Полный текст (4 834 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وعنده: ((مسلم بن صبيح)) ، وقال: تفرد به عن حماد.
وكذا ذكره أبو بكر الخطيب، وقال: هو مسلم بن صبيح، بصري يكنى أبا عثمان، وكذا ذكره ابن ماكولا وغيره، ومع هذا فليس بالمشهور.
وأما مانقله مهنا عن أحمد، أن المرأة لاتنقض شعرها من الجنابة، بل تفيض عليه الماء؛ لحديث أم سلمة، عن النَّبيّ ﷺ ، والحائض تنقضه.
قَالَ مهنا: قلت لهُ: كيف تنقضه من الحيضة ولا تنقضه من الجنابة؟ فقال: حديث أسماء، عن النبي ﷺ ، قَالَ: ((تنقضه)) .
قلت: من أسماء؟ قَالَ: أسماء بنت أبي بكر ﵄.
فهذا لعله وهم من مهنا، أو ممن روى عنه، ولا يعرف لأسماء بنت أبي بكر في هذا الباب حديث بالكلية، إنما حديثها في غَسَلَ دم الحيض من الثوب، وقد تقدم.
ولكن في حديث عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غَسَلَ الحيض، وليس فيه أنه أمرها بالنقص، بل أمرها بدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شئون رأسها، ولم يأمرها بنقضه.
وفي الحديث: أنها سألته عن غَسَلَ الجنابة، فأمرها بمثل ذَلكَ، غير أنه لم يقل: ((دلكا شديدا)) .
وقد خرجه مسلم، كما تقدم.
وأسماء هذه، وقع في ((صحيح
стр. 597
مسلم)) أنها: ((بنت شكل)) ، وذكر أبو بكر الخطيب أنها أسماء بنت يزيد بن السكن، وخرج الحديث من رواية يوسف القاضي، من طريق شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر بالإسناد الذي خرجه مسلم، وفيه: أن أسماء بنت يزيد سألت النبي ﷺ عن غَسَلَ الحيض – فذكره.
وأكثر العلماء على التسوية بين غَسَلَ الجنابة والحيض، وأنه لا ينقض الشعر في واحد منهما.
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أم سلمة، قالت: قلت: يارسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ قَالَ: ((لا)) .
وهذه اللفظة - أعني: لفظة ((الحيضة)) - تفرد بها عبد الرزاق، عن الثوري، وكأنها غير محفوظة، فقد رواه غير واحد، عن الثوري، فلم يذكروها.
وقد رويت – أيضا – هذه اللفظة من حديث سالم الخياط، عن الحسن، عن أم سلمة.
وسالم ضعيف، والحسن لم يسمع من أم سلمة.
وروى أبو بكر الحنفي، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر - مرفوعا:
((لايضر المرأة الحائض والجنب أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء شئون رأسها)) .
تفرد به: الحنفي، ورفعه منكر.
وقد روي عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا، وهو أصح.
стр. 598
وروى عبيد الله بن عمر، عن نافع، قَالَ: كن نساء ابن عمر يغتسلن من الحيض والجنابة، فما ينقضن شعورهن، ولكن يبلغن بالماء أصول الشعر.
هذا كله إذا وصل الماء إلى غضون الشعر المضفور، فإن لم يصل بدونه وجب نقضه عند الأكثرين، وهو قول مالك والشافعي، والمشهور عندَ أصحابنا ورواية عن أبي حنيفة، وهو قول أبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وسليمان بن داود الهاشمي، ويحيى بن يحيى، والجوزجاني وغيرهم من فقهاء الحديث، واستدلوا بالأحاديث الواردة في الأمر بحل الشعر، وقد تكلم في أسانيدها.
وقالت طائفة: لا يجب ذَلكَ، وحكي عن مالك، وهو قول طائفة من
أصحابنا، منهم: صاحب ((المغني)) ، وذكر أنه ظاهر كلام الخرقي، وأن الشعر حكمه حكم المنفصل عن الجسد، لا حكم المتصل به.
ولأصحابنا وجه: أنه يفرق بين غَسَلَ الحيض والجنابة، فيجب غَسَلَ الشعر في غَسَلَ الحيض خاصة.
والصحيح من مذهب الحنفية: أن الشعر إذا كان مضفورا لا يلزم المرأة نقضه في جنابة ولاحيض؛ لمشقة نقضه، بخلاف الرجل؛ فإنه يلزمه نقضه، وإن كان محلولا وجب غسله وإيصال الماء إلى بواطنه، كشعر اللحية.
стр. 599
وخرج الطبراني من رواية عمر بن هارون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن سالم خادم النبي ﷺ قَالَ: ((إن أزواج رسول الله ﷺ كن يجعلن رءوسهن أربع قرون، فإن اغتسلن جمعنهن على أوساط رءوسهن)) .
عمر بن هارون، ضعيف.
وفي أمر النبي ﷺ لعائشة بالغسل للإحرام وهي حائض دليل على أن الاغسال المستحبة تفعل مع الحيض؛ كأغسال الحج المستحبة، ويدخل ذَلكَ في قوله لها:
((اصنعي ما يصنع الحاج)) .
ولو كان على الحائض غَسَلَ جنابة، إما قبل الحيض أو في حال الحيض، فهل يستحب لها الاغتسال في حال حيضها للجنابة؟ فيهِ روايتان عن أحمد.
واختلف السلف في ذَلكَ:
فقال النخعي وغيره: تغتسل.
وقال عطاء: لاتغتسل؛ الحيض أكبر.
قَالَ أحمد: ثُمَّ رجع عن ذَلكَ، وقال: تغتسل.
وأما الوضوء فلا يشرع للحائض في حال حيضها ما لم ينقطع دمها، فتصير كالجنب، ونص أحمد على أنها لو توضأت وهي حائض يجز لها الجلوس في المسجد؛ بخلاف الجنب، وفيه وجه: يجوز إذا أمنت تلويثه.
ونص الشافعي على
стр. 600
أنه لايشرع لها الوضوء عند النوم والأكل، وهو قول أصحابنا، واختلف أصحاب مالك في ذَلكَ.
وأما وضوؤها عند كل صلاة، وجلوسها قدر الصَّلاة للذكر، ففيه خلاف، نذكره في موضع آخر – إن شاء الله تعالى.
стр. 601
١٧ - باب
مخلقة وغير مخلقة
стр. 602
٣١٨ –حدثنا مسدد: ثنا حماد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قَالَ: ((إن الله وكل بالرحم ملكا، يقول: يارب نطفة، يارب
علقة، يارب مضغة، فإذا أراد أن يقضي الله خلقه قَالَ: أذكر أم أنثى؟ أشقي أم
سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب في بطن أمه)) .
اختلف السلف في تأويل قول الله : ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥] : فقال مجاهد: هي المضغة التي تسقطها المرأة؛ منها ما هوَ مخلق فيهِ تصوير وتخطيط، ومنها ماليس بمخلق ولا تصوير فيهِ، أرى الله تعالى ذَلكَ عباده ليبين لهم أصل ما خلقوا منه، والذي يقره في الأرحام هوَ الذي يتم خلقه ويولد.
وقالت طائفة: المخلقة هي التي يتم خلقها، وغير مخلقة هي التي تسقط قبل أن تكون مضغة.
стр. 603
روى الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود، قَالَ: النطفة إذا استقرت في الرحم حملها ملك بكفه، وقال: أي رب، مخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام، وإن قيل: مخلقة، قَالَ: أي رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ وبأي أرض تموت؟ قَالَ: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله : اذهب إلى الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة.
قَالَ: فتخلق، فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ في أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت، فدفنت في ذَلكَ، ثُمَّ تلا الشعبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ إلى قوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] ، فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع، فكانت نسمة فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما، وإن كانت مخلقة نكست نسمة.
خرجه ابن أبي حاتم وغيره، وآخره هو من قول الشعبي.
وقد يستأنس بهذا من يقول: إن الحامل لا تحيض ولا ترى دم الحيض في حال حملها، وأنها لا ترى إلا دم النفاس خاصة، وفي ذَلكَ نظر.
وقد قيل: إن هذا هو مراد البخاري بتبويبه هذا.
стр. 604
وقد روي عن الحسن في قول الله : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ
أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] ، أن النطفة مشجت – أي: خلطت بدم الحيض -، فإذا حملت المرأة ارتفع حيضها.
وحديث أنس الذي خرجه البخاري يدل على أنه لا يخلق إلا بعد أن يكون
مضغة، وليس فيه ذكر مدة ذَلكَ، وذكر المدة في حديث ابن مسعود – وقد خرجه البخاري في مواضع أخر -، قَالَ: حدثنا رسول الله ﷺ – وهو الصادق المصدوق -: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثُمَّ يكون علقة مثل ذَلكَ، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذَلكَ، ثُمَّ يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ثُمَّ ينفخ فيه الروح)) - وذكر الحديث.
وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود موقوفا عليه، وعن ابن عباس، وغيرهما من الصحابة.
وقد أخذ كثير من العلماء بظاهر حديث ابن مسعود، وقالوا: أقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يوما؛ لأنه لا يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغة.
قَالَ الإمام أحمد: ثنا هشيم: أبنا داود، عن الشعبي، قَالَ: إذا نكس السقط في الخلق الرابع وكان مخلقا عتقت به الأمة، وانقضت به العدة.
قَالَ أحمد:
стр. 605
إذا تبين الخلق فهو نفاس، وتعتق به إذا تبين.
قَالَ: ولا يصلى على السقط إلا بعد أربعة أشهر ٠ قيل له: فإن كان أقل من أربعة؟ قَالَ: لا، هوَ في الأربعة يتبين خلقه ٠وقال: العلقة: هي دم لا يتبين فيها الخلق.
وقال أصحابنا أصحاب الشافعي - بناء على أن الخلق لا يكون إلا في المضغة -: أقل ما يتبين فيهِ خلق الولد أحد وثمانون يوما، في أول الأربعين الثالثة التي يكون فيها مضغة، فإن أسقطت مضغة مخلقة انقضت بها العدة وعتقت بها أم الولد، ولو كانَ التخليق خفيا لا يشهد به إلا من يعرفه من النساء فكذلك.
فإن كانت مضغة لا تخليق فيها ففي انقضاء العدة وعتق الأمة به روايتان عن
أحمد.
وهل يعتبر للمضغة المخلقة أن يكون وضعها بعد تمام أربعة أشهر؟ فيهِ قولان، أشهرهما: لا يعتبر ذَلِكَ، وهو قول جمهور العلماء، وهو المشهور عن أحمد، حتَّى قالَ: إذا تبين خلقه ليس فيهِ اختلاف، أنها تعتق بذلك.
وروي عنه ما يدل على اعتبار مضي الأربعة أشهر، وعنه رواية أخرى في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها، ومن أصحابنا من طرد ذَلكَ في انقضاء العدة بها –
стр. 606
أيضا -، وهذه الرواية قول النخعي، وحكي قولاً للشافعي.
وهذا يدل على أنه يمكن التخليق في العلقة، وقد روي ما يدل عليه، والأطباء تعترف بذلك.
