليل، لا على أن ما بعد الفجر وقت له. والمشهور عن أحمد: أن الوتر يقضى بعد طلوع الفجر، ما لم يصل الفجر، وإن كان لا يتطوع عنده في هذا الوقت بما لا سبب له. وفيما له سبب عنه فيه خلاف، فأما الوتر فإنه يقضى في هذا الوقت. ومن الأصحاب من يقول: لا خلاف عنه في ذلك، منهم: ابن أبي موسى وغيره.

стр. 4437

وحكي للشافعي قول كذلك: أنه يقضي الوتر ما لم يصل الفجر. وقال أبو بكر – من أصحابنا -: يقضي ما لم تطلع الشمس. وهذا القول يرجع إلى أن الوتر يقضيه من نام عنه أو نسيه. وقد اختلف العلماء في قضاء الوتر إذا فات: فقالت طائفة: لا يقضى، وهو قول أبي حنيفة ومالك، ورواية عن أحمد وإسحاق، وأحد قولي الشافعي. وحكاه أحمد عن أكثر العلماء. ويروى عن النخعي، أنه لا يقضى بعد صلاة الفجر، وعن الشعبي. وقالت طائفة: يقضى، وهو قول الثوري والليث بن سعد، والمشهور عن الشافعي، ورواية عن أحمد. والصحيح عند أصحاب الشافعي: أن الخلاف في قضاء الوتر والسنن الرواتب سواء. ومنهم من قال: يقضي ما يستقل بنفسه كالوتر، دون ما هو تبع كالسنن الرواتب. والمنصوص عن أحمد وإسحاق: أنه يقضي السنن الرواتب دون الوتر، إذا صلى الفجر ولم يوتر. ونص عليه في رواية غير واحد من أصحابه.

стр. 4438

واستدل من قال: لا يقضي الوتر بأن النبي ﷺ كان إذا نام أو شغله مرض أو غيره عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة. خرجه مسلم من حديث عائشة. فدل على أنه كان يقضي التهجد دون الوتر. ويجاب عن هذا: بأنه يحتمل أنه كان إذا كان له عذر يوتر قبل أن ينام، فلم يكن يفوته الوتر حينئذ. هذا في حال المرض ونحوه ظاهر، وأما في حال غلبة النوم فيه نظر. وخرج النسائي حديث عائشة، ولفظه: كان إذا لم يصل من الليل منعه من ذلك نوم [غلبه عنه] أو وجع، صلى من النهار ثلاث عشرة ركعة. فإن كانت هذه الرواية محفوظة دلت على أنه كان يقضي الوتر. واستثنى إسحاق أن يكون نام عن الوتر وصلاة الفجر حتى طلعت الشمس، فقال: يقضي الوتر، ثم يصلي سنة الفجر، ثم يصلي المفروضة. وقد ورد في هذا حديث، ذكرناه في قضاء الصلوات. وخرجه النسائي من حديث محمد بن المنتشر، عن أبيه، أنه كان في منزل عمرو بن شرحبيل، فأقيمت الصلاة، فجعلوا ينتظرونه، فجاء فقال: إني كنت أوتر. وقال: سئل عبد الله: هل بعد الأذان وتر؟ قالَ: نعم،

стр. 4439

وبعد الإقامة، وحدث عن النَّبيّ ﷺ ، أنَّهُ نام عن الصَّلاة حتَّى طلعت الشمس، ثُمَّ صلى. فإن كان مراده: أنه نام عن الوتر فذاك، وإن كان مراده: أنه نام عن الفريضة ثم قضاها، فيكون مراده إلحاق القضاء الوتر بالقياس. وكذا روي عن ابن عمر، أنه قاس قضاء الوتر على قضاء الفرض. وأخذه بعضهم من عموم قوله: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) . خرجه مسلم. وقد سبق في موضعه. فيدخل في عمومه الوتر. وجاء في حديث التصريح به، من رواية عبد الرحمن بن زيد بن اسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: ((من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا ذكره)) . خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه. وخرجه الترمذي –أيضا - من رواية عبد الله بن زيد بن اسلم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((من نام عن وتره فيصله إذا أصبح)) . وقال: هذا أصح. وذكر: أن عبد الله بن زيد ثقة، وأخاه عبد الرحمن ضعيف.

стр. 4440

ولكن خرجه أبو داود والحاكم من حديث أبي غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد –مرفوعاً. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. وخرجه الدارقطني من وجه آخر، عن زيد –كذلك. لكنه إسناد ضعيف. ورده بعضهم بأن أبا سعيد روى عن النبي ﷺ : ((أوتروا قبل أن تصبحوا)) ، وهذا يخالفه وليس كذلك؛ فإن الأمر بالإيتار قبل الصبح أمر بالمبادرة إلى أدائه في وقته، فإذا فات وخرج وقته، ففي هذا أمر بقضائه، فلا تنافي بينهما. وفي تقييد الأمر بالقضاء لمن نام او نسيه يدل على أن العامد بخلاف ذلك، وهذا متوجه؛ فإن العامد قد رغب عن هذه السنة، وفوتها في وقتها عمداً، فلا سبيل لهُ بعد ذَلِكَ إلى استدراكها، بخلاف النائم والناسي. وممن روي عنه الأمر بقضاء الوتر من النهار: علي وابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والشعبي وحماد. وهو قول الشافعي –في صحيح عنه - وأحمد –في رواية. والأوزاعي، إلا أنه قال: يقضيه نهاراً وبالليل ما لم يدخل وقت الوتر بصلاة العشاء الآخرة، ولا يقضيه بعد ذلك؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة.

стр. 4441

وعن سعيد بن جبير، قالَ: يقضيه من الليل القابلة. وظاهر هذا: أنه لا يقضيه إلا ليلاً؛ لأن وقته الليل، فلا يفعل بالنهار. المسألة الثانية: في وقت أفضل الوتر. قد كان كثير من الصحابة يوتر من أول الليل، منهم: أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان وعائذ بن عمرو وأنس ورافع بن خديج وأبو هريرة وأبو ذر وأبو الدرداء. وهؤلاء الثلاثة أوصاهم النبي ﷺ بذلك، فتمسكوا بوصيته. ومنهم من كان يفعل ذلك خشية من هجوم الموت في النوم؛ فإنهم كانوا على نهاية من قصر الأمل. وذهب طائفة إلى أن الوتر قبل النوم افضل، وهو أحد الوجهين للشافعية. وهو مقتضى قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا في كتابه ((شرح المذهب)) ، حيث ذكر أن وقت الوتر تابع لوقت العشاء، وأنه يخرج وقته بخروج وقت العشاء المختار. وقال أبو حفص البرمكي من أصحابنا –في شهر رمضان خاصة لمن

стр. 4442

صلى التراويح خلف الإمام -: فإن الأفضل أن لا ينصرف المأموم حتى ينصرف إمامه. ونقل مهنا، عن أحمد، أنه كان يوتر قبل أن ينام، وقال: هو أحوط، وما يدريه؟ لعله لا ينتبه. وهذا يدل على أن الأخذ بالاحتياط أفضل. وروى شهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: النوم على وتر خير. وقال عمر: الأكياس يوترون أول الليل، والأقوياء يوترون آخر الليل. خرجهما وكيع. وقد سبق هذا المعنى مرفوعاً من وجوه. والكيس: هو الحذر الحازم المحتاط لنفسه، الناظر إلى عواقب الأمور. وممن كان يقدم الوتر: ابن المسيب والشعبي. وكان أكثر من السلف يوتر في آخر الليل، منهم: عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وغيرهم. وروى وكيع، عن الربيع بن صبيح، عن ابن سيرين، قال: ما يختلفون أن الوتر من آخر الليل أفضل. واستحبه النخعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد –في المشهور عنه - وإسحاق، إن قوي

стр. 4443

ووثق بنفسه القيام من آخر الليل، فأما من ليس كذلك فالأفضل في حقه أن يوتر قبل النوم. وروي هذا المعنى عن عائشة. واستدلوا بما خرجه مسلم من حديث أبي سفيان، عن جابر، عن النَّبيّ ﷺ ، قال: ((من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فان صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك افضل)) . وفي رواية له: ((محضورة)) . وخرجه –أيضا - من رواية ابي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ –بنحوه. وحمل بعض هؤلاء أحاديث الأمر بالوتر قبل النوم على من خاف أن لا يقوم آخر الليل. وهذا بعيد جداً في حق أولئك الصحابة، الذين أمروا بالوتر قبل النوم، مع ما عرف من شدة اجتهادهم، وكثرة تهجدهم. ومنهم من حمله على بيان الجواز، وعدم الكراهة. ومنهم من أشار إلى نسخة. وروى الإسماعيلي في ((مسند علي)) بإسناد مجهول، عن السدي، عن الربيع بن خثيم، قال: خرج علينا على حين يبلج الصبح، فقال: إن جبريل أتى نبيكم النبي ﷺ ، فأمره أن يوتر أول الليل، فأوتر كما أمره الله، ثم أتاه فأمره أن يوتر وسطاً من الليل، فأوتر كما أمره الله، ثم أتاه

