← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وهذا مرسل. وفيه خلاف شاذ: روى عبد الرزاق، عَن الثوري، عَن منصور، عَن إبراهيم، قالَ: المستحاضة لا تصوم، ولا يأتيها زوجها، ولا تمس المصحف. وعن معمر، عَن أيوب، قالَ: سئل سليمان بنِ يسار: أيصيب المستحاضة زوجها؟ قالَ: إنما سمعنا بالرخصة لها في الصلاة. ونقل صالح بنِ أحمد، عَن أبيه في المستحاضة: لا تطوف بالبيت، إلا أن تطول بها الاستحاضة. قالَ أبو حفص العكبري: لعلها غلط مِن الراوي، فإن الصحيح عَن أحمد أن المستحاضة بمنزلة الطاهرة تطوف بالبيت. قالَ في رواية الميموني: المستحاضة أحكامها أحكام الطاهرة في عدتها وصلاتها وحجها وجميع أمرها. ونقل عَنهُ ابن منصور: تطوف بالبيت. وأما ما وقع في رواية صالح: أنها لا تطوف إلا أن يطول بها. فلعله اشتبه على الراوي الطواف بالوطء؛ فإن ابن منصور نقل عَن أحمد ذَلِكَ في الوطء،

стр. 562

وصالح وابن منصور متفقان في نقل المسائل عَن أحمد في الغالب. ولكن قَد روي عَن ابن عمر ما يشعر بمنع المستحاضة مِن الطواف، فروى عبد الرزاق، عَن معمر، عَن واصل مولى ابن عيينة. عَن رجل سأل ابن عمر عَن امرأة تطاول بها الدم، فأرادت تنفر، وأرادت تشرب دواء ليقطع عنها الدم؟ قالَ: لا بأس بهِ. ونعت ابن عمر لها ماء الأراك. وقال ابن جريج، عَن عطاء: أنَّهُ لَم ير بهِ بأساً. قالَ معمر: وسمعت [ابن] أبي نجيح يسأل عَن ذَلِكَ، فلم ير بهِ بأساً. فظاهر هَذا: أن المستحاضة معَ تطاول الدم بها لا تطوف حتى ينقطع عنها الدم، معَ أنَّهُ يُمكن حمله على تطاول دم الحيض ومجاوزته للعادة، أو على أن الأولى للمستحاضة أن لا تطوف حتى ينقطع دمها. وجمهور العلماء على جواز ذَلِكَ. وقد خرجه عبد الرزاق في موضع آخر مِن ((كتابه)) ، وقال فيهِ: إن ابن عمر سئل عَن امرأة تطاول بها دم الحيضة.

стр. 563

وممن رخص للمستحاضة في الطواف بالبيت: ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وسعيد بنِ المسيب، وعطاء، وسعيد بنِ جبير وغيرهم. قالَ سعيد بنِ المسيب: تقضي المناسك كلها. وَهوَ قول الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وجمهور العلماء. وفي حديث عائشة في اعتكاف المستحاضة: ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عَن دم الحيض بلونه وصفرته، وقد يتعلق بذلك مِن يقول باعتبار التمييز، كَما تقدم.

стр. 564

١١ - باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ ؟

стр. 565

٣١٢ - حدثنا أبو نعيم: نا إبراهيم بن نافع، عَن ابن أبي نجيح، عَن مجاهد، قالَ: قالت عائشة: ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيهِ، فإذا أصابه شيء مِن الدم قالت بريقها، فمصعته بظفرها. وقد خرجه أبو داود، عَن محمد بنِ كثير: نا إبراهيم - يعني: ابن نافع -، قالَ: سمعت الحسن يذكر عَن مجاهد، قالَ: قالت عائشة: ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد فيهِ تحيض، فإن أصابه شيء مِن دم بلته بريقها، ثُمَّ قصعته بريقها. فخالف في إسناده: حيث جعل: ((الحسن)) - وَهوَ: ابن مسلم - بدل: ((ابن أبي نجيح)) ، وفي متنه: حيث قالَ: ((قصعته)) بالقاف. وكذا خرجه الإسماعيلي مِن حديث أبي حذيفة، عن إبراهيم، إلا أنَّهُ قالَ: ((قصعته بظفرها)) . وكأنه يشير إلى أن هَذهِ الرواية أصح مِن رواية البخاري. قالَ الخطابي: مصعته بظرفها، أي: بالغت في حكه. وأصل المصع: الضرب الشديد. قالَ: وروي ((قصعته)) أي: دلكته بالظفر،

стр. 566

وعالجته بهِ، ومنه قصع القملة. وقد سبق الحديث الذِي خرجه البخاري مِن رواية عمرو بنِ الحارث، عَن عبد الرحمن بنِ القاسم.، عَن أبيه، عَن عائشة، قالت: كانت إحدانا تحيض، ثُمَّ تقرص الدم مِن ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح على سائره، ثُمَّ تصلي فيهِ. ولكن؛ هَذا فيهِ غسل الدم. ورواه الأوزاعي، عَن عبد الرحمن بن القاسم، عَن أبيه، عَن عائشة، أنها أفتت بذلك، ولم يذكر حكاية فعلها مِن قبل. وخرج أبو داود مِن رواية ابن عيينة، عَن ابن أبي نجيح، [عَن عطاء] ، عَن عائشة، قالت: قَد كانَ يكون لإحدانا الدرع، فيهِ تحيض، وفيه تصيبها الجنابة، ثُمَّ ترى فيهِ قطرة مِن دم فتقصعه بريقها. فهذا - أيضاً - فيهِ ذكر القصع بالريق كحديث مجاهد، عَن عائشة، ولكن فيهِ أن ذَلِكَ كانت تفعله بالقطرة مِن الدم، فيحمل ذَلِكَ على أنها كانت ترى ذَلِكَ يسيراً فيعفى عَن أثره، ويحتمل أنها كانت ترى الريق مطهراً، فيكون فيهِ دلالة على طهارة النجاسة بغير الماء. وروى محمد بنِ سعد في ((طبقاته)) : أنا الواقدي: ثنا ابن أبي ذئب، عَن صفية بنت زياد، قالت: رأتني ميمونة وأنا أغسل ثوبي مِن الحيضة، فقالت: ما كنا نفعل هَذا، إنما كنا نحته حتاً.

стр. 567

الواقدي، ضعيف. ويحمل [على] أنَّهُ كانَ دماً يسيراً. وروى أبو نعيم الفضل بنِ دكين في ((كِتابِ الصلاة)) : نا حبيب بنِ أبي [. . .] ، قالَ: حدثتني أختي، عَن أم جرير، أنها كانت في نسوة عند عائشة، فقالت إحداهن: [يا] أم المؤمنين، المرأة تحيض في الثوب ثُمَّ تطهر، أتصلي فيهِ؟ قالت: إن رأت دماً فلتغسلهُ، وإن [لَم] تر دماً فلتنضحه سبع مرات بالماء، ثُمَّ لتصلي فيهِ. إسناد مجهول. وخرج أبو داود بإسناد فيهِ جهالة - أيضاً -، عَن عائشة، أنها قالت - في الحائض يصيب ثوبها الدم: تغسله، فإن لَم يذهب أثره فلتغيره بشيء مِن صفرة. قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعاً، لا أغسل لي ثوباً. وبإسنادٍ فيهِ جهالة - أيضاً - عَن أم سلمة، قالت: قَد كانَ يصيبنا الحيض عند رسول الله ﷺ ، فتلبث إحدانا أيام حيضها، ثُمَّ تطهر، فتطهر الثوب الذِي كانت تلبث فيهِ، فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيهِ، وإن لَم يكن أصابه شيء تركناه، ولم يمنعنا ذَلِكَ أن نصلي فيهِ. وخرج الطبراني مِن حديث أم سلمة، قالت: كانت إحدانا تحيض في الثوب، فإذا كانَ يوم طهرها غسلت ما أصابه، ثُمَّ صلت فيهِ، وإن إحداكن اليوم تفرغ خادمها ليغسل ثيابها يوم طهرها. وفي إسناده: المنهال بنِ خليفة، ضعفوه. وخرجه وكيع عَنهُ في ((كتابه)) . وروى وكيع - أيضاً - عَن سفيان، عَن أبي هاشم، عَن سعيد بنِ جبير، قالَ: إن كانَ بعض أمهات المؤمنين لتقرص الدم مِن ثوبها بريقها.

стр. 568

وعن أبي العوام الباهلي، عَن عطاء، قالَ: لقد كانت المرأة وما لها إلا الثوب الواحد، فيهِ تحيض، وفيه تصلي. وعن الفضل بنِ دلهم، قالَ: سألت الحسن عَن المرأة تحيض في الثوب فتعرق فيهِ؟ قالَ: لا بأس، إلا أن ترى دماً تغسله. فأما ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود مِن حديث ابن لهيعة، عَن يزيد بنِ أبي حبيب، عَن عيسى بنِ طلحة، عَن أبي هريرة، أن خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ليسَ لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيهِ، فكيف أصنع؟ قالَ: ((إذا طهرت فاغسليه، ثُمَّ صلي فيهِ)) . فقالت: فإن لَم يخرج الدم؟ قالَ: ((يكفيك الماء، ولا يضرك أثره)) . فابن لهيعة، ولا يحتج برواياته في مخالفة روايات الثقات. وقد اضطرب في إسناده: فرواه: تارة كذلك. وتارة رواه: عَن عبيد الله ابن أبي جعفر، عَن موسى بنِ طلحة، عَن أبي هريرة. وخرجه الإمام أحمد مِن هَذا

стр. 569

الوجه - أيضاً. وهذا يدل على أنَّهُ لَم يحفظه. وقد يحمل على أنَّهُ أمرها بغسل دم الحيض منهُ. وقد حكى بعض أصحابنا في كراهة الصلاة في ثوب الحائض والمرضع روايتين عَن أحمد. وقد روي عَن عائشة، قالت: كانَ النبي ﷺ لا يصلي في [لحف] نسائه. وخرجه النسائي والترمذي وصححه. وخرجه أبو داود، وعنده: لا يصلي في شعرنا أو لحفنا - بالشك. وفي رواية للإمام أحمد: لا يصلي في شعرنا - مِن غير شك. و ((الشعار)) : هوَ الثوب الذِي يلبس على الجسد. وقد أنكره الإمام أحمد إنكاراً شديداً. وفي إسناده اختلاف على ابن سيرين. وقد روي عَنهُ، أنَّهُ قالَ: سمعته منذ زمان، ولا أدري ممن

стр. 570

سمعته، ولا أدري أسمعه مِن ثبت أو لا؟ فاسألوا عَنهُ. ذكره أبو داود في ((سننه)) ، والبخاري في ((تاريخه)) . وقال أبو بكر الأثرم: أحاديث الرخصة أكثر وأشهر. قالَ: ولو فسد على الرجال الصلاة في شعر النساء لفسدت الصَّلاة فيها على النساء. وهذا الكلام يدل على أن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض بغير خلاف، إنما الخلاف في الرجال. والأحاديث التي أشار إليها في الرخصة متعددة: ففي ((صحيح مسلم)) ، عَن عائشة، قالت: كانَ النبي ﷺ يصلي مِن الليل وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، على مرط، وعليه بعضه. وخرج النسائي، عَن عائشة، قالت: كنت أنا ورسول الله ﷺ [نبيت] في الشعار الواحد، وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسلت ما أصابه، لَم يعده إلى غيره، ثُمَّ صلى فيهِ. وخرج أبو داود وابن ماجه، عَن ميمونة، قالت: إن النبي ﷺ صلي وعليه مرط، وعلى بعض أزواجه منهُ، وهي حائض، وَهوَ يصلي، وَهوَ عليهِ. وخرج الإمام أحمد مِن حديث حذيفة، قالَ: قام النبي ﷺ يصلي،

стр. 571

وعليه طرف لحاف، وعلى عائشة طرفه، وهي حائض لا تصلي. قالَ أبو عبيد في ((غريبة)) : الناس على هَذا - يعني: على عدم كراهته. واعلم؛ أن الصَّلاة في ثوب الحائض ليست كراهته مِن أجل عرقها؛ [فإن] عرق الحائض طاهر، نص عليهِ أحمد وغيره مِن الأئمة، ولا يعرف فيهِ [خلاف]-: قاله أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما، حتى قالَ حماد: إنما يغسل الثوب مِن عرق الحائض المجوس. وروى محمد بنِ عبد الله الأنصاري، عَن هشام بنِ حسان، عَن حفصة بنت سيرين، قالت: سألت امرأة عائشة، قالت: يكون علي الثوب أعرق فيهِ أيام تحيضي، أصلي فيهِ؟ قالت: نعم. قالت: وربما أصابه مِن دم المحيض؟ قالت: فاغسليه. قالت: فإن لَم يذهب أثره؟ قالت: فلطخيه بشيء مِن زعفران. وإنما كره مِن كره ذَلِكَ لاحتمال أن يكون أصابه شيء مِن دم الحيض لَم يطهر -: كذا قاله أبو عبيد وغيره. والصواب: أنَّهُ لا تكره الصلاة فيهِ، وأنه يغسل ما رئي فيهِ مِن الدم وينضح، ما لَم ير فيهِ شيء، ثُمَّ تصلي فيهِ، كَما دلت عليهِ هَذهِ السنن والآثار.

стр. 572

قالَ سفيان الثوري: الحائض لا تغسل ثوبها الذي حاضت فيهِ، إلا أن ترى دماً فتغسله. وأما نضح ما لَم تر فيهِ دماً ,، فَهوَ مبني على أن النضح تطهير لما شك في نجاسته، وهذا قول مالك وجماعة مِن أهل العلم، وفيه خلاف سبق ذكره مستوفى في ((أبواب الوضوء)) .

стр. 573

١٢ - باب الطيب للمرأة عند غسلها مِن المحيض

стр. 574

٣١٣ - حدثنا عبد الله بنِ عبد الوهاب: نا حماد بنِ زيد، عَن أيوب، عَن حفصة بنت سيرين، عَن أم عطية، قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوباً مصبوغاً، إلا ثوب عصب. وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا مِن محيضها في نبذة مِن كست أظفار. وكنا ننهى عَن اتباع الجنائز. وروى هشام بنِ حسان، عَن حفصة، عَن أم عطية، عَن النبي ﷺ . حديث أم عطية، قَد أسنده البخاري في هَذا الباب وغيره مِن حديث أيوب، عَن حفصة، عَن أم عطية. ولفظ أيوب: ((كنا ننهى، ورخص لنا)) .

стр. 575

والصحابي إذا قالَ: ((أُمرنا)) أو ((نُهينا)) ، فإنه يكون في حكم المرفوع عند الأكثرين. وأما رواية هشام بنِ حسان، عَن حفصة، عَن أم عطية، التي صرح فيها بذكر النبي ﷺ في الحديث وذكر الحديث بتمامه، وفيه ذكر الطيب عند طهرها، فذكرها البخاري هاهنا تعليقاً، وعلقها - أيضاً - في موضع آخر مِن ((كتابه)) ، فقالَ: ((وقال الأنصاري: ثنا هشام)) - فذكره. وأسندها مسلم في ((صحيحه)) ، ولفظه: ((ولا تمس طيباً، إلا إذا طهرت نبذة مِن قسط أو أظفار)) . ولكن أسند البخاري حديث هشام في ((كتابه)) هَذا - أيضاً -، بدون هَذهِ الزيادة. قالَ الخطابي: النبذة، القطعة اليسيرة، والكست: القسط - والقاف تبدل بالكاف - يريد: أنها تتطهر بذلك وتتطيب بهِ. انتهى. والقسط والأظفار: نوعان مِن الطيب معروفان. وفي رواية مسلم: ((ظفار)) . وفي رواية البخاري: ((كست أظفاره)) . وقيل: إن صوابه: ((كسط ظفار)) . و ((ظفار)) مبني على الكسر على وزن: حذام -: ساحل مِن سواحل عدن باليمن.

стр. 576

١٣ - باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت مِن المحيض وكيف تغتسل وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها أثر الدم؟

стр. 577

٣١٤ - حدثنا يحيى: ثنا ابن عيينة: عَن منصور بن صفية، عَن أمه، عَن عائشة، أن امرأة سألت النَّبيّ ﷺ عَن غسلها مِن المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قالَ: ((خذي فرصة مِن مسك فتطهري بها)) . قالت: كيف أتطهر بها؟ قالَ: ((تطهري بها)) . قالت: كيف؟ قالَ: ((سبحان الله، تطهري)) ، فاجتذبها إلي، فقلت: تتبعي بها أثر الدم.

стр. 578

١٤ - باب غسل المحيض

стр. 579

٣١٥ - حدثنا مسلم: ثنا وهيب: ثنا منصور، عَن أمه، عَن عائشة، أن امرأة مِن الأنصار قالت للنبي ﷺ : كيف أغتسل مِن المحيض؟ قالَ: ((خذي فرصة ممسكة وتوضئي)) - ثلاثاً -، ثُمَّ إن النَّبيّ ﷺ استحيا وأعرض بوجهه - أو قالَ: ((توضئي بها)) ، فأخذتها فجذبتها، فأخبرتها بما يريد النبي ﷺ . بوب البخاري في هذين البابين على ثلاثة أشياء: أحدها: دلك المرأة نفسها، عند غسل المحيض. والثاني: أخذها الفرصة الممسكة. والثالث: صفة غسل المحيض. وخرج في الباب حديث منصور بنِ صفية بنت شيبة، عَن أمه، [وليس] في حديثه سوى ذكر الفرصة الممسكة. ولكنه أشار إلى أن [الحكمين] الآخرين قَد رويا في حديث صفية، عَن عائشة مِن وجه [آخر] ، لكن ليسَ هوَ على شرطه، فخرج الحديث الأول بالإسناد الذي على شرطه، ونبه بذلك على الباقي. وهذا الذِي لَم يخرجه، قَد خرجه مسلم في ((صحيحه)) مِن حديث شعبة، عَن إبراهيم بنِ المهاجر، قالَ: سمعت صفية تحدث عَن عائشة، أن

стр. 580

أسماء سألت النبي ﷺ عَن غسل المحيض. قالَ: ((تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثُمَّ تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً، حتَّى تبلغ شئون رأسها، ثُمَّ تصب عليهِ الماء، ثُمَّ تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها)) قالت أسماء: وكيف أتطهر بها؟ فقالَ: ((سبحان الله، تطهري بها)) . فقالت عائشة - كأنها تخفي ذَلِكَ -: تتبعين بها أثر الدم. وسألته عَن غسل الجنابة. فقالَ: ((تأخذ ماءً فتطهر بهِ، فتحسن الطهور - أو تبلغ الطهور -، ثُمَّ تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها، ثُمَّ تفيض عليهِ الماء)) . فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لَم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدِّين. وفي رواية لَهُ - أيضاً -: قالَ: ((سبحان الله، تطهري بها)) ، واستتر. وخرجه مسلم - أيضاً - من طريق أبي الأحوص، عَن إبراهيم بنِ مهاجر، وفي حديثه: قالَ: دخلت أسماء بنت شكل على رسول الله ﷺ فذكره، ولم يذكر فيهِ غسل الجنابة. وخرجه أبو داود. مِن طريق أبي الأحوص، ولفظه: ((تأخذ ماءها وسدرتها فتوضأ، وتغسل رأسها وتدلكه)) - وذكر الحديث، وزاد فيهِ: ((الوضوء)) . ورواه أبو داود الطيالسي، عَن قيس بنِ الربيع، عَن إبراهيم بنِ المهاجر، عَن صفية، عَن عائشة، قالت: أتت فلانة بنت فلان الأنصارية، فقالت: يا رسول الله، كيف الغسل مِن الجنابة، فقالَ: ((تبدأ إحداكن

стр. 581

فتوضأ، فتبدأ بشق رأسها الأيمن، ثُمَّ الأيسر حتى تنقي شئون رأسها)) . ثُمَّ قالَ: ((أتدرون ما شئون الرأس؟)) قالت: البشرة. قالَ: ((صدقت، ثُمَّ تفيض على بقية جسدها)) . قالت: يا رسول الله، فكيف الغسل مِن المحيض؟ قالَ: ((تأخذ إحداكن سدرتها وماءها، فتطهر فتحسن الطهور، ثُمَّ تبدأ بشق رأسها الأيمن، ثُمَّ الأيسر حتى تنقي شئون رأسها، ثُمَّ تفيض على سائر جسدها، ثُمَّ تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها)) . قالت: يا رسول الله، كيف أتطهر بها؟ فقلت: سبحان الله، تتبعي بها آثار الدم. وإبراهيم بن المهاجر، لَم يخرج لَهُ البخاري. و ((الفرصة)) - بكسر الفاء، وسكون الراء، وبالصاد المهملة -، وهي القطعة. قالَ أبو عبيد: هي القطعة من الصوف أو القطن أو غيره، مأخوذ مِن فرصت الشيء: أي قطعته. و ((المسك)) : هوَ الطيب المعروف. هَذا هوَ الصحيح الذِي عليهِ الجمهور، والمراد: أن هَذهِ القطعة يكون فيها شيء مِن مسك، كَما في الرواية الثانية: ((فرصة ممسكة)) . وزعم ابن قتيبة والخطابي أن الرواية: ((مسك)) بفتح الميم، والمراد بهِ: الجلد الذِي عليهِ صوف، وأنه أمرها أن تدلك بهِ مواضع الدم. ولعل البخاري ذهب إلى مثل ذَلِكَ، ولذلك بوب عليهِ: ((دلك المرأة نفسها إذا تطهرت مِن المحيض)) ، ويعضد ذَلِكَ: أنَّهُ في ((كِتابِ الزينة

стр. 582

والترجل)) قالَ: ((باب: ما يذكر في المسك)) ، ولم يذكر فيه إلا حديث: ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله مِن ريح المسك)) . ولذلك - والله أعلم - لَم يخرج البخاري هَذا الحديث في ((باب: الطيب للمرأة عند غسل الحيض)) . والصحيح الذِي عليهِ جمهور الأئمة العلماء بالحديث والفقه: أن غسل المحيض يستحب فيهِ استعمال المسك، بخلاف غسل الجنابة، والنفاس كالحيض في ذلك، وقد نص على ذَلِكَ الشَافِعي وأحمد، وهما أعلم بالسنة واللغة وبألفاظ الحديث ورواياته مِن مثل ابن قتيبة والخطابي ومن حذا حذوهما ممن يفسر اللفظ بمحتملات اللغة البعيدة. ومعلوم أن ذكر المسك في غسل الجنابة لَم يرو في غير هَذا الحديث، فعلم أنهم فسروا فيهِ بالطيب. وزعم الخطابي: أن قولُهُ: ((خذي فرصة مِن مسك)) : يدل على أن الفرصة نفسها هي المسك. قالَ: وهذا إنما يصح إذا كانت مِن جلد، أمَّا لو كانت قطعة مِن صوف أو قطن لَم تكن مِن مسك. وهذا ليسَ بشيء؛ فإن المراد خذي نبذة يسيرة مِن مسك، سواء كانت منفردة أو في شيء، كَما في الرواية الثانية: ((خذي فرصة ممسكة)) . قالَ الإمام أحمد في رواية حنبل: يستحب للمرأة إذا هي خرجت مِن حيضها أن تمسك معَ القطنة شيئاً مِن المسك، ليقطع عنها

стр. 583

رائحة الدم وزفرته، تتبع بهِ مجاري الدم. ونقل عَنهُ - أيضاً - قالَ: يستحب للمرأة إذا طهرت مِن الحيض أن تمس طيباً، وتمسكه معَ القطنة، ليقطع عنها رائحة الدم وزفورته؛ لأن دم الحيض دم لَهُ رائحة. وقال جعفر بن محمد: سألت أحمد عَن غسل الحائض، فذهب إلى حديث إبراهيم بن المهاجر، عَن صفية بنت شيبة، وقال: تدلك شئون رأسها. وقال يعقوب بنِ بختان: سألت أحمد عَن النفساء والحائض، كم مرة يغتسلان؟ قالَ: كَما تغسل الميتة. قالَ: وسألته عَن الحائض متى توضأ؟ قالَ: إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت، وإن شاءت اغتسلت ثُمَّ توضأت. وظاهر هَذا: أنها مخيرة بين تقديم الوضوء وتأخيره؛ فإنه لَم يرد في السنة تقديمه كَما في غسل الجنابة، وإنما ورد في حديث أبي الأحوص، عَن إبراهيم ابن المهاجر: ((توضأ وتغسل رأسها وتدلكه)) - بالواو، وهي لا تقتضي ترتيباً. فتحصل مِن هَذا: أن غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة مِن وجوه: أحدها: أن الوضوء في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره، وغسل الجنابة السنة تقديم الوضوء فيهِ على الغسل.

стр. 584

والثاني: أن غسل الحيض يستحب أن يكون بماء وسدر، ويتأكد استعمال السدر فيهِ، بخلاف غسل الجنابة؛ لحديث إبراهيم بن المهاجر. قالَ الميموني: قرأت على ابن حنبل: أيجزئ الحائض الغسل بالماء؟ فأملى عليّ: إذا لم تجد إلاّ وحده اغتسلت به، قالَ النَّبيّ ﷺ : ((ماءك وسدرتك)) ، وهو أكثر من غسل الجنابة. قلت: فإن كانت قد اغتسلت بالماء، ثُمَّ وجدته؟ قالَ: أحب إلي أن تعود؛ لما قالَ. الثالث: أن غسل الحيض يستحب تكراره كغسل الميتة، بخلاف غسل الجنابة، وهذا ظاهر كلام أحمد، ولا فرق في غسل الجنابة بين المرأة والرجل، نص عليهِ أحمد في رواية مهنا. والرابع: أن غسل الحيض يستحب أن يستعمل فيهِ شيء من الطيب، وفي خرقة أو قطنة أو نحوهما، يتبع به مجاري الدم. وقد علل أحمد ذَلِكَ بأنه يقطع زفورة الدم، وهذا هوَ المأخذ الصحيح عندَ أصحاب الشافعي - أيضاً -. وشذ الماوردي، فحكى في ذَلِكَ وجهين: أحدهما: أن المقصود بالطيب تطييب المحل، ليكمل استمتاع الزوج بإثارة الشهوة، وكمال اللذة. والثاني: لكونه أسرع إلى علوق الولد. قال: فإن فقدت المسك - وقلنا بالأول - أتت بما يقوم مقامه في دفع الرائحة، وإن قلنا بالثاني فما يسرع إلى العلوق كالقسط والأظفار ونحوهما. قالَ: واختلف الأصحاب في وقت استعماله، فمن قالَ بالأول، قالَ: بعد الغسل، ومن قالَ بالثاني، فَقَبْله.

стр. 585

قالَ صاحب ((شرح المهذب)) : وهذا الوجه الثاني ليس بشيء، وما يفرع عليهِ - أيضاً - ليس بشيء، وهو خلاف ما عليهِ الجمهور، والصواب: أن المقصود به تطييب المحل، وأنها تستعمله بعد الغسل. ثُمَّ ذكر حديث عائشة، أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عَن غسل المحيض، فقالَ: ((تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتظهر فتحسن الطهور، ثُمَّ تصب على رأسها فتدلكه، ثُمَّ تصب عليها الماء، ثُمَّ تأخذ فرصة ممسكة فتظهر بها)) . خرجه مسلم. قالَ: وقد نصوا على استحبابه للزوجة وغيرها، والبكر والثيب. والله أعلم. قالَ: واستعمال الطيب سنة متأكدة، يكره تركه بلا عذر. انتهى. وقول النبي ﷺ : ((خذي فرصة ممسكة فتطهري بها)) ، وفي رواية: ((توضئي بها)) يدل على أن المراد بهِ التنظيف والتطييب والتطهير، وكذلك سماه: تطهيراً، وتوضؤا، والمراد: الوضوء اللغوي، الذي هوَ النظافة. وقول عائشة: ((تتبعي بها مجاري الدم)) إشارة إلى إدخاله الفرج. واستحب بعض الشافعية استعمال الطيب في كل ما أصابه دم الحيض مِن [الجسد]- أيضاً -؛ لأن المقصود قطع رائحة الدم حيث كانَ. ونص أحمد على أنَّهُ [لا يجب] غسل باطن الفرج مِن حيض، ولا