فأما الصَّلاة على السقط: فالمشهور عن أحمد أنه لا يصلى عليه حتّى ينفخ فيه الروح، ليكون ميتا بمفارقة الروح له، وذلك بعد مضي أربعة أشهر، وهو قول ابن المسيب، وأحد أقوال الشافعي، وإسحاق.
وإذا ألقت ما يتبين فيه خلق الإنسان فهي نفساء، ويلزمها الغسل، فإن لم يتبين فيه الإنسان وكان مضغة فلا نفاس لها، ولا غَسَلَ عليها في المشهور عن أحمد، وعنه رواية: أنها نفساء -: نقلها عنه الحسن بن ثواب، ولم يشترط شيئا؛ لا المضغة مظنة تبين التخلق والتصوير غالبا. وإن ألقت علقة فلا نفاس لها فيهِ، ولأصحابنا وجه ضعيف: أنها نفساء، بناء على القول بانقضاء العدة به.
ومذهب الشافعية والحنفية: أن الاعتبار في النفاس بما تنقضي به العدة، وتصير به الأمة أم ولد، فحيث وجد ذَلكَ فالنفاس موجود، وإلا فلا، والاعتبار عندهم في ذَلكَ كله بما يتبين فيه خلق الإنسان.
وقال إسحاق: إذا استتم الخلق فهو نفاس -: نقله عنه حرب.
стр. 607
١٨ - باب
كيف تهل الحائض بالحج والعمرة ؟
خرج فيه:
стр. 608
٣١٩ – حديث: ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: خرجنا مع النَّبيّ ﷺ في حجة الوداع.
فذكرت الحديث، إلى أن قالت:
فحضت، فلم أزل حائضا حتّى كان يوم عرفة، ولم أهلل إلاّ بعمرة، فأمرني رسول الله ﷺ أن أنقض رأسي، وأمتشط، وأهل بحج، وأترك العمرة، ففعلت ذَلكَ حتّى قضيت حجي، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم.
فيه: دليل على أن الحائض إذا أرادت الإحرام فإنها تغتسل له، ثُمَّ تهل بما تريد أن تحرم به من حج أو عمرة. والإهلال: التلبية.
وخرج مسلم من حديث جابر، النَّبيّ ﷺ : قَالَ لعائشة لما حاضت: ((اغتسلي، ثُمَّ أهلي بالحج)) .
ومن حديث جابر - أيضا -، قَالَ: خرجنا مع النَّبيّ ﷺ حتّى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟
стр. 609
قَالَ: ((اغتسلي واستثفري بثوب، وأحرمي)) .
ومن حديث عائشة، قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر [يأمرها] أن تغتسل وتهل.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من رواية خصيف، عن عكرمة ومجاهد وعطاء، عن ابن عباس – يرفع الحديث إلى النَّبيّ ﷺ : ((إن النفساء والحائض تغتسل وتحرم، فتقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت حتّى تطهر)) .
وقال الترمذي: حديث حسن.
وهذا قول جماعة أهل العلم، لا يعلم بينهم اختلاف فيه: أن الحائض يجوز أن تحرم بالحج والعمرة، وتفعل مايفعله الطاهر، سوى الطواف بالبيت، كما سبق.
ولكن؛ منهم من كره لها أن تبتدئ الإحرام من غير حاجة إليه، فكره الضحاك وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري: أن تحرم في حال دمها قبل الميقات؛ لأنه لا حاجة لها إلى ذَلكَ، فإذا وصلت إلى الميقات، ولم تطهر فإحرامها حينئذ ضرورة.
وكره عطاء لمن كانت بمكة وهي حائض: أن تخرج إلى الميقات، فتهل بعمرة، وقال: لا تخرج حتّى تطهر.
وهو محمول على المقيمة بمكة، التي يمكنها تأخير الإحرام إلى حال طهرها.
стр. 610
١٩ - باب
إقبال المحيض وإدباره
وكن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة، فتقول: لا تعجلن حتّى ترين القصة البيضاء - تريد بذلك: الطهر من الحيضة.
وبلغ ابنة زيد بن ثابت أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل، ينظرن إلى الطهر، فقالت: ما كان النساء يصنعن هذا، وعابت عليهن.
هذان الأثران، خرجهما مالك في ((المؤطا)) ، فروى عن علقمة بن أبي
علقمة، عن أمه مولاة عائشة، أنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، يسألنها عن الصَّلاة، فتقول: لا تعجلن حتّى ترين القصة البيضاء - تريد بذلك: الطهر من الحيضة.
وروى - أيضاً - عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته، عن ابنة زيد بن ثابت، أنه بلغها أن نساءكن يدعون بالمصابيح من جوف الليل، ينظرن
стр. 611
إلى الطهر، فكانت تعيب ذَلكَ عليهن، وتقول: ما كان النساء يصنعن هذا.
وإنما كان نساء الصدر الأول يصنعن هذا لشدة اهتمامهن بالصلاة، وأمور الدين ﵅.
قَالَ ابن عبد البر: إنما أنكرت بنت زيد بن ثابت على النساء افتقاد أحوالهن في غير وقت الصَّلاة وما قاربها؛ لأن جوف الليل ليس بوقت صلاة، وإنما على النساء افتقاد أحوالهن للصلاة، فإن كن قد طهرن تأهبن للغسل، لما عليهن من الصَّلاة. انتهى.
وفيما قاله نظر، فإن جوف الليل وقت لصلاة العشاء، فإذا طهرت فيه الحائض لزمها صلاة العشاء وصلاة المغرب – أيضاً – عند كثير من العلماء.
وإنما أنكرت بنت زيد – والله أعلم – النظر في لون الدم، وأن مدة العادة تحكم بأن جميع ما يرى فيها دم حيض؛ وإن اختلفت ألوانه.
وهذا المعنى أقرب إلى إدخال البخاري له في هذا الباب، وإلى إدخال مالك له في ((الموطإ)) في ((باب: طهر الحيض)) ؛ وسياقهما له بعد قول عائشة الذي صدر به البخاري هذا الباب.
و ((الدرجة)) : قد رويت بضم الدال المشددة وسكون الراء، فتكون تأنيث
((درج)) ، ورويت بكسر الدال وفتح الراء، فتكون جمع ((درج)) كما تجمع
((خرج وترس)) على ((خرجة وترسة)) .
((الدرج)) : المراد به هنا: خرق تلف وفيها قطن، وهو الكرسف، فتدخله المرأة الحائض في فرجها؛ لتنظر ما يخرج على القطن، فإذا خرج عليه دم أحمر أو أسود علمت المرأة أن دم حيضها باق، وإن خرج عليه صفرة فقد أفتت عائشة – رضى الله عنها – بأنه حيض – أيضاً -، وأن الحائض لا ينقطع حيضها حتّى ترى القصة البيضاء.
و ((القصة)) –
стр. 612
بفتح القاف -: أصلها القطعة من الجص الأبيض، وأرادت عائشة بذلك أن القطنة تخرج بيضاء، ليس فيها شيء من الصفرة، ولا الكدرة، فيكون ذَلكَ علامة نقائها وطهرها.
وقالت طائفة: بل القصة البيضاء عبارة عن ماء أبيض يخرج عقب الدم من النساء في آخر الحيض، فلا تطهرن بدونه.
وقيل: إنه يشبه الخيط الأبيض، وهذا قول مالك وغيره.
وروى الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن عبد الرحمن بن
ذؤيب، عن عائشة، قالت: الطهر أن ترى المرأة بعد الدم ماء أبيض قطعا.
خرجه حرب الكرماني.
وحكى الخطابي، عن ابن وهب، أنه قَالَ في تفسير القصة البيضاء: رأيت القطن الأبيض، كأنه هو.
وعن ابن أبي سلمة، قَالَ: إذا كان ذَلكَ نظرت المرأة إلى مثل ريقها في اللون، فتطهر بذلك، فيما بلغنا.
وعن مالك، قَالَ: سألت النساء عن القصة البيضاء، فإذا ذاك أمر معروف عند النساء، يرينه عند الطهر.
وهذا المحكي عن مالك يوافق القول الثاني الذي ذكرناه، وأن القصة البيضاء عبارة عن شيء أبيض يخرج في آخر دم الحيض ٠ وقال ابن عبد البر: اختلف أصحاب مالك عنه في علامة الطهر، ففي ((المدونة)) : قَالَ مالك: إذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتّى تراها، وإن كانت ممن لاتراها فطهرها الجفوف، وذلك أن
стр. 613
تدخل الخرقة فتخرجها جافة، وبه قَالَ عيسى بن دينار، قَالَ: القصة البيضاء أبلغ في براءة الرحم من الجفوف.
وفي ((المجموعة)) : قَالَ مالك: إذا رأت الجفوف وهي ممن ترى القصة البيضاء فلا تصلي حتّى تراها، إلا أن يطول ذَلكَ بها.
وقال ابن حبيب: تطهر بالجفوف، وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء.
قَالَ ابن حبيب: والجفوف أبرأ للرحم من القصة البيضاء.
قَالَ: فمن كان طهرها القصة البيضاء ورأت الجفوف فقد طهرت.
قَالَ: ولا تطهر التي طهرها الجفوف برؤيتها القصة البيضاء حتّى ترى الجفوف.
قَالَ: وذلك أن أول الحيض دم، ثُمَّ صفرة، ثُمَّ ترية، ثُمَّ كدرة، ثُمَّ يكون ريقاً كالفضة، ثُمَّ ينقطع، فإذا انقطع قبل هذه المنازل فقد برئت الرحم من الحيض. قَالَ: والجفوف أبرأ وأوعب، وليس بعد الجفوف انتظار. انتهى ما ذكره ابن عبد البر –
﵀.
وفي ((تهذيب المدونة)) : تغتسل إن رأت القصة البيضاء، فإن كانت ممن لا تراها فحين ترى الجفوف.
قَالَ ابن القاسم: والجفوف أن
стр. 614
تدخل الخرقة، فتخرجها جافة ٠ قَالَ أبو عبيد: الترية: الشيء الخفي اليسير، وهو أقل من الصفرة والكدرة، ولا تكون الترية إلا بعد اغتسال، فأما ما كان في أيام الحيض فهو حيض وليس بترية. انتهى.
واختلف قول الإمام أحمد في تفسير القصة البيضاء:
فنقل الأكثرون عنه: أنه شيء أبيض يتبع الحيضة، ليس بصفرة ولا كدرة، فهو علامة الطهر، وحكاه أحمد عن الشافعي.
ونقل حنبل، عن أحمد: أن القصة البيضاء هو الطهر وانقطاع الدم، وكذلك فسر سفيان الثوري القصة البيضاء بالطهر من الحيض.
وأرسلت امرأة إلي عمرة بنت عبد الرحمن بدرجٍ فيهِ كرسفة قطن، فيها كالصفرة، تسألها: هل ترى إذا لَم تر المرأة مِن الحيضة إلا هَذا أن قَد طهرت؟ فقالت: لا، حتى ترى البياض خالصاً.
وروى الأثرم بإسناده، عَن ابن الزبير، أنَّهُ قالَ على المنبر: يا معشر النساء، إذا رأت إحداكن القصة البيضاء فَهوَ الطهر.
وقال مكحول: لا تغتسل المرأة مِن الحيض إذا طهرت حتى ترى طهراً أبيض.
وقد حكى أبو عبيد القولين في تفسير القصة البيضاء.
ودل قول عائشة ﵂ هَذا على أن الصفرة والكدرة في
стр. 615
أيام الحيض حيض، وأن مِن لها أيام معتادة تحيض فيها فرأت فيها صفرة أو كدرة، فإن ذَلِكَ يكون حيضاً معتبراً.
وهذا قول جمهور العلماء، حتى إن مِنهُم مِن نقله إجماعاً، مِنهُم: عبد الرحمن بنِ مهدي وإسحاق بنِ راهويه، ومرةً خص إسحاق حكاية الإجماع بالصفرة دونَ الكدرة.
ولكن ذهب طائفة قليلة، مِنهُم: الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وبعض الشافعية إلى أنه لا يكون ذَلِكَ حيضاً حتى يتقدمه في مدة العادة دم.
واشترط بعض الشافعية أن يكون الدم المتقدم يبلغ أقل الحيض.
ومنهم مِن اشترط أن يلحقه دم - أيضاً.
ومنهم مِن اشترط أن يلحقه دم يبلغ أقل الحيض.
وقال أبو يوسف: الصفرة حيض، والكدرة ليسَ حيضاً، إلا أن يتقدمها دم.
وحكي عَن داود أن الصفرة والكدرة لا تكون حيضاً بكل حال.
فأما ما زاد على أيام العادة، واتصل بها، وكان صفرة أو كدرة، فهل يكون حيضاً، أم لا؟ فيهِ قولان:
أحدهما: أنَّهُ حيض، وَهوَ أشهر الروايتين عَن مالك، والمشهور عَن الشَافِعي
- أيضاً -، وعليه أكثر أصحابه، وقول الحكم وأبي حنيفة وإسحاق.
والثاني: أنه ليسَ بحيض، وَهوَ رواية عَن مالك،
стр. 616
وقول الثوري والإصطخري وغيره مِن الشافعية.
وأما الإمام أحمد، فإنه يرى أن الزائد على العادة لا يلتفت إليه أول مرة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثاً على اختلاف عَنهُ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ.
فإن زاد على العادة بصفرة أو كدرة وتكرر ثلاثاً، فهل يكون حيضاً، أم لا؟ فيهِ عَنهُ روايتان.
وقد روي عَن عائشة، أنها لا تلتفت إلى الزائد على العادة مِن الصفرة والكدرة.
خرجه حرب والبيهقي مِن رواية سليمان بنِ موسى، عَن عطاء، عَن عائشة، قالت: إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عَن الصلاة حتى تراه أبيض كالفضة؛ فإذا رأت ذَلِكَ فلتغتسل ولتصل؛ فإذا رأت بعد ذَلِكَ صفرة أو كدرة فلتتوضأ ولتصل، فإذا رأت دماً أحمر فلتغتسل ولتصل.
وروي عَن أسماء بنت أبي بكر ما يشعر بخلاف ذَلِكَ، فروى البيهقي وغيره مِن رواية ابن إسحاق، عَن فاطمة بنت المنذر، عَن أسماء، قالت: كنا في حجرها معَ بنات أخيها، فكانت إحدانا تطهر، ثُمَّ تصلي، ثُمَّ تنتكس بالصفرة اليسيرة، فنسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذَلِكَ، حتى ترين البياض خالصاً.
وقد حمله بعض أصحابنا على أن الصفرة أو الكدرة إذا رؤيت بعد
стр. 617
الطهر وانقطاع الدم فإنها لا تكون حيضاً ولو تكررت، على الصحيح عندهم، بخلاف ما إذا رأت ذَلِكَ متصلاً بالدم وتكرر.
فهذا كله في حق المعتادة.
فأما المبتدأة، فإذا رأت في زمن يصلح للحيض صفرة أو كدرة، فقالت طائفة مِن أصحابنا كالقاضي أبي يعلى ومن تابعه، وأكثر أصحاب الشَافِعي: إنه يكون حيضاً؛ لأن زمن الدم للمبتدأة كزمن العادة للمعتادة.
وقالت طائفة مِن أصحابنا: لا يكون حيضاً، وقالوا: إنه ظاهر كلام أحمد، وَهوَ قول طائفة مِن الشافعية - أيضاً -، وحكاه الخطابي عَن عائشة وعطاء وأكثر
الفقهاء؛ لأنه اجتمع فيهِ فَقد العادة ولون الدم المعتاد، فقويت جهة فساده، وعلى هَذا فينبغي أنَّهُ إن تكرر ذَلِكَ ثلاثاً أن يكون حيضاً، إن قلنا: إن المتكرر بعد العادة حيض، وقد يفرق بينهما بأن المتكرر بعد العادة قَد سبقه دم بخلاف هَذا.
وقد ذهب طائفة مِن أصحابنا، مِنهُم: ابن حامد وابن عقيل إلى أن المبتدأة إذا رأت أول مرةٍ دماً أحمر فليس بدم حيض حتى يكون أسود، وَهوَ قول بعض الشافعية - أيضاً -؛ للحديث المروي عَن النَّبيّ ﷺ أنَّهُ قالَ - في دم الحيض -: ((إنه أسود
يعرف)) .
وهذا ينتقض عليهم بالمعتادة؛ فإنها إذا كانت عادتها أسود ثُمَّ رأت في مدة العادة دماً أحمر فإنه حيض بغير خلاف.
стр. 618
ثُمَّ خرج البخاري في هَذا الباب:
стр. 619
٣٢٠ - مِن حديث: سفيان - هوَ: ابن عيينة -، عَن هشام، عَن أبيه، عَن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فسألت النبي ﷺ ، فقالَ:
((ذَلِكَ عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)) .
وقد سبق هَذا الحديث، وذكرنا اختلاف العلماء في معناه، وأنه هل المراد بإقبال الحيضة وإدبارها: إقبال الدم الأسود وإدباره، أم المراد: إقبال وقت عادتها وإدبارها؟ وأن أكثر الأئمة حملوا الحديث على الأول، وَهوَ اعتبار التمييز في الدم.
والمميزة ترجع إلى ما تراه مِن أغلظ الدماء وأفحشها لوناً، فتجلس مدة الدم الأسود دونَ الأحمر، والأحمر دونَ الأصفر.
ولا يعتبر للتمييز تكرر على أصح الوجهين لأصحابنا، لكن يشترط عندهم أن لا ينقص عَن أقل الحيض ولا يتجاوز أكثره، وأن يكون بين الدمين أقل مدة الطهر، وَهوَ قول الشافعية - أيضاً.
وحكي عَن أحمد رواية أخرى: أنه لا يعتبر أن لا يجاوز أكثر الحيض، فعلى هَذهِ الرواية تجلس منهُ قدر الأكثر خاصةً.
وأما على تفسير إقبال الحيضة وإدبارها بإقبال العادة وإدبارها، فتجلس ما تراه مِن الدم في أيام عادتها خاصة، على أي صفة كانَ، ولا تزيد على ذَلِكَ، فإذا انقضت مدة عادتها فهي طاهر، تغتسل وتصلي.
стр. 620
٢٠ - باب
لا تقضي الحائضُ الصلاةَ
وقال جابر بنِ عبد الله وأبو سعيد، عَن النبي ﷺ : ((تدع الصلاة)) .
حديث أبي سعيد المشار إليه، قَد خرجه بتمامه في ((باب: ترك الحائض
الصوم)) ، وفيه: أن النبي ﷺ : ((أليس إذا حاضت لَم تصل ولم تصم؟)) قلن:
بلى. قالَ: ((فذلك مِن نقصان دينها)) [.. .. .. .. .. .. ..] .
وحديث جابر المشار إليه [.. .. .. .. .. ..] .
وقد سبق حديث عائشة، أن النبي ﷺ قالَ للمستحاضة: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة)) .
وقد أجمع العلماء على أن الحائض لا يجوز لها الصلاة في حال حيضها، فرضاً ولا نفلاً.
وقد استحب لها طائفة مِن السلف أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفروضة، وتستقبل القبلة، وتذكر الله بمقدار تلك الصلاة، مِنهُم: الحسن وعطاء وأبو جعفر محمد بنِ علي، وَهوَ قول إسحاق.
وروي عَن عقبة بنِ عامر، أنه كانَ يأمر الحائض بذلك، وأن تجلس بفناء مسجدها.
خرجه الجوزجاني.
стр. 621
وقال مكحول: كانَ ذَلِكَ مِن هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن.
وأنكر ذَلِكَ أكثر العلماء:
وقال أبو قلابة: قَد سألنا عَن هَذا فما وجدنا لَهُ أصلاٍ.
خرجه حرب الكرماني.
وقال سعيد بن عبد العزيز: ما نعرف هَذا، ولكننا نكرهه.
قالَ ابن عبد البر: على هَذا القول جماعة الفقهاء وعامة العلماء في الأمصار.
وممن قالَ: ليسَ ذَلِكَ على الحائض: الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، ومالك، وكذلك قالَ أحمد، قالَ: ليسَ عليها ذَلِكَ، ولا بأس أن تسبح وتهلل وتكبر.
وبه قالَ أبو خيثمة، وسليمان بنِ داود الهاشمي، وأبو ثور، وأصحاب الشَافِعي، وزادوا: أنه يحرم عليها الوضوء إذا قصدت بهِ العبادة ورفع الحدث، وإنما يجوز لها أن تغتسل أغسال الحج؛ لأنه لا يراد بها رفع الحدث، بل النظافة.
وقد روى يحيى بنِ صاعد: ثنا عبد الجبار بنِ العلاء: ثنا أيوب بنِ سويد الرملي: ثنا عتبة بنِ أبي حكيم، عَن أبي سفيان طلحة بنِ نافع، حدثني عبد الله بنِ عباس، أنه بات عندَ النَّبيّ ﷺ في ليلة ميمونة بنت الحارث، فقام النَّبيّ ﷺ فأسبغ الوضوء،
стр. 622
[وأقل] هراقة الماء، وقام فافتتح الصَّلاة، فقمت فتوضأت، وقمت عَن يساره، فأخذ بأذني فأقامني عَن يمينه، وكانت ميمونة حائضاً، فقامت فتوضأت، ثُمَّ قعدت خلفه تذكر
الله .
خرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)) وغيره.
وهذا غريب جداً.
وأيوب بنِ سويد الرملي، ضعيف.
خرج البخاري في هَذا الباب:
стр. 623
٣٢١ - حديث: قتادة: حدثتني معاذة، أن امرأة قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا هي طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ كنا نحيض معَ النبي ﷺ فلا يأمرنا بهِ - أو قالت: فلا نفعلهُ.
قولها: ((أتجزي)) ، هوَ بفتح التاء، و ((صلاتها)) بفتح التاء، والمعنى: أتقضي صلاتها إذا طهرت مِن حيضها.
وقول عائشة: ((أحرورية أنت؟)) - تعني: أنت مِن أهل حروراء، وهم الخوارج؛ فإنه قَد قيل: إن بعضهم كانَ يأمر بذلك، وقيل: إنها أرادت أن هَذا مِن جنس تنطع الحرورية، وتعمقهم في الدين حتى خرجوا منهُ.
ثُمَّ ذكرت أن النبي ﷺ كانَ لا يأمرهن بذلك إذا حضن - أو لا يفعلنه - شك الراوي أي اللفظتين قالت.
ومعناهما
стр. 624
متقارب؛ فإن نساء النبي ﷺ إذا كن يحضن في زمانه فلا يقضين الصلاة إذا طهرن، فإنما يكون ذَلِكَ بإقرار النبي ﷺ على ذَلِكَ، وأمره بهِ، فإن مثل هَذا لا يخفى عليهِ، ولو كانَ القضاء واجباً عليهن لَم يهمل ذَلِكَ، وَهوَ لا يغفل عَن مثله لشدة اهتمامه بأمر الصلاة.
وقد خرج هَذا الحديث مسلم في ((صحيحه)) بلفظ: ((ثُمَّ لا نؤمر بالقضاء)) - مِن غير تردد، وخرجه بلفظ آخر، وَهوَ: ((كانَ يصيبنا ذَلِكَ على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة)) .
وقد حكى غير واحد مِن الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة، وأنهم لَم يختلفوا في ذَلِكَ، مِنهُم: الزهري، والإمام أحمد، وإسحاق بنِ راهويه، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر وغيرهم.
وقال عطاء وعكرمة: قضاء الحائض الصلاة بدعة.
وقال الزهري: أجمع الناس على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وقال: وليس في كل شيء نجد الإسناد.
وقد حكي عَن بعض الخوارج: أن الحائض تقضي الصلاة، وعن
стр. 625
بعضهم: أنها تصلي في حال حيضها.
ولكن في ((سنن أبي داود)) بإسناد فيهِ لين، أن سمرة بنِ جندب كانَ يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض.
وقد ذكر البخاري في ((الصيام)) مِن ((كتابه)) هَذا عَن أبي الزناد، أنه قالَ: إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرَأي، فلا يجد المسلمون بداً مِن اتباعها؛ مِن ذَلِكَ أن الحائض تقضي الصوم دونَ الصلاة.
وهذا يدل على أن هَذا مما لا يدرك بالرأي، ولا يهتدي الرَأي إلى وجه الفرق
فيهِ.
وقد فرق كثير مِن الفقهاء مِن أصحابنا وأصحاب الشافعي بين قضاء الصوم والصلاة، بأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات، والحيض لا يخلو منهُ كل شهر - غالباً -، فلو أمرت الحائض بقضاء الصلاة معَ أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذَلِكَ عليها، بخلاف الصيام؛ فإنه إنما يجيء مرةً واحدةً في السنة، فلا يشق قضاؤه.
ومنهم مِن قالَ: جنس الصلاة يتكرر في كل يوم مِن أيام الطهر، فيغني ذَلِكَ عَن قضاء ما تركته منها في الحيض، بخلاف صيام رمضان؛ فإنه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها، فإذا طهرت الحائض أمرت بقضاء ما تركته أيام حيضها؛ لتأتي بتمام عدته المفروضة في السنة، كَما يؤمر بذلك مِن أفطر لسفر أو مرض.
وإنما يسقط عَن الحائض قضاء الصلاة التي استغرق حيضها وقتها، ولم
стр. 626
تكن مجموعة إلى ما قبلها أو بعدها، فإن لَم يستغرق حيضها وقت الصلاة، بل طهرت في آخر الوقت، أو حاضت بعد مضي أوله، ففي لزوم قضائها لها خلاف، يأتي ذكره في ((كِتابِ الصلاة)) - إن شاء الله تعالى.
وكذلك لو طهرت في آخر وقت صلاة تجمع إلى ما قبلها؛ مثل أن تطهر في آخر وقت العصر أو العشاء، فهل يلزمها قضاء الظهر والمغرب؟ فيهِ - أيضاً - اختلاف، يذكر في ((الصلاة)) - إن شاء الله تعالى.
وإن حاضت في أول وقت صلاة تجمع إلى ما بعدها، ففي لزوم القضاء لما بعد الصلاة التي حاضت في وقتها اختلاف - أيضاً -، والقول بوجوب القضاء هنا أبعد مِن التي قبلها.
стр. 627
٢١ - باب
النومِ معَ الحائضِ وهي في ثيابها
خرج فيهِ:
стр. 628
٣٢٢ - حديث: يحيى بنِ أبي كثير، عَن أبي سلمة، عَن زينب بنت أبي سلمة، حدثته أن أم سلمة قالت: حضت وأنا معَ رسول الله ﷺ في الخميلة، فانسللت، فخرجت منها، فأخذت ثياب حيضتي، فلبستها، فقالَ لي رسول الله ﷺ :
((أنفست؟)) قلت: نعم، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة.
قالت: وحدثتني أن النبي ﷺ كانَ يقبلها وَهوَ صائم، وكنت أغتسل أنا والنبي ﷺ مِن إناء واحد مِن الجنابة.
أول هَذا الحديث قَد خرجه البخاري فيما تقدم في ((باب: مِن سمى النفاس حيضاً)) ، وسبق الكلام هناك على شرحه وضبط مشكل ألفاظه.
وإنما أعاده هنا؛ لأنه استنبط منهُ جواز نوم الرجل معَ امرأته وهي حائض في ثياب حيضها في لحاف واحد، وقد سبق القول في ذَلِكَ مستوفى في ((باب: مباشرة الحائض)) .
