Полный текст (4 834 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وممن رخص في ذَلِكَ: عطاء والحسن والأوزاعي والثوري، وكرهه مالك، وحرمه اصحاب الشَافِعي، وعن أحمد روايتان، ومن أصحابنا مِن جزم بجوازه مِن غير خلاف حكاه.
وأصل هَذهِ المسألة: منع المحدث مِن مس المصحف، وسواء كانَ حدثه حدثاً أكبر، وَهوَ مِن يجب عليهِ الغسل، أو أصغر، وَهوَ مِن يجب عليهِ الوضوء.
هَذا قول جماهير العلماء، وروي ذَلِكَ عَن علي وسعد وابن عمر وسلمان، ولا يعرف لَهُم مخالف مِن الصحابة، وفيه أحاديث عَن النبي ﷺ متصلة ومرسلة.
وخالف في ذَلِكَ أهل الظاهر.
وأجاز الحكم وحماد للمحدث مسه بظهر الكف دونَ بطنه.
وعن الحسن، قالَ: لابأس أن يأخذ المصحف غير المتوضىء فيضعه مِن مكان إلى
مكان.
وعن سعيد بنِ جبير، أنَّهُ بال، ثُمَّ غسل وجهه ويديه، ثُمَّ أخذ المصحف فقرأ فيهِ.
رواهما عبد الرزاق.
وعن الشعبي، قالَ: مس المصحف مالم تكن جنباً.
ذكره وكيع.
وأما الاستدلال بقولِهِ : ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ففيه كلام ليسَ هَذا موضعه. والله أعلم.
وإن عدم الماء وتيمم، فله مس المصحف عندنا الشافعية والأكثرين، خلافاً للأوزاعي.
стр. 492
وفي الحديث: دلالة على جواز قراءة القرآن متكئاً، ومضطجعاً، وعلى جنبه، ويدخل ذَلِكَ في قول الله : ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ … [آل عمران: ١٩١] .
стр. 493
٤ - باب
مِن سمى النفاس حيضاً
стр. 494
٢٩٨ - حدثنا المكي بنِ إبراهيم: نا هشام، عَن يحيى بنِ أبي كثير، عَن أبي
سلمة، أن زينب بنت أم سلمة حدثته، أن أم سلمة حدثتها، قالت: بينا أنا معَ النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، فقالَ:
((أنفست؟)) فقلت: نعم، فدعاني فانضطجعت معه في الخميلة.
مكي بنِ إبراهيم: أكبر شيخ للبخاري، وَهوَ في طبقة مالك، ويروي عَن هشام بنِ عروة وغيره مِن الأكابر.
وقد أسقط بعض الرواة مِن إسناد هَذا الحديث ((زينب بنت أبي سلمة)) ، وجعله عَن أبي سلمة، عَن أم سلمة، والصواب: ذكر ((زينب)) فيهِ.
وقد تقدم حديث عائشة، أن النبي ﷺ دخل عليها وهي في الحج وهي تبكي، فقالَ: ((مالك؟ أنفست؟)) قالت: نعم.
ظاهر حديث أم سلمة وعائشة يدل على الحيض يسمى نفاساً. وقد بوب البخاري على عكس ذَلِكَ، وأن النفاس يسمى حيضاً، وكأن مراده: إذا سمي الحيض نفاساً فَقد ثبت لأحدهما اسم الآخر، فيسمى كل
стр. 495
واحد مِنهُما باسم الآخر، ويثبت لأحدهما أحكام الآخر.
ولا شك أن النفاس يمنع ما يمنع مِنه الحيض ويوجب ما يوجب الحيض إلا في الاعتداد بهِ؛ فإنها لا تعتد بهِ المطلقة قرءاً، ولا تستبرأ بهِ الأمة.
وقد حكى ابن جرير وغيره الإجماع على أن حكم النفساء حكم الحائض في الجملة.
وقد اعتمد ابن حزم على هَذا الحديث في ان الحائض والنفاس مدتهما واحدة، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض، وَهوَ قول لَم يسبق إليه، ولو كانَ هَذا الاستنباط حقاً لما خفي علي أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه.
وقريب مِن هَذا: ما نقل حرب في ((مسائله)) ، قالَ: قلت لإسحاق: رجل قالَ لأمراته: إذا حضت فأنت طالق، فولدت، هل يكون دم النفاس حيضاً؟ قالَ: تطلق؛ لأن دم النفاس حيض، إلا أن يقصد حين يحلف قصد الحيض، وذكر حديث عائشة، أن النبي ﷺ قالَ لها في الحج: ((مالك أنفست؟)) انتهى.
وهذا يرده: أنَّهُ لو كانَ دم النفاس حيضاً لاعتدت بهِ المطلقة قرءاً، ولا قائل بذلك، بل قَد حكى أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما الإجماع على خلافه.
وقوله ﷺ ((أنفست)) ، قالَ القرطبي: قيدناه بضم النون وبفتحها، قالَ الهروي وغيره: نفست المرأة ونفست إذا ولدت - يعني: بالوجهين: فتح
стр. 496
النون وضمها -، قالَ: وإذا حاضت [قيل] : نفست بفتح النون لا غير.
فعلى هَذا يكون ضم النون هنا خطأ؛ فإن المراد بهِ الحيض قطعاً، لكن حكى أبو حاتم عَن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة، وذكر ذَلِكَ غير واحد.
فعلى هَذا تصح الروايتان، وأصل ذَلِكَ كله من خروج الدم وَهوَ المسمى:
نفساً. انتهى.
وقال الخطابي: ترجم أبو عبد الله هَذا الباب بقولِهِ: ((مِن سمى النفاس
حيضاً)) ، والذي ظنه مِن ذَلِكَ وهم. قالَ: وأصل هَذهِ الكلمة مِن النفس، وَهوَ الدم، إلا أنهم فرقوا بين بناء الفعل مِن الحيض والنفاس، فقالوا: نفست المرأة - بفتح النون وكسر الفاء - إذا حاضت، ونفست - بضم النون وكسر الفاء، على وزن الفعل المجهول، فهي نفساء - إذا ولدت. انتهى.
ومراده: أن الرواية في هَذا الحديث هي بفتح النون ليسَ إلا، وأن ذَلِكَ لا يراد بهِ الحيض.
وعلى ما ذكره القرطبي، أن الرواية في الحديث جاءت بوجهين، وأن الأصمعي حكى في الحيض والولادة وجهين، لا يحكم على البخاري بالوهم.
ثُمَّ قالَ الخطابي: الحيضة - بكسر الحاء -: التحيض، كالقعدة والجلسة، أي: الحالة التي تلزمها الحائض مِن اجتناب الأمور وتوقيها.
يشير إلى قول أم سلمة: ((فأخذت ثياب حيضتي)) ، أنها بكسر الحاء.
стр. 497
وأنكر غيره ذَلِكَ، وقال: إنما الرواية بفتح الحاء، والمراد: ثياب الحيض.
قالَ الخطابي: والخميصة: كساء أسود، وربما كانَ لَهُ علم، أو فيهِ خطوط. والخميلة: ثوب مِن صوف لَهُ خمل.
وروى ابن لهيعة: نا يزيد بنِ أبي حبيب، عَن موسى بنِ سعد بنِ زيد بنِ ثابت، عَن خبيب بنِ عبد الله بنِ الزبير، عَن عائشة، قالت: طرقتني الحيضة مِن الليل وأنا إلى جنب رسول الله ﷺ ، فتأخرت، فقالَ: ((مالك! أنفست؟)) قلت: لا، ولكن حضت، قالَ: ((فشدي عليك إزارك، ثُمَّ عودي)) .
خرجه الإمام أحمد.
وَهوَ غريب جداً.
стр. 498
٥ - باب
مباشرة الحائض
خرج فيهِ: عَن عائشة، وميمونة.
فأما حديث عائشة، فَمِن طريقين:
أحدهما:
قالَ:
стр. 499
٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠١ - نا قبيصة: نا سفيان، عَن منصور، عَن إبراهيم، عَن الأسود، عَن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ مِن إناء واحد، كلانا جنب، وكان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض، وكان يخرج رأسه إلي وَهوَ
معتكف، فأغسله وانا حائض.
والثاني:
قالَ:
стр. 500
٣٠٢ - نا إسماعيل بنِ خليل: أنا علي بنِ مسهر: أنا أبو إسحاق - هوَ: الشيباني -، عَن عبد الرحمن بنِ الأسود، عَن أبيه، عَن عائشة، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضاَ فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها أمرها أن
стр. 501
تتزر في فور حيضتها، ثُمَّ يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه كَما كانَ رسول الله ﷺ يملك إربه؟
تابعه: خالد وجرير، عَن الشيباني.
وحديث جرير عَن الشيباني، خرجه أبو داود، ولفظه: كانَ يأمرنا في فوح حيضتنا أن نتزر، ثُمَّ يباشرنا - والباقي مثله.
وخرجه ابن ماجه مِن طريق ابن إسحاق عَن الشيباني - أيضاً.
وإنما ذكر البخاري المتابعة على هَذا الإسناد؛ لأن مِن أصحاب الشيباني مِن رواه عَنهُ، عَن عبد الله بن شداد، عَن عائشة.
وليس بصحيح؛ فإن الشيباني عنده لهذا الحديث إسنادان عَن عائشة وميمونة:
فحديث عائشة: رواه عَن عبد الرحمن بن الأسود، عَن أبيه، عَن عائشة.
وحديث ميمونة: رواه عَن عبد الله بنِ شداد، عَن ميمونة.
فَمِن رواه: عَن الشيباني، عَن عبد الله بنِ شداد، عَن عائشة، فَقد وهم فهذا حديث عائشة.
وأما حديث ميمونة:
فقالَ:
стр. 502
٣٠٣ - نا أبو النعمان: نا عبد الواحد: نا الشيباني: نا عبد الله بنِ شداد، قالَ: سمعت ميمونة قالت: كانَ رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة مِن
стр. 503
نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض.
رواه سفيان، عَن الشيباني.
وإنما ذكر متابعة سفيان؛ ليبين أن الصحيح: عَن الشيباني، عَن عبد الله بن
شداد، عَن ميمونة؛ لا عَن عائشة، وأن سفيان - وَهوَ: الثوري - رواه عَن الشيباني كذلك.
وقد خرجه الإمام أحمد، عَن ابن مهدي، عَن سفيان كذلك، ولفظ حديثه: أن النبي ﷺ يباشرها وهي حائض، فوق الإزار.
وكذلك خرجه مسلم في ((صحيحه)) من طريق عبد الواحد بنِ زياد، عَن الشيباني بهذا الإسناد، ولفظه: كانَ رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض.
وخرجه مسلم - أيضاً - مِن طريق ابن وهب: أخبرني مخرمة، عَن أبيه - وَهوَ: بكير بنِ الأشج -، عَن كريب مولى ابن عباس، عَن ميمونة، قالت:
كانَ رسول الله ﷺ ينضجع معي وأنا حائض، وبيني وبينه ثوب.
ورواه الزهري عَن حبيب مولى عروة، عن ندبة مولاة ميمونة، عَن ميمونة، قالت: كانَ رسول الله ﷺ يباشر المرأة مِن نسائه وهي حائض، إذا كانَ عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين - أو الركبتين - محتجزة.
خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في ((صحيحه)) .
وفي الباب أحاديث أخر متعددة، وقد تقدم في الباب الماضي حديث أم سلمة في المعنى.
وقد دلت هَذهِ الأحاديث على جواز نوم الرجل معَ المرأة في حال حيضها، وجواز مباشرته لها، واستمتاعه بها مِن فوق الإزار.
والإزار: هوَ مابين السرة والركبة، وفي الرواية الأخيرة عَن ميمونة الشك:
هل كانَ الإزار يبلغ إلى الركبتين، أو إلى أنصاف الفخذين.
وقد روي أن الإزار كانَ يبلغ إلى أنصاف الفخذين، جزماً مِن غير شك:
خرجه ابن ماجه مِن حد يث أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، أنها سئلت:
стр. 504
كيف كنت تصنعين معَ رسول الله ﷺ في الحيض؟ قالت: كانت إحدانا في فورها، أول ما تحيض تشد عليها إزاراً إلى أنصاف فخذيها، ثُمَّ تضطجع معَ رسول الله ﷺ .
وإسناده حسن، وفي إسناده: ابن إسحاق.
وفي هَذا الحديث - معَ حديث عائشة الثاني الذِي خرجه البخاري هاهنا -:
دلالة على أن النبي ﷺ إنما كانَ يامر الحائض بالاتزار في أول حيضتها، وَهوَ فور الحيضة وفوحها، فإن الدم حينئذ يفور لكثرته، فكلما طالت مدته قل، وهذا مما يستدل بهِ على أن الأمر بشد الإزار لَم يكن لتحريم الاستمتاع بما تحت الإزار، بل خشية مِن إصابة الدم والتلوث بهِ، ومبالغة في التحرز مِن إصابته.
وقد روى محمد بنِ بكار بنِ بلال: نا سعيد بنِ بشير، عَن قتادة، عَن الحسن، عَن أمه، عَن أم سلمة، قالت: كانَ رسول الله ﷺ يتقي سورة الدم ثلاثاً، ثُمَّ يباشر بعد ذَلِكَ.
وهذا الإسناد وإن كانَ فيهِ لين، إلا أن الأحاديث الصحيحة تعضده وتشهد لَهُ.
وفي ((سنن أبي داود)) مِن حديث عكرمة، عَن بعض أزواج النبي ﷺ ، قالَ: كانَ النبي ﷺ إذا أراد مِن الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً.
وإسناده جيد.
وَهوَ محمول على ما بعد الثلاث إذا ذهبت سورة الدم
стр. 505
وحدته وفوره، فكان حينئذ يكتفي بستر الفرج وحده بثوب، ثُمَّ يباشر.
وقد روي عَن الأوزاعي، عَن عبدة بنِ أبي لبابة، عَن أم سلمة، قالت: كنت معَ النبي ﷺ في لحافه فنفست، فقالَ: ((مالك! أنفست؟)) قلت: نعم، فأمرني أن أضع على قبلي ثوباً.
خرجه أبو بكر ابن جعفر في ((كِتابِ الشافي)) .
وعبدة، لَم يسمع مِن أم سلمة -: قاله أبو حاتم الرازي.
وسنذكر في ((الصيام)) - إن شاء الله تعالى - الأحاديث الواردة بأن النبي ﷺ كانَ يلقي على فرج المرأة في صيامه ثوباً، ثُمَّ يباشرها.
فظهر بهذا: أن الاستمتاع ببدن الحائض كله جائز، لا منع فيهِ سوى الوطء في الفرج، وأنه يستحب أن يكون ذَلِكَ مِن فوق الإزار، خصوصاً في أول الحيض وفورته، وإن اكتفى بستر الفرج وحده جاز، وإن استمتع بها بغير ستر بالكلية جاز - أيضاً.
وقد تقدم قول النبي ﷺ : ((اصنعوا كل شيء غير النكاح)) .
خرجه مسلم.
وأما الأحاديث التي رويت عَن النبي ﷺ ، أنَّهُ سئل عما يحل مِن الحائض؟
فقالَ: ((فوق الإزار)) .
فَقد رويت مِن وجوه متعددة لا تخلو أسانيدها مِن لين، وليس رواتها مِن المبرزين في الحفظ، ولعل بعضهم روى ذَلِكَ بالمعنى الذِي فهمه مِن مباشرة النبي ﷺ للحائض مِن فوق الإزار.
وقد قيل: إن الإزار كناية عَن الفرج، ونقل ذَلِكَ عن اللغة، وأنشدوا فيهِ شعراً.
قالَ: وكيع: الإزار عندنا: الخرقة التي على الفرج.
стр. 506
وقد اختلف العلماء فيما يجوز الاستمتاع بهِ مِن الحائض في حال حيضها:
فقالت طائفة: لا يحرم منها سوى الإيلاج في فرجها، ويجوز ما عدا ذَلِكَ، وحكي ذَلِكَ عَن جمهور العلماء، وروي عَن ابن عباس، وعائشة، وأم سلمة، وَهوَ قول الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وَهوَ أحد قولي الشَافِعي، ومحمد بنِ الحسن وأبي ثور، وابن المنذر، وداود، وطائفة مِن أصحاب مالك والشافعي.
واحتج أحمد بأن عائشة أفتت بإباحة ما دونَ الفرج مِن الحائض، وهي أعلم الناس بهذه المسألة، فيتعين الرجوع فيها إلى قولها، كَما رجع إليها في الغسل مِن إلتقاء الختانين على ما سبق، وكذا في المباشرة للصائم، وقد حكى البخاري عنها في
((الصوم)) أنها قالت: يحرم عليهِ - تعني: الصائم - فرجها.
وقالت طائفة: يحرم الاستمتاع مِن الحائض بما بين السرة والركبة، إلا مِن فوق الإزار، وَهوَ المشهور عَن مالك، وأبي حنيفة، والشافعي.
وحكي رواية عَن أحمد، ولم [يثبتها] الخلال وأكثر الأصحاب، وقالوا: إنما أراد أحمد أن الأفضل مباشرتها مِن فوق الإزار.
وقالت طائفة: إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه عَن الفرج؛ لضعف شهوة أو شدة ورع جاز، وإلا فلا، وَهوَ قول طائفة مِن الشَافِعية.
стр. 507
وَهوَ حسن، وفي كلام عائشة ﵂ ما يشهد لَهُ؛ فإنها قالت: وأيكم يملك إربه كَما كانَ رسول الله ﷺ يملك إربه؟ .
ويشهد لهذا: مباشرة المرأة في حال الصيام؛ فإنه يفرق فيها بين مِن يخاف على نفسه ومن يأمن، وقد قالت عائشة - أيضاً -: كانَ النبي ﷺ يقبل ويباشر وَهوَ صائم، وكان أملككم لإربه.
وقد رويت هَذهِ اللفظة بكسر الهمزة وسكون الراء، ورويت بفتح الهمزة والراء.
وأنكر الخطابي الرواية الأولى، وجوزها غيره.
والإرب - بالسكون -: العضو، وَهوَ كناية هنا عَن الفرج، والإرب - بالفتح - الحاجة، والمراد بالحاجة: شهوة النكاح، وقيل: بل الإرب - بالسكون - يراد بهِ
العضو، ويراد بهِ الحاجة - أيضاً -، وكذلك هوَ في ((الصحاح)) .
قالَ أبو عبيد: يروى هَذا الحديث: لإربه - يعني: بالسكون - قالَ: وَهوَ في كلام العرب لأربه - يعني: بالتحريك -، قالَ: والإرب: الحاجة، قالَ: وفيه ثلاث لغات: أرب، وإربة، وإرب، في غير هَذا: العضو. انتهى.
وعلى قول مِن جوز الاستمتاع بما دونَ الفرج، ويجوز عندهم الوطء دونَ الفرج، والاستمتاع بالفرج نفسه مِن غير إيلاج فيهِ، ولو كانَ على بعض الجسد شيء مِن دم الحيض لَم يحرم الاستمتاع بهِ، وليس فيهِ خلاف إلا وجه شاذ للشافعية.
لكن صرح ابن أبي موسى مِن أصحابنا في ((شرح الخرقي)) بكراهة الوطء فيما هوَ متلوث بدم الحيض مِن غير تحريم.
стр. 508
وأما ما فوق السرة وتحت الركبة فيجوز الاستمتاع بهِ، وكثير مِن العلماء حكى الإجماع على ذَلِكَ.
ومنهم مِن حكى عَن عبيدة السلماني خلافه، ولا يصح عَنهُ.
إنما الصحيح عَن عبيدة: ما رواه وكيع في ((كتابه)) ، عن ابن عون، عَن ابن سيرين، قالَ: سألت عبيدة: ما للرجل مِن امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالَ: الفراش واحد، واللحاف شتى، فإن لَم يجد بداً رد عليها مِن طرف ثوبه.
وهذا إنما يدل على أن الأولى أن لا ينام معها متجردة في لحاف واحد حتَّى يسترها بشيء مِن ثيابه، وهذا لا خلاف فيهِ.
وقد روي عَن ابن عباس، أنَّهُ كانَ يعتزل فراشه امرأته في حال الحيض، وأنكرت عليهِ ذَلِكَ خالته ميمونة ﵄، فرجع عَن ذَلِكَ:
ففي ((مسند الإمام أحمد)) مِن حديث ابن إسحاق، [عَن] الزهري، عَن عروة، عَن ندبة، قالت: أرسلتني ميمونة بنت الحارث إلى امرأة عبد الله ابن عباس - وكانت بينهما قرابة -، فرأيت فراشها معتزلاً عَن فراشه، فظننت أن ذَلِكَ لهجران، فسألتها، فقالت: لا، ولكني حائض، فإذا حضت لم يقرب فراشي، فأتيت ميمونة، فذكرت ذَلِكَ لها، فردتني إلى ابن عباس، فقالت: أرغبة عَن سنة رسول الله ﷺ ؟! لقد كانَ رسول الله ﷺ ينام معَ المرأة مِن نسائه الحائض، ما بينهما إلاّ ثوب، ما يجاوز الركبتين.
ثُمَّ خرجه مِن طريق ليث: حدثني ابن شهاب، عَن حبيب مولى عروة، عَن ندبة - فذكر الحديث.
стр. 509
وهذا هوَ الصحيح، وقول ابن إسحاق: ((عَن عروة)) خطأ، إنما هوَ:
حبيب مولى عروة، وَهوَ ثقة، خرج لَهُ مسلم.
وقد روي أن النبي ﷺ إنما كانَ ينام معَ الحائض حيث لَم يكن لَهُم سوى فراش واحد، فلما وسع عليهم اعتزل نساءه في حال الحيض.
خرجه الإمام أحمد مِن رواية ابن لهيعة، عَن يزيد بنِ أبي حبيب، عَن سويد بنِ قيس، عَن ابن قريط الصدفي، قالَ: قل لعائشة: أكان النبي ﷺ يضاجعك وأنت
حائض؟ قالت: نعم، إذا شددت عليّ إزاري، ولم يكن لنا إذ ذاك إلا فراش واحد، فلما رزقني الله فراشاً آخر اعتزلت رسول الله ﷺ .
وابن لهيعة، لا يقبل تفرده بما يخالف الثقات.
ولكن تابعه غيره:
فرواه ابن وهب، عَن عمرو بنِ الحارث، عَن ابنِ أبي حبيب، عَن سويد ابن قيس، عَن ابن قرظ - أو قرط - الصدفي، أنَّهُ سأل عائشة - فذكره بمعناه.
خرجه بقي بنِ مخلد في ((مسنده)) .
وابن قرظ - أو قرط - الصدفي، ليسَ بالمشهور، فلا تعارض روايته عَن عاشة رواية الأسود بنِ يزيد النخعي.
وقد تابع الأسود على روايته كذلك عَن عائشة: عمرو بنِ شرحبيل - أو عمرو بنِ ميمون - على اختلاف فيهِ -، وأبو سلمة وعبد الله بنِ أبي قيس، وشريح بنِ المقدام، وجميع بنِ عمير، وخلاس وغيرهم.
وروايات هؤلاء عَن عائشة أولى مِن روايات ابن قريط.
стр. 510
وتعارض رواية ابن قريط برواية أخرى تشبهها، خرجها أبو داود مِن حديث
عبد الرحمن بنِ زياد، عَن عمارة بنِ غراب، أن عمة لَهُ حدثته: أنها سألت عائشة، قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد؟ قالت: أخبرك بما صنع
رسول الله ﷺ ، دخل فمضى إلى مسجده - تعني: مسجد بيته -، فلم ينصرف حتى غلبتني عيني، وأوجعه البرد، فقالَ: ((ادني)) ، فقلت: إني حائض، قالَ: ((وإن، اكشفي عَن فخذيك)) ، فكشفت فخذي فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليهِ حتى دفىء ونام.
وفي ((سنن أبي داود)) عَن أبي اليمان كثير بنِ يمان، عَن أم ذرة، عَن عائشة، قالت: كنت إذا حضت نزلت عَن المثال إلى الحصير، فلن نقرب رسول الله ﷺ ولم ندن منهُ حتى نطهر.
أبو اليمان وأم ذرة، ليسا بمشهورين، فلا يقبل تفردهما بما يخالف رواية الثقات الحفاظ الأثبات.
وخرجه بقي بنِ مخلد، عَن الحماني: ثنا عبد العزيز، عَن أبي [اليمان] الرحال، عَن أم ذرة، عَن عائشة، قالت: كنت إذا حضت لَم أدن مِن فراش رسول الله ﷺ حتى أطهر.
الحماني، متكلم فيهِ.
وقد روى جعفر بنِ الزبير، عَن القاسم، عَن أبي أمامة، قالَ: قالَ عمر: كنا نضاجع النساء في المحيض، وفي الفرش واللحف قلة، فأما إذ وسع الله الفرش واللحف فاعتزلوهن كَما أمر الله .
стр. 511
خرجه القاضي إسماعيل.
وهذا لا يثبت، وجعفر بنِ الزبير متروك الحديث.
وروى أبو نعيم الفضل بنِ دكين: نا أبو هلال: حدثني شيبة الراسبي، قالَ: سألت سالماً عَن الرجل يضاجع امرأته وهي حائض؟ قالَ: أمَّا نحن آل عمر، فنهجرهن إذا كن حيضاً.
إسناد ضعيف.
والاعتزال الذِي أمر الله بهِ: هوَ اجتناب جماعهن، كَما فسره بذلك رسول الله ﷺ .
وقال عكرمة: كانَ أهل الجاهلية يصنعون في الحيض نحواً مِن صنيع المجوس، فذكروا ذَلِكَ لرسول الله ﷺ ، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾
[البقرة: ٢٢٢] الآية، فلم يزد الأمر فيهن إلا شدة، فنزلت: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] : أن تعتزلوا.
أخرجه القاضي إسماعيل، بإسناد صحيح.
وَهوَ يدل على أن أول الأمر باعتزالهن فهم كثير مِن الناس منهُ الاعتزال في البيوت والفرش كَما كانوا يصنعون أولاً، حتى نزل آخر الآية: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ
اللهُ﴾ ، ففهم مِن ذَلِكَ أن الله أمر باعتزالهن في الوطء خاصة.
وفسر النبي ﷺ ذَلِكَ بقولِهِ: ((اصنعوا كل شيء غير النكاح)) ، وبفعله معَ أزواجه؛ حيث كانَ يباشرهن في المحيض.
стр. 512
٦ - باب
ترك الحائض الصوم
стр. 513
٣٠٤ - حدثنا سعيد بنِ أبي مريم: نا محمد بنِ جعفر: أخبرني زيد - هوَ: ابن أسلم -، عَن عياض بنِ عبد الله، عَن أبي سعيد الخدري، قالَ: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقالَ: ((يا معشر النساء تصدقن، فإني أريتكن أكثر أهل النار)) فقلن: وبم يارسول الله؟ قالَ: ((تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت مِن ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم مِن إحداكن)) . قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قالَ: ((أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟)) قلن: بلى، قالَ: ((فذلك مِن نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لَم تصل ولم تصم؟)) قلن: بلى، قالَ: ((فذلكن [مِن] نقصان دينها)) .
قَد سبق هَذا الحديث في ((كِتابِ: الإيمان)) ، استدل بهِ البخاري هناك على أن الصلاة والصيام مِن الدين، واستدل بهِ هنا على أن الحائض لا تصوم.
ولم يبوب على ترك الصلاة؛ لأنه بوب على أنها لا تقتضي الصلاة باباً مفرداً، يأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى.
وقد أجمعت الأمة على أن الحائض لا تصوم في أيام حيضها، وأن صومها غير صحيح ولا معتد بهِ، وأن عليها قضاء الصوم إذا طهرت.
стр. 514
واختلف المتكلمون في أصول الفقه: هل هي مكلفة بالصوم في حال حيضها، أم لا تؤمر بهِ إلا بعد طهرها؟
وقال كثير مِن الفقهاء: أنَّهُ لا تظهر لهذا الاختلاف فائدة.
وقد تظهر لَهُ فائدة، وهي: أن الحائض إذا ماتت قبل انقطاع دمها، فهل يجب أن يطعم عنها لكل يوم أفطرت فيهِ؟ وكذا المريض والمسافر إذا ماتا قبل زوال عذرهما، على قول مِن أوجب الإطعام عَن الميت مطلقاً وإن مات قبل التمكن مِن الصوم.
وإذا انقطع دم الحائض؛ فالجمهور على أن حكمها حكم الجنب؛ يصح
صومها، والمخالف في صوم الجنب يخالف في الحائض بطريق الأولى.
ومن الناس مِن قالَ في الحائض: لا يصح صيامها حتى تغتسل؛ وإن صح صوم الجنب. وحكي عَن الأوزاعي، والحسن بنِ صالح، والعنبري، وعبد الملك بنِ الماجشون
وغيرهم.
وقد حكاه بعض أصحابنا المتأخرين وجهاً في الحائض إذا انقطع دمها: أنَّهُ لا يصح صومها، ولم يحك مثله في الجنب.
ووجه الفرق: أن حدث الحيض مانع مِن صحة الصيام؛ بخلاف الجنابة، فإنه لو احتلم الصائم لَم يبطل صيامه، ولو طرأ الحيض في أثناء النهار بطل الصوم.
стр. 515
٧ - باب
تقضي الحائض المناسك كلها إلاّ الطواف بالبيت
وقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية.
ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً.
وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
وقالت أم عطية: كنا نؤمر أن يخرج الحيض؛ فيكبرن بتكبيرهم ويدعون.
قالَ ابن عباس: أخبرني أبو سفيان، أن هرقل دعا بكتاب النبي ﷺ فقرأه، فإذا فيهِ: ((بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
وقال عطاء، عنِ جابر: حاضت عائشة، فنسكت المناسك غير الطواف
بالبيت، ولا تصلي.
وقال الحكم: إني لأذبح وأنا جنب.
стр. 516
وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
стр. 517
٣٠٥ - حدثنا أبو نعيم: نا عبد العزيز بنِ أبي سلمة، عَن عبد الرحمن بنِ
القاسم، [عَن القاسم] ، عَن عائشة، قالت: خرجنا معَ رسول الله ﷺ ولا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فد خل النبي ﷺ وأنا أبكي، فقالَ: ((ما يبكيك؟))
فقلت: لوددت والله أني لَم أحج العام، قالَ: ((لعلك نفست؟)) قلت:
نعم، قالَ: ((فإن ذَلِكَ شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) .
مقصود البخاري بهذا الباب: أن الحيض لا يمنع شيئاً مِن مناسك الحج غير الطواف بالبيت والصلاة عقيبه وأن ما عدا ذَلِكَ مِن المواقف والذكر والدعاء لا يمنع الحيض شيئاً منهُ، فتفعله الحائض كله، فدخل في ذَلِكَ الوقوف بعرفة، والمزدلفة، ورمي الجمار، وذكر الله ودعاؤه في هَذهِ المواطن، وكل هَذا متفق على جوازه.
ولم يدخل في ذَلِكَ السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه تابع للطواف لا يفعل إلا بعده،
стр. 518
ولم تكن عائشة طافت قبل حيضها، فلوا كانت قَد طافت فبل حيضها لدخل فيهِ السعي - أيضاً.
وهذا كله متفق عليهِ بيِن العلماء إلا خلافاً شاذاً في الذكر، وقد ذكرناه فيما سبق في ((أبواب الوضوء)) ، وإلا السعي بين الصفا والمروة؛ فإن للعلماء فيهِ اختلافاً: هل يفعل معَ الحيض، أم لا؟
والجمهور: على جوازه معَ الحيض، ومنع منهُ طائفة من السلف؛ لكن مِنهُم مِن علل ذَلِكَ بمنع تقدم السعي للطواف، فلو كانت طافت ثُمَّ حاضت لزال المنع حينئذ على هَذا التعليل، وحكي المنع رواية عَن أحمد، وحكي عَن ابن عمر.
ومنع إسحاق الجنب مِن السعي دونَ الحائض؛ لأن الجنب لا عذر لَهُ في تأخير الغسل؛ بخلاف الحائض.
وقد روى يحيى بنِ يحيى الأندلسي حديث عائشة الذِي خرجه البخاري هاهنا: عَن مالك، عَن عبد الرحمن بنِ القاسم، وقال فيهِ: ((غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا بالصفا والمروة، حتى تطهري)) .
وزيادة ((الصفا والمروة)) وهم على مالك، لَم يذكره عَنهُ أحد غير يحيى -: قاله ابن عبد البر.
وفي ((صحيح مسلم)) ، عَن أبي الزبير، عَن جابر،
стр. 519
وذكر قصة عائشة في حيضها في الحج، وقال في آخره: فقالَ لها النبي ﷺ : ((اغتسلي، ثُمَّ أهلي بالحج)) ، ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، والصفا والمروة.
وخرج البخاري في ((الحج)) من حديث عطاء، عن جابر، قالَ: حاضت عائشة، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت.
وهذا هوَ الذِي علقه البخاري هاهنا، وزاد فيهِ: ((ولا تصلي)) .
وهذه اللفظة خرجها الإمام أحمد مِن رواية أبي الزبير، فذكر الحديث، وفيه: أن النبي ﷺ قالَ لها: ((اغتسلي، واهلي بالحج، ثُمَّ حجي واصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي)) . قالت: ففعلت ذَلِكَ، فلما طهرت قالَ: ((طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة)) .
وأما طواف الحائض بالبيت، فالجمهور على تحريمه، ورخص فيهِ طائفة مِن المالكية إذا لَم تحتبس لها الرفقة أن تطوف للأفاضة حينئذ، وسنذكر ذَلِكَ في موضعه مِن ((الحج)) إن شاء الله تعالى.
وأما حديث أم عطية في إخراج الحيض في العيدين، فَقد خرجه البخاري في مواضع متعددة مِن ((كتابه)) مبسوطاً، وفيه دليل على جواز الذكر والدعاء للحائض.
وأما ما ذكره - تعليقاً -، أن النبي ﷺ كانَ يذكر الله على كل أحيانه:
стр. 520
فخرجه مسلم ((صحيحه)) مِن حديث البهي، عَن عروة، عَن عائشة.
وذكر الترمذي في ((علله)) أنَّهُ سأل البخاري عَنهُ، فقالَ: هوَ حديث صحيح.
وذكر ابن أبي حاتم، عَن أبي زرعة، أنَّهُ قالَ: لَم يرو إلا مِن هَذا الوجه، وليس هوَ بذاك.
وفيه: دليل على أن الذكر لا يمنع منهُ حدث ولا جنابة، وليس فيهِ دليل على جواز قراءة القرآن للجنب؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد بهِ القرآن.
واستدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ فَهوَ دليل على جواز التسمية للحائض والجنب؛ فإنهما غير ممنوعين مِن التذكية.
قالَ ابن المنذر: لا أعلم أحداً منع مِن ذَلِكَ. قالَ: وأجمع أهل العلم على أن لهما أن يذكرا الله ويسبحانه.
فلم يبق مما ذكره البخاري في هَذا الباب سوى قراءة القرآن، وظاهر كلامه أن الحائض لا تمنع مِن القراءة.
واستدل [بكتابة] النبي ﷺ البسملة معَ آية مِن القرآن إلى هرقل.
وذكر عن النخعي، أن الحائض تقرأ الآية، وعن ابن عباس أنه لم ير بالقرآن للجنب بأساً.
أما ابن عباس، فقد حكى عنه جواز القرآن للجنب غير واحد.
стр. 521
قالَ ابن المنذر: روينا عن ابن عباس أنه كانَ يقرأ وردهُ وهو جنب، ورخّص عكرمة وابن المسيب في قراءته. وقال ابن المسيب: أليس في جوفه؟ انتهى.
وكذا قالَ نافع بن جبير بن مطعم في قراءة القرآن على غير طهارة: لا بأس به، أليس القرآن في جوفه؟
وممن رأى الرخصة في قراءة القرآن للجنب قسامة بن زهير، والحكم، وربيعة، وداود.
وروى - أيضاً - عن معاذ بن جبل، وانه قالَ: ما نهى رسول الله ﷺ عن شيء من ذَلِكَ.
خرجه ابن جرير بإسناد ساقط لا يصح، والظاهر أنه مما وضعه محمد بن سعيد المصلوب، وأسقط اسمه من الإسناد؛ فقد وجدنا أحاديث متعددة بهذا الإسناد، وهي من موضوعات المصلوب.
وحكي جواز القراءة للجنب والحائض عن طائفة من أهل الحديث، منهم: ابن المنذر، والطحاوي.
وأما من رخص للجنب في قراءة الآية، فقد حكاه البخاري عن النخعي في الحائض.
وفي ((كتاب ابن أبي شيبة)) عن النخعي: أن الحائض والجنب لا يتم الآية.
وروى أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم في الجنب: لا بأس أن يقرأ الآية. قال أبو حنيفة: والحائض مثله.
وحكى رواية عن أحمد بجواز قراءة الآية، وهي مخرجة من كلامه، ليست منصوصة عنه، وفي صحة تخريجها نظر.
وروي عن طائفة الرخصة في قراءة الآية والآيتين،
стр. 522
روي عن سعيد بن جبير
وعبد الله بن مغفل، وعكرمة.
وروي عن عكرمة: لا بأس للجنب أن يقرأ؛ ما لم يقرأ السورة.
ومنهم من رخص في قراءة ما دون الآية، وهو مروي عن جابر بن زيد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والنخعي، والثوري، ورواية عن أحمد، وإسحاق، وحكي عن الطحاوي.
ومنع الأكثرون الحائض والجنب من القراءة بكل حال، قليلاً كانَ أو كثيراً، وهذا مروي عن اكثر الصحابة، روي عن عمر، وروي عنه أنه قالَ: لو أن جنباً قرأ القرآن لضربته.
وعن علي، قالَ: لا يقرأ ولا حرفاً.
وعن ابن مسعود، وسليمان، وابن عمر.
وروي عن جابرٍ، قالَ البيهقي: وليس بقوي.
وروي عن ابن عباس بإسناد لا يصح.
وهو قول أكثر التابعين، ومذهب الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد وإسحاق - في احدى الروايتين عنهما -، وأبي ثور وغيرهم.
وهو قول مالكٍ في الجنب، إلا أنه رخص لهُ في قراءة آيتين وثلاث عندَ المنام للتعوذ.
ورخص الأوزاعي لهُ في تلاوة آيات الدعاء والتعوذ، تعوذاً لا قراءة.
وهذا أصح الوجهين للشافعية - أيضاً.
وقال سعيد بن عبد العزيز: رخص للحائض والجنب في قراءة آيتين عندَ الركوب والنزول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الآية [الزخرف: ١٣] ، و ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً﴾ [المؤمنون: ٢٩] الآية.
وعن مالك في الحائض روايتان إحداهما: هي كالجنب، والثانية: أنها تقرأ.
وهو قول محمد بن مسلمة؛ لأن مدة الحيض تطول، فيخشى
стр. 523
عليها النسيان، وهي غير قادرة على الغسل، بخلاف الجنب.
وحكى أبو ثور ذَلِكَ عن الشافعي، وأنكره أصحاب الشافعي عنه.
وعكس ذَلِكَ آخرون، منهم: عطاء، قالَ: الحائض أشد شأناً من الجنب، الحائض لا تقرأ شيئاً من القرآن، والجنب يقرأ الآية.
خرجه ابن جرير بإسناده عنه.
ووجه هذا: أن حدثَ الحيض أشد من حدث الجنابة؛ فإنه يمنع ما يمنع منه حدث الجنابة وزيادة، وهي الوطء والصوم، وما قيل من خشية النسيان فإنه يندفع بتذكر القرآن بالقلب، وهو غير ممنوع به.
وفي نهي الحائض والجنب عن القراءة أحاديث مرفوعة، إلا أن أسانيدها غير
قوية، كذا قالَ الإمام أحمد في قراءة الحائض، وكأنه يشير إلى أن الرواية في الجنب
أقوى، وهو كذلك.
وأقوى ما في الجنب: حديث عبد الله بن سلمة، عن علي، قالَ: كانَ
رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه - أو يحجزه - عن القرآن شيء، ليس الجنابة.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وخرجه الترمذي بمعناه، وقال: حسن صحيح، وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم، وقال صحيح الإسناد.
وتكلم فيهِ الشافعي وغيره؛ فإن عبد الله بن سلمة هذا رواه بعدما كبر، قالَ شعبة عنه: كانَ يحدثنا، فكنا نعرف وننكر ,،
стр. 524
وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، ووثقه العجلي ويعقوب بن شيبة، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
والاعتماد في المنع على ما روي عن الصحابة، ويعضده: قول عائشة وميمونة في قراءة النبي ﷺ القرآن في حجرهما في حال الحيض؛ فإن يدل على أن للحيض تأثيراً في منع القراءة.
وأما الاستدلال المجيزين بحديث عائشة: ((اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي)) فلا دلالة لهم فيهِ؛ فإنه ليس في مناسك الحج قراءة مخصوصة حتَّى تدخل في عموم هذا الكلام، وإنما تدخل الأذكار والأدعية.
وأما الاستدلال بحديث الكتاب إلى هرقل، فلا دلالة فيهِ؛ لأنه إنما كتب ما تدعو الضرورة إليه للتبليغ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ في شرح حديث هرقل في أول الكتاب.
وقد اختلف العلماء في تمكين الكافر من تلاوة القرآن، فرخص فيهِ الحسن وأبو حنيفة وغيرهما، ومنهم من منع منه، وهو قول أبي عبيد وغيره.
واختلف أصحابنا في ذَلِكَ، فمنهم من منعه مطلقاً، ومنهم من رخص فيهِ
مطلقاً، ومنهم من جوزه إذا رجي من حال الكافر الاستهداء
стр. 525
والاستبصار، ومنعه إذا لم يرج ذَلِكَ.
والمنقول عن أحمد أنه كرهه.
وقال أصحاب الشافعي: إن لم يرج له الاستهداء بالقراءة منع منها، وإن رجي لهُ ذَلِكَ لم يمنع، على أصح الوجهين.
стр. 526
٨ - باب
الاستِحَاضَةِ
стр. 527
٣٠٦ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! إني لا أطهرُ؛ أفأدع الصلاة؟ ، فقالَ رسول الله ﷺ : ((إنما ذَلِكَ عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصَّلاة، فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي عنك الدم وصلّي)) .
هذا الحديث خرجه البخاري في مواضع متعددة من ((كتاب الحيض)) ، وفي بعضها: أنها قالت: ((إني أستحاض فلا أطهر)) ، وفي بعضها: ((إذا أدبرَتْ فاغتسلي وصلي)) ، وفي بعضها: ((دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضينَ فيها، ثُمَّ اغتسلي وصلي)) .
وكل هذه الألفاظ من رواية هشام، عن أبيه، عن عائشة.
وخرج - أيضاً - من رواية ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة - وعن
عمرة -، عن عائشة: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ عن ذَلِكَ، فأمرها أن تغتسل، فقالَ: ((هذا عرق)) ، فكانت تغتسل لكل صلاة.
المستحاضة: هي من اختلط دم حيضها بدم غير الحيض، هوَ دم فاسد
стр. 528
غير طبيعي، بل عارض لمرض، فدم الحيض هوَ دم جبلةٍ وطبيعةٍ، يرخيه الرحم بعد البلوغ في أوقات معتادة، وسمي حيضاً لأنه يسيل، ويقال: حاض الوادي إذا سال.
وقد فرق النبي ﷺ بين دم الحيض والاستحاضة بأن دم الاستحاضة عرق، وهذا يدل على أن دم الحيض ليس دم عرق؛ فإنه دم طبيعي، يرخيه الرحم فيخرج من قعره، ودم الاستحاضة يخرج من عرق ينفجر، [ومنه] الذي يسيل في أدنى الرحم دون قعره.
وفي ((سنن أبي داود)) من حديث أسماء بنت عميس، عن النبي ﷺ ، أنه قالَ: ((هذا من الشيطان)) يعني: دم الاستحاضة.
وخرج النسائي من حديث عمرة، عن عائشة، أن النبي ﷺ قالَ في المستحاضة: ((ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم)) .
ومن حديث القاسم، عن عائشة: أن امرأة مستحاضة على عهد النَّبيّ ﷺ قيل لها: إنه عرق عاندٌ.
وفي حديثه حمنة، عن النبي ﷺ ، أنه قالَ: ((إنما هوَ ركضةٌ من الشيطان)) .
خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي.
стр. 529
وفي حديث عثمان بن سعد، عن ابن أبي مليكةَ، عن فاطمة بنت أبي حبيشٍ، عن عائشة، أن النبي ﷺ قالَ: ((إنما هوَ عرق انقطع، أو داءٌ عرض، أو ركضةٌ من الشيطان)) .
وروى أبو عبيد في ((غريبه)) : نا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، أنه سئل عن المستحاضة؟ فقالَ: ذَلِكَ العاذل يغذو.
قالَ أبو عبيد: ((العاذل)) : اسم العرق الذي يخرج منه دم الاستحاضة.
وقوله: ((يغذو)) - يعني: يسيل.
قالَ: ونا أبو النضر، عن شعبة، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إنه عرق عاند، أو ركضة من الشيطان.
قالَ: وقوله: ((عاند)) - يعني: أنه عندَ وبغي كالإنسان يعاند عن القصد فهذا العرق في كثرة ما يخرج من الدم بمنزلته. والركضة: الدفعة.
وقد اختلف العلماء في تفسير الاستحاضة، على حسب اختلافهم في حد أكثر الحيض.
فمن قالَ: لهُ حد محدود، قالَ: المستحاضة من جاوز دمها أكثر الحيض، وهذا قول الأكثرين منهم.
وقد أشار البخاري إلى الاختلاف في ذَلِكَ - فيما بعد -، ويأتي الكلام فيهِ في موضعه - إن شاء الله تعالى.
ومن قالَ: ليس لأكثره حد محدود، وإنما يرجع إلى عادة المرأة، فإنه يرى أن عادتها إذا زاد الدم عليها مدة طويلة كانَ ذَلِكَ استحاضة.
стр. 530
وقد ذكر أبو داود في ((سننه)) ، قالَ: روى يونس، عن الحسن في الحائض إذا مد بها الدم: تمسك بعد حيضها يوماً أو يومين، فهي مستحاضة.
وقال التيمي، عن قتادة: إذا زاد على أيام حيضتها خمسة أيام فلتصل.
قالَ التيمي: فجعلت أُنقص حتى بلغت يومين، فقالَ: إذا كانَ يومين فهوَ من حيضها.
وسئل عنه ابن سيرين، فقالَ: النساء أعلم بذلك.
وقد ذكر البخاري قول ابن سيرين هذا فيما بعد تعليقاً، ويأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى.
روى حرب الكرماني: ثنا إسحاق - هوَ: ابن راهويه -: ثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن، في امرأة كانَ أقراؤها سبعة أيام قبل أن تتزوج، فلما تزوجت ارتفعت إلى خمسة عشر أو ثلاثة عشر؟ قالَ: تنظر تلك الأيام التي كانت تحيضها قبل أن تتزوج، فإذا مضت اغتسلت كل يوم عندَ صلاة الظهر إلى مثلها، وتوضأت عندَ كل صلاة، وتتنظف، وتصلي.
قالَ: ونا إسحاق: نا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قالَ: قلت لمحمد ابن سيرين: المرأة تحيض فتزيد على ذَلِكَ خمسة أيام؟ قالَ: تصلي، قلت: يومين؟ قالَ: ذَلِكَ من حيضتها.
وروى حرب بإسناده، عن الأوزاعي، في المرأة تمكث في حيضها سبعة
следующие страницы →