стр. 4444

فأمره أن يوتر هذه الساعة، فقبض نبيكم ﷺ وهو يوتر من هذه الساعة، أين السائلون عن الوتر، نعم ساعة الوتر. وحديث عائشة: ((أنه انتهى وتره الى السحر)) قد يشعر بذلك، وأنه ترك الوتر من أول الليل ووسطه، واستقر عمله على الوتر من آخر، وإنما كان ينتقل من الفاضل إلى الأفضل وعلى هذا: فهل الأفضل الوتر إذا خشي طلوع الفجر، كما دل عليه حديث ابن عمر، وكان ابن عمر يفعل ذلك، ويوتر من السحر. قال الثوري: كانوا يحبون أن يؤخروا الوتر آخر الليل، وقد بقي عليهم من الليل شيء. وقال إسحاق: [كانوا] يستحبون أن يوتروا آخر الليل، وأن يوتروا وقد بقي من الليل نحو مما ذهب منه من صلاة المغرب، واستدل بقول عائشة: ((فانتهى وتره الى السحر)) . نقله عنه حرب. وروى وكيع في ((كتابه)) عن الأعمش، عن إبراهيم، أنه بات عند عبد الله ابن مسعود، فسئل: أي ساعة أوتر؟ قالَ: إذا بقي من الليل مثل ما مضى إلى صلاة المغرب. وعن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس –بنحوه.

стр. 4445

ومعنى ذلك: أنه يوتر وقد بقي من الليل قبل طلوع الفجر مقدار ما يصلي فيه صلاة المغرب، بعد دخول الليل وغروب الشمس. والمراد: أنه لا يوتر إلا في ليل محقق بقاؤه. وهو معنى قول النخعي: الوتر بليل، والسحور بليل. فجعل وقته كوقت السحور بل أشد؛ فإنه قالَ لأن يدركني الفجر وأنا اتسحر أحب إلي من أن يدركني وأنا أوتر. وكان علي بن أبي طالب يرخص في تأخير الوتر حتى ينشق الفجر، وربما روي عنه أنه أفضل. وقد سبق عن طائفة من السلف نحوه. وهؤلاء، منهم من رخص في تأخير السحور –أيضا -، كما يأتي في موضعه – إن شاء الله . ولأصحابنا وجه شاذ: أن الوتر في الليل كله، سواء في الفضل.

стр. 4446

٣ - باب في إيقاظ النبي ﷺ أهله بالوتر

стр. 4447

٩٩٧ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى، ثنا هشام: ثنا أبي، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد ان يوتر أيقظني فأوترت. قد سبق هذا الحديث بهذا الإسناد بعينه في ((باب: الصلاة خلف النائم)) . وقد دل هذا الحديث على إيقاظ النائم بين يدي المصلي. لكن هل كان إيقاظها لتوتر أو لتتنحى عن قبلته في الوتر؟ قد وردت أحاديث تدل على الثاني، قد سبق ذكرها في ((باب: من قالَ: لا يقطع الصَّلاة شيء)) . وروى الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل، فإذا انصرف قال لي: ((قومي فأوتري)) . خرّجه الإمام أحمد. فإن كان إيقاظها للايتار استدل به على إيقاظ النائم للصلاة، لا سيما إذا تضايق وقتها؛ فإن ايتار النَّبيّ ﷺ استقر في آخر عمره على أنه كانَ في السحر، كما سبق في الباب الماضي.

стр. 4448

وقد كان النبي ﷺ يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان للصلاة بالليل والذكر والدعاء، ففي سائر السنة كان إيقاظه لهم للوتر خاصة؛ فإنه من آكد السنن الرواتب. وإن كانَ إيقاظها لتتنحى عن قبلته في الوتر، استدل به على الرخصة في الصَّلاة إلى النائم في النفل المطلق دون النفل المعين المؤكد، فالفرض أولى. وقد أشار إليه الإمام أحمد، كما سبق ذكره في موضعه. وعلى التقديرين، فيستدل به على ان من له من يوقظه للوتر في آخر الليل لا يكره له ان ينام قبل ان يوتر، ولو كان امرأة أو صبياً، ممن يغلب عليه النوم؛ فان قولها: ((فأوترت)) يدل على أنها كانت تؤخر الوتر إلى ذَلِكَ الوقت، وتنام قبله.

стр. 4449

٤ - باب ليجعل آخر صلاته وتراً

стр. 4450

٩٩٨ - حدثنا مسدد: نا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) . وخرّجه مسلم. وخرّج –أيضا - من حديث الأسود، عن عائشة، ان النبي ﷺ كان يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر. وخرّجه أبو داود –مطولاً. جعل الوتر آخر صلاة الليل يستفاد منه فوائد عديدة. فمنها: تأخير الوتر إلى آخر الليل؛ فان صلاة وسط الليل وآخر الليل أفضل من صلاة أوله، فتأخير الوتر يتسع به وقت الصَّلاة في وسط الليل وآخره. ومنها: أنه لا ينبغي التنفل في الليل بوتر غير الوتر الذي يقطع عليه صلاة الليل، كما لا ينبغي التنفل في النهار بوتر –أيضا -، حتى تكون صلاة المغرب وتره. فروى الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون: أنا هشام، عن محمد –هو: ابن سيرين -، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قالَ: ((صلاة المغرب وتر النهار، فاوتروا صلاة الليل)) .
следующие страницы →