стр. 629
ويختص هَذا الباب: بأن ثياب الحائض وإن كانت مختصةً بحال حيضها فلا يجب اتقاؤها والتنزه عَن ملابستها، وأنه لا تنجس ما أصابها مِن جسد الرجل أو ثيابه، ولا يغسل مِن ذَلِكَ شيئاً ما لَم ير فيه دماً، وقد سبق هَذا المعنى مبسوطاً في ((باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ؟)) .
وذكرنا فيهِ حديث عائشة، قالت: كنت أنا ورسول الله ﷺ في الشعار الواحد، وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل ما أصابه، لم يعده إلى غيره، ثُمَّ صلى فيهِ.
خرجه النسائي.
وأما باقي هَذا الحديث، فَقد تقدم الكلام على اغتسال النبي ﷺ وبعض أزواجه مِن إناء واحد مِن الجنابة في موضعه مِن الكِتابِ، ويأتي الكلام على القبلة للصائم مِن موضعها مِن ((الصيام)) - إن شاء الله تعالى.
стр. 630
٢٢ - باب
منِ اتخذَ ثيابَ الحيضِ سوى ثيابِ الطهرِ
خرج فيهِ:
стр. 631
٣٢٣ - حديث: أم سلمة - بالإسناد المتقدم -؛ قالت: بينا أنا معَ النبي ﷺ مضطجعة في خميلة حضت، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، فقالَ: ((أنفست؟)) فقلت: نعم. فدعاني، فاضطجعت معه في الخميلة.
قَد سبق حديث عائشة، قالت: ((ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض
فيهِ)) . وقد خرجه البخاري في ((باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ؟)) . وسبق هناك أحاديث متعددة بهذا المعنى.
وظاهر حديث أم سلمة هَذا: يدل على أنَّهُ كانَ لها ثياب لحيضها غير ثياب طهرها، فيكون هَذا كله جائزاً غير ممنوع منهُ ولا مكروه، فلا يكره أن تحيض المرأة وتطهر في ثوب واحد وتصلي فيهِ، ولا أن تتخذ لحيضها ثياباً غير ثياب طهرها، ولا يعد ذَلِكَ سرفاً ولا وسواساً.
ويحتمل أن يجمع بين الحديثين بأن يكون المراد بثياب الحيضة في حديث أم سلمة: الإزار التي كانَ النبي ﷺ يأمر الحائض في فور حيضها
стр. 632
أن تأتزر بهِ، ثُمَّ يباشرها وهي حائض، كَما روت ذَلِكَ عائشة وميمونة، وقد سبق حديثهما في ((باب: مباشرة الحائض)) ، فيجمع بذلك بين حديث عائشة: ((ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيهِ)) ، وبين حديثها الآخر في أمرها بالاتزار في فور الحيض.
стр. 633
٢٣ - باب
شهودِ الحائضِ العيدينِ ودعوةَ المسلمينَ ويعتزلنَ المصلى
стр. 634
٣٢٤ - حدثنا محمد بنِ سلام: ثنا عبد الوهاب، عَن أيوب، عَن حفصة، قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فقدمت امرأة فنزلت قصر بني خلف، فحدثت عَن أختها - وكان زوج أختها غزا معَ النبي ﷺ ثنتي عشرة، وكانت أختي معه في ست -، قالت: كنا نداوي الكلمى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبي ﷺ : أعلى إحدانا بأس إذا لَم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ قالَ: ((لتلبسها صاحبتها مِن جلبابها ولتشهد الخير ودعوة المسلمين)) . فلما قدمت أم عطية سألتها: أسمعت رسول الله ﷺ ؟ قالت: بأبا، نعم - وكانت لا تذكره إلا قالت: بأبي - سمعته يقول: ((يخرج العواتق وذوات الخدور - أو العواتق ذوات الخدور - والحيض، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحيض المصلى)) .
قالت حفصة:
стр. 635
فقلت: الحيض؟ فقالت: أليس تشهد عرفة وكذا وكذا؟
((حفصة)) ، هي: بنت سيرين أخت محمد وإخوته.
و ((العواتق)) : جمع عاتق، وهي البكر البالغ التي لَم تزوج.
و ((الجلباب)) : هي الملاءة المغطية للبدن كله، تلبس فوق الثياب، وتسميها العامة: الإزار، ومنه قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ .
وفي الحديث: أمر للنساء بشهود العيدين، معللاً بما فيهِ مِن شهود الخير ودعوة المسلمين، ويأتي استيفاء الكلام على ذَلِكَ في موضعه مِن ((الصلاة)) - إن شاء الله
تعالى.
وإنما المقصود هنا: شهود الحيض، وقد استنكرت ذَلِكَ حفصة بنت سيرين، فأجابتها أم عطية بأن الحائض تشهد عرفة وكذا وكذا، كأنها تعني: مجامع الحج مِن الوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار وغير ذَلِكَ، فإنها تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت، كَما سبق، فكذلك تشهد مجمع العيدين وهي حائض؛ لأنها مِن أهل الدعاء والذكر، فلها أن تفعل ذَلِكَ بنفسها، وتشهد مجامع المسلمين المشتملة عليهِ.
وأما أمر الحائض باعتزال المصلى، فَقد قيل: بأن مصلى العيدين مسجد، فلا يجوز للحائض المكث فيهِ، وَهوَ ظاهر كلام بعض أصحابنا، مِنهُم: ابن أبي موسى في
((شرح الخرقي)) ، وَهوَ - أيضاً - أحد الوجهين
следующие страницы →