Полный текст (4 834 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وفي هَذا حرج عظيم، وعسر شديد، والكتاب ناطق بانتفائه عَن هَذهِ الأمة، فكيف تكلف بهِ امرأة ضعيفة مبتلاة، معَ أن دين الله يسر - وليس بعسر.
وذهبت طائفة: إلى أن المستحاضة تغتسل كل يوم غسلاً واحد، وروي عَن أحمد ما يدل على وجوبه. وعند أحمد وإسحاق: لها أن تجمع بين الصلاتين بغسل
واحد، وفي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة عَن النبي ﷺ [مخرجة] في ((السنن)) .
وأما قول النبي ﷺ : ((هَذا عرق)) ، وتبويب البخاري هاهنا على هَذهِ اللفظة، فَقد سبق الكلام على معناه مستوفى في ((باب: الاستحاضة)) .
وليس في حديث الزهري الذِي خرجه البخاري في هَذا الباب أن النبي ﷺ أمر المستحاضة أن تدع الصلاة أيام حيضها، كَما في حديث هشام بنِ عروة وعراك بنِ
مالك، عَن عروة، لكن في حديث هشام: أن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت أبي حبيش، وفي حديث عراك: أمر أم حبيبة بنت جحش.
وقد ذكر الأوزاعي، عَن الزهري في حديثه هَذا، أنه ﷺ قالَ لأم حبيبة: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)) ، وتفرد بذلك.
وكذلك روى ابن عيينة، عَن الزهري، أن النبي ﷺ أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، وَهوَ وهم منهُ - أيضاً -: قاله الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما ورواه محمد بنِ عمرو، عَن الزهري، وزاد
стр. 667
فيهِ: ((إذا كانَ دم الحيض، فإنه أسود يعرف)) ، وقيل: إنه وهم منهُ - أيضاً -، لكنه جعله عَن عروة، عَن فاطمة بنت أبي حبيش.
ورواه سهيل، عَن الزهري، عَن عروة، عَن أسماء بنت عميس، وزاد فيهِ هَذا المعنى - أيضاً.
وقد سبق ذكر ذَلِكَ في ((باب: الاستحاضة)) .
والمحفوظ عَن الزهري في هَذا الحديث: ما رواه عَنهُ أصحابه الحفاظ، وليس فيهِ شيء مِن ذَلِكَ. والله [ ] أعلم.
стр. 668
٢٧ - باب
المرأةِ تحيضُ بعدَ الإفاضةِ
خرج فيهِ حديثين:
أحدهما:
стр. 669
٣٢٨ - مِن حديث: عمرة، عَن عائشة، أنها قالت لرسول الله ﷺ : إن صفية قَد حاضت، فقالَ رسول الله ﷺ : ((لعلها تحبسنا، ألم تكن طافت معكن؟)) قالوا: بلى. قالَ: ((فاخرجي)) .
والثاني:
стр. 670
٣٢٩ - مِن حديث: طاوس، عَن ابن عباس، قالَ: رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت.
стр. 671
٣٣٠ - وكان ابن عمر يقول في أول أمره: إنها لا تنفر، ثُمَّ سمعته يقول: تنفر؛ إن رسول الله ﷺ رخص لهن.
стр. 672
قَد سبق أن الحائض ممنوعة مِن الطواف في حال حيضها، فإن حاضت قبل طواف الإفاضة فإنها لا تنفر حتى تطوف للإفاضة، وإن طافت طواف الإفاضة، ثُمَّ حاضت، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تنفر، كَما دلت عليهِ هَذهِ الأحاديث الثلاثة - أعني: حديث عائشة، وابن عمر، وابن عباس.
وقد روي عَن عمر، وابنه عبد الله، وزيد بنِ ثابت، أنهم قالوا: لا تنفر حتى تطهر، وتطوف للوداع. ووافق جماعة مِن الأنصار زيد بنِ ثابت في قولُهُ هَذا، وتركوا قول ابن عباس.
فأما ابن عمر: فَقد صح عَنهُ برواية طاوس هَذهِ أنه رجع عَن ذَلِكَ.
وأما زيد: ففي ((صحيح مسلم)) عَن طاوس - أيضاً -، أنه قالَ: كنت معَ ابن عباس إذ قالَ زيد بنِ ثابت: أتفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون عهدها بالبيت؟ فقالَ لَهُ ابن عباس: إمَّا لا، فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ؟ قالَ: فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك، وَهوَ يقول: ما أراك إلا قَد صدقت.
وأما عمر: فَقد روي - أيضاً - أنه رجع عما قاله في ذَلِكَ، فروى عبد الرزاق، أبنا محمد بنِ راشد، عَن سليمان بنِ موسى، عَن نافع، قالَ: رد عمر نساء مِن ثنية هرشي، وذلك أنهن أفضن يوم النحر، ثُمَّ
стр. 673
حضن فنفرن، فردهن حتى يطهرن ويطفن بالبيت، قالَ: ثُمَّ بلغ عمر بعد ذَلِكَ حديث [غير] ما صنع، فترك عمر صنيعه الأول.
