← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

٣ - باب في إيقاظ النبي ﷺ أهله بالوتر

стр. 4447

٩٩٧ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى، ثنا هشام: ثنا أبي، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد ان يوتر أيقظني فأوترت. قد سبق هذا الحديث بهذا الإسناد بعينه في ((باب: الصلاة خلف النائم)) . وقد دل هذا الحديث على إيقاظ النائم بين يدي المصلي. لكن هل كان إيقاظها لتوتر أو لتتنحى عن قبلته في الوتر؟ قد وردت أحاديث تدل على الثاني، قد سبق ذكرها في ((باب: من قالَ: لا يقطع الصَّلاة شيء)) . وروى الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل، فإذا انصرف قال لي: ((قومي فأوتري)) . خرّجه الإمام أحمد. فإن كان إيقاظها للايتار استدل به على إيقاظ النائم للصلاة، لا سيما إذا تضايق وقتها؛ فإن ايتار النَّبيّ ﷺ استقر في آخر عمره على أنه كانَ في السحر، كما سبق في الباب الماضي.

стр. 4448

وقد كان النبي ﷺ يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان للصلاة بالليل والذكر والدعاء، ففي سائر السنة كان إيقاظه لهم للوتر خاصة؛ فإنه من آكد السنن الرواتب. وإن كانَ إيقاظها لتتنحى عن قبلته في الوتر، استدل به على الرخصة في الصَّلاة إلى النائم في النفل المطلق دون النفل المعين المؤكد، فالفرض أولى. وقد أشار إليه الإمام أحمد، كما سبق ذكره في موضعه. وعلى التقديرين، فيستدل به على ان من له من يوقظه للوتر في آخر الليل لا يكره له ان ينام قبل ان يوتر، ولو كان امرأة أو صبياً، ممن يغلب عليه النوم؛ فان قولها: ((فأوترت)) يدل على أنها كانت تؤخر الوتر إلى ذَلِكَ الوقت، وتنام قبله.

стр. 4449

٤ - باب ليجعل آخر صلاته وتراً

стр. 4450

٩٩٨ - حدثنا مسدد: نا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) . وخرّجه مسلم. وخرّج –أيضا - من حديث الأسود، عن عائشة، ان النبي ﷺ كان يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر. وخرّجه أبو داود –مطولاً. جعل الوتر آخر صلاة الليل يستفاد منه فوائد عديدة. فمنها: تأخير الوتر إلى آخر الليل؛ فان صلاة وسط الليل وآخر الليل أفضل من صلاة أوله، فتأخير الوتر يتسع به وقت الصَّلاة في وسط الليل وآخره. ومنها: أنه لا ينبغي التنفل في الليل بوتر غير الوتر الذي يقطع عليه صلاة الليل، كما لا ينبغي التنفل في النهار بوتر –أيضا -، حتى تكون صلاة المغرب وتره. فروى الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون: أنا هشام، عن محمد –هو: ابن سيرين -، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قالَ: ((صلاة المغرب وتر النهار، فاوتروا صلاة الليل)) .

стр. 4451

قال الدارقطني: رواه أيوب، عن نافع وابن سيرين، عن ابن عمر - موقوفاً. ورواه مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر – موقوفاً. ورفعه بعضهم عن مالك. وهذا قد يستدل به على جواز الوتر، بعد طلوع الفجر، ويكون ايتاراً لصلاة الليل، وان كان بعد خروج الليل، كما يوتر صلاة النهار بالمغرب، وإنما يفعل بعد خروج النهار. فهذا يدل على ان لا وتر لصلاة النهار غير صلاة المغرب، ولا وتر لصلاة الليل غير الوتر المأمور به، فمن تطوع في ليل أو نهار بوتر غير ذلك، فقد زال ايتاره لصلاته، وصارت صلاته شفعاً. وفي صحة التطوع بشفع في الليل والنهار عن أحمد روايتان. والصحة قول الشافعي، وعدم الصحة قول أبي حنيفة. وقد ذكرنا ما يستدل به للمنع. واستدل الشافعي ومن وافقه بان عمر دخل المسجد، فصلى ركعة، ثم قال: هو تطوع، فمن شاء زاد، ومن شاء نقص. وقد يعارض ذلك بالحديث المرفوع والموقوف: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) . واستدلوا –أيضا - بأن جماعة نقضوا وترهم

стр. 4452

بركعة. وهذا استدلال مردود؛ لوجهين: أحدهما: أنه قد أنكره عليهم غيرهم من الصحابة. والثاني: أنهم إنما نقضوه لتصير صلاتهم شفعاً، ثم يوترون. ومن تطوع بركعة في الليل، من غير نقض، ثم أوتر لم يبق لوتره فائدة؛ فإنه صار وتره شفعاً. ونحن نذكر هاهنا مسألة نقص الوتر: وهي: إذا أوتر الإنسان من الليل، ثم أراد أن يصلي: فقال كثير من الصحابة: يصلي ركعة واحدة فيصير بها وتره الماضي شفعاً، ثم يصلي ما أراد، ثم يوتر في آخر صلاته ٠ وهؤلاء اخذوا بقوله: ((اجعلوا آخر صلاتكم وتراً)) ، ولهذا روى ابن عمر هذا الحديث، وهو كان ينقض وتره، فدل على أنه فهمه منه. وروي عن أسامة بن زيد وغير واحد من الصحابة، حتى قال أحمد: وروي ذلك عن اثني عشر رجلاً من الصحابة. وممن روي ذلك عنه، منهم: عمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وابن عباس –في رواية -، وهو قول عمرو بن ميمون وابن سيرين وعورة ومكحول. وأحمد –في رواية اختارها أبو بكر وغيره.

стр. 4453

قال ابن أبي موسى: هي الأظهر عنه. وقول إسحاق، قال إسحاق: وإن لم يفعل ذلك لم يكن قد عمل بقول النبي ﷺ : ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) . وهو –أيضا - وجه للشافعية. ورد بعضهم هذا القول بقول النبي ﷺ : ((لا وتران في ليلة)) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان في ((صحيحه)) ، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وحسنه الترمذي. وقالوا: هذا يؤدي إلى ثلاثة أوتار، فيكون منهيا عنه. وقال الأكثرون: لا ينقض وتره، بل يصلي مثنى مثنى. وهو قول ابن عباس –في المشهور عنه – وأبي هريرة وعائشة وعمار وعائذ بن عمرو وطلق بن علي ورافع بن خديج. وروي عن سعد.

стр. 4454

ورواه ابن المسيب، عن أبي بكر الصديق. وفي رواية، عنه: أن الصديق ذكر ذلك للنبي ﷺ ، فاقره عليه، ولم ينكره. خرجه حرب الكرماني. ورواه خلاس، عن عثمان، ولم يسمع منه. وهو قول علقمة وطاوس وسعيد بن جبير وأبي مجلز والشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد –في رواية عنه وصححها بعض أصحابنا. واستدلوا بحديث: ((لا وتران في ليلة)) ، وقد تقدم، وبقول النبي ﷺ : ((إذا قام أحدكم من الليل يصلي، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين)) . خرجه مسلم من حديث أبي هريرة. وهو عام فيمن كان أوتر قبل ذلك، ومن لم يوتر. واستدلوا –أيضا - بأن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين بعد وتره، وسنذكره – إن شاء الله . وبأن النقض يفضي إلى التطوع بالأوتار المعددة، وهو مكروه أو محظور. وقد روي عن عائشة، أنها قالت: ذاك يلعب بوتره. قال أحمد: كرهته عائشة، وأنا أكرهه. وعن أحمد: أنه مخير بين الأمرين؛ لأنهما جميعاً مرويان عن الصحابة. وقد روي عن علي، أنه خير بين الأمرين. خرجه الشافعي بأسناد عنه، فيه ضعيف.

стр. 4455

وخرج الطبراني: نا مقدام بن داود: نا عبد الله بن يوسف: نا ابن لهيعة، عن عياش بن عباس القتباني، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي العتمة، ثم يصلي في المسجد قبل أن يرجع إلى بيته سبع ركعات، يسلم في الأربع في كل … ثنتين، ويوتر بثلاث، يتشهد في الأوليين من الوتر تشهده في التسليم، ويوتر بالمعوذات، فإذا رجع إلى بيته صلى ركعتين ويرقد، فإذا انتبه من نومه صلى ركعتين –وذكرت الحديث، ولم تذكر أنه أوتر في آخر الليل. وهو غريب جداً، ومنكر؛ مخالف جميع الروايات الصحيحة عن عائشة. ومقدام بن داود، من فقهاء مصر، ولم يكن في الحديث محموداً قالَ ابن يونس: تكلموا فيهِ. وقال النسائي: ليس بثقة. ويتصل بهذا: الكلام على حكم الصلاة بعد الوتر: وقد كرهه طائفة من السلف. ومستندهم: قول النبي ﷺ : ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) ، وما أشبهه. وروى عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، أنه كره الصلاة بعد الوتر. وكان أبو مجلز لا يصلي بعد الوتر إلا ركعتين.

стр. 4456

وقال قيس بن عباد: إذا أوترت ثم قمت فاقرأ وأنت جالس. وظاهر هذا: أنه يقرا من غير صلاة. وأما الأكثرون، فلم يكرهوا الصلاة بعد الوتر. ولكن اختلفوا في نقضه – كما سبق. ومذهب مالك: إذا أوتر قي المسجد، ثم أراد أن يتنفل بعده تربص قليلا، وإن انصرف بعد وتره إلى بيته تنفل ما أحب. نقله في ((تهذيب المدونة)) . واستحب أحمد أن يكون بين وتره وبين صلاته بعد الوتر فصل. قال حرب: قلت لأحمد: الرجل يوتر، ثم يصلى بعد ذلك؟ قالَ: لا بأس به، يصلي مثنى مثنى. قالَ: وأحب أن يكون بينهما ضجعة أو نوم أو عمل أو شيء. قلت: ضجعة من غير نوم؟ فما أدري ما قالَ. وروى المروذي، عن أحمد - في الرجل يصلي شهر رمضان، يقوم فيوتر بهم، وهو يريد يصلي بقوم آخرين -: يشتغل بينهما بشيء، يأكل أو يشرب أو يجلس. قال أبو حفص البرمكي: وذلك لأنه يكره أن يوصل بوتره صلاة، ويشتغل بينهما بشيء؛ ليكون فصلا بين وتره وبين الصَّلاة الثانية، وهذا إذا كانَ يصلي بهم في موضعه، فإما إن كانَ موضع آخر، فذهابه فصل، ولا يعيد الوتر ثانية؛ لأنه لا وتران في ليله ٠ انتهى.

стр. 4457

والمنصوص عن أحمد خلاف ذلك: قال – في رواية صالح - في رجل أوتر مع الإمام، ثم دخل بيته -: يعجبني أن يكون بعد ضجعة أو حديث طويل واختلفت الرواية عن أحمد في التعقيب في رمضان، وهو: أن يقوموا في جماعة في المسجد، ثم يخرجون منه، ثم يعودون إليه فيصلون جماعة في آخر الليل. وبهذا فسره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره من أصحابنا. فنقل المروذي وغيره، عنه: لا بأس به، وقد روي عن أنس فيه. ونقل عنه ابن الحكم، قالَ: أكرهه، أنس يروى عنه أنه كرهه، ويروى عن أبي مجلز وغيره أنهم كرهوه، ولكن يؤخرون القيام إلى آخر الليل، كما قال عمر. قال أبو بكر عبد العزيز: قول محمد بن الحكم قول له قديم، والعمل على ما روى الجماعة، أنه لا بأس به. انتهى. وقال الثوري: التعقيب محدث. ومن أصحابنا من جزم بكراهيته، إلا أن يكون بعد رقدة، أو يؤخره إلى بعد نصف الليل، وشرطوا: أن يكون قد اوتروا جماعة في قيامهم الأول، وهذا قول ابن حامد والقاضي وأصحابه. ولم يشترط أحمد ذلك. وأكثر الفقهاء على أنه لا يكره بحالٍ. وكره الحسن أن يأمر الإمام الناس بالتعقيب؛ لما فيهِ من المشقة عليهم، وقال: من كانَ فيهِ قوة

стр. 4458

فليجعلها على نفسه، ولا يجعلها على الناس. وهذه الكراهة لمعنى آخر غير الصلاة بعد الوتر. ونقل ابن المنصور، عن إسحاق بن راهويه، أنه إن أتم الإمام التراويح في أول الليل كره له أن يصلي بهم في آخره جماعة أخرى؛ لما روي عن أنس وسعيد بن جبير من كراهته. وإن لم يتم بهم في أول الليل وآخر تمامها إلى آخر الليل لم يكره. فأما صلاة ركعتين بعد الوتر، فقد رويت عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، ولم يخرج البخاري منها شيئاً. لكنه خرج من حديث عراك، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن النَّبيّ ﷺ كانَ يصلي بعد العشاء ثمان ركعات، وركعتين جالساً، وركعتين بين النداءين. ولم تذكر الوتر في هذه الرواية، ولا بد منه. والظاهر: أن الركعتين اللتين صلاهما جالسا كانتا بعد وتره، ويحتمل أن يكون قبله. فقد خرج مسلم من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن النَّبيّ ﷺ : كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح. وخرج –أيضا - من رواية زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام،

стр. 4459

عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يوتر بتسع ركعات - وذكرت صفتها -، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد، فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع، صنع في الركعتين مثل صنيعه الأول. وفي رواية لأبي داود في هذا الحديث: كان يصلي ثمان ركعات، لا يسلم إلا في آخرهن، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، ثم يصلي ركعة. فعلى هذه الرواية: تكون صلاته ركعتين جالسا قبل الوتر، لا بعده. وخرج أبو داود –أيضا - من رواية بهز بن حكيم، عن زرارة، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يوتر بتسع، يسلم في التاسعة تسليمة شديدة، ثم يقرأ وهو قاعد بأم الكتاب، ويركع وهو قاعد، ثم يقرأ في الثانية، فيركع ويسجد وهو قاعد، ثم يدعو ما شاء أن يدعو، ثم يسلم. وهذه الرواية تخالف رواية أبي سلمة، عن عائشة، أنه كان إذا أراد أن يركع قام. وخرج أبو داود من رواية علقمة بن وقاص، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يوتر بتسع ركعات، ثم اوتر بسبع ركعات، وركع ركعتين وهو جالس بعد الوتر، فقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم سجد.

стр. 4460

وخرجه مسلم، ولفظه: عن علقمة، قال: قلت لعائشة: كيف كان يصنع رسول الله ﷺ في الركعتين وهو جالس؟ قالت: يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع. وقد روي عن عائشة، من وجوه أخر. وخرج النسائي من حديث شعبة، عن الحاكم: سمعت سعيد بن جبير يحدث، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ صلى من الليل خمس ركعات، ثم ركعتين، ثم نام، ثم صلى ركعتين، ثم خرج إلى الصَّلاة. وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ميمون المرئي، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس. وخرجه الترمذي إلى قوله: ((ركعتين)) . وذكر العقيلي أن ميموناً تفرد برفعه، وغيره يرويه موقوفا على أم سلمة. وفيه –أيضا - عن أبي أمامة وأنس وثوبان وغيرهم.

стр. 4461

واختلف العلماء في الركعتين بعد الوتر؟ فمنهم من استحبها وأمر بها، ومنهم: كثير بن ضمرة وخالد بن معدان. وفعلها الحسن جالساً. وتقدم عن أبي مجلز، أنه كان يفعلها. ومن أصحابنا من قال: هي من السنن الرواتب. وفي حديث سعد بن هشام ما يدل على مواظبة النبي ﷺ عليهما. ومن هؤلاء من قال: الركعتان بعد الوتر سنة له، كسنة المغرب بعدها، ولم يخرج بذلك المغرب عن أن يكون وتراً لها. ومن العلماء من رخص فيهما، ولم يكرههما، هذا قول الأوزاعي وأحمد. وقال: ارجوا إن فعله أن لا يضيق، ولكن يكون ذلك وهو جالس، كما جاء في الحديث. قيل له: تفعله أنت؟ قالَ: لا. وقال ابن المنذر: لا يكره ذَلِكَ. ومن هؤلاء من قال: إنما فعل النبي ﷺ ذلك أحيانا لبيان الجواز فقط. وحكي عن طائفة كراهة ذلك، منهم قيس بن عبادة ومالك والشافعي. فأما مالك، فلم يعرف هاتين الركعتين بعد الوتر -: ذكره عنه ابن المنذر.

стр. 4462

وأما الشافعي، فحكي عنه أنه قال: أمر النَّبيّ ﷺ أن نجعل آخر صلاتنا بالليل وتراً، فنحن نتبع أمره، وأما فعله فقد يكون مختصا به. وأشار البيهقي إلى أن هاتين الركعتين تركهما النبي ﷺ بعد فعلهما، وانتهى أمره إلى أن جعل آخر صلاته بالليل وتراً. وهذا إشارة إلى نسخهما، وفيه نظر. وإذا كان مذهب الشافعي أنه لا تكره الصلاة بعد الوتر بكل حال، فكيف تكره هاتان الركعتان بخصوصهما، مع ورود الأحاديث الكثيرة الصحيحة بها؟ وقد ذكر بعض الناس: أن النَّبيّ ﷺ كانَ يصلي ركعتين بعد وتره جالساً، لما كانَ يوتر من الليل ويجعل الركعتين جالسا كركعة قائمًا، فيكون كالشفع لوتره، حتَّى إذا قام ليصلي من آخر الليل لم يحتج إلى نقضه بعد ذَلِكَ. وربما استأنسوا لذلك بحديث ثوبان: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فقال: ((إن هذا السفر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإن استيقظ، وإلا كانتا له)) . خرجه ابن حبان في ((صحيحه)) . وهذا القول مردود؛ لوجهين: أحدهما: أن حديث عائشة يدل –لمن تأمله - على أن هذا كانَ النَّبيّ ﷺ يفعله في وتره من آخر الليل، لا من أوله، وكذلك حديث ابن عباس.

стр. 4463

وثانيهما: أن صلاته جالساً لم تكن كصلاة غيره من أمته على نصف صلاة القائم. يدل عليه: ما خرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث عبد الله بن عمرو، قال: أتيت النبي ﷺ ، فوجدته يصلي جالساً، فقلت: حُدّثتُ يا رسول الله، إنك قلت: ((صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة)) ، وأنت تصلي قاعداً؟ قالَ: ((أجل؛ ولكني لست كأحد منكم)) . وأما حديث ثوبان، فتأوله بعضهم على أن المراد: إذا أراد أن يوتر فليركع ركعتين. وكأنه يريد أنه لا يقتصر في وتره في السفر على ركعة واحدة، بل يركع قبلها ركعتين، فيحصل له بهما نصيب من صلاة الليل، فإن لم يستيقظ من آخر الليل كان قد اخذ بحظ من الصلاة، وإن استيقظ صلى ما كتب له، وهذا متوجه. والله أعلم. وروي عن النبي ﷺ ، أنه كان يصلي في السفر صلاته من الليل قبل أن ينام. ففي ((المسند)) من حديث شرحبيل بن سعد، عن جابر، أنه كان مع النبي ﷺ في سفر، فصلى العتمة –وجابر إلى جنبه -، ثم صلى بعدها ثلاث عشرة سجدة. وشرحبيل، مختلف فيه.

стр. 4464

٥ - باب الوتر على الدابة

стр. 4465

٩٩٩ - حدثنا إسماعيل: حدثني مالك، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن سعيد بن يسار، أنه قالَ: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة. قال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم لحقته، فقال عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح فنزلت فأوترت. قالَ عبد الله: أليس لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؟ فقلت: بلى؛ والله. قال فإن رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير. هذا الحديث قد روي عن ابن عمر من وجوه متعددة، قد خرجاه في ((الصحيحين)) من هذا الوجه، ومن حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه. وخرجه البخاري من حديث نافع، ومسلم من حديث عبد الله بن دينار. وهذا مما استدل به على أن الوتر غير واجب، وأنه ملتحق بالنوافل؛ فإنه لو كانَ واجبا لألحق بالفرائض، ولم يفعل على الدابة جالساً، مع القدرة على القيام.

стр. 4466

وقد اختلف العلماء في جواز الوتر على الراحلة: فذهب أكثرهم إلى جوازه، ومنهم: ابن عمر، وروي عن علي وابن عباس، وهو قول سالم وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وقال الثوري: لا بأس به، وبالأرض أحب إلي. وكذا مذهب مالك: في ((تهذيب المدونة)) : أن المسافر إذا كان له حزب، فليوتر على الأرض، ثم يتنفل في المحمل بعد الوتر. وهذا يدل على أن تقديم الوتر على الأرض على قيام الليل أفضل من تأخيره مع على الراحلة. ومنع من الوتر على الراحلة من يرى أن الوتر واجب، وهو قول أبي حنيفة. وقال النخعي: كانوا يصلون الفريضة والوتر بالأرض. وحكى ابن أبي موسى – من أصحابنا – عن أحمد في جواز صلاة ركعتي الفجر على الراحلة روايتين، دون الوتر. وحكي عن بعض الحنفية، أنه لا يفعل الوتر ولا ركعتا الفجر على الراحلة. وروى الإمام أحمد: ثنا إسماعيل: ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، أن ابن عمر كان يصلي على راحلته تطوعاً، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض. ولعله فعله استحباباً، وإنما أنكر [على] من لا يراه جائزاً.

стр. 4467

وروى محمد بن مصعب: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، قالَ: كان النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به تطوعا، فإذا أراد أن يصلي الفريضة أو يوتر أناخ فصلى بالأرض. قال ابن جوصا في ((مسند الأوزاعي من جمعه)) : لم يقل أحد من أصحاب الأوزاعي: ((أو يوتر)) غير محمد بن مصعب وحده. وخرجه من طرق كثيرة عن الأوزاعي، ليس في شيء منها: ذكر الوتر. ومحمد بن مصعب، قال يحيى: ليس حديثه بشيء. وقال ابن حبان: ساء حفظه فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به.

стр. 4468

٦ - باب الوتر في السفر

стр. 4469

١٠٠٠ - حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء، صلاة الليل، إلا الفرائض، ويوتر على راحلته. الوتر في السفر مستحب كالوتر في الحضر، وقد كان ابن عمر يوتر في سفره. وروى وكيع، عن شريك، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس وابن عمر، أنهما قالا: الوتر في السفر سنة. وقال مجاهد: لا يترك الوتر في السفر إلا فاسق. وروى وكيع - أيضا - عن خالد بن دينار، عن شيخ، قال: صحبت ابن عباس في سفر، فلا أحفظ أنه أوتر. وهذا إسناد مجهول. وقوله: ((لم أحفظ)) لا يدل على أنه لم يوتر. والوتر تابع لصلاة الليل، وقد كان النبي ﷺ يصلي صلاته بالليل وتراً. وإنما اختلف العلماء في فعل السنن الرواتب في السفر؛ لأنها تابعة للفرائض، والفرائض تقصر في السفر تخفيفاً، فكيف يحذف شطر

стр. 4470

المفروضة ويحافظ على سننها؟ ولهذا قالَ ابن عمر: لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي. وقد روي، أنه ﷺ كان يصلي في السفر ركعتي الفجر والمغرب؛ لأن فريضتهما لا تقصر. وهو من مراسيل أبي جعفر محمد بن علي. ونص عليه أحمد –في رواية المروذي -، أنه لا يدع في السفر ركعتي الفجر والمغرب.

стр. 4471

٧ - باب القنوت قبل الركوع وبعده لم يبوب البخاري على القنوت إلا في عقب أبواب الوتر، وهذا يدل على أنه يرى القنوت في الوتر، إما دون غيره من الصلوات أو مع غيره منها. وخرج فيه حديث أنس بن مالك من طرق أربعة. الطريق الأول:

стр. 4472

١٠٠١ - ثنا مسدد: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، قال: سئل أنس بن مالك: أقنت النبي ﷺ في الصبح؟ قالَ: نعم. فقيل: أو قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيراً. هذا الحديث –بهذا اللفظ -: يدل على أن النبي ﷺ قنت في الصبح، وأنه قنت بعد الركوع، وأنه قنت يسيراً. وقوله: ((يسيراً)) يحتمل أن يعود إلى القنوت، فيكون المراد: قنت قنوتاً يسيراً، ويحمتل أنه يعود إلى زمانه، فيكون المعنى: قنوته زماناً يسيراً، فيدل على أنه لم يدم عليه، بل ولا كان غالب أمره، وإنما كان مدة يسيرة فقط.

стр. 4473

ويدل عليه: ما روى علي بن عاصم: أخبرني خالد وهشام، عن محمد بن سيرين: حدثني أنس، أن النبي ﷺ قنت شهرا في الغداة، بعد الركوع، يدعو. وقد خرجه أبو داود، وعنده: بدل ((يسيراً)) : ((يسراً)) أو ((يسر)) . وهذه الرواية إن كانت محفوظة فإنما تدل على أنه اسر بالقنوت، ولم يجهر به. الطريق الثاني:

стр. 4474

١٠٠٢ - ثنا مسدد: ثنا عبد الواحد: ثنا عاصم، قال: سألت أنس بن مالك، عن القنوت؟ فقالَ: قد كانَ القنوت. قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قلت: فإن فلانا أخبرني عنك، أنك قلت: بعد الركوع؟ فقال: كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرا، أراه كان بعث قوما، يقال لهم: القراء، زهاء سبعين رجلا إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين النبي ﷺ عهد، فقنت رسول الله ﷺ شهرا يدعو عليهم. وخرّجه – أيضا – في ((المغازي)) عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد، [عن] عاصم، بأتم من هذا. وخرّجه في أواخر ((الجهاد)) من طريق ثابت بن يزيد، عن عاصم:

стр. 4475

سألت أنساً عن القنوت، [قال] : قبل الركوع، فقلت: إن فلانا يزعم أنك قلت: بعد الركوع؟ قالَ: كذب، ثُمَّ حدث عن النَّبيّ ﷺ ، أنه قنت شهراً بعد الركوع –فذكره. وخرّجه في ((الأحكام)) من طريق عباد بن عباد، عن عاصم. وفي ((الدعاء)) من طريق أبي الأحوص، عن عاصم –مختصراً، في القنوت شهراً، ولم يذكر فيه : ((قبل)) . وخرجه مسلم من رواية أبي معاوية، عن عاصم، عن أنس، قال: سألته عن القنوت قبل الركوع، أو بعد الركوع؟ فقالَ: قبل الركوع. قلت: فإن ناسا يزعمون أن رسول الله ﷺ قنت بعد الركوع؟ فقال: إنما قنت رسول الله ﷺ شهرا، يدعو على أناس قتلوا أناسا من أصحابه، يقال لهم: القراء. وخرجه من طرق أخرى، عن عاصم، عن أنس –في قنوت النبي ﷺ شهرا فقط. وليس في شيء من هذه الروايات: مدوامة القنوت، كما في رواية عبد الواحد بن زياد التي خرجها البخاري، مع أنه لا دلالة فيها على ذلك –على تقدير أن تكون محفوظة –؛ فإنه ليس فيها تصريح بأن النَّبيّ ﷺ هوَ الذي كانَ يقنت قبل الركوع، فيحتمل أن يريد أن مدة قنوت النَّبيّ ﷺ كانت شهرا بعد الركوع، وكان غيره من الخلفاء يقنت قبل الركوع، ولعله

стр. 4476

يريد قنوت عمر، لما كانَ يبعث الجيوش إلى بلاد الكفار، فكان يقنت ويستغفر لهم. ولكن روى الطبراني، عن الدبري، عن عبد الرزاق، عن أبي جعفر الرازي، عن عاصم، عن أنس، قال: قنت رسول الله ﷺ في الصبح يدعو على احياء من احياء العرب، وكان قنوته –قبل الركوع. ولكن هذه الرواية شاذه منكرة، لا يعرج عليها. وأبو جعفر الرازي، اسمه: عيسى بن ماهان، قد وثقه يحيى وغيره؛ فإنه من أهل الصدق ولا يتعمد الكذب، ولكنه سيئ الحفظ؛ فلذلك نسبه ابن معين إلى الخطإ والغلط مع توثيقه له. وقال ابن المديني: هو يخلط مثل موسى بن عبيدة. وقال أحمد والنسائي: ليس بالقوي في الحديث. وقال أبو زرعة: يهم كثيراً. وقال الفلاس: فيه ضعف، وهو من أهل الصدق سيئ الحفظ. وقال ابن خراش: سيئ الحفظ صدوق. وقال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير. وقد روى أبو جعفر هذا، عن الربيع بن أنس، عن أنس، قال: ما زال النبي ﷺ يقنت حتى فارق الدنيا. خرجه الإمام أحمد وغيره.

стр. 4477

وهذا - أيضا - منكر. قال أبو بكر الأثرم: هو حديث ضعيف، مخالف للأحاديث. يشير إلى أن ما ينفرد به أبو جعفر الرازي لا يحتج به، ولا سيما إذا خالف الثقات. وقد تابعه عليه: عمرو بن عبيد الكذاب المبتدع، فرواه عن الحسن، عن أنس - بنحوه. وتابعه - أيضا -: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو مجمع على ضعفه، فرواه عن الحسن، عن أنس. وقد خرج حديثه البزار، وبين ضعفه. وروي –أيضا - ذلك عن أنس من وجوه كثيرة، لا يثبت منها شيء، وبعضها موضوعة. وروى خليد بن دعلج، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قنت في صلاة الفجر بعد الركوع، وأبو بكر وعمر وعثمان صدرا من خلافته، ثم طلب إليه المهاجرون والأنصار تقديم القنوت قبل الركوع. خليد بن دعلج، ضعيف، ولا يعتمد. وقد روى مصعب بن المقدام، عن عاصم الأحول، عن أنس، قال: قنت رسول الله ﷺ شهراً قبل الركوع. وروى الحسن بن الربيع، عن أبي الأحوص، عن عاصم، عن أنس، أن النبي ﷺ قنت شهرا في صلاة الفجر، يدعو على خيبر.

стр. 4478

قال عاصم: سألت أنساً عن القنوت؟ قالَ: هوَ قبل الركوع. وهاتان الروايتان: تدل على أن القنوت قبل الركوع كانَ شهرا، بخلاف رواية عبد الواحد، عن عاصم. وروى قيس بن الربيع، عن عاصم، قال: قلنا لأنس: إن قوماً يزعمون أن النبي ﷺ لم يزل يقنت بالفجر؟ قالَ: كذبوا؛ إنما قنت رسول الله ﷺ شهرا واحداً، يدعو على حي من أحياء المشركين. فهذه تعارض رواية أبي جعفر الرازي، عن عاصم، وتصرح بأن مدة القنوت كلها تزد على شهر. وليس قيس بن الربيع بدون أبي جعفر الرازي، وإن كان قد تكلم فيه؛ لسوء حفظه –أيضا - فقد أثنى عليهِ أكابر، مثل: سفيان الثوري وابن عيينة وشريك وشعبة وأبي حصين. وأنكر شعبة على القطان كلامه فيه، وأنكر ابن المبارك على وكيع كلامه فيه. وقال محمد الطنافسي: لم يكن قيس عندنا بدون سفيان، إلا أنه استعمل، فأقام على رجل حداً، فمات، فطفئ أمره. وقال يعقوب بن شيبة: هو عند جميع أصحابنا صدوق وكتابه صالح، إنما حفظه فيه شيء. وقال ابن عدي: رواياته مستقيمة، وقد حدث عنه شعبة وغيره من الكبار، والقول فيه ما قال شعبة: أنه لا بأس به.

стр. 4479

وقد توبع قيس على روايته هذه: فروى أبو حفص ابن شاهين: ثنا أحمد بن محمد بن سعيد –هو: ابن عقده الحافظ -: ثنا الحسن بن علي بن عفان: ثنا عبد الحميد الحماني، عن سفيان، عن عاصم، عن أنس، أن النبي ﷺ لم يقنت إلا شهراً واحداً حتى مات. وابن عقده، حافظ كبير، إنما أنكر عليه التدليس، وقد صرح في هذا بالتحديث. وعبد الحميد الحماني، وثقه ابن معين وغيره، وخرج له البخاري. وخرج البيهقي من حديث قبيصة، عن سفيان، عن عاصم، عن أنس، قال: إنما قنت النبي ﷺ شهراً. فقلت: كيف القنوت؟ قالَ: بعد الركوع. وهذه تخالف رواية من روى عنه القنوت قبل الركوع. وأما القنوت شهرا، فقد سبق أن البخاري خرجه من رواية عباد بن عباد. وخرجه مسلم من رواية ابن عيينة، وغير واحد، كلهم عن عاصم. وهو المحفوظ عن سائر أصحاب أنس. فتبين بهذا: أن رواية عاصم الأحول عن أنس –في محل القنوت، والإشعار بدوامه - مضطربة متناقضة. وعاصم نفسه، قد تكلم فيه القطان، وكان يستضعفه، ولا يحدث

стр. 4480

عنه. وقال: لم يكن بالحافظ. وقد حدث عاصم، عن حميد بحديث، فسئل حميد عنه، فأنكره ولم يعرفه. وحينئذ؛ فلا يقضى برواية عاصم، عن أنس، مع اضطرابها على روايات بقية أصحاب أنس، بل الأمر بالعكس. وقد أنكر الأئمة على عاصم روايته عن أنس القنوت قبل الركوع: قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله –يعني: أحمد بن حنبل -: يقول أحمد في حديث أنس: إن النبي ﷺ قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ قالَ: ما علمت أحدا يقوله غيره: قالَ أبو عبد الله: خالفهم عاصم كلهم. يعني: خالف أصحاب أنس. ثم قال: هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ قنت [بعد] الركوع. والتيمي، عن أبي مجلز، عن أنس. وأيوب، عن محمد: سألت أنساً. - وحنظلة السدوسي، عن أنس -: أربعة أوجه. وقال أبو بكر الخطيب في ((كتاب القنوت)) : أما حديث عاصم الأحول، عن أنس، فإنه تفرد بروايته، وخالف الكافة من أصحاب أنس، فرووا عنه القنوت بعد الركوع، والحكم للجماعة على الواحد. كذا قاله الخطيب في القنوت قبل الركوع، فأما في دوام القنوت، فإنه جعله أصلا اعتمد عليه، ويقال له فيه

стр. 4481

كما قال هو في محل القنوت، فيقال: إن أصحاب أنس إنما رووا عنه إطلاق القنوت أو تقييده بشهر، ولم يرو عن أنس دوام القنوت من يوثق بحفظه. وأما القنوت قبل الركوع، فقد رواه عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، كما خرج البخاري عنه من طريقه في ((السير)) ، وسنذكره – إن شاء الله . وقد حمل بعض العلماء المتأخرين حديث عاصم، عن أنس في القنوت قبل الركوع على أن المراد به: إطالة القيام، كما في الحديث: ((أفضل الصلاة طول القنوت)) . والمراد: أن النبي ﷺ كان يطيل القيام قبل الركوع للقراءة، وإنما أطال القيام بعد الركوع شهرا حيث دعا على من قتل القراء، ثم تركه. وقد صح عن ابن عمر مثل ذلك. وروى ابن أبي شيبة: ثنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يقنت في الفجر، ولا في الوتر، وكان إذا سئل عن القنوت، قال: ما نعلم القنوت إلا طول القيام وقراءة القرآن. ورواه يحيى بن سعيد، عن عبيد الله – أيضا. الطريق الثالث:

стр. 4482

١٠٠٣ - ثنا أحمد بن يونس، ثنا زائدة، عن التيمي، عن ابن مجلز، عن

стр. 4483

أنس بن مالك، قال: قنت رسول الله ﷺ شهرا، يدعو على رعل وذكوان. وخرجه في ((المغازي)) من رواية ابن المبارك، عن سليمان التيمي، وزاد فيه: ((بعد الركوع)) . وزاد –أيضا - فيه: ((ويقول: عصية عصت الله ورسوله)) . وكذلك خرجه مسلم من رواية المعتمر بن سلمان التيمي، عن أبيه، وزاد فيه: ((في صلاة الصبح)) . الطريق الرابع:

стр. 4484

١٠٠٤ - ثنا مسدد: ثنا إسماعيل: أنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: كان القنوت في المغرب والفجر. وخرجه – فيما تقدم - في ((باب: فضل اللهم ربنا ولك الحمد)) ، عن عبد الله بن أبي الأسود، عن إسماعيل –وهو: ابن علية -، به - أيضا. وليس في هذا الحديث أن ذلك كان من فعل النبي ﷺ ، ولا في عهده، فيحتمل أنه اخبر عما كان في زمن بعض خلفائه، والله أعلم. وقد روي حديث القنوت عن أنس من طرق أخرى، وقد خرجه البخاري في ((السير)) و ((المغازي)) من بعضها.

стр. 4485

طريق آخر: قال البخاري: ثنا أبو معمر: ثنا عبد الوارث: ثنا عبد العزيز، عن أنس، قال: بعث النبي ﷺ سبعين رجلاً لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم: رعل وذكوان، فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ شهراً عليهم في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت. قال: وسأل رجل أنساً عن القنوت: بعد الركوع أو عند فراغ من القراءة؟ قالَ: بل عندَ فراغ من القراءة. ولكن؛ ليس في هذه الرواية تصريح بأن قنوت النَّبيّ ﷺ كانَ قبل الركوع، إنما هوَ من فتيا أنس. والله أعلم. وقد تقدم عنه ما يخالف ذلك، وما يوافقه، فالروايات عن أنس في محل القنوت مختلفة. وفي هذه الرواية التصريح بأن هذا كان بدأ القنوت، وأنهم لم يقنتوا قبله، والتصريح بأن القنوت كان شهرا، ولا شك أن هذا القنوت ترك بعد ذلك ولم يقل أنس: إنه استمر القنوت بعد الشهر. والله أعلم. طريق آخر: قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير: ثنا مالك، عن إسحاق [بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: دعا النبي ﷺ على لادين قتلوا أصحابه ببئر ثلاثين صباحاً حين يدعوا على رعل ولحيان، وعصية عصت الله ورسوله ﷺ . قال أنس: فأنزل الله تعالى لنبيه في الذين قتلوا - أصحاب بئر معونة - قراناً، حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا، فقد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه]
следующие страницы →