← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٣٢٣ - حديث: أم سلمة - بالإسناد المتقدم -؛ قالت: بينا أنا معَ النبي ﷺ مضطجعة في خميلة حضت، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، فقالَ: ((أنفست؟)) فقلت: نعم. فدعاني، فاضطجعت معه في الخميلة. قَد سبق حديث عائشة، قالت: ((ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيهِ)) . وقد خرجه البخاري في ((باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ؟)) . وسبق هناك أحاديث متعددة بهذا المعنى. وظاهر حديث أم سلمة هَذا: يدل على أنَّهُ كانَ لها ثياب لحيضها غير ثياب طهرها، فيكون هَذا كله جائزاً غير ممنوع منهُ ولا مكروه، فلا يكره أن تحيض المرأة وتطهر في ثوب واحد وتصلي فيهِ، ولا أن تتخذ لحيضها ثياباً غير ثياب طهرها، ولا يعد ذَلِكَ سرفاً ولا وسواساً. ويحتمل أن يجمع بين الحديثين بأن يكون المراد بثياب الحيضة في حديث أم سلمة: الإزار التي كانَ النبي ﷺ يأمر الحائض في فور حيضها

стр. 632

أن تأتزر بهِ، ثُمَّ يباشرها وهي حائض، كَما روت ذَلِكَ عائشة وميمونة، وقد سبق حديثهما في ((باب: مباشرة الحائض)) ، فيجمع بذلك بين حديث عائشة: ((ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيهِ)) ، وبين حديثها الآخر في أمرها بالاتزار في فور الحيض.

стр. 633

٢٣ - باب شهودِ الحائضِ العيدينِ ودعوةَ المسلمينَ ويعتزلنَ المصلى

стр. 634

٣٢٤ - حدثنا محمد بنِ سلام: ثنا عبد الوهاب، عَن أيوب، عَن حفصة، قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فقدمت امرأة فنزلت قصر بني خلف، فحدثت عَن أختها - وكان زوج أختها غزا معَ النبي ﷺ ثنتي عشرة، وكانت أختي معه في ست -، قالت: كنا نداوي الكلمى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبي ﷺ : أعلى إحدانا بأس إذا لَم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ قالَ: ((لتلبسها صاحبتها مِن جلبابها ولتشهد الخير ودعوة المسلمين)) . فلما قدمت أم عطية سألتها: أسمعت رسول الله ﷺ ؟ قالت: بأبا، نعم - وكانت لا تذكره إلا قالت: بأبي - سمعته يقول: ((يخرج العواتق وذوات الخدور - أو العواتق ذوات الخدور - والحيض، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحيض المصلى)) . قالت حفصة:

стр. 635

فقلت: الحيض؟ فقالت: أليس تشهد عرفة وكذا وكذا؟ ((حفصة)) ، هي: بنت سيرين أخت محمد وإخوته. و ((العواتق)) : جمع عاتق، وهي البكر البالغ التي لَم تزوج. و ((الجلباب)) : هي الملاءة المغطية للبدن كله، تلبس فوق الثياب، وتسميها العامة: الإزار، ومنه قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ . وفي الحديث: أمر للنساء بشهود العيدين، معللاً بما فيهِ مِن شهود الخير ودعوة المسلمين، ويأتي استيفاء الكلام على ذَلِكَ في موضعه مِن ((الصلاة)) - إن شاء الله تعالى. وإنما المقصود هنا: شهود الحيض، وقد استنكرت ذَلِكَ حفصة بنت سيرين، فأجابتها أم عطية بأن الحائض تشهد عرفة وكذا وكذا، كأنها تعني: مجامع الحج مِن الوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار وغير ذَلِكَ، فإنها تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت، كَما سبق، فكذلك تشهد مجمع العيدين وهي حائض؛ لأنها مِن أهل الدعاء والذكر، فلها أن تفعل ذَلِكَ بنفسها، وتشهد مجامع المسلمين المشتملة عليهِ. وأما أمر الحائض باعتزال المصلى، فَقد قيل: بأن مصلى العيدين مسجد، فلا يجوز للحائض المكث فيهِ، وَهوَ ظاهر كلام بعض أصحابنا، مِنهُم: ابن أبي موسى في ((شرح الخرقي)) ، وَهوَ - أيضاً - أحد الوجهين

стр. 636

للشافعية، والصحيح عندهم: أنَّهُ ليسَ بمسجد، فللجنب والحائض المكث فيهِ. وأجابوا عَن حديث الأمر باعتزال الحيض للمصلى: بأن المراد أن يتسع على غيرهن، ويتميزن. وفي هَذا نظر؛ فإن تميز الحائض عَن غيرها مِن النساء في مجلس وغيره ليسَ بمشروع، وإنما المشروع تميز النساء عَن الرجال جملة؛ فإن اختلاطهن بالرجال يخشى منهُ وقوع المفاسد. وقد قيل: إن المصلى يكون لَهُ حكم المساجد في يوم العيدين خاصةً، في حال اجتماع الناس فيهِ دونَ غيره مِن الأوقات. وفي ذَلِكَ - أيضاً - نظر، والله أعلم. والأظهر: أن أمر الحيض باعتزال المصلى إنما هوَ حال الصلاة؛ ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن، ثُمَّ يختلطن بهن في سماع الخطبة. وقد صرح أصحابنا: بأن مصلى العيد ليسَ حكمه حكم المسجد، ولا في يوم العيد، حتى قالوا: لو وصل إلى المصلى يوم العيد والإمام يخطب فيهِ بعد الصلاة؛ فإنه يجلس مِن غير صلاة؛ لأنه لا تحية لَهُ. واختلفوا: لو كانَ يخطب في المسجد: هل يصلي التحية؟ على وجهين. وقول أم عطية: ((بأبا)) هوَ بفتح الباء الثانية، وقد زعم بعضهم أن حديث أم عطية لَم يرد إلا كذلك. وهما لغتان: ((بأبي)) بكسر الباء، و ((بأبا)) بفتح الباء. والمراد: تفدية النبي ﷺ بأبيها.