стр. 586

جنابة، ولا استنجاء. قالَ جعفر بنِ محمد: قلت لأحمد: إذا اغتسلت مِن المحيض تدخل يدها؟ قالَ: لا، إلا ما ظهر، [ولم] ير عليها أن تدخل أُصبعها ولا يدها في فرجها، في غسل ولا وضوء. ولأصحابنا وجه: بوجوب ذَلِكَ في الغسل والاستنجاء، ومنهم مِن قالَ: إن كانت [ثيباً] وخرج البول بحدة ولم يسترسل لَم يجب سوى الاستنجاء في موضع خروج البول، وإن استرسل فدخل منهُ شيء الفرج وجب غسله. ومذهب الشَافِعي: أن الثيب يجب [عليها] إيصال الماء إلى ما يظهر في حال قعودها لقضاء الحاجة؛ لأنه صار حكم الظاهر، نص على ذَلِكَ الشَافِعي، وشبهه بما بين الأصابع، وعليه جمهور أصحابه، وما وراء ذَلِكَ على ذَلِكَ فَهوَ عندهم في حكم الباطن على الصحيح. ولهم وجه آخر: أنَّهُ يجب عليها إيصال الماء إلى داخل فرجها، بناء على القول بنجاسته. ووجه آخر: أنَّهُ يجب في غسل الحيض والنفاس؛ لإزالة النجاسة، ولا يجب في الجنابة. ومنهم مِن قالَ: لا يجب إيصاله إلى شيء مِن داخل الفرج بالكلية، كَما لا يجب إيصاله إلى داخل الفم عندهم. والخامس: أن غسل الحيض تنقض فيهِ شعرها إذا كانَ مضفوراً، بخلاف غسل الجنابة عند أحمد، وهوَ قول طاوس والحسن. وسيأتي ذكر ذَلِكَ مستوفي - إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 587

١٥ - باب امتشاط المرأة عند غسلها مِن المحيض خرج فيهِ:

стр. 588

٣١٦ - حديث: الزهري، عَن عروة، عَن عائشة، قالت: أهللت معَ رسول الله ﷺ ? [بعمرة] في حجة الوداع، فكنت ممن تمتع ولم يسق الهدي. فزعمت أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة، فقالت: يا رسول الله، هَذهِ ليلة يوم عرفة، وإنما كنت تمتعت بعمرة؟ فقالَ لها رسول الله ﷺ : ((انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن عمرتك)) . ففعلت، فلما قضيت الحج أمر عبد الرحمن ليلة الحصبة، فأعمرني مِن التنعيم مكان عمرتي التي نسكت.

стр. 589

١٦ - باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض خرج فيهِ:

стр. 590

٣١٧ - حديث: هشام، عَن أبيه، عَن عائشة، قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة - فذكرت الحديث. وفيه: وكنت أنا ممن أهل بعمرة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى النبي ﷺ ، فقالَ: ((دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهل بحج)) ففعلت - وذكرت بقية الحديث. [هَذا الحديث] قَد استنبط البخاري ﵀ منهُ حكمين، عقد لهما بابين: أحدهما: امتشاط المرأة عند غسلها مِن المحيض. والثاني: نقضها شعرها عند غسلها مِن المحيض.

стр. 591

وهذا الحديث لا دلالة فيهِ على واحد مِن الأمرين؛ فإن غسل عائشة الذِي أمرها النبي ﷺ بهِ لَم يكن مِن الحيض، بل كانت مِن حائضاً، وحيضها حينئذ موجود، فإنه لو كانَ قَد انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج إلى هَذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتهل بالحج، فَهوَ غسل للإحرام في حال الحيض، كَما أمر أسماء بت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل. وقد ذكر ابن ماجه في ((كتابه)) : ((باب: الحائض كيف تغتسل)) ، ثُمَّ قالَ: حدثنا أبو بكر بنِ أبي شيبة وعلي بنِ محمد، قالا: ثنا وكيع، عَن هشام ابن عروة، عَن أبيه، عَن عائشة، أن النبي ﷺ قالَ لها - وكانت حائضاً -: ((انقضي شعرك واغتسلي)) . قالَ علي في حديثه: ((انقضي رأسك)) . وهذا - أيضاً - يوهم أنَّهُ قالَ لها ذَلِكَ في غسلها مِن الحيض، وهذا مختصر مِن حديث عائشة الذِي خرجه البخاري. وقد ذكر هَذا الحديث المختصر للإمام أحمد، عن وكيع، فأنكره. قيل لَهُ: كأنه اختصره مِن حديث الحج؟ قالَ: ويحل لَهُ أن يختصر؟ ! -: نقله