قالَ: وأبنا محمد بنِ راشد: أخبرني عبدة بنِ أبي لبابة، عَن هشام بنِ يحيى المخزومي، أن رجلاً مِن ثقيف أتى عمر بنِ الخطاب، فسأله عَن امرأة زارت يوم
النحر، ثُمَّ حاضت؟ قالَ: فلا تنفر حتى تطهر، فيكون آخر عهدها بالبيت، فقالَ الرجل: فإن رسول الله ﷺ أمر في مثل هَذهِ المرأة بغير ما أفتيت، فضربه عمر بالدرة، وقال: ولم تستفتني في شيء قَد أفتى فيهِ رسول الله ﷺ ؟ !
وخرج الإسماعيلي في ((مسند عمر)) مِن طريق هشام بنِ عمار: ثنا صدقة: ثنا الشعيثي، عَن زفر بنِ وثيمة، أن رجلاً مِن ثقيف أتى عمر، فقالَ: امرأة منا حاضت، وقد أفاضت يوم النحر؟ فقالَ: ليكن آخر عهدها بالبيت. فقالَ: إن النبي ﷺ أفتى امرأة منا أن تصدر، فحمل عمر عليهِ، فضربه، وقال: تستفتيني في شيء قَد أفتى فيهِ
رسول الله ﷺ ؟ !
وقد روي على وجه آخر، خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس، قالَ: أتيت عمر بن الخطاب، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض؟ فقالَ: ليكن آخر
стр. 674
عهدها
بالبيت. قالَ الحارث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ ، فقالَ عمر: أربت عن يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﷺ لكيما أخالف.
والوليد هذا، ليس بالمشهور.
وخرجه الإمام أحمد والترمذي من طريق آخر، عن الحارث بن عبد الله بن
أوس، قالَ: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت)) . فقالَ لهُ عمر: خررت من يديك، سمعت هذا من رسول الله ﷺ ولم تخبرنا به.
وفي إسناده: حجاج بن أرطاة، وقد اختلف عليهِ في إسناده.
وهذه الرواية تدل على أن الحارث بن أوس لم يسمع من النبي ﷺ في الحائض بخصوصها إذا كانت قد أفاضت: أنها تحتبس لطواف الوداع، إنما سمع لفظاً عاماً، وقد صح الإذن للحائض إذا كانت قد طافت للإفاضة أن تنفر، فيخص من ذَلِكَ العموم، وعلى هذا عمل العلماء كافة من الصحابة فمن بعدهم.
وقد روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي فروة، أنه سمع القاسم بن محمد يقول: رحم الله عمر، كل أصحاب محمد ﷺ قد أمروها
стр. 675
بالخروج. يقول: إذا كانت أفاضت.
وروى بإسناده عن سعد بن أبي وقاص، أنه ذكر لهُ قول عمر: لا تنفر حتى تطهر ليكون آخر عهدها بالبيت، فقالَ: ما يجعلها حراماً بعد إذ حلت، إذا كانت قد طافت يوم النحر فقد حلت، فلتنفر.
يشير سعد إلى أن من طاف طواف الإفاضة فقد حل الحل كله، فلا يكون محتبساً بعد حله، وإنما يبقى عليهِ بقايا من توابع المناسك، كالرمي والمبيت بمنى وطواف الوداع، فما أمكن الحائض فعله من ذَلِكَ كالرمي والمبيت فعلته، وما تعذر فعله عليها كالطواف سقط عنها، ولم يجز إلزامها بالاحتباس لهُ.
وكل من خالف في ذَلِكَ فإنما تمسك بعموم قد صح تخصيصه بنصوص صحيحة خاصة بالحائض، ولم يصح عن النبي ﷺ في الحائض بخصوصها نهي أن تنفر.
وحديث الرجل الثقفي الذي حدث عمر بما سمع من النبي ﷺ قد روي على ثلاثة أوجه كما سبق، وأسانيده ليس بالقوية، فلا يكون معارضاً لأحاديث الرخصة للحائض في النفر؛ فإنها خاصة، وأسانيدها في غاية الصحة والثبوت.
стр. 676
٢٨ - باب
إذا رأتِ المستحاضةُ الطهرَ
قالَ ابن عباس: تغتسل وتصلي، ولو ساعة، ويأتيها زوجها إذا صلت؛ الصلاة أعظم.
هذا الأثر، ذكره أبو داود تعليقاً، فقالَ: روى أنس بن سيرين، عن ابن عباس في المستحاضة، قالَ: إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي.
وقد ذكره الإمام أحمد واستحسنه، واستدل به وذهب إليه.
وقال في رواية الأثرم وغيره: ثنا إسماعيل - هوَ: ابن علية -: ثنا خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين، قالَ: استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني، فسألت ابن عباس، فقالَ: أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل ولتصل.
قالَ أحمد: ما أحسنه.
والدم البحراني: قيل: هوَ الأحمر الذي يضرب إلى سواد.
وروي عن عائشة، أنها قالت: دم الحيض بحراني أسود.
خرجه البخاري في ((تاريخه)) .
стр. 677
وقيل: البحراني هوَ الغليط الواسع الذي يخرج من قعر الرحم، ونسب إلى البحر لكثرته وسعته.
وقول ابن عباس: ((إذا رأت الطهر ساعة من نهار فلتغتسل ولتصل)) ، محمول على غير المستحاضة؛ فإن المستحاضة تصلي إذا جاوزت أيام حيضها، سواء انقطع دمها أو لم ينقطع، وإذا اغتسلت عندَ انقضاء حيضها وصلت، ثم انقطع دمها بعد ذَلِكَ؛ فلا غسل عليها عندَ انقطاعه، وإنما يصح حمل هذا على الدم الجاري في أيام الحيض، وأنه إذا انقطع ساعة فهي طاهر تغتسل وتصلي، وسواء كانَ بعد تمام عادة الحيض أو قبل تمام العادة.
وقد ذهب الإمام أحمد إلى قول ابن عباس في هذا، واستدل به، وعليه أكثر أصحابنا. ومنهم من اشترط مع ذَلِكَ: أن ترى علامة الطهر مع ذَلِكَ، وهو القصة البيضاء، كما سبق ذكرها.
وعن أحمد: لا يكون الطهر في خلال دم الحيض أقل من يوم، وصحح ذَلِكَ بعض الأصحاب؛ فإن دم الحيض لا يستمر جريانه، بل ينقطع تارة ويجري تارة، فإذا كانَ مدة انقطاعه يوماً فأكثر فهوَ طهر صحيح، وإلا فلا.
وحكى الطحاوي الإجماع على أن انقطاع الدم ساعة ونحوها لا
стр. 678
عبرة به، وأنه كالدم المتصل، وليس كما ادعاه.
ومن العلماء: من ذهب إلى أن مدة النقاء في أثناء خلال الدم وإن طالت، إذا عاد الدم بعد ذَلِكَ في مدة الحيض يكون حيضاً، لا تصلي فيهِ ولا تصوم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، وأحد قولي الشافعي، وروي ابن منصور عن أحمد نحوه.
وتعرف المسألة بمسألة التلفيق، ولها فروع وتفاصيل كثيرة جداً.
وحينئذ؛ ففي تبويب البخاري: ((المستحاضة إذا رأت الطهر)) نظر، بل الأولى أن يقال: ((الحائض إذا رأت الطهر ساعة)) .
وإنما اعتمد على لفظ الرواية عن ابن عباس، ولعل ابن عباس أراد أن المستحاضة إذا كانت مميزة جلست زمن دمها الأسود، فإذا انقطع الأسود ولو ساعة فإنه زمن طهرها، فتغتسل وتصلي حينئذ.
وقد حمله إسحاق بن راهويه على مثل هذا، فقالَ في رواية حرب - في استدلاله على اعتبار التمييز للمستحاضة بحديث: ((إذا كانَ دم الحيض، فإنه أسود يعرف)) ، الحديث -، قالَ: وكذلك روي عن ابن عباس، أنه قالَ لامرأة مستحاضة: أما ما دامت ترى الدم البحراني فلتدع الصلاة، فإذا جاوزت ذَلِكَ اغتسلت وصلت.
وكذلك وقع في كلام الإمام أحمد في رواية الشالنجي حمل كلام
стр. 679
ابن عباس على مثل هذا، وهو يرجع إلى أن المستحاضة تعمل بالتمييز، فتجلس زمن الدم الأسود، فإذا انقطع عنها ورأت حمرةً أو صفرةً أو كدرةً فإن ذَلِكَ طهرها، فتغتسل حينئذ وتصلي. والله أعلم.
وأما ما ذكر البخاري، أنه يأتيها زوجها إذا صلت؛ الصلاة أعظم، فظاهر سياق حكايته يقتضي أن ذَلِكَ من تمام كلام ابن عباس، ولم نقف على إسناد ذَلِكَ عن ابن عباس، وليس هوَ من تمام رواية أنس بن سيرين في سؤاله لابن عباس عن المستحاضة من آل أنس.
وقد روي عن ابن عباس من وجه آخر الرخصة في وطء المستحاضة من رواية ابن المبارك، عن أجلح، عن عكرمة، عن ابن عباس، قالَ في المستحاضة: لا بأس أن يجامعها زوجها.
ويحتمل أن يكون البخاري ذكر هذا الكلام من عندَ نفسه بعد حكايته لما قبله عن ابن عباس.
وهذا الكلام إنما يعرف عن سعيد بن جبير:
روى وكيع، عن سفيان، عن سالم الأفطس، قالَ: سألت سعيد بن جبير عن المستحاضة يجامعها زوجها؟ قالَ: لا بأس به؛ الصلاة أعظم من الجماع.
стр. 680
وممن رخص في ذَلِكَ: ابن المسيب والحسن وعطاء وبكر المزني وعكرمة وقتادة ومكحول، وهو قول الأوزاعي والثوري والليث وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور، ورواية عن أحمد.
وقد تقدم أن أم حبيبة لما استحيضت كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وحمنة كانت تحت طلحة، وقد سألتا النبي ﷺ عن حكم الاستحاضة فلم يذكر لهما تحريم الجماع، ولو كانَ حراماً لبينه.
وفي ((سنن أبي داود)) عن عكرمة، عن حمنة بنت جحش، أنها كانت تستحاض وكان زوجها يجامعها. قالَ: وكانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها؛ ولأن لها حكم الطاهرات في الصلاة والصوم وسائر العبادات، فكذلك في الوطء.
وقالت طائفة: لا توطأ المستحاضة، وروي ذَلِكَ عن عائشة، من رواية سفيان، عن غيلان - هوَ: ابن جامع -، عن عبد الملك بن مسيرة، عن الشعبي، عن قمير - امرأة مسروق -، عن عائشة، أنها كرهت أن يجامعها زوجها.
стр. 681
خرجه وكيع في ((كتابه)) ، عن سفيان، به.
ورواه [شعبة] ، عن عبد الملك بن ميسرة، عن الشعبي، واختلف عليهِ فيهِ، فوقفه بعض أصحاب شعبة، عنه على الشعبي، وأسنده بعضهم عنه إلى عائشة كما رواه غيلان -: ذكر ذَلِكَ الإمام أحمد، ولم يجعل ذَلِكَ علة في وصله إلى عائشة، كما فعل البيهقي وغيره.
وممن نهى عن وطء المستحاضة: ابن سيرين، والشعبي، والنخعي، والحكم، وسليمان بن يسار، ومنصور، والزهري، وروي - أيضاً -
стр. 682
عن الحسن، وهو المشهور عن الإمام أحمد، إلا أنه رخص فيهِ إذا خشي الزوج على نفسه العنت.
وبدون خوف العنت، فهل النهي عنه للتحريم أو للكراهة؟ حكى أصحابنا فيهِ روايتين عن أحمد، ونقل ابن منصور وصالح عنه: لا يأتيها زوجها، إلا أن يطول.
ولعله أراد أنه إذا طالت مدة الاستحاضة شق على الزوج حينئذ ترك الوطء، فيصير وطؤه من خوف العنت؛ فإن العنت يفسر بالمشقة والشدة.
وقد قالَ أحمد في رواية حرب: المستحاضة لا يغشاها زوجها إلا أن لا يصبر. وقال في رواية علي بن سعيد: لا يأتيها زوجها إلا أن يغلب ويجيء أمر شديد،
لا يصبر.
وقال أبو حفص البرمكي: معنى قول أحمد: ((لا يأتيها زوجها إلا أن يطول)) ، ليس مراده أنه يباح إذا طال ويمنع منه إذا قصر، ولكن أراد: إذا طال علمت أيام حيضها من استحاضتها يقيناً، وهذا لا تعلمه إذا قصر ذَلِكَ.
وكذلك روى حرب عن إسحاق بن راهويه، قالَ: الذي نختار في غشيان المستحاضة: إذا عرفت أيام أقرائها ثم استحيضت
стр. 683
ولم يختلط عليها حيضها، أن يجامعها زوجها، وتصلي وتصوم، وإذا اختلط عليها دم حيضها من استحاضتها، فأخذت بالاحتياط في الصلاة بقول العلماء، وتحرت أوقات [حيضها] من استحاضتها ولم تستيقن بذلك أن لا يغشاها زوجها حتى تكون على يقين من استحاضتها.
فهذا قول ثالث في وطء المستحاضة، وهو: إن تيقنت استحاضتها بتميزها من حيضها جاز وطؤها فيها، وإن لم تكن على يقين من ذَلِكَ لم توطأ؛ لاحتمال وطئها في حال حيضها.
ومذهب الشافعي وأصحابه: أن المتحيرة الناسية لعادتها ولا تميز لها تغتسل لكل صلاة، وتصلي أبداً، ولا يأتيها زوجها؛ لاحتمال مصادفته الحيض.
ونقض أصحابنا ذَلِكَ عليهم في المعتادة، والمبتدأة بعد الشهر الأول؛ فإن زيادة الحيض ونقصه، وتقدمه وتأخره ممكن - أيضاً.
واستدل من نهى عن وطء المستحاضة مطلقاً بقول الله : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ودم الاستحاضة أذى؛ ولهذا حرم الوطء في الدبر؛ لأنه محل الأذى.
وروى حرب بإسناد جيد، عن مرثد بن عبد الله اليزني، قالَ: سمعت عقبة بن عامر يقول: والله، لا أجامع امرأتي في اليوم الذي تطهر فيهِ حتى يصير لها يوم.
وهذا محمول على التنزه والاحتياط خشية عود دم الحيض. والله أعلم.
стр. 684
واختلفوا في الحائض المعتادة: إذا طهرت لدون عادتها: هل يكره وطؤها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يكره، وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وأحمد في رواية،
وإسحاق؛ لأن عود الدم لا يؤمن.
والثاني: لا يكره، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد.
ثم خرج البخاري في هذا الباب:
стр. 685
٣٣١ - حديث: هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قالَ النبي ﷺ : ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)) .
وقد سبق هذا الحديث والكلام عليهِ.
وإنما خرجه هاهنا؛ لأنه يرى أن إقبال الحيض وإدباره المراد به التميز، فإقبال الحيضة: إقبال الدم الأسود. وإدباره: انفصال الأسود وانتقاله إلى غيره، فيكون ذَلِكَ موافقاً لما أفتى به ابن عباس، على ما حمل كلامه عليهِ أحمد وإسحاق، كما سبق. والله أعلم.
стр. 686
٢٩ - باب
الصلاةِ على النفساءِ وسنتها
خرج فيهِ:
стр. 687
٣٣٢ - من حديث: شعبة، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن سمرة ابن جندب، أن امرأة ماتت في بطن، فصلى عليها النبي ﷺ فقام وسطها.
لم يخرج البخاري في أحكام النفساء سوى هذا الحديث، كأنه لم يصح عنده في أحكام النفاس حديث على شرطه.
وليس في هذا الحديث سوى الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها.
وقد اعترض الإسماعيلي على البخاري في ذَلِكَ، وقال: ليس في الحديث إلا أنها ماتت في بطن، والمراد: أنها ماتت مبطونة، فلا مدخل للحديث في النفاس بالكلية.
وهذا الذي قاله غير صحيح؛ فإنه قد خرجه البخاري في ((الجنائز)) ، ولفظه: ((صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها)) .
وخرجه مسلم
стр. 688
كذلك - أيضاً.
ويؤخذ من هذا الحديث: أن [دم] النفاس وإن كانَ يمنع النفساء، من الصلاة فلا يمنع من الصلاة عليها إذا ماتت فيهِ، وكذلك دم الحيض، فإنه يصلى على الحائض والنفساء إذا ماتتا في دمهما، كما يصلى على الجنب إذا مات، وكل منهم يغسل ويصلى عليهِ، إلا أن يكون شهيداً في معركة.
فإن استشهد في معركة وكان عليهِ غسل جنابة أو حيض أو نفاس، فهل يغسل أم لا؟ فيهِ روايتان عن أحمد، أشهرهما: أنه يغسل.
وعلى هذا: فلو استشهدت من هي حائض أو نفساء في دمها قبل انقطاعه، ففي غسلها وجهان، بناهما الأصحاب على أن الموجب لغسل الحيض والنفاس: هل هوَ خروج الدم، أو انقطاعه؟
ولو خرج البخاري هاهنا حديث: أمر النَّبيّ ﷺ لأسماء بنت عميس لما نفست بمحمد بن أبي بكر بالشجرة أن تغتسل وتهل، لكان حسناً؛ فإنه يدل على أن حكم النفاس حكم الحيض في الإهلال بالحج.
وقد خرجه مسلم من حديث جابر وعائشة، إلا أن حديث جابر
стр. 689
ليس هوَ على شرط البخاري.
ودم النفاس حكمه حكم دم الحيض فيما يحرمه ويسقطه، وقد حكى الإجماع على ذَلِكَ غير واحد من العلماء، منهم: ابن جرير وغيره.
واختلف العلماء في أقل النفاس وأكثره:
أما أقله:
فأكثرهم على أنه لا حد لهُ، وأنها لو ولدت ورأت قطرة من دم كانت نفاساً، وهو قول عطاء، والشعبي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبي ثور، ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو الصحيح عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
وعن أبي حنيفة رواية: أقله خمسة وعشرون يوماً. وعن أبي يوسف، أقله أحد عشر يوماً. وعن الثوري رواية: أقله ثلاثة أيام، كالحيض عنده، وحكي عن أحمد رواية كذلك: أن أقله ثلاثة أيام، وحكي عنه رواية: أن أقله يوم. وعن المزني: أقله اربعة أيام. وعن الحسن: أقله عشرون يوماً.