стр. 637

٢٤ - باب إذا حاضتْ في شهرٍ ثلاثَ حيضٍ، وما يصدقُ النساءُ في الحيضِ والحملِ فيها يمكنُ منَ الحيضِ لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . ويذكر عَن علي وشريح: إن جاءت ببينة مِن بطانة أهلها - ممن يرضى دينه - أنها حاضت ثلاثاً في شهر؛ صدقت. وقال عطاء: أقراؤها كانت. وبه قالَ إبراهيم. وقال عطاء: الحيض يوم إلى خمسة عشر. وقال المعتمر، عَن أبيه: سألت ابن سيرين عَن المرأة ترى الدم بعد قرئها بخمسة أيام؟ قالَ: النساء أعلم بذلك. أمَّا قول الله : ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، فإنه يدل على أن المرأة مؤتمنة على الإخبار بما في رحمها، ومصدقة فيهِ إذا ادعت مِن ذَلِكَ ممكناً. روى الأعمش، عَن مسلم، عَن مسروق، عَن أبي بنِ كعب، قالَ: إن مِن الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها.

стр. 638

وقد اختلف المفسرون مِن السلف فَمِن بعدهم في المراد بقولِهِ تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ ، ففسره قوم بالحمل، وفسره قوم بالحيض. وقال آخرون: كل منهما مراد، واللفظ صالح لهما جميعاً. وهذا هوَ المروي عَن أكثر السلف، مِنهُم: ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك. وأما ما ذكره عَن علي وشريح: فقالَ حرب الكرماني: ثنا إسحاق - هوَ: ابن راهويه -: ثنا عيسى بنِ يونس، عَن إسماعيل بنِ أبي خالد، عَن الشعبي، أن امرأة جاءت إلى علي بنِ أبي طالب، فقالت: إني طلقت، فحضت في شهر ثلاث حيض؟ فقالَ علي لشريح: قل فيها، فقالَ: أقول فيها وأنت شاهد! قالَ: قل فيها، قالَ: إن جاءت ببطانة مِن أهلها ممن يرضى دينهن وأمانتهن فقلن: إنها حاضت ثلاث حيض طهرت عند كل حيضة؛ صدقت. فقالَ علي: قالون. قالَ عيسى: بالرومية: أصبت. قالَ حرب: وثنا إسحاق: أبنا محمد بن بكر: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عَن قتادة، عَن عزرة، عَن الحسن العرني، أن امرأة طلقها زوجها، فحاضت في خمس وثلاثين ليلة ثلاث حيض، فرفعت إلى شريح فلم يدر ما يقول فيها، ولم يقل شيئاً، فرفعت إلى علي بن أبي طالب، فقالَ: سلوا عنها جاراتها، فإن كانَ هكذا حيضها فَقد انقضت عدتها، وإلا فأشهر ثلاث.

стр. 639

وهذا الإسناد فيهِ انقطاع؛ فإن الحسن العرني لَم يدرك علياً -: قاله أبو حاتم الرازي. وأما الإسناد الذِي قبله، فإن الشعبي رأى علياً يرجم شراحة ووصفه. قالَ يعقوب بنِ شيبة: لكنه لَم يصحح سماعه منهُ. وأما ما ذكره البخاري عَن عطاء والنخعي: فروى ابن المبارك، عَن ابن لهيعة، عَن خالد بنِ يزيد، عَن عطاء، في امرأة طلقت، فتتابعت لها ثلاث حيض في شهر: هل [حلت] ؟ قالَ: أقراؤها ما كانت. وروي نحوه عَن النخعي، كَما حكاه البخاري، وحكاه عَنهُ إسحاق بن راهويه. فهؤلاء كلهم يقولون: إن المرأة قَد تنقضي عدتها بثلاثة أقراء في شهر واحد، وَهوَ قول كثير مِن العلماء، مِنهُم: مالك، وأحمد، وإسحاق وغيرهم. وهذا ينبني على أصلين: أحدهما: الاختلاف في الأقراء: هل هي الأطهار، أو الحيض؟ وفيه قولان مشهوران. ومذهب مالك والشافعي: أنها الأطهار، ومذهب أحمد - الصحيح عَنهُ -، وإسحاق: أنها الحيض، وستأتي المسألة مستوفاةً في موضع آخر مِن الكِتابِ - إن شاء الله تعالى.

стр. 640

والثاني: الاختلاف في مدة أقل الحيض وأقل الطهر بين الحيضتين. فأما أقل الحيض: فمذهب الشَافِعي وأحمد - المشهور عَنهُ - وإسحاق: أنَّهُ يوم وليلة. وأما أقل الطهر بين الحيضتين: فمذهب الشافعي وأحمد - في رواية عَنهُ -: أنَّهُ خمسة عشر يوماً، وَهوَ قول كثير مِن أصحاب مالك. والمشهور عَن أحمد: أن أقله ثلاثة عشر يوماً. وعند إسحاق: أقله عشرة أيام -: نقله عَنهُ حرب. وَهوَ رواية ابن القاسم، عَن مالك. واختلفت الرواية عَن مالك في ذَلِكَ. فعلى قول مِن قالَ: الأقراء الحيض، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، فيمكن انقضاء العدة بثلاثة قروء في تسعة وعشرين يوماً. وعلى قول مِن قالَ: الأقراء الحيض، وأقل الطهر خمسة عشر فلا تنقضي العدة في أقل مِن ثلاثة وثلاثين يوماً. وأما على قول مِن يقول: الأقراء الأطهار: فإن قيل: بأن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر؛ فأقل ما تنقضي فيهِ العدة بالأقراء ثمانية وعشرون يوماً. وإن قيل: أقل الطهر خمسة عشر؛ فاثنان وثلاثون يوماً. فأما مالك وأصحابه، فقالَ ابن القاسم: سألت مالكاً، إذا قالت: قَد حضت ثلاث حيض في شهر؟ قالَ: تسأل النساء عَن ذَلِكَ، فإن كن يحضن كذلك ويطهرن لَهُ؛ كانت مصدقة. وهذا هوَ مذهب مالك المذكور في ((المدونة)) ، واختاره الأبهري مِن أصحابه، وبناه على أن الحيض لا حد لأقله، بل أقله دفقة وأقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر.

стр. 641

ومن المالكية مِن قالَ: يقبل في أربعين يوماً، فاعتبر أقل الطهر وخمسة أيام مِن كل حيضة. ومنهم مِن قالَ: تنقضي في ستة وثلاثين يوماً، فاعتبر أقل الطهر وثلاثة أيام للحيضة. فلم يعتبر هَذا ولا الذِي قبله الحيض ولا أكثره. وقد ينبني الذِي نقله ابن القاسم، عَن مالك، على قولُهُ: إنه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين، بل هوَ على ما تعرف المرأة مِن عادتها. وَهوَ رواية منصوصة عَن أحمد، اختارها أبو حفص البرمكي مِن أصحابنا، وأورد على نفسه: أنَّهُ يلزم على هَذا أنها إذا ادعت انقضاء العدة في أربعة أيام قبل منها: فأجاب: أنَّهُ لا بد مِن الأقراء الكاملة، وأقل ما يُمكن في شهر. كذا قالَ. ونقل الأثرم عَن أحمد، أنَّهُ لا توقيت في الطهر بين الحيضتين، إلا في موضع واحد: إذا ادعت انقضاء عدتها في شهر؛ فإنها تكلف البينة. ونقل ابن عبد البر: أن الشَافِعي قالَ: أقل الطهر خمسة عشر، إلا أن يعلم طهر امرأة أقل مِن خمسة عشر، فيكون القول قولها. ومذهب أبي حنيفة: لا تصدق في دعوى انقضاء العدة في أقل مِن ستين يوماً، واختلف عَنهُ في تعليل ذَلِكَ: فنقل عَنهُ أبو يوسف: أنها تبدأ بطهر كامل خمسة عشر يوماً، وتجعل كل حيضة خمسة أيام، والأقراء عندهم: الحيض. ونقل عَنهُ الحسن بنِ زياد: أنَّهُ اعتبر أكثر الحيض - وَهوَ عشرة أيام عندهم - وأقل الطهر - وَهوَ خمسة عشر - وبدأ بالحيض.

стр. 642

وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد: لا تصدق إلا في كمال تسعة وثلاثين يوماً، بناء على أقل الحيض، وَهوَ عندهم ثلاثة، وأقل الطهر، وَهوَ خمسة عشر. وقال سفيان الثوري: لا تصدق في أقل مِن أربعين يوماً، وَهوَ أقل ما تحيض فيهِ النساء وتطهر. وهذا كقول أبي يوسف ومحمد. وعن الحسن بنِ صالح: لا تصدق في أقل مِن خمسة وأربعين يوماً -: نقله عَنهُ الطحاوي. وقال حرب الكرماني: ثنا إسحاق: ثنا أبي، قالَ: سألت ابن المبارك فقالَ: أرأيت قول سفيان: تصدق المرأة في انقضاء عدتها في شهر، كيف هَذا؟ وما معناه؟ فقالَ: جعل ثلاثاً حيضاً، وعشراً طهراً، وثلاثاً حيضاً، كذا قالَ. وقد ذكر بعض أصحاب سفيان في مصنف لَهُ على مذهبه رواية ابن المبارك هَذهِ عَن سفيان: أنها لا تصدق في أقل مِن تسعة وثلاثين يوماً، وعزاها إلى الطحاوي، ووجهها بأن أقل الحيض ثلاثة أيام وأقل الطهر خمسة عشر. قالَ: ورواية المعافى والفريابي عَن سفيان، أنها لا تصدق في أقل مِن أربعين يوماً. قالَ: وهما بمعنى واحد. وأما إسحاق بنِ راهويه، فإنه حمل المروي عَن علي في ذَلِكَ على أنَّهُ جعل الطهر عشرة أيام، والحيض ثلاثة، لكن إسحاق لا يرى أن أقل الحيض ثلاث.

стр. 643

ولم يذكر أكثر هؤلاء أن قبول دعواها يحتاج إلى بينة، وَهوَ قول الخرقي مِن أصحابنا. والمنصوص عَن أحمد: أن دعوى انقضاء العدة في شهر لا تقبل بدون بينة، تشهد بهِ مِن النساء، ودعوى انقضائها في زيادة على شهر تقبل بدون بينة؛ لأن المرأة مؤتمنة على حيضها كَما قالَ أبي بن كعب وغيره، وإنما اعتبرنا البينة في دعواها في الشهر خاصة للمروي عَن علي بن أبي طالب، كَما تقدم. ومن أصحابنا مِن قالَ: إن ادعته في ثلاثة وثلاثين يوماً قبل بغير بينة؛ لأن أقل الطهر المتفق عليهِ خمسة عشر يوماً، وإنما يحتاج إلى بينة إذا ادعته في تسعة وعشرين؛ لأنه يُمكن؛ فإن أقل الطهر ثلاثة عشر في رواية. ومنهم مِن قالَ: إنما يقبل ذَلِكَ بغير بينة في حق مِن ليسَ لها عادة مستقرة، فأما مِن لها عادة منتظمة فلا تصدق إلا ببينة على الأصح، كذا قاله صاحب ((الترغيب)) . وقال ابن عقيل في ((فنونه)) : ولا تقبل معَ فساد النساء وكثرة كذبهن دعوى انقضاء العدة في أربعين ولا خمسين [يوماً] ، إلا ببينة تشهد أن هَذهِ عادتها، أو أنها رأت الحيض على هَذا المقدار، وتكرر ثلاثاً. وقال إسحاق وأبو عبيد: لا تصدق في أقل مِن ثلاثة أشهر، إلا أن تكون لها عادة معلومة قَد عرفها بطانة أهلها المرتضى دينهن وأمانتهن

стр. 644

فيعمل بها حينئذ، ومتى لَم يكن كذلك فَقد وقعت الريبة، فيحتاط وتعدل الأقراء بالشهور، كَما في حق الآيسة والصغيرة. وأما ما حكاه البخاري عَن عطاء، أن الحيض يوم إلى خمسة عشر، فهذا معروف عَن عطاء. وقد اختلف العلماء في أقل الحيض وأكثره: فأما أقله: فمنهم مِن قالَ: يوم، كَما روي عَن عطاء. ومنهم مِن قالَ: يوم وليلة، وروي - أيضاً - عَن عطاء. وروي - أيضاً - مثل هذين القولين عَن الأوزاعي والشافعي وأحمد، فقالَ كثير مِن أصحابهم: إنهما قولان لَهُم، ومن أصحابنا وأصحاب الشَافِعي مِن قالَ: إنما مراد الشَافِعي [وأحمد] يوم معَ ليلته؛ فإن العرب تذكر اليوم كثيراً ويريدون: معَ ليلته. وممن قالَ: أقله يوم وليلة: إسحاق وأبو ثور. وقالت طائفة: لا حد لأقله، بل هوَ على ما تعرفه المرأة مِن نفسها، وَهوَ المشهور عَن مالك، وقول أبي داود وعلي بنِ المديني، وروي عَن الأوزاعي - أيضاً. ونقل ابن جرير الطبري عَن الربيع، عَن الشَافِعي، أن الحيض يكون يوماً [وأقل] وأكثر. قالَ الربيع: وآخر قولي الشَافِعي: أن أقله يوم وليلة. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: أقله ثلاثة أيام. وروي ذَلِكَ عَن ابن مسعود وأنس مِن قولهما، وروي - مرفوعاً - مِن طرق، والمرفوع كله باطل لا يصح، وكذلك الموقوف طرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد

стр. 645

مِن أئمة الحفاظ. وقالت طائفة: أقله خمسة أيام، وروي عَن مالك. ولم يصح عند أكثر الأئمة في هَذا الباب توقيت مرفوع ولا موقوف، وإنما رجعوا فيهِ إلى ما حكي مِن عادات النساء خاصة، وعلى مثل ذَلِكَ اعتمد الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وأما أكثر الحيض. فقالَ عطاء: هوَ خمسة عشر يوماً. وحكي مثله عَن شريك والحسن بنِ صالح، وَهوَ قول مالك والشافعي وأحمد - في المشهور عَنهُ - وإسحاق وداود وأبي ثور وغيرهم. ومن أصحابنا والشافعية مِن قالَ: خمسة عشر يوماً بلياليها، قالَ بعض الشافعية: وهذا القيد لا بد مِنه، لتدخل الليلة الأولى، والاعتماد في ذَلِكَ على ما حكي مِن حيض بعض النساء خاصة. وأما الرواية عَن النبي ﷺ ، أنَّهُ قالَ في نقصان دين النساء: ((تمكث شطر عمرها لا تصلي)) فإنه لا يصح، وقد طعن فيهِ ابن منده والبيهقي وغيرهما مِن الأئمة. وقالت طائفة: أكثره سبعة عشر، حكي عَن عبد الرحمن بنِ مهدي وعبد الله بن نافع صاحب مالك. وَهوَ رواية عَن أحمد واختارها أبو بكر عبد العزيز، ومن أصحابنا - كأبي حفص البرمكي - مِن قالَ: لا يصح عَن أحمد، إنما حكى ذَلِكَ أحمد عَن غيره ولم يوافقه. وحكي عَن بعضهم: أكثره ثلاثة عشر، وحكي عَن سعيد بنِ جبير.

стр. 646

وقال سفيان وأبو حنيفة وأصحابه: أكثره عشرة أيام، واعتمدوا في ذَلِكَ على أحاديث مرفوعه وآثار موقوفة عَن أنس وابن مسعود وغيرهما كَما سبق. والأحاديث المرفوعة باطلة، وكذلك الموقوفة على الصحابة -: قاله الإمام أحمد في رواية الميموني وغيره. وقد روي - أيضاً - عَن الحسن وخالد بنِ معدان، وأنكره الإمام أحمد عَن خالد. وروي عَن الحسن: أكثره خمسة عشر. وحكي عَن طائفة: [أن] أكثره سبعة أيام: [قالَ مكحول: وقت الحائض سبعة أيام] . وعن الضحاك، قالَ: تقعد سبعة أيام، ثُمَّ تغتسل وتصلي. وعن الأوزاعي في المبتدأة: تمكث [أعلى] أقراء النساء سبعة أيام، ثُمَّ تغتسل وتصلي كَما تفعل المستحاضة. وحكى الحسن بنِ ثواب، عَن أحمد، قالَ: عامة الحيض ستة أيام إلى سبعة. [قيل لَهُ: فإن امرأة مِن آل أنس كانت تحيض خمسة عشر؟ قالَ: قَد كانَ ذَلِكَ، وأدنى الحيض: يوم، وأقصاه - عندنا -: ستة أيام إلى سبعة] ، ثُمَّ ذكر حديث: ((تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً)) . وكلام أحمد ومن ذكرنا معه في هَذا إنما مرادهم بهِ - والله أعلم - أن السبعة غالب الحيض وأكثر عادات النساء؛ لا أنَّهُ أقصى حيض النساء كلهن.

стр. 647

وقالت طائفة: لا حد لأكثر الحيض، وإنما هوَ على حسب ما تعرفه كل امرأة مِن عادة نفسها، فلو كانت المرأة لا تحيض في السنة إلا مرة واحدة وتحيض شهرين متتابعين فَهوَ حيض صحيح، وري نَحوَ ذَلِكَ عَن ميمون بن مهران والأوزاعي، ونقله حرب عَن إسحاق وعلي بن المديني. ويشبه هَذا: ما قاله ابن سيرين: النساء أعلم بذلك، كَما حكاه البخاري عَنهُ - تعليقاً - مِن رواية معتمر بنِ سليمان، عَن أبيه، أنه سأل ابن سيرين عَن امرأة ترى الدم بعد قرئها بخمسة أيام؟ قالَ: النساء أعلم بذلك. ومراد ابن سرين - والله أعلم -: أن المرأة أعلم بحيضها واستحاضتها، فما اعتادته حيضاً وتبين لها أنَّهُ حيض جعلته حيضاً، وما لَم تعتده ولم يتبين لها أنَّهُ حيض فَهوَ استحاضة. وقد ذكر طائفة مِن أعيان أصحاب الشَافِعي: أن مِن لها عادة مستمرة على حيض وطهر أقل مِن يوم وليلة وأكثر مِن خمسة عشر أنها تعمل بعادتها في ذَلِكَ، مِنهُم: أبو إسحاق الإسفراييني والقاضي حسين والدارمي وأبو عمرو بنِ الصلاح، وذكر أنه نص الشَافِعي -: نقله عَنهُ صاحب ((التقريب)) . وما نقله ابن جرير عَن الربيع، عَن الشَافِعي، كَما تقدم، يشهد لَهُ - أيضاً. خرج البخاري في هَذا الباب حديثاً، فقالَ:

стр. 648

٣٢٥ - ثنا أحمد بنِ أبي رجاء: ثنا أبو أسامة، قالَ: سمعت هشام بنِ عروة، قالَ: أخبرني أبي، عَن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ ،

стр. 649

فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قالَ: ((لا، إن ذَلِكَ عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثُمَّ اغتسلي وصلي)) . هَذا الحديث استدل بهِ مِن ذهب إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام؛ لأن النبي ﷺ ردها إلى قدر الأيام التي كانت تحيضها، والأيام جمع، وأقل الجمع ثلاثة. وأجاب مِن خالفهم عَنهُ بجوابين: أحدهما: أن المراد بالأيام: الأوقات، لأن اليوم قَد يعبر بهِ عَن الوقت قل أو كثر، كَما قالَ تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] ، والمراد: وقت مجيء العذاب، وقد يكون ليلاً ويكون نهاراً، وقد يستمر وقد لا يستمر، ويقال: يوم الجمل، ويوم صفين، وكل منهما كانَ عدة أيام. والثاني: أن النبي ﷺ رد امرأة واحدةً إلى عادتها، والظاهر: أن عادتها كانت أياماً متعددة في الشهر، إمَّا ستة أيام أو سبعة، فليس فيهِ دليل على أن كل حيض امرأة يكون كذلك. واستدل الإمام أحمد بقولِهِ ﷺ : ((دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها)) على أن الحيض قَد يكون أكثر مِن عشرة أيام؛ لأنه لو كانَ الزائد على العشرة استحاضة لبين لها ذَلِكَ. ولكن قَد يُقال: في الزيادة على الخمس عشرة كذلك - أيضاً. والظاهر: أن النبي ﷺ كانَ يعلم أن حيض هَذهِ المرأة أقل مِن ذَلِكَ، فلذلك ردها إلى أيامها.

стр. 650

٢٥ - باب الصفرةِ والكدرةِ في غيرِ أيام الحيضِ

стр. 651

٣٢٦ - حدثنا قتيبة: ثنا إسماعيل، عَن أيوب، عَن محمد، عَن أم عطية: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئاً. كذا رواه ابن علية ومعمر، عَن أيوب. ورواه وهيب، [عَن أيوب] ، عَن حفصة بنت سيرين، عَن أم عطية. وزعم محمد بنِ يحيى الذهلي أن قول وهيب أصح. وفيه نظر. وقد خرج أبو داود مِن طريق حماد بنِ سلمة، عَن قتادة، عَن أم الهذيل - وهي: حفصة بنت سيرين -، عَن أم عطية - وكانت بايعت رسول الله ﷺ ، قالت: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً.

стр. 652

ثُمَّ قالَ: ثنا مسدد: ثنا إسماعيل: أبنا أيوب، عَن محمد بنِ سيرين، عَن أم عطية - مثله. وظاهر هَذا السياق: يدل على أن رواية أيوب، عَن محمد مثل رواية قتادة، عَن أم الهذيل، وأن فيها هَذهِ اللفظة: ((بعد الطهر)) . معَ أن شعبة كانَ يقول: ((مثله)) ليسَ بحديث، يشير إلى أنَّهُ قَد يقع التساهل في لفظه. وخالفه سفيان، فقالَ: هوَ حديث. وخرج الدارقطني مِن رواية هشام بنِ حسان، عَن حفصة، عَن أم عطية، قالت: كنا لا نرى الترية بعد الطهر شيئاً - وهي الصفرة والكدرة. وروى وكيع، عَن أبي بكر الهذلي، عَن معاذة، عَن عائشة، قالت: ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئاً. وأبو بكر الهذلي، ضعيف. وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه مِن رواية أبي سلمة، أن أم بكر أخبرته، عَن عائشة، أن النبي ﷺ قالَ في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر: ((إنما هوَ عرق - أو عروق)) . وأم بكر - ويقال: أم أبي بكر -، لَم يرو عنها غير هَذا الحديث، وليست بمشهورة. وقد بوب البخاري على حديث أم عطية: ((الصفرة والكدرة في غير

стр. 653

أيام الحيض)) ، ولم يخرج الحديث بزيادة: ((بعد الطهر)) كَما خرجه أبو داود. ولم يتفرد بهِ حماد بنِ سلمة، عَن قتادة، بل قَد رواه حرب في ((مسائله)) ، عَن الإمام أحمد، عَن غندر، عَن شعبة، عَن قتادة - بمثله. وقد روي حديث أم عطية بلفظ آخر، وَهوَ: ((كنا لا نعتد بالكدرة والصفرة بعد الغسل شيئاً)) . خرجه الدارمي في ((مسنده)) . وقد سبق ذكر الصفرة والكدرة في ((باب: إقبال المحيض وإدباره)) ، وأن الصفرة والكدرة لهما ثلاثة أحوال: حال: تكون في مدة عادة المعتادة، فتكون حيضاً عند جمهور العلماء، سواء سبقها دم أم لا. وحال: تكون بعد انقضاء العادة، فإن اتصلت بالعادة ولم يفصل بينهما طهر، وكانت في مدة أيام الحيض - أعني: الأيام التي يحكم بأنها حيض، وهي: الخمسة عشر، أو السبعة عشر، أو العشرة عند قوم -، فهل تكون حيضاً بمجرد اتصالها بالعادة، أم لا تكون حيضاً حتى تتكرر ثلاثاً أو مرتين، أم لا تكون حيضاً وإن تكررت؟ فيهِ ثلاثة أقوال للعلماء: الأول: ظاهر مذهب مالك والشافعي. والثاني: رواية عَن أحمد.

стр. 654

والثالث: قول أبي حنيفة والثوري، وأحمد في رواية. وإن انقطع الدم عند تمام العادة، ثُمَّ رأت بعده صفرة أو كدرة في مدة الحيض، فالصحيح عند أصحابنا: أنَّهُ لا يكون حيضاً، وإن تكرر. وقد قالَ أكثر السلف: إنها إذا رأت صفرة أو كدرة بعد الغسل أو بعد الطهر فإنها تصلي، وممن روي ذَلِكَ عَنهُ: عائشة، وسعيد بنِ المسيب، وعطاء، والحسن، وإبراهيم النخعي، ومحمد ابن الحنيفة وغيرهم. وحديث أم عطية يدل على ذَلِكَ. وحال: ترى الصفرة والكدرة بعد أكثر الحيض، فهذا لا إشكال في أنَّهُ ليسَ بحيض.

стр. 655

٢٦ - باب عرقِ الاستحاضةِ خرج فيهِ:

стр. 656

٣٢٧ - حديث: ابن أبي ذئب، عَن ابن شهاب، عَن عروة - وعن عمرة -، عَن عائشة زوج النبي ﷺ ، أن أم حبيبة استحيضت سبع سنينَ، فسألت رسول الله ﷺ عَن ذَلِكَ، فأمرها أن تغتسل، فقالَ: ((هَذا عرق)) ، فكانت تغتسل لكل صلاة. هَذا الحديث اختلف في إسناده على الزهري: فروي عَنهُ عن عروة، عن عائشة. وروي عنه، عن عمرة، عن عائشة. وروي عنه، عن عروة وعمرة، عَن عائشة كَما في هَذهِ الرواية، ورواية الزهري لَهُ عنهما صحيح -: قاله الدارقطني. واختلف - أيضاً - في اسم المستحاضة: فقالَ الأكثرون في روايتهم: أم حبيبة، ومنهم مِن قالَ: أم حبيبة بنت جحش.

стр. 657

وقد خرجه مسلم مِن طرق، عَن الزهري كذلك. وفي رواية لَهُ: عَن عمرو بنِ الحارث، عَن الزهري، عَن عروة وعمرة، عَن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ ، وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنينَ - وذكر الحديث. ولمسلم - أيضاً - مِن حديث عراك بنِ مالك، عَن عروة، عَن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بنِ عوف شكت إلى النبي ﷺ الدم، فقالَ لها: ((امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثُمَّ اغتسلي)) ، فكانت تغتسل عند كل صلاة. ورواه أبو داود الطيالسي عَن ابن أبي ذئب، عَن الزهري، وقال في حديثه: إن زينب بنت جحش استحيضت. ووهم في قولُهُ: ((زينب)) -: ذكر ذَلِكَ الدراقطني في ((علله)) . وذكر أبو داود في ((سننه)) أن أبا الوليد الطيالسي رواه، عَن سليمان بنِ كثير، عَن الزهري، عَن عروة، عَن عائشة: استحيضت زينب بنت جحش - فذكره. وكذلك خرجه مسلم مِن رواية ابن عيينة، عَن الزهري، عَن عمرة، عَن عائشة، أن زينب بنت جحش كانت تستحاض سبع سنينَ -

стр. 658

فذكره. وقد رواه مالك في ((الموطإ)) عَن هشام بنِ عروة، عَن أبيه، عَن زينب بنت أبي سلمة، أنها رأت زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بنِ عوف، وكانت تستحاض، وكانت تغتسل وتصلي. ولم يرفع هشام شيئاً مِن الحديث. وذكر ابن عبد البر: أن مالكاً وهم في قولُهُ: ((زينب)) ، وإنما هي: أم حبيبة. وقد رواه الليث بنِ سعد، عَن هشام، فقالَ فيهِ: إن أم حبيبة بنت جحش. وكذلك رواه يحيى بنِ سعيد، عَن عروة وعمرة، عَن زينب بنت أبي سلمة، أن أم حبيبة - وذكر الحديث. وروى ابن عيينة، عَن الزهري، عَن عمرة، عَن عائشة، أن حبيبة بنت جحش استحيضت - فذكره. وقال: كذا حفظت أنا في الحديث: والناس يقولون: أم حبيبة. خرجه حرب الكرماني في ((مسائله)) عَن الحميدي، عَنهُ. وقد روي عبد الله بنِ محمد بنِ عقيل، عَن إبراهيم بنِ محمد بنِ طلحة، عَن عمه عمران بنِ طلحة، عَن أمة حمنة بنت جحش، قالت: كنت استحاض حيضة [كبيرة] شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه، فوجدته في بيت أخي زينب - وذكرت حديثاً طويلاً. خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي. وقال:

стр. 659

حسن صحيح. وحكى عَن البخاري أنه حسنه، وعن الإمام أحمد أنه قالَ: هوَ حسن صحيح. وقد اختلف قول الإمام أحمد فيهِ، فقيل عَنهُ أكثر أصحابه أنَّهُ ضعفه، وقيل: إنه رجع إلى تقويته والأخذ بهِ -: قاله أبو بكر الخلال. وقد رواه جماعة عَن ابن عقيل كَما ذكرناه، وخالفهم ابن جريجٍ، فرواه عَنهُ، وقال فيهِ: عَن حبيبة بنت جحش. ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله وقال: خالف الناس - يشير إلى أنها حمنة، ليست حبيبة. وقد خرجه ابن ماجه مِن طريق ابن جريج، عَن ابن عقيل، إلا أن في روايته: ((عَن أم حبيبة بنت جحش)) . وحاصل الأمر: أن بنات جحش ثلاث: زينب بنت جحش أم المؤمنين، كانت زوج زيد بنِ حارثة، فطلقها فتزوجها النبي ﷺ ، وهي التي ذكرها الله سبحانه في سورة الأحزاب. وحمنة بنت جحش، هي التي خاضت في الإفك، وكانت تحت طلحة بنِ عبيد الله. وأم حبيبة، وكانت تحت عبد الرحمن بنِ عوف، ويقال فيها - أيضاً -: أم حبيب -: قاله الإمام أحمد

стр. 660

في رواية ابنه صالح، وأكثر الناس يسميها: أم حبيبة. وقال طائفة مِن المحققين: إنما هي أم حبيب، واسمها حبيبة، ففي ((تاريخ)) المفضل الغلابي - والظاهر أنه عَن يحيى بنِ معين؛ لأنه في سياق كلام حكاه عَنهُ -، قالَ: المستحاضة حبيبة بنت جحش، وكانت تحت عبد الرحمن ابن عوف، وهي أخت حمنة. [وكذا ذكر الزبير بنِ بكار في كِتابِ [.. ..] ((الأنساب)) ، إلا أنه لَم يكنها، وكذا قالَ أبو بكر بنِ أبي داود] . وحكى الدارقطني في ((علله)) عَن إبراهيم الحربي، أنه قالَ: الصحيح أن المستحاضة أم حبيب، واسمها حبيبة بنت جحش، وهي أخت حمنة، ومن قالَ فيهِ: أم حبيبة أو زينب فَقد وهم. قالَ الدارقطني: وقول إبراهيم صحيح، وكان مِن أعلم الناس بهذا الشأن. وقال ابن سعد في ((طبقاته)) : هي أم حبيب بنت جحش، واسمها: حبيبة. قالَ: وبعض أهل الحديث يقلب اسمها، فيقول: أم حبيبة. وحكى

стр. 661

عَن الواقدي، أنه قالَ: بعضهم يغلط، فيروي أن المستحاضة حمنة بنت جحش، ويظن أن كنيتها أم حبيبة، والأمر على ما ذكرنا، هي أم حبيب حبيبة بنت جحش، وكانت تحت عبد الرحمن بنِ عوف، ولم تلد لَهُ شيئاً. وحكى البيهقي في ((كِتابِ المعرفة)) ، عَن ابن المديني، أنه قالَ: أم حبيبة هي حمنة. وعن يحيى بنِ معين، أنها غيرها. ثُمَّ قالَ البيهقي: حديث ابن عقيل يدل على أنها غيرها، كَما قالَ يحيى. قلت: رواية ابن عقيل، عَن ابن إبراهيم بنِ محمد بنِ طلحة، عَن عمه عمران بن طلحة، عَن أمه حمنة صريح في أنها حمنة لا تحتمل غير ذَلِكَ؛ لأن حمنة هي زوج طلحة بنِ عبيد الله، وولدت لَهُ عمران، وَهوَ رواي هَذا الحديث عَن أمه، [وأما أختها حبيب فلم يكن لها ولد بالكلية -: قاله الزبير بنِ بكار وغيره] ، وحينئذ فيحتمل أن تكون حمنة استحيضت، وأختها حبيبة استحيضت - أيضاً. وقد حكى ابن عبد البر هَذا قولاً، قالَ: وقيل: إنهن كلهن استحضن - يعني: زينب، وأم حبيب، وحمنة. وعلى ما ذكره الأولون، فالمستحاضة هي أم حبيب حبيبة خاصة دونَ أختيها. وذكر أبو الوليد بنِ الصفار الأندلسي - وكان مِن أعيان علماء الأندلس - في شرح ((الموطإ)) لَهُ: أن كلا مِن الأخوات الثلاث تسمى زينب، وأن حمنة لقب. قالَ القرطبي: وإذا صح هَذا فَقد صح قول مِن سمى المستحاضة زينب.

стр. 662

قلت: وفي هَذا بعد، وَهوَ مخالف لقول الأئمة المعتبرين، كَما سبق. والله أعلم. ووقع في متن حديث عائشة اختلاف ثالث، وَهوَ أهم مما قلبه، وذلك أنَّهُ اختلف في غسلها لكل صلاة، فَمِن الرواة: مِن ذكر أنها كانت تغتسل لكل صلاة، وأن النبي ﷺ لَم يأمرهم بذلك. ومنهم: مِن ذكر أن النبي ﷺ أمرها بذلك. فأما الذين لَم يرفعوه: فهم الثقات الحفاظ: وقد خرجه البخاري هاهنا مِن حديث ابن أبي ذئب، مِن الزهري، وفي حديثه: ((فكانت تغتسل لكل صلاة)) . وخرجه مسلم مِن طريق الليث، عَن ابن شهاب، عَن عروة، عَن عائشة، وفي حديثه: قالَ الليث: لَم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي. وخرجه - أيضاً - مِن رواية عراك بنِ مالك، عَن عروة، عَن عائشة، وفي حديثه: ((فكانت تغتسل عند كل صلاة)) . وأما الذين رفعوه: فرواه ابن إسحاق، عَن الزهري، عَن عروة، عَن عائشة، أن أم حبيبة استحيضت في عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها بالغسل لكل صلاة. خرجه الإمام أحمد وأبو داود. قالَ: ورواه أبو الوليد الطيالسي،

стр. 663

ولم أسمعه منهُ، عَن سليمان بنِ كثير، عَن الزهري، عَن عروة، عَن عائشة: استحيضت زينب بنت جحش، فقالَ لها النبي ﷺ : ((اغتسلي لكل صلاة)) . وابن إسحاق وسليمان بنِ كثير، في روايتهما عَن الزهري اضطراب كثير، فلا يحكم بروايتهما عَنهُ معَ مخالفة حفاظ أصحابه. وروى يزيد بنِ عبد الله بنِ الهاد، عَن أبي بكر - هوَ: ابن حزم -، عَن عمرة، عَن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد الرحمن بنِ عوف، وأنها استحيضت فلا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله ﷺ فقالَ: ((ليست بالحيضة، ولكنها ركضة مِن الرحم، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لَهُ، فلتترك الصلاة، ثُمَّ لتنظر ما بعد ذَلِكَ فلتغتسل [عند] كل صلاة، ولتصل)) . خرجه الإمام أحمد والنسائي. وَهوَ مخالف لرواية الزهري، عَن عمرة، كَما سبق، ورواية الزهري أصح. وقال الإمام أحمد: كل مِن روى عَن عائشة: الأقراء الحيض، فَقد أخطأ. قالَ: وعائشة تقول: الأقراء الأطهار. وكذا قالَ الشَافِعي في

стр. 664

رواية الربيع، وأشار إلى أن رواية الزهري أصح مِن هَذهِ الرواية. وحكى الحاكم عَن بعض مشايخه: أن حديث ابن الهاد غير محفوظ. وقد روى أن النبي ﷺ أمر أم حبيبة بالغسل لكل صلاة -: يحيى بنِ أبي كثير، عَن أبي سلمة، عَن زينب بنت أبي سلمة. خرجه أبو داود. وقد اختلف في إسناده على يحيى، والصحيح: عَنهُ، عَن أبي سلمة - مرسلاً -: قاله أبو حاتم، معَ أن رواية زينب بنت أبي سلمة مرسلة - أيضاً -، وقيل: عَنهُ، عَن أبي سلمة، عَن أم حبيبة، ولا يصح. ورواه الأوزاعي، عَن يحيى، عَن أبي سلمة مرسلاً، وجعل المستحاضة زينب بنت أبي سلمة، وَهوَ وهم فاحش؛ فإن زينب حينئذ كانت صغيرة. وقد روي عَن طائفة مِن الصحابة والتابعين أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، ومنهم مِن حمل ذَلِكَ على الوجوب. وقد روي عَن ابن عباس أنه قالَ: لا أجد لها إلا ذَلِكَ. ومنهم مِن حمله على الاستحباب، وقد حكي الوجوب رواية عَن أحمد، والمشهور عَنهُ الاستحباب كقول الأكثرين.

стр. 665

وقد تعلق بعضهم للوجوب بأن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل وتصلي، وهذا يعم كل صلاة؛ فإنه كالنهي أن تصلي حتى تغتسل، وقد فهمت المأمورة ذَلِكَ، فكانت تغتسل لكل صلاة، وهي أفهم لما أمرت بهِ. ويجاب عَن ذَلِكَ، بأنَّهُ ﷺ إنما أمرها أن تغتسل إذا ذهبت أيام حيضتها، فلا يدخل في ذَلِكَ غير الغسل عند فراغ حيضتها، وأما ما فعلته فَقد تكون فعلته احتياطاً وتبرعاً بذلك -: كذلك قاله الليث بنِ سعد وابن عيينة والشافعي وغيرهم مِن الأئمة. ويدل على أن أمرها بالغسل لَم يعم كل صلاة: أن عائشة روت أن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل، وقالت عائشة: ((فكانت تغتسل لكل صلاة)) ، فدل على أن عائشة فهمت مِن أمر النبي ﷺ غير ما فعلته المستحاضة، وعائشة راوية الحديث، وهي أفقه وأفهم مِن غيرها مِن النساء. وقد ذهب مالك والشافعي - في أشهر قوليه - في المتحيرة - وهي: المستحاضة التي نسيت وقتها وعددها ولا تمييز لها - أنها تغتسل لكل صلاة وتصلي أبداً. واختلف أصحاب الشَافِعي: هل تقضي أم لا؟ على وجهين لَهُم، واختار ابن سريج مِنهُم: أنها تصلي كل يوم وليلة عشر صلوات بست اغتسالات وأربعة وضوآت، ليسقط الفرض عنها بيقين.

стр. 666

وفي هَذا حرج عظيم، وعسر شديد، والكتاب ناطق بانتفائه عَن هَذهِ الأمة، فكيف تكلف بهِ امرأة ضعيفة مبتلاة، معَ أن دين الله يسر - وليس بعسر. وذهبت طائفة: إلى أن المستحاضة تغتسل كل يوم غسلاً واحد، وروي عَن أحمد ما يدل على وجوبه. وعند أحمد وإسحاق: لها أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، وفي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة عَن النبي ﷺ [مخرجة] في ((السنن)) . وأما قول النبي ﷺ : ((هَذا عرق)) ، وتبويب البخاري هاهنا على هَذهِ اللفظة، فَقد سبق الكلام على معناه مستوفى في ((باب: الاستحاضة)) . وليس في حديث الزهري الذِي خرجه البخاري في هَذا الباب أن النبي ﷺ أمر المستحاضة أن تدع الصلاة أيام حيضها، كَما في حديث هشام بنِ عروة وعراك بنِ مالك، عَن عروة، لكن في حديث هشام: أن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت أبي حبيش، وفي حديث عراك: أمر أم حبيبة بنت جحش. وقد ذكر الأوزاعي، عَن الزهري في حديثه هَذا، أنه ﷺ قالَ لأم حبيبة: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)) ، وتفرد بذلك. وكذلك روى ابن عيينة، عَن الزهري، أن النبي ﷺ أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، وَهوَ وهم منهُ - أيضاً -: قاله الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما ورواه محمد بنِ عمرو، عَن الزهري، وزاد

стр. 667

فيهِ: ((إذا كانَ دم الحيض، فإنه أسود يعرف)) ، وقيل: إنه وهم منهُ - أيضاً -، لكنه جعله عَن عروة، عَن فاطمة بنت أبي حبيش. ورواه سهيل، عَن الزهري، عَن عروة، عَن أسماء بنت عميس، وزاد فيهِ هَذا المعنى - أيضاً. وقد سبق ذكر ذَلِكَ في ((باب: الاستحاضة)) . والمحفوظ عَن الزهري في هَذا الحديث: ما رواه عَنهُ أصحابه الحفاظ، وليس فيهِ شيء مِن ذَلِكَ. والله [ ] أعلم.

стр. 668

٢٧ - باب المرأةِ تحيضُ بعدَ الإفاضةِ خرج فيهِ حديثين: أحدهما:

стр. 669

٣٢٨ - مِن حديث: عمرة، عَن عائشة، أنها قالت لرسول الله ﷺ : إن صفية قَد حاضت، فقالَ رسول الله ﷺ : ((لعلها تحبسنا، ألم تكن طافت معكن؟)) قالوا: بلى. قالَ: ((فاخرجي)) . والثاني:

стр. 670

٣٢٩ - مِن حديث: طاوس، عَن ابن عباس، قالَ: رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت.
следующие страницы →