Полный текст (4 834 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الكلأ فلا يجد الماء؟ قال: لا نرى أن يقيم بالأرض ليس فيها ماء. قال الوليد بن مسلم ذكرته لبعض المشيخة، فقال: سمعت أن معاذ بن جبل ذكر ذلك له، فقال: لو لم يكن لهم ذلك لم يكن لنا أن نتركهم وذلك.
والمنصوص عن أحمد في الحطاب ونحوه: لا يرخص لهم في ترك حمل ماء
الوضوء، وإنه إذا لم يكن معهم ماء فلا يتيممون، وحمله القاضي على أن السفر القصير لا تيمم فيه.
وأجاز طائفة من أصحابنا لمن عدم الماء في الحضر في التيمم في أخر الوقت، وإنهم لا يكلفون طلب الماء مع فوت الوقت مع بعد الماء في الحضر، وأوجب القاضي في ((خلافه)) طلب الماء على الحاضر، وان أدركه بعد الوقت.
وقال صاحب ((المغني)) : من فارق موضع الماء إلى مكان قريب لحرث ونحوه، فحضرت الصلاة، ولا ماء معه، وان رجع إليه فاته غرضه؛ فإنه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه، إلا أن يكون مكان الماء ومكان الحاجة من عمل
стр. 737
واحد، ففي الإعادة وجهان.
وقد سبق ذكر هذه المسألة في ((باب: التماس الماء إذا حانت الصَّلاة)) في ((كتاب: الوضوء)) .
ومنها: أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت فإنه لا إعادة عليه، هذا قول جمهور العلماء، وحكي عن طائفة من السلف وجوب الإعادة.
ولو وجده بعد الوقت، فأجمعوا على أن لا إعادة علية -: حكاه ابن المنذر
وغيره.
وفي ((المسند)) و ((سنن أبي داود)) والنسائي من رواية عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قَالَ: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: ((أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك)) ، وقال للذي توضأ وأعاد: ((لك الأجر مرتين)) .
وقال أبو داود: ذكر أبي سعيد في إسناده وهم ليس بمحفوظ، بل هو مرسل.
واستحب الأوزاعي الإعادة بالوضوء في الوقت من غير إيجاب. ونقله حرب، عن أحمد.
وقال القاضي أبو يعلي: يجوز ولا يستحب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد؛ فإنه قَالَ في رواية صالح: إن أعاد لم
стр. 738
يضره.
وقال الخلال: العمل من قول أبي عبد الله على أنه لا يعيد.
وقال الحسن: أن شاء أعاد، وإن شاء لم يعد.
وصرح أصحاب الشافعي بأن الإعادة غير مستحبة.
وهذا الحديث قد يستدل به على استحباب الإعادة؛ لقوله: ((لك الأجر
مرتين)) . وقد يقال: إصابة السنة أفضل من ذَلكَ.
وقد ذكرنا في ((كتاب: العلم)) في شرح حديث: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين)) أنه ليس كل من له أجره مرتين يكون أفضل من غيره.
ومنها: أنه لا يجب طلب الماء لمن عدمه في غير موضعه الذي هو فيه، وقد أخذ بذلك إسحاق، واستنبطه من فعل ابن عمر هذا.
قال البخاري ﵀:
стр. 739
٣٣٧ - ثنا يحيى بن بُكير: ثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: سمعت عُميراً مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النَّبيّ ﷺ ، حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجلٌ فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ السلام، حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇.
هذا الحديث ذكره مسلم في ((صحيحه)) تعليقاً عن الليث بهذا
стр. 740
الإسناد، وكذا رواه ابن إسحاق، عن الأعرج.
ورواه إبراهيم بن أبي يحيى، عن أبي الحويرث عبد الرحمان بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن الصمة، وزاد، أنه مسح وجهه وذراعيه، وأسقط من إسناده
((عُميراً)) .
ورواه أبو صالح كاتب الليث بن سعد، عنه، وقال في حديثه - أيضا ً -:
((فمسح بوجهه وذراعيه)) .
وأبو صالح تغير بآخرة، وقد اختلف عليه في لفضه، ورواية يحيى بن بُكير أصح.
قال الخطابي: حديث أبي الجهيم في مسح الذراعين لا يصح.
يعني: لا يصح رواية من روى فيه مسح الذراعين.
وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء، ولكن التيمم هنا لم يكن لما تجب له الطهارة، بل لما يستحب له، وقد تقدم ذكر هذا في ((كتاب: الوضوء)) في غير موضع منه، وذكرنا أن عمر كان يتيمم في الحضر لذكر الله ، وهو من رواية علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قَالَ: رأيت
стр. 741
عمر بال ثم أتى الحائط فتمسح به، ثم قال: هذا للذكر والتسبيح حتى تلقى الماء.
خرّجه ابن جرير الطبري.
وهذا يدل على أنه إنما تيمم بمكان ليس فيه ماء، وذكرنا فيما تقدم أن من السلف من كان يتيمم لرواية الحديث ونحو ذلك، وعن أبي العالية أنه تيمم لرد السلام.
وفي المسند عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يخرج فيهريق الماء، فيتيمم بالتراب، فأقول: يا رسول الله، الماء منك قريب، فيقول: ((ما يدريني، لعلي لا
أبلغه)) .
وذكرنا - أيضاً - أن طائفة من أعيان الشافعية كأبي المعالي الجويني - وصاحبه أبي حامد صرحوا بأن من تيمم في الحضر، ثم قرأ القرآن وذكر الله كان جائزاً، استدلالاً بهذا الحديث.
ورد ذلك بعض متأخر يهم، وقال: لم يكن تيمم النبي ﷺ بالمدينة، إنما كان ظاهراً حيث لا يوجد الماء، ولكن كان بقرب المدينة، فإن في هذا الحديث أن النبي ﷺ كان قد أقبل من نحو بئر جمل، وهي خارج المدينة.
وقد روى هذا الحديث عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بنحو حديث أبي الجهيم.
خرجه أبو داود من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قضى
стр. 742
حاجته ثم أقبل في سكة من سكك المدينة، فسلم عليه رجل، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد ﵇.
خرجه أبو داود وغيره.
ورفعه منكر عند أئمة الحفاظ، وإنما هو موقوف عندهم -: كذا قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والبخاري والعقيلي والأثرم.
وتفرد برفعه محمد بن ثابت العبدي، عن نافع. والعبدي ضعيف.
وذكر الأثرم أبي الوليد، أنه سأل محمد بن ثاب هذا: من الذي يقول النبي وابن عمر؟ فقال لا أدري.
ففي هذا الحديث: أن تيمم النبي ﷺ كان في بعض سكك المدينة.
وسيأتي في ((باب: الشعر في المسجد)) أن النبي ﷺ تيمم على جدار المسجد، ثم دخل المسجد.
وقال بعض أصحابنا: يجوز التيمم لرد السلام في الحضر، إذا خشي فوته؛ لان الطهارة لرده مشروعة ندبا لا وجوبا؛ فإنه يجوز الرد مع
стр. 743
الحدث لكن يفوت فعله بالطهارة؛ لأنه على الفور.
واستدل بعضهم بهذا الحديث: على جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوت صلاة الجنازة، كما هو قول كثير من العلماء، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه، وذكر أحمد أنه قول أكثر العلماء: ابن عباس ومن بعده - وذكر الحسن والنخعي وجماعة.
ومن منع من ذلك كمالك والشافعي وأحمد - في الرواية الأخرى -؛ فإنهم قد يفرقون بأن الطهارة بالماء لصلاة الجنازة شرط، فلا يسقط مع القدرة عليه خشية
الفوات، بخلاف الطهارة لرد السلام ونحوه من الذكر، فأنها ليست بشرط فخف أمرها.
وقد أجاب بهذا طائفة من الفقهاء من الشافعية، منهم: الماوردي وأبو الطيب الطبري ونصر المقدسي وغيرهم. وهذا موافق لما تقدم حكايته عن أبي المعالي والغزالي.
والعجب أن صاحب ((شرح المهذب)) حكى ذلك كله في موضعين من
((كتابه)) ، وقال فيما حكاه عن أبي المعالي والغزالي: لا نعرف أحدا وافقهما، وهذا الذي حكاه عن الماوردي وغيره يدل على الموافقة.
стр. 744
٤ - باب
هل ينفخ فيهما ؟
стр. 745
٣٣٨ - حدثنا آدم: ثنا شعبة: ثنا الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه، قَالَ: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت، فلم أجد الماء؟ فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ :
((إنما كان يكفيك هكذا)) ، فضرب بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
وقد خرجه فيما بعد من وجه أخر، وفيه: ((ثم نفضها)) بدل ((نفخ فيهما)) .
وفي رواية لمسلم في ((صحيحه)) أنه ﷺ قال لعمار: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)) .
واستدل بهذا بعض من ذهب إلى أنه لا يشرط في المتيمم به أن يكون له غبار يعلق باليد، كما هو قول مالك وأبي حنيفة
стр. 746
والثوري وغيرهم؛ لان نفخ التراب من اليدين ونفضهما منه قد يزيل ما علق باليد منه أو يخففه حتّى لا يبقى منه ما يعم الوجه والكفين غباره، فلو كان المسح بالغبار شرطا لكان ترك النفخ أولى.
وأجاب عن ذلك بعض من يرى اشتراط الغبار الممسوح به، كأصحاب الشافعي وأحمد: بأن النفخ يدل على أنه علق باليد من التراب ما يخفف منه بالنفخ، وقد قال لعمار: ((إنما يكفيك هكذا)) ، فدل على أنه لا بد في التيمم من تراب يعلق باليد.
وأجاب بعضهم: بأنه ﷺ إنما ذكر النفخ لعمار لا لكون النفخ سنة، بل ليبين له أن المبالغة في التيمم بالتمعك الذي فعله بالتراب ليس بسنة، وأنه يكفي من ذلك أدنى ما يمكن أن يمسح به الوجه والكفان من غباره.
وقد اختلف العلماء في نفخ اليدين من الغبار في التيمم: فمنهم من استحبه، ومنهم من كرهه.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب.
وكره النفض حماد وغيره، واستحبه الحسن ويحيى ابن أبي كثير.
واختلفت الرواية عن أحمد في ذَلكَ: فروي عنه أنه لم يذهب إلى النفخ. وروي عنه أنه قَالَ: أن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل.
ونقل عنه الميموني قَالَ: لا ينفخهما. ثم قَالَ: ومن الناس من ينفضهما، ولست
стр. 747
أنفضهما، وكأني للنفخ أكره.
ونقل عنه حنبل أنه ذكر حