وصله.
ووصله بعضهم عن الثوري – أيضا.
ولعل البخاري ترك تخريجه؛ لإرسال مالك والثوري لهُ.
وحكم جماعة بصحة وصله، منهم: الإمام أحمد والدارقطني.
وقال أحمد: اذهب إليه. قيل له: إنهم يختلفون في إسناده. قال: إنما قصر به مالك، وقد أسنده عدة، فذكر منهم: ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة.
ورواه الدراوردي وعبد الله بن جعفر وغيرهما، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ .
ذكره الدارقطني.
وقال: القول قول من قال: عطاء، عن أبي
стр. 4797
سعيد.
وله شاهد عن أبي سعيد من وجه أخر، من رواية عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير: حدثني هلال بن عياض: حدثني أبو سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلى أحدكم، فلا يدري زاد أو نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس)) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي.
وقال: حديث حسن.
وخرجه النسائي، وزاد في رواية له: ((ثم يسلم)) .
وشيخ يحيى بن أبي كثير، مختلف في اسمه، وحاله.
وروى ابن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن
عبد الرحمن بن عوف، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا سها
стр. 4798
أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين، فليبن على واحدة فان لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثاً، فليبن على ثنتين، فإن لم يدر صلى ثلاثا أو أربعا، فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم)) .
خرج الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي.
وقال: حسن صحيح.
والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وله علة ذكرها ابن المديني.
قال: وكان عندي حسناً، حتى وقفت على علته، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلا، وسمع إسناده من حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن مكحول. قال: يضعف الحديث من هاهنا.
يعني: من جهة حسين الذي يرجع إسناده إليه.
وخرجه الإمام أحمد، عن ابن علية، عن ابن إسحاق – كما ذكره ابن المديني.
وكذا رواه عبد الله بن نمير وعبد الرحمن المحاربي، عن ابن إسحاق، عن مكحول – مرسلاً – وعن حسين عن مكحول – متصلاً.
стр. 4799
ورواه حماد بن سلمة وغيره، عن ابن إسحاق، عن مكحول – مرسلاً.
ذكره الدارقطني.
وخرجه الإمام أحمد – أيضا - من رواية إسماعيل بن مسلم، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي ﷺ .
وإسماعيل، هو: المكي، ضعيف جداً.
وقد قيل: إنه توبع عليه، ولا يصح، وإنما مرجعه إلى إسماعيل -: ذكره الدارقطني.
روى أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عمر بن محمد بن زيد، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا لم يدر أحدكم كم صلى – ثلاثا أو أربعا – فليركع ركعتين، يحسن ركوعهما
وسجودهما، ثم ليسجد سجدتين)) .
خرجه الحاكم.
وقال: صحيح على شرطهما.
والبخاري يخرج من هذه النسخة كثيراً، ولكن هذا رواه مالك في
стр. 4800
((الموطإ)) ، عن عمر بن محمد، عن سالم، عن أبيه، - موقوفاً.
قال الدارقطني: رفعه غير ثابت.
وقال ابن عبد البر: لا يصح رفعه.
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه قال: إذا شك الرجل في صلاته، فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا، فليبن على أتم ذلك في نفسه، وليس عليه سجود.
قال: فكان الزهري يقول: يسجد سجدتي السهو وهو جالس.
وأما الثاني: وهو التحري:
فقد خرجه البخاري في ((أبواب استقبال القبلة)) ، من رواية جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ – فذكر الحديث، وقال في آخره -: ((وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرى الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين)) .
وخرجه مسلم – أيضا.
وخرجه من طرق أخرى، عن منصور، وفي بعضها: ((فلينظر أحرى ذلك للصواب)) .
وفي رواية: ((فليتحرى أقرب ذلك إلى الصواب)) .
وفي رواية: ((فليتحرى الذي يرى أنه صواب)) .
стр. 4801
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي، وزادوا فيه: ((ثم يسلم، ثم يسجد سجدتي السهو)) .
وقد رواه جماعة من ثقات أصحاب منصور، عنه، بهذا الزيادة.
وخرجه ابن ماجه، وعنده: ((ويسلم ويسجد سجدتين)) – بالواو.
قال الإمام أحمد – في رواية الأثرم -: وحديث التحري ليس يرويه غير منصور، إلا أن شعبة روى عن الحكم، عن أبي وائل، عن عبد الله – موقوفاً – نحوه، قال: وإذا شك أحدكم فليتحر.
وخرجه النسائي كذلك.
وقد روي عن الحكم – مرفوعاً.
قال الدارقطني: الموقوف عن الحكم أصح.
وقد روي عن ابن مسعود التحري من وجه آخر، مختلف فيه:
فروى خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث أو أربع، وأكثر ظنك على أربع، تشهدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت – أيضا -، ثم تسلم)) .
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
وذكر أبو داود، أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي لفظه – أيضا.
стр. 4802
وقال أحمد: حديث اليقين أصح في الرواية من التحري.
وقال في حديث التحري: هو صحيح، وري من غير وجه.
ويظهر من تصرف البخاري عكس هذا؛ لأنه خرج حديث التحري دون اليقين.
وخرج مسلم الحديثين جميعاً.
وقد دلت هذه الأحاديث على أن من شك في عدد صلاته، فإنه ليس عليه
إعادتها، ولا تبطل صلاته بمجرد شكه، بل يسجد سجدتي السهو بعد بنائه على يقينه أو تحريه، وهو قول جمهور العلماء.
وروي عن طائفة، أن من شك في صلاته فإنه يعيدها.
رواه همام بن منبه وابن سيرين، عن ابن عمر.
وهو خلاف رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار ومحارب بن دثار وغيرهم، كلهم رووا، عن ابن عمر، أنه يسجد ولا يعيد.
وقد سبق عن ابن عمر رواية أخرى، أنه لا يسجد.
وذكر عطاء، انه سمع ابن عباس يقول: إن نسيت الصلاة المكتوبة فعد لصلاتك. وأنه بلغه عن ابن عمر وابن عباس، أنه إذا شك أعاد مرة
стр. 4803
واحدة، ثم لا يعيد، ويبني على أحرى ذلك في نفسه، ويسجد سجدتين بعد ما يسلم.
وكذلك قال طاوس: يعيد مرة، ثم لا يعيد.
وقال النخعي: أحب إلي أن أعيد، إلا أن أكون أكثر النسيان، فأسجد للسهو.
وهو قول أبي حنيفة والثوري.
ورويت الإعادة مع الشك مطلقاً عن الشعبي وشريح ومحمد ابن الحنفية.
وأما جمهور العلماء، فعلى أنه لا يعيد الصلاة.
لكن اختلفوا: هل يبني على الأقل – وهو اليقين -، أو يبني على غالب ظنه؟
فقالت طائفة: يبني على غالب ظنه.
روي عن ابن مسعود، وهو قول الكوفيين كالنخعي وأبي حنيفة والثوري – في رواية – والحسن بن حي.
وحكاه ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث.
وحكى ابن عبد البر عن الأوزاعي: يتحرى، فإن قام فلم يدر كم صلى، استأنف.
стр. 4804
والتحري قول أحمد – في رواية عنه.
وعلى هذه الرواية، فهل ذلك عام في المنفرد والإمام، أم خاص بالإمام؟ على روايتين فيهِ.
وظاهر مذهبه: أنه يختص بالإمام؛ لأنه يعتمد على غلبة ظنه بإقرار المأمومين ومتابعتهم لهُ من غير نكير، فيقوى الظن بذلك.
واستدل هؤلاء بأحاديث تحري الصواب.
وأما حديث إطراح الشك، والبناء على ما استيقن، فحملوه على الشك
المساوي، أو الأضعف.
فأما غلبة الظن، فقالوا: لا يسمى شكا عند الإطلاق، كما يدعيه أهل الأصول ومن تبعهم، وإن كان الفقهاء يطلقون عليه اسم الشك في مواضع كثيرة.
وقالت طائفة: بل يبني على اليقين، وهو الأقل.
وروي عن عمر وعلي وابن عمر، وعن الحسن والزهري، وهو قول مالك والليث والثوري – في رواية – والشافعي وأحمد – في رواية عنه – وإسحاق.
وعن الثوري، قال: كانوا يقولون: إن كان أول ما شك، فإنه يبني على
اليقين، وإن ابتلي بالشك – يعني: أنه يتحرى -، وإن زاد به الشك ورأى انه من الشيطان، لم يلتفت إليه.
وهؤلاء استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري المتقدم في البناء على ما استيقن.
وأما أحاديث التحري، فمنهم من تكلم فيها، حتى اعل حديث ابن
стр. 4805
مسعود المرفوع المخرج في ((الصحيحين)) ، من رواية منصور، عن إبراهيم، عن علقمة،
عنه، بأنه روي موقوفاً، من طريق الحكم، عن أبي وائل، عنه، كما فعل النسائي وغيره.
وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود – موقوفاً.
وهذا قد يتعلق به من يدعي أن هذه الرواية في أخر الحديث مدرجة من قول ابن مسعود.
ومنهم من حمل تحري الصواب على الرجوع إلى اليقين، ومنهم: الشافعي وأصحابه وسليمان الهاشمي والجوزجاني وابن عبد البر وغيرهم.
وفي بعض ألفاظ الحديث ما يصرح بخلاف ذلك، كما تقدم.
وحمل أحمد – في ظاهر مذهبه –التحري على الإمام؛ لأن عمله بغالب ظنه، مع إقرار المأمومين لهُ واتباعهم إياه يقوي ظنه، فيصير كالعمل باليقين، بخلاف المنفرد، فإنه ليس عنده إمارة تقوي ظنه.
وقد نص أحمد، أنه يجوز للإمام إذا شك أن يلحظ ما يفعله المأمومون خلفه، من قيام أو قعود، وغير ذلك، فيتبعهم فيه.
ومن متأخري أصحابنا من قال: يحمل الأمر بالتحري على من قدر
стр. 4806
عليه، بوجود إمارات توجب له غلبة الظن، ولا يختص ذلك بالإمام، بل المنفرد إذا كان عنده أمارة يتحرى بها عمل بها، فإن لم يكن عند المصلي أمارة توجب ترجيح أحد الأمرين، فقد استوى عنده الأمران، فيطرح الشك حينئذ، ويعمل باليقين.
وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد.
وهاهنا مسلك أخر: وهو حمل الأمر بالتحري على الرخصة والجواز، وحمل الأمر بإطراح الشك والبناء على [ما] استيقن على الأفضل والاحتياط، فيجوز للمصلي إذا شك العمل بكلا الأمرين، ويكون الأفضل الأخذ بالاحتياط.
وصرح بهذا القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتاب ((أحكام القرآن)) ، وتبعه عليه جماعة من أصحابنا.
وهذه المسألة ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر، وللمسالة أقسام قد ذكرناها مستوفاة في كتاب ((القواعد في الفقه)) .
وحملت طائفة أحاديث البناء على اليقين على من لم يعتبر الشك، ولم تلزمه أحاديث العمل بغلبة الظن على من لزمه الشك، وصار له عادة ووسواساً، فلا يلتفت إليه حينئذ، بل يجعل وجوده كالعدم، ويبني على غالب ظنه.
وذكر ابن عبد البر أن هذا تفسير الليث وابن وهب للحديث، وأنه
стр. 4807
مذهب مالك – أيضا.
يعني: أن الشك إذا لزم صاحبه وصار وسواسا، لم يلتفت إليه.
وهو قول الثوري، وروي عن القاسم بن محمد، وصرح به أصحابنا – أيضا.
وعلى هذا؛ يحمل حديث الأمر لمن شك في صلاته بان يسجد سجدتين، من غير ذكر تحر ولا يقين.
ولهذا ذكر في أول الحديث تلبيس الشيطان عليه، حتى لا يدري: كم صلى.
وعليه يحمل – أيضا – ما روي عم بعض المتقدمين: أن سجدتي السهو تكفي من شك في صلاته. والله أعلم.
وأما محل السجود للشك، فقد تقدم ذكره في الباب الماضي، واختلاف العلماء فيه، وأن أحمد يعمل بالأحاديث كلها في ذلك.
فإن شك وتحرى، سجد بعد السلام، وإن بنى على اليقين سجد قبله.
وهو قول أبي خيثمة زهير بن حرب – أيضا.
وذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم - أيضا.
ومذهب إسحاق، أنه يبني على اليقين، ويسجد بعد السلام -: نقله عنه
حرب.
ولعله حمل تحري الصواب في حديث ابن مسعود على الأخذ باليقين، كما تقدم عن جماعة أنهم قالوه.
وفي ذكر النبي ﷺ وسوسة الشيطان للمصلى، وأمره بالسجود إذا لم يدر كم صلى، يدل على أنه لا يسجد بمجرد وسوسة الصلاة، إذا لم
стр. 4808
يشك في عدد صلاته.
وعلى هذا جمهور العلماء، وحكاه بعضهم إجماعا.
وحكى إسحاق، عن الحسن بن علي، أنه سجد في الصلاة عن غير سهو ظهر منه، وقال: إني حدثت نفسي.
وروي عن أحمد، أنه سجد للسهو في صلاته، وقال: إني لحظت ذلك الكتاب.
وهذا خلاف المعروف من مذهبه.
وحكى أحمد، عن ابن عباس، قال: إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتين [فافعل] .
وفي أمر النبي ﷺ بسجود السهو في حديث أبي هريرة وابن مسعود المتفق عليهما: دليل على أن سجود السهو واجب، إذا كان لما يبطل الصلاة تعمده.
واختلف العلماء في وجوب سجود السهو:
فذهب إلى وجوبه كثير من العلماء، منهم: الحكم وابن شبرمة وأبو حنيفة – فيما حكاه الكرخي، عنه – والثوري وأحمد وإسحاق.
لكن أحمد إنما يوجبه إذا كان لما يبطل عمدة الصلاة خاصة، فأما ما لا يبطل الصلاة عمده، كترك السنن وزيادة ذكر في غير محله، سوى السلام،
стр. 4809
فليس بواجب عنده؛ لأن السجود من أجله ليس بواجب فعله أو تركه، فجبرانه أولى، فأما ما يجب فعله أو تركه، فيجب جبرانه بالسجود كجبرانات الحج.
وحكي عن مالك وأبي ثور: إن كان من نقصان وجب؛ لأن محله قبل السلام، فيكون من جملة أجزاء الصَّلاة، بخلاف ما محله بعد السلام؛ لأن محله بعد التحلل من الصلاة.
وقال الشافعي: هو سنة بكل حال.
وحكي رواية عن أحمد، وتأولها بعض أصحابه.
واستدل لذلك، بأنه روي في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم: ((فإن كانت صلاته تامة، كانت الركعة نافلة والسجدتان)) .
وأجيب: بأن المراد بالنافلة الزيادة على آخر الصلاة، كما في حديث عثمان، عن النبي ﷺ ، أنه توضأ، وقال: ((من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة)) .
خرجه مسلم.
وأراد بالنافلة: زيادة في حسناته؛ حيث كانَ الوضوء مكفرا للذنوب.
стр. 4810
فمن قالَ: إن سجود السهو سنة، لم تبطل الصَّلاة بتركه بحال، وهو قول الشافعي وعبد الملك المالكي.
وكذلك مذهب أبي حنيفة، لكنه عنده: إذا فعل وقع موقع الفرض، والتحق
به، وإن كان بعد السلام حين لو أحدث فيه أو خرج الوقت بطلت الصلاة المتقدمة.
واختلفت الرواية عن أحمد: هل تبطل الصلاة بترك السجود للسهو عنه روايتان:
أحدهما: إن تركه عمدا، وكان محله قبل السلام بطلت الصلاة، وإن كان محله بعد السلام لم تبطل، وإن كان تركه نسياناً لم تبطل بكل حال.
وحكي مثله عن أبي ثور.
لأن ما محله قبل السلام – وهو واجب – هو كالجزء من الصلاة، بخلاف ما محله بعد السلام، فإنه خارج عن الصلاة، فهو كالأذان، عند من يقول بوجوبه، لا يبطل الصلاة تركه.
والرواية الثانية: إذا نسيه حتى طال الفصل أعاد الصلاة.
وهذا يدل على أن تركه يبطل الصلاة بكل حال، وهو قول الحكم وابن شبرمة؛ لأنه سجود واجب في الصَّلاة أو لأجلها، فهوَ كسجود صلب الصَّلاة.
стр. 4811
وكذلك قال مالك، فيما قبل السلام.
وقال فيما بعده: لايبطل تركه مطلقا.
وروي عن مالك: اختصاص البطلان فينا قبل السلام بترك الأفعال دون الأقوال.
ومذهب الثوري: أن سجود السهو واجب، وليس هو من صلب الصلاة، فمن ضحك فيه أو أحدث، فلا شيء عليه.
ولكنه قال، فيمن سلم وهو يرى أنه ينبغي أن يسجد [في] صلاته: أعاد الصلاة؛ لأنه أدخل في صلاته زيادة.
يعني به: السلام.
وهذا يدل على تفريقه بين سجود السهو الذي قبل السلام وبعده، كقول أحمد.
وكذلك قال الليث، فيمن نسي سجود السهو الذي قبل السلام، فلم يذكره حتى صلى صلاة أخرى، أنه يعيد الصلاة التي نسي سجودها، فإن كان السجود بعد السلام سجد سجدتي السهو، ولم يعد صلاته.
نقله عنه ابن وهب في ((كتاب سجود السهو)) له، ووافقه عليه.
стр. 4812
٧ - باب
[السهو] في الفرض والتطوع
وسجد ابن عباس سجدتين بعد وتره.
قد تقدم أن الإمام أحمد حكى عن ابن عباس، أنه قال: إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتين فافعل.
وحمله أحمد على سجود السهو.
ومن الناس من حمله على [أنه] أراد به تصلي بعد كل مفروضة ركعتين.
وهذا على عمومه لا يصح؛ فإن الفجر والعصر لايصلى بعدهما.
وقد بوب النسائي على ((السجود بعد الفراغ من الصَّلاة)) ، وخرج فيهِ: حديث عائشة: كانَ النَّبيّ ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة
стр. 4813
العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يوتر بواحدة، ويسجد سجدة قدر ما يقرا أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه.
وقد تقدم هذا الحديث بلفظ: ((ويسجد السجدة)) .
والمراد: أنه مقدار السجدة الواحدة من سجوده بالليل، لا أنه يسجد بعد وتره سجدة واحدة.
وأما حكم السهو في الوتر، فحكمه حكم السهو في سائر الصلوات.
ومذهب الثوري وأبي حنيفة، إذا صلى الوتر أربعاً، أنه إن قعد في الثالثة قدر التشهد أجزاه، وسجد سجدتي السهو، وإن لم يكن جلس بعد الثالثة أعاد الوتر، كقولهم في صلاة المغرب، كما تقدم حكاية مذهبهم في ذلك.
ومذهب مالك في ((تهذيب المدونة)) : ومن شفع وتره ساهياً سجد بعد
السلام، واجتزأ بوتره، يعمل في السنن كما يعمل في الفرائض، ومن لم يدر جلوس في الشفع أو في الوتر سلم وسجد بعد السلام، ثم أوتر بواحدة، وإن لم يدر أفي الأولى هو جالس أو في الثانية، أو في الوتر، أتى بركعة، وسجد بعد السلام، ثم أوتر. انتهى.
стр. 4814
ففرق بين أن يتحقق الزيادة، فيسجد للسهو، ويجتزئ بوتره، وبين أن يشك فيها، فيبني على اليقين، ويسجد للسهو، ثم يوتر.
وقد روي عن ابن عباس، أنه يسجد في التطوع:
قال حرب الكرماني: نا يحيى بن عبد الحميد: حدثنا ابن المبارك، عن يعقوب بن القعقاع، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا اوهم في التطوع، سجد سجدتي
السهو.
وهذا قول جمهور العلماء.
وللشافعي قول قديم، أنه لايسجد في التطوع.
وروي عن ابن سيرين.
وعن ابن المسيب – في رواية – عنه منقطعة.
وروي عنه من وجه متصل خلافه.
وقال عطاء: لابأس أن لا يسجد للسهو في التطوع.
وعنه، أنه قال: لا يعيد التطوع إذا شك فيه، وبني على أحرى ما عنده، وسجد.
وهذا بناء على قوله: إن الشاك في الفريضة يعيد صلاته.
وسئل عطاء، عمن سها قبل الوتر: أيسجد بعد الوتر؟ قالَ: نعم.
стр. 4815
ولعله أراد أنه سها قبل الركعتين قبل الوتر، إذا صلى الوتر ثلاثا متصلة [...........] أنه أراد أن الركعة التي يوتر بها لا يسجد فيها للسهو حتَّى يتم وتره، وإن كانت مفصولة بالسلام بينهما؛ لأن الجميع يشملها اسم واحد، وهو الوتر، فيكون السجود للسهو بعد كمالها وتمامها. والله أعلم.
قال البخاري:
стр. 4816
١٢٣٢ - نا عبد الله بن يوسف: أنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أحدكم إذا قام يصلي، جاء الشيطان فلبس عليه، حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس)) .
مراده من هذا الحديث في هذا الباب: أمر النبي ﷺ بسجود السهو لمن صلى ولبس الشيطان عليه صلاته، ولم يفرق بين أن تكون صلاته فريضة أو نافلة، والأفعال نكرات، والنكرات في سياق الشرط تعم، كما تعم في سياق النفي. والله أعلم.
ولأن النفل ينقص بالسهو، فشرع جبره بالسجود له، كما يجبر الحج، فرضه ونفله.
وإنما يشرع للسهو في النفل بركعة تامة فأكثر، فأما صلاة
стр. 4817
الجنازة فليس فيها سجود سهو؛ لأنه لا سجود فيها بالكلية، وكذلك سجود التلاوة ليس فيهِ سجود
سهو، لأن المشروع للتلاوة سجدة واحدة، ولا يجبر بأكثر من أصله.
والله أعلم.
стр. 4818
٨ - باب
إذا كلم وهو يصلي فأشار برأسه أو استمع
стр. 4819
١٢٣٣ - حديثا يحيى بن سلمان: نا ابن وهب: أخبرني عمرو، عن بكير، عن كريب.
فذكر حديثاً قد ذكرناه بتمامه في ((باب: ما يصلى بعد العصر من الفوائت)) ، وفيه:
أن أم سلمة قالت: دخل علي – يعني: رسول الله ﷺ – وعندي نسوة من [بني حرام من] الأنصار، فأرسلت إليه الجارية، فقلت: قومي بجنبه، وقولي له: تقول لك أم سلمة: يارسول الله، سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين، وأراك تصليهما، فإن أشار بيده، فاستأخري عنه، ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه،، فلما انصرف قال: ((يابنة أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، أنه أتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان)) .
стр. 4820
وخرجه في ((المغازي)) – أيضا – بهذا الإسناد، ثم قال: ((وقال بكر بن
مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكر – فذكر نحوه)) .
ومقصوده بهذا الباب: أن المصلي يجوز أن يكلم في صلاته، ويستمع لمن كلمه، ويشير بيده أو برأسه؛ فإن النَّبيّ ﷺ لم ينكر على أم سلمة إرسالها الجارية إليه؛ لتكلمه وهو يصلي، بل أشار إليها فاستأخرت عنه، ثم أجاب عن سؤالها بعد الصلاة.
وقد اختلف السلف في هذا: فمنهم من رخص فيه. ومنهم من كرهه.
قال عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن معمر، عن ثابت، عن أبي رافع، قال: رأيت أصحاب رسول الله ﷺ ، وأن أحدهم ليشهد على الشهادة وهو قائم يصلي.
وعن ابن جريج، عن عطاء، في الرجل كان يصلي، فيمر به رجل، فيقول له: فعلت كذا وكذا؟ [...........] قالَ: ليتم صلاته، ثُمَّ ليسجد سجدتي السهو.
قالَ: وقلت لعطاء: أتكره كل شيء من الإيماء في المكتوبة، حتَّى أن
стр. 4821
يمر بي إنسان وأنا في المكتوبة، فقالَ: صليت الصَّلاة؟ كرهت أن أشير إليه برأسي، فأقول: نعم؟ قالَ: أكره كل شيء من ذَلِكَ.
فقيل لهُ: فإن كانَ في التطوع؟ فقال: إن كان شيئاً لابد منه، وأحب إلي أن لا تفعل.
قال: وقال إنسان لعطاء: يأتيني إنسان وأنا في المكتوبة، فيخبرني الخبر، فأسمع إليه؟ قالَ: ما أحبه، وأخشى أن يكون سهواً، إنما هي المكتوبة، فتفرغ لها حتَّى تفرغ منها.
ففرق عطاء بين المكتوبة وغيرها، فكرهه في المكتوبة، وقال في التطوع: إن كان شيئاً لابد منه، وأحب إلي أن لايفعل، لم يكرهه.
стр. 4822
٩ - باب
الإشارة في الصلاة
قاله كريب، [عن أم سلمة] ، عن النبي ﷺ .
حديث كريب، عن أم سلمة، هو الذي خرجه في الباب الذي قبله.
ثم خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الأول:
стр. 4823
١٢٣٤ - حدثنا قتيبة: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن النبي ﷺ بلغه، أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج يصلح
بينهم، في أناس معه - فذكر الحديث بطوله.
وقد تقدم قريباً بنحو سياقه، عن قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل.
فالحديث؛ رواه قتيبة، عن عبد العزيز بن
стр. 4824
أبي حازم، وعن يعقوب بن
عبد الرحمن، كلاهما عن أبي حازم، عن سهل.
والمقصود من [هذا الحديث] : أن النبي ﷺ جاء يشق الصفوف، حتى قام في الصف، فالتفت أبو بكر فرآه، فأشار إليه رسول الله ﷺ ، يأمره أن يصلي، فاستدل البخاري بإشارة النبي ﷺ إلى أبي بكر على جواز الإشارة في الصلاة.
وليس في الحديث تصريح بأن النبي ﷺ كان عند إشارته إلى أبي بكر في الصلاة، بل كان قائما في الصف، فيحتمل أنه كان كبر للصلاة، ويحتمل أنه لم يكن كبر.
ولا يقال: لو لم يكن كبر لأمره بالقول دون الإشارة؛ لأن حديث أنس في كشف النَّبيّ ﷺ الستارة يوم الإثنين، والناس خلف أبي بكر في صلاة الفجر، فيهِ: أنه ﷺ أشار إليهم أن أتموا، ثُمَّ أرخى الستر، ولم يكن حينئذ في صلاة.
وكذلك في حديث عائشة، في مرض النبي ﷺ ، لما صلّي أبو بكر، وخرج النبي ﷺ بين رجلين، فأشار إلى أبي بكر أن صلّ، وتأخر أبو بكر، وقعد النبي ﷺ إلى
جنبه.
وقد خرج البخاري ذلك كله في ((أبواب الإمامة)) .
ولعل المعنى في ذلك: أن الإشارة إلى المصلي بما يفعله في صلاته أقل لشغل باله من خطابه بالقول، لما يحتاج إلى تفهم القول بقلبه، والإصغاء إليه بسمعه،
стр. 4825
والإشارة إليه يراها ببصره، وما يراه ببصره قد يكون أقل إشغالا له مما يسمعه بأذنه. والله أعلم.
الحديث الثاني:
стр. 4826
١٢٣٥ - نا يحيى بن سليمان: نا ابن وهب: نا الثوري، عن هشام، عن
فاطمة، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: دخلت على عائشة، وهي تصلي قائمة، والناس قيام، فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت برأسها إلى السماء. فقلت: آية؟ فقالت برأسها: أي نعم.
هذا قطعة من حديث صلاة الكسوف، وقد سبق في مواضع مطولا ومختصراً.
والإشارة فيه، من فعل عائشة وهي تصلي خلف النبي ﷺ ، وليس ذلك بمرفوع.
الحديث الثالث:
стр. 4827
١٢٣٦ - نا إسماعيل: حدثني مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته - وهو شاك - جالساً، وصلى وراءه قوم قيام، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا)) .
وقد سبق هذا الحديث في ((أبواب الإمامة)) - أيضا.
وسبق هناك من حديث مالك، عن الزهري، عن أنس - معناه -، غير أنه لم يذكر فيه: ((أشار إليهم أن أجلسوا)) .
وقد رواه معمر، عن الزهري، وذكر فيه هذه الزيادة.
خرجه الإمام أحمد.
وخرجه - أيضا - هو وأبو داود، بهذا الإسناد: أن النبي ﷺ كان يشير في الصلاة.
وقد قيل: إنه مختصر من هذا الحديث.
стр. 4828
وفي الإشارة في الصلاة أحاديث أخر، سبق بعضها في ((باب: رد السلام في الصلاة)) ، وبعضها في ((أبواب المرور بين يدي المصلي)) ..
وأكثر العلماء على أن الإشارة في الصلاة لا بأس بها، روي ذلك عن عائشة، وفعله ابن عمر وسعيد بن جبير وغيرهما.
وقال الحسن: لابأس بالإيماء في الصلاة.
وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهما.
لكن فعله من غير حاجة من باب العبث، وهو مكروه في الصلاة.
وسئل النخعي، عن الإشارة في الصلاة، فقال: إن في الصلاة لشغلاً.
وكذا قال الثوري.
وكرهه عطاء خصوصاً في المكتوبة، وقد تقدم قوله في ذلك.
وكره الإشارة في الصلاة، بما ليس شأن الصلاة، منهم: أبو زرعة الرازي وأبو بكر الأثرم.
وقد روي عن عائشة، أنها كانت تشير في الصلاة بما ليس من شأن الصلاة.
وعن أوس بن أوس وغيره.
وروى ابن لهيعة، عن حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن
стр. 4829
الحبلي، عن
عائشة، أن رسول الله ﷺ كان يصلي، فأشارت إليه بثوبه، فأشار إليها ﷺ أن اغسليه.
خرجه الجوزجاني.
وهو إسناد ضعيف.
وإن صح، فإنما فيه إباحة الإشارة في الصلاة بما فيه مصلحة دينية، وليس دنيوياً محضاً.
وروى ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، من أشار في الصلاة إشارة تفهم عنه فليعد لها)) .
يعني: الصلاة.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود.
وخرجه البزار، ولفظه: ((فليعد صلاة أفسدت)) .
وقال أبو داود: هذا الحديث وهم.
وقال أحمد - في رواية ابن
стр. 4830
هانئ -: لا يثبت هذا الحديث، إسناده ليس بشيء.
وقال - في رواية غيره -: لا أعلم رواه غير ابن إسحاق.
وقال أبو زرعة الرازي: هو عندي ليس بذاك الصحيح، ولم يروه غير ابن إسحاق.
وقال الأثرم: ليس بقوي الإسناد.
وقال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول، وآخر الحديث زيادة في الحديث، لعله من قول ابن إسحاق.
يعني: أن آخره مدرج، ليس هو من تمام الحديث المرفوع.
وهذا هو الظاهر.
وهذا يدل على أن أبا غطفان هذه ليس هو المري الذي خرج له مسلم، بل هو غيره.
وابن إسحاق، مدلس، ولم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة، فلعله دلسه عن ضعيف.
стр. 4831
استدراك (*)
فائدةٌ:
قال الحافظ ابن رجب في ((شرح البخاري)) ، لما تكلم على حديث النزول، قالَ:
أهل الحديث في النزول على ثلاث فرق:
فرقة منهم، تجعل النزول من الأفعال الاختيارية التي يفعلها الله بمشيئته وقدرته، وهو المروي عن ابن المبارك ونعيم بن حماد وإسحاق بن راهويه وعثمان الدارمي.
وهو قول طائفة من أصحابنا، ومنهم: من يصرح بلوازم ذلك من إثبات
الحركة.
وقد صنف بعض المحدثين المتأخرين من أصحابنا مصنفاً في إثبات ذلك، ورواه عن الامام أحمد من وجوه كلها ضعيفة، لا يثبت عنه منها شيء.
وهؤلاء؛ منهم من يقول: ينزل بذاته، كابن حامد من أصحابنا.
وقد كان الحافظ إسماعيل من التميمي الأصبهاني الشافعي يقول بذلك، وجرى بينه وبين طائفة من أهل الحديث بسببه فتنة وخصام.
(ج ٦ / ص ٥٣٣)
стр. 4832
قال الحافظ أبو موسى المديني: كان من اعتقاد الإمام إسماعيل أن نزول الله تعالى بالذات، وهو مشهور من مذهبه؛ لكنه تكلم في حديث نعيم بن حماد الذي رواه بإسناده في النزول بالذات. قالَ: وهو إسناد مدخول، وفيه مقال، وفي بعض رواته مطعن، ولا تقع بمثله الحجة، فلا يجوز نسبة قوله إلى رسول الله ﷺ .
والفرقة الثانية: تقول: إن النزول إنما هوَ نزول الرحمة.
ومنهم من يقول: هوَ إقبال الله على عباده، وإفاضة الرحمة والإحسان عليهم.
ولكن؛ يرد ذَلِكَ: تخصيصه بالسماء الدنيا، وهذا نوع من التأويل لأحاديث الصفات.
وقد مال إليه في حديث النزول خاصة طائفة من أهل الحديث، منهم: ابن قتيبة والخطابي وابن عبد البر.
وقد تقدم عن مالك، وفي صحته عنه نظر.
وقد ذهب إليه طائفة ممن يميل إلى الكلام من أصحابنا، وخرجوه عن أحمد من رواية حنبل عنه في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] ، أن المراد: وجاء أمر ربك.
وقال ابن حماد: رأيت بعض أصحابنا حكى عن أبي عبد الله في الإتيان، أنه قال: تأتي قدرته. قال: وهذا على حد الوهم من قائله، وخطأ في إضافته إليه.
وقد روي فيه حديث موضوع: ((إن نزول الله تعالى إقبال على الشيء من غير نزول)) .
(ج ٦ / ص ٥٣٤)
стр. 4833
وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) .
وهذا الحديث مقابل لحديث نعيم بن حماد الذي رواه في النزول بالذات.
وكلاهما باطل، ولا يصح.
والفرقة الثالثة: أطلقت النزول كما ورد، ولم تتعد ما ورد، ونفت الكيفية عنه، وعلموا أن نزول الله تعالى ليس كنزول المخلوق.
وهذا قول أئمة السلف: حماد بن زيد، وأحمد؛ فإن حماد بن زيد سئل عن النزول، فقال: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف شاء.
إلى أن قال:
وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا؟ قال:
نعم. قلت: نزوله بعلمه، أو بماذا؟ قال لي: اسكت عن هذا، مالك ولهذا؟ ! أمض الحديث على ما روي، بلا كيف ولا حد؛ إلا بما جاءت به الآثار وبما جاء به الكتاب؛ قال الله عزوجل: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] ، ينزل كيف شاء بعلمه وقدرته وعظمته، أحاط بكل شيء علماً، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هارب. انتهى.
إلى ان قال:
والزيادة على ما ورد في النزول من ذكر الحركة والانتقال وخلو العرش
وعدمه؛ كله بدعة، والخوض فيه غير محمود.
قال أبو داود الطيالسي: كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يجسدون، ولا يشبهون، ولا يمثلون الحديث،
(ج ٦ / ص ٥٣٥)
стр. 4834
لا يقولون: كيف، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر. خرجه البيهقي.
(ج ٦ / ص ٥٣٧)