وأما أكثره:
فأكثر العلماء على أن أكثره أربعون يوماً، وحكاه بعضهم إجماعاً من الصحابة.
قالَ إسحاق: هوَ السنة المجمع عليها. قالَ: ولا يصح في مذهب من جعله إلى شهرين سنة، إلا عن بعض التابعين.
قالَ الطحاوي: لم يقل بالستين أحد من الصحابة، إنما قاله بعض من
стр. 690
بعدهم.
وكذا ذكر ابن عبد البر وغير واحد.
وممن روي عنه توقيته بالأربعين من الصحابة: عمر، وعلي، وابن عباس، وأنس، وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأم سلمة.
وممن ذهب إلى هذا: الثوري، وابن المبارك، والليث، والأوزاعي في رواية، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، والمزني، وحكاه الإمام أحمد عن أهل الحديث، وحكاه الترمذي عن الشافعي، وهو غريب عنه.
وحكى الترمذي عن الحسن: أن أكثره خمسون يوماً. وعن عطاء والشعبي: أكثره ستون يوماً.
وقد اختلف فيهِ عن عطاء والحسن، وروي عنهما: أكثره أربعون يوماً.
стр. 691
وممن قالَ بالستين: الشعبي، والعنبري، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وحكي رواية عن أحمد.
وحكى الليث عن بعض العلماء: أن أكثره سبعون يوماً.
وقيل: لا حد لأكثره، وإنما يرجع إلى عادات النساء، وحكي عن الأوزاعي، وهو رواية عن مالك، ونقل ابن القاسم أن مالكاً رجع إلى ذَلِكَ.
وحكي عن ربيعة: أكثره ثلاثة أشهر.
وقيل: أكثره من الغلام ثلاثون يوماً، ومن الجارية أربعون يوماً -: قاله مكحول، وسعيد بن عبد العزيز، وحكاه الأوزاعي عن أهل دمشق.
وقيل: أكثره من الغلام خمسة وثلاثون يوماً، ومن الجارية أربعون -: رواه الخشني عن الأوزاعي.
وحكي عن الضحاك: أكثره أربع عشرة ليلة.
стр. 692
وفي الباب أحاديث مرفوعة فيها ضعف.
ومن أجودها: ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث مسة الأزدية، عن أم سلمة، قالت: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوماً.
وخرجه أبو داود بلفظ آخر، وهو: ((كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة، لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس)) .
وصححه الحاكم، وفي متنه نكارة؛ فإن نساء النَّبيّ ﷺ لم يلد منهن
стр. 693
أحد بعد فرض الصَّلاة؛ فإن خديجة ﵍ ماتت قبل أن تفرض الصلاة.
ومتى انقطع الدم قبل بلوغ أكثره فهي طاهرة، تصوم وتصلي.
وهل يكره وطؤها، أم لا؟ فيهِ قولان:
أحدهما: أنه يكره، وهو مروي عن طائفة من الصحابة، وأن النفساء لا توطأ إلا بعد الأربعين، وإن انقطع دمها قبل ذَلِكَ، منهم: علي، وابن عباس، وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأم سلمة، وهو ظاهر مذهب أحمد، وروي - أيضاً - عن مالك، وسعيد بن عبد العزيز.
وحكي عن أحمد تحريمه.
وقال آخرون: لا يكره ذَلِكَ، وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وحكي رواية عن أحمد.
وعن أبي حنيفة: لا يكره، إلا أن ينقطع دمها لدون عادتها، فلا توطأ حتى تذهب أيام عادتها.
وقال إسحاق: يكره احتياطا، إلا أن ينقطع لعادة كانت لها فلا يكره؛ لأن احتمال عوده حينئذ بعيد جداً، فهي كحائض انقطع دمها لعادتها لدون أكثر الحيض.
стр. 694
٣٠ - باب
خرج فيهِ:
стр. 695
٣٣٣ - من حديث: سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شداد، قالَ: سمعت خالتي ميمونة زوج النبي ﷺ ، أنها كانت تكون حائضاً لا تصلي، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله ﷺ ، وهو يصلي على خمرتة، إذا سجد أصابني بعض ثوبه.
في هذا الحديث دلالة على طهارة ثياب الحائض التي تلبسها في حال حيضها، وأن المصلي إذا أصابه شيء من ثيابها في
стр. 696
تلك الحال لم تفسد صلاته. وقد سبق هذا المعنى مستوفى في ((باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ؟)) .
والظاهر: أن مراد ميمونة في هذا الحديث مسجد بيت النَّبيّ ﷺ الذي كانَ يصلي فيهِ من بيته؛ لأن ميمونة لا تفترش إلا بحذاء هذا المسجد، ولم ترد - والله أعلم - مسجد المدينة.
وتأتي باقي فوائد الحديث في ((كتاب الصلاة)) - إن شاء الله .
وقد خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث منبوذ، عن أمه، عن ميمونة، قالت: كانَ رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا يتلو القرآن، وهي حائض، وتقوم إحدانا بخمرته، إلى المسجد فتبسطها وهي حائض.
والظاهر: حمله - أيضاً - على مسجد البيت.
ويشهد لهُ: أن الإمام أحمد خرجه بلفظ آخر، عن ميمونة، قالت: كانت إحدانا تقوم وهي حائض فتبسط لهُ خمرةً في مصلاه، فيصلي عليها في بيتي.
وكذلك: ما خرجه مسلم من حديث عائشة، قالت: قالَ لي رسول الله ﷺ :
стр. 697
((ناوليني الخمرة من المسجد)) . قلت: إني حائض؟ قالَ: ((إن حيضتك ليست في يدك)) .
ومساجد البيوت لا يثبت لها أحكام المساجد عندَ جمهور العلماء، فلا يمنع الجنب والحائض منها، خلافاً لإسحاق في ذَلِكَ.
ومن حمل حديث ميمونة وعائشة على مسجد المدينة، استدل بحديثهما: على أن الحائض لها أن تمر في المسجد لحاجة إذا أمنت تلويثه. وحكي ذَلِكَ عن طائفة من السلف، منهم: ابن المسيب، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، وقتادة، وهو قول الشافعي وأحمد.
واختلف أصحابنا: هل يباح لها الدخول لأخذ شيء ووضعه، أم لا يباح إلا للأخذ خاصة؟ على وجهين.
ونص أحمد: على أنه لا يباح إلا للأخذ خاصة في رواية حنبل.
وقال إسحاق: هما سواء.
وحديث ميمونة فيهِ الدخول لبسط الخمرة، وهو دخول لوضع.
وكل من منع الجنب من المرور في المسجد لغير ضرورة منع منه الحائض،
وأولى، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، وإسحاق.
ومنهم: من أباحه للجنب دون الحائض، كالأوزاعي، ومالك في رواية؛ لأن حدث الحيض أفحش من الجنابة وأغلظ، وحكى ابن عقيل وجهاً لأصحابنا بمثل ذَلِكَ. والله أعلم.
* * *
стр. 698
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب التيمم
١ - باب
قول الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة:٦]
خرج فيه حديثين:
الحديث الأول:
قال:
стр. 699
٣٣٤ - ثنا عبدا لله بن يوسف: أبنا مالك، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض إسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - أنقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: إلا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا عَلَى ماء، وليس معهم ماء. فجاء أبو بَكْر ورسول الله ﷺ واضع رأسه عَلَى فخذي قَدْ نام، فَقَالَ:
стр. 700
حبست رَسُول الله ﷺ والناس، وليسوا عَلَى ماء، وليس مَعَهُ ماء قَالَتْ عَائِشَة: فعاتبني أبو بَكْر، وَقَالَ مَا شاء الله أن يَقُول، وجعل يطعنني بيده فِي خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان
رَسُول الله ﷺ عَلَى فخذي، فنام حَتَّى أصبح عَلَى غير ماء، فانزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ماهي بأول بركتكم ياال أبي بكر، قالت فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته.
قيل: إن الرواية هنا: ((فقام حتّى أصبح)) . ورواه في التفسير بلفظ: ((فنام حتّى أصبح)) وهو لفظ مسلم، وكذا في ((الموطأ)) .
هذا السياق سياق عبد الرحمان بن القاسم لهذا الحديث عن أبيه، عن عائشة. وقد رواه هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة فخالف في بعض ألفاظه ومعانيه مما لا
يضر.
стр. 701
وقد خرجه البخاري في موضع أخر وفي بعض ألفاظه اختلاف على عروة –
أيضا.
ومما خالف فيه: أنه ذكر أن عائشة استعارت قلادة من أسماء فسقطت، وان النبي ﷺ أرسل رجلين في طلبها وليس معهما ماء فنزلت أية التيمم.
وفي رواية: أنهما صليا بغير وضوء.
وهذا يمكن الجميع بينه وبين حديث القاسم، عن عائشة بان القلادة لما سقطت ظنوا أنها سقطت في المنزل الماضي، فأرسلوا في طلبها وأقاموا في منزلهم وباتوا فيه، وفقد الجميع الماء حتى تعذر عليهم الوضوء.
وفي حديث هشام: أن ذلك كان ليلة الابواء. وفي رواية عنه: أن ذلك المكان كان يقال له: الصلصل.
وروى ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أقبلنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بتربان - بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال، وهو بلد لا ماء به - وذلك من السحر، انسلت قلادة لي من عنقي فوقعت - وذكر بقية الحديث. خرجه الأمام أحمد.
وقد روي هذا الحديث من حديث عمار بن ياسر –أيضا - أن النبي ﷺ عرس بأولات الجيش ومعه عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر، وقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله على
стр. 702
رسوله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فتيمم المسلمون مع رسول الله ﷺ وذكر الحديث.
خرجه الإمام أحمد أبو داود - وهذه لفظه - والنسائي وابن ماجه، وفي إسناده اختلاف.
والآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانت أية المائدة؛ فإن البخاري خرج هَذَا الحَدِيْث فِي التفسير من ((كتابه)) هَذَا من حَدِيْث ابن وهب، عَن عَمْرِو، عَن عَبْد الرحمان بْن الْقَاسِم، وَقَالَ فِي حديثه: فَنَزَلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ هذه الآية [المائدة:٦] .
وهذا السفر الذي سقط فيه قلادة عائشة أو عقدها كان لغزوة المريسيع إلى بني المصطلق من خزاعة سنة ست، وقيل: سنة خمس، وهو الذي ذكره أبن سعد عن جماعة من العلماء، قالوا: وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك.
وقد ذكر الشافعي: أن قصة التيمم كانت في غزوة بني المصطلق، وقال: أخبرني بذلك عدد من قريش من أهل العلم بالمغازي وغيرهم.
فإن قيل: فقد ذكر غير واحد، منهم: ابن عبد البر: أنه يحتمل أن يكون الذي نزل بسبب قصة عائشة الآية التي في سورة النساء؛ فإنها نزلت قبل سورة المائدة بيقين، وسورة المائدة من أواخر ما نزل من القران، حتى قيل:
стр. 703
إنها نزلت كلها أو غالبها في حجة الوداع، وأية النساء نزولها متقدم.
وفي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص أنها نزلت فيه لما ضربه رجل قد سكر بلحي بعير، ففزر أنفه.
وفي ((سنن أبي داود)) والنسائي وأبن ماجه، عن علي، أن رجلا صلى وقد شرب الخمر، فخلط في قراءته، فنزلت أية النساء.
فقد تبين بهذا: أن الآية التي في سورة النساء نزلت قبل تحريم الخمر، والخمر حرمت بعد غزوة أحد، ويقال: إنها حرمت في محاصرة بني النضير بعد أحد بيسير وآية النساء فيها ذكر التيمم، فلو كانت قد نزلت قبل قصة عائشة لما توقفوا حينئذ في التيمم، ولا انتظروا نزول آية أخرى فيه.
قيل: هذا لا يصح؛ لوجوه:
أحدها: سبب نزول آية النساء قد صح أنه كان ما ينشأ من شرب الخمر من المفاسد في الصلاة وغيرها، وهذا غير السبب الذي أتففت الروايات عليه في قصة عائشة، فدلّ على أن قصة عائشة نزل بسببها آية غير آية النساء، وليس سوى آية المائدة.
والثاني: أن آية النساء لم تحرم الخمر مطلقاً بل عند حضور الصلاة، وهذا كان قبل أحد، وقصة عائشة كانت بعد غزوة أحد بغير
стр. 704
بخلاف، وليس في قصتها ما يناسب النهي عن قربان الصلاة مع السكر حتى تصدر به الآية.
وأما تصدير الآية بذكر الوضوء فلم يكن لأصل مشروعيته؛ فإن الوضوء كان شرع قبل ذَلكَ بكثير، كما سبق تقريره في أول (كتاب الضوء) ، وإنما كان تمهيداً للانتقال عنه إلى التيمم عند العجز عنه، ولهذا قالت عائشة: فنزلت آية التيمم، ولم تقل: آية الوضوء.
والثالث: أنه قد ورد التصريح بذلك في ((صحيح البخاري)) كما ذكرناه.
وأما توقفهم في التيمم حتى نزلت أية المائدة مع سبق نزول التيمم في سورة النساء، فالظاهر - والله أعلم – أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة، لان فقدهم للماء أنما كان بسبب إقامتهم لطلب عقد أو قلادة، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه مع أمكان سيرهم جميعا إلى مكان فيه ماء، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرا في طلب الماء، فلا يباح معه التيمم، فنزلت أية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال، وأن هذه الصورة داخلة في عموم أية النساء.
ولا يستبعد هذا، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة دون الإسفار المباحة، ومنهم من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله
стр. 705
في عموم قوله، ويدل ذلك على جواز التيمم في سفر التجارة وما أشبهه من الإسفار المباحة، وهذا مما يستأنس به من يقول: أن الرخص لا تستباح في سفر المعصية.
وأما دعوى نزول سورة المائدة كلها في حجة الوداع فلا تصح؛ فإن فيها آيات نزلت قبل ذلك بكثير، وقد صح أن المقداد قال للنبي ﷺ يوم بدر: لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، فدل هذا على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر. والله أعلم.
وقد ذكر الله تعالى التيمم في الآيتين بلفظ واحد، فقال فيهما: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة:٦] .
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ذكر شيئين
следующие страницы →