стр. 592

عَنهُ المروذي. ونقل عَنهُ إسحاق بن هانئ، أنَّهُ قالَ: هَذا باطل. قَالَ أبو بكر الخلال: إ نما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يخل بالمعنى، لا أصل اختصار الحديث ٠قَالَ: وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى -: هذا معنى ما قاله الخلال. وقد تبين برواية ابن ماجه أن الطنافسي رواه عن وكيع، كما رواه ابن أبي شيبة عنه، ورواه –أيضا - إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في ((كتاب الطهور)) له عن وكيع –أيضا -، فلعل وكيعا اختصره. والله أعلم. وقد يحمل مراد البخاري – ﵀ – على وجه صحيح، وهو أن النبي ﷺ إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للاحرام: لأن غَسَلَ الإحرام لايتكرر، فلا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفا س يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة، فإنه يتكرر فيشق النقض فيه، فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر. وقد تكلم بعض العلماء في لفظة: ((أمر النبي ﷺ عائشة بنقص رأسها وامتشاطها)) ، وقالوا: هي وهم من هشام، وكذلك قالوا في روايته: أن النَّبيّ ﷺ قَالَ لها: ((دعي العمرة)) . ولكن؛ قد: رواهما – أيضا -، الزهري، عن عروة. ولهشام في هذا الحديث وهم آخر، وهو أنه قَالَ: ((ولم يكن هدي ولا

стр. 593

صيام ولا صدقة)) ، وقد ثبت عن عائشة أن النَّبيّ ﷺ ذبح عن نسائه البقر، فإنها إن كانت قد صارت قارنة فالقارن عليهِ هدي، وإن كانت قد رفضت عمرتها لزمها دم لذلك، عندَ من يقول به. وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر، أن النَّبيّ ﷺ أمر عائشة أن تغتسل وتهل بالحج. ولم يذكر نقض الشعر ولا تسريحه، فإن عائشة كانت محرمة بعمرة كما رواه عروة عنها، وإن كانَ القاسم قد روى عنها أنها كانت محرمة بحجة، إلا أن رواية عروة أصح، كذا قاله الإمام أحمد وغيره. وقد قيل: إنها أحرمت من الميقات بحجة، ثُمَّ فسخت ذَلكَ إلى عمرة لما أمروا بالفسخ، ثُمَّ حاضت بعد ذَلكَ قبل دخول مكة. وفي هذا نظر؛ فإنه روي مايدل على أنها كانت أحرمت بعمرة من الميقات، والحائض إذا كانت محرمة بعمرة، ولم تقدر على طواف العمرة قبل يوم عرفة، وخشيت فوات إداك الحج فإنها تحرم بالحج مع العمرة، وتبقى قارنة عندَ أكثر العلماء، كمالك والشافعي، وأحمد، ويكفيها عندهم طوا ف واحد وسعي واحد لما بعد التعريف للحج والعمرة. وقد روى ذَلكَ جابر عن النبي ﷺ ، في قصة عائشة صريحا. خرجه مسلم ٠ وتأولوا قول النبي ﷺ لعائشة: ((دعي عمرتك)) على أنه أراد: اتركيها

стр. 594

بحالها، وأدخلي عليها إحرام الحج. وقال أحمد: من رواه ((انقضي عمرتك)) فقد أخطأ، ورواه بالمعنى الذي فهمه. وقال أبو حنيفة والكوفيون: ترفض العمرة، ثُمَّ تحرم بالحج، ثُمَّ تقضي العمرة بعد الحج، وتأولوا حديث عائشة على ذَلكَ. وقالت طائفة: إنما أمرها أن تنقض رأسها وتمتشط؛ لأن المعتمر إذا دخل الحرم حل لهُ كل شيء إلا النساء، كالحاج إذا رمى الجمرة. وقد روي هذا عن عائشة، ولعلها أخذته من روايتها هذه، وهو قول عائشة بنت طلحة، وعطاء. وقد أخذ الإمام أحمد بذلك في رواية الميموني عنه، وهي رواية غريبة عنه. ووهم الخطابي في هذا الحديث حيث قَالَ: أشبه الأمور: ماذهب إليه أحمد بن حنبل: وهو أنه فسخ عليها عمرتها؛ لأن مذهبه أن فسخ الحج عام غير خاص. وهذا وهم على أحمد؛ فإن أحمد يرى جواز فسخ الحج إلى العمرة قبل أن يقف بعرفة، وأما فسخ العمرة إلى الحج فلا يقول به أحمد، وإنما يقوله الكوفيون في الحائض إذا كانت معتمرة وخافت فوات الحج، وتأولوا حديث عائشة عليهِ. والعجب ممن جوز فسخ العمرة إلى الحج بتأويل محتمل، ومنع من فسخ الحج إلى العمرة، مع تواتر النصوص الصريحة الصحيحة بذلك التي لا تقبل التأويل؛ بمجرد دعوى النسخ أو الاختصاص، ولم يثبت حديث

стр. 595

واحد يدل على شيء من ذَلكَ، وسيأتي القول في هذا مستوفى في موضعه من ((الحج)) - إن شاء الله تعالى. فإن المقصود هنا: هو نقض الشعر وتسريحه عند الغسل من الحيض، وممن أمر به في الحيض دون الجنابة: طاوس والحسن، وهو قول وكيع وأحمد. واختلف أصحابنا: هل ذَلكَ واجب، أو مستحب؟ على وجهين، وظاهر كلام الخرقي وجوبه. وقد ورد حديث صريح بالنقض في غَسَلَ الحيض دون الجنابة من رواية سلمة بن صبيح، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : ((إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها، وغسلته بخطمي وأشنان، وإذا اغتسلت من جنابة صبت رأسها الماء وعصرته)) . خرجه الطبراني، وأبو عبد الله مجمد بن عبد الواحد المقدسي في ((صحيحه)) المسمى ((بالمختارة)) . وخرجه الدارقطني في ((الأفراد))

стр. 596

وعنده: ((مسلم بن صبيح)) ، وقال: تفرد به عن حماد. وكذا ذكره أبو بكر الخطيب، وقال: هو مسلم بن صبيح، بصري يكنى أبا عثمان، وكذا ذكره ابن ماكولا وغيره، ومع هذا فليس بالمشهور. وأما مانقله مهنا عن أحمد، أن المرأة لاتنقض شعرها من الجنابة، بل تفيض عليه الماء؛ لحديث أم سلمة، عن النَّبيّ ﷺ ، والحائض تنقضه. قَالَ مهنا: قلت لهُ: كيف تنقضه من الحيضة ولا تنقضه من الجنابة؟ فقال: حديث أسماء، عن النبي ﷺ ، قَالَ: ((تنقضه)) . قلت: من أسماء؟ قَالَ: أسماء بنت أبي بكر ﵄. فهذا لعله وهم من مهنا، أو ممن روى عنه، ولا يعرف لأسماء بنت أبي بكر في هذا الباب حديث بالكلية، إنما حديثها في غَسَلَ دم الحيض من الثوب، وقد تقدم. ولكن في حديث عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غَسَلَ الحيض، وليس فيه أنه أمرها بالنقص، بل أمرها بدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شئون رأسها، ولم يأمرها بنقضه. وفي الحديث: أنها سألته عن غَسَلَ الجنابة، فأمرها بمثل ذَلكَ، غير أنه لم يقل: ((دلكا شديدا)) . وقد خرجه مسلم، كما تقدم. وأسماء هذه، وقع في ((صحيح

стр. 597

مسلم)) أنها: ((بنت شكل)) ، وذكر أبو بكر الخطيب أنها أسماء بنت يزيد بن السكن، وخرج الحديث من رواية يوسف القاضي، من طريق شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر بالإسناد الذي خرجه مسلم، وفيه: أن أسماء بنت يزيد سألت النبي ﷺ عن غَسَلَ الحيض – فذكره. وأكثر العلماء على التسوية بين غَسَلَ الجنابة والحيض، وأنه لا ينقض الشعر في واحد منهما. وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أم سلمة، قالت: قلت: يارسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ قَالَ: ((لا)) . وهذه اللفظة - أعني: لفظة ((الحيضة)) - تفرد بها عبد الرزاق، عن الثوري، وكأنها غير محفوظة، فقد رواه غير واحد، عن الثوري، فلم يذكروها. وقد رويت – أيضا – هذه اللفظة من حديث سالم الخياط، عن الحسن، عن أم سلمة. وسالم ضعيف، والحسن لم يسمع من أم سلمة. وروى أبو بكر الحنفي، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر - مرفوعا: ((لايضر المرأة الحائض والجنب أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء شئون رأسها)) . تفرد به: الحنفي، ورفعه منكر. وقد روي عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا، وهو أصح.

стр. 598

وروى عبيد الله بن عمر، عن نافع، قَالَ: كن نساء ابن عمر يغتسلن من الحيض والجنابة، فما ينقضن شعورهن، ولكن يبلغن بالماء أصول الشعر. هذا كله إذا وصل الماء إلى غضون الشعر المضفور، فإن لم يصل بدونه وجب نقضه عند الأكثرين، وهو قول مالك والشافعي، والمشهور عندَ أصحابنا ورواية عن أبي حنيفة، وهو قول أبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وسليمان بن داود الهاشمي، ويحيى بن يحيى، والجوزجاني وغيرهم من فقهاء الحديث، واستدلوا بالأحاديث الواردة في الأمر بحل الشعر، وقد تكلم في أسانيدها. وقالت طائفة: لا يجب ذَلكَ، وحكي عن مالك، وهو قول طائفة من أصحابنا، منهم: صاحب ((المغني)) ، وذكر أنه ظاهر كلام الخرقي، وأن الشعر حكمه حكم المنفصل عن الجسد، لا حكم المتصل به. ولأصحابنا وجه: أنه يفرق بين غَسَلَ الحيض والجنابة، فيجب غَسَلَ الشعر في غَسَلَ الحيض خاصة. والصحيح من مذهب الحنفية: أن الشعر إذا كان مضفورا لا يلزم المرأة نقضه في جنابة ولاحيض؛ لمشقة نقضه، بخلاف الرجل؛ فإنه يلزمه نقضه، وإن كان محلولا وجب غسله وإيصال الماء إلى بواطنه، كشعر اللحية.

стр. 599

وخرج الطبراني من رواية عمر بن هارون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن سالم خادم النبي ﷺ قَالَ: ((إن أزواج رسول الله ﷺ كن يجعلن رءوسهن أربع قرون، فإن اغتسلن جمعنهن على أوساط رءوسهن)) . عمر بن هارون، ضعيف. وفي أمر النبي ﷺ لعائشة بالغسل للإحرام وهي حائض دليل على أن الاغسال المستحبة تفعل مع الحيض؛ كأغسال الحج المستحبة، ويدخل ذَلكَ في قوله لها: ((اصنعي ما يصنع الحاج)) . ولو كان على الحائض غَسَلَ جنابة، إما قبل الحيض أو في حال الحيض، فهل يستحب لها الاغتسال في حال حيضها للجنابة؟ فيهِ روايتان عن أحمد. واختلف السلف في ذَلكَ: فقال النخعي وغيره: تغتسل. وقال عطاء: لاتغتسل؛ الحيض أكبر. قَالَ أحمد: ثُمَّ رجع عن ذَلكَ، وقال: تغتسل. وأما الوضوء فلا يشرع للحائض في حال حيضها ما لم ينقطع دمها، فتصير كالجنب، ونص أحمد على أنها لو توضأت وهي حائض يجز لها الجلوس في المسجد؛ بخلاف الجنب، وفيه وجه: يجوز إذا أمنت تلويثه. ونص الشافعي على

стр. 600

أنه لايشرع لها الوضوء عند النوم والأكل، وهو قول أصحابنا، واختلف أصحاب مالك في ذَلكَ. وأما وضوؤها عند كل صلاة، وجلوسها قدر الصَّلاة للذكر، ففيه خلاف، نذكره في موضع آخر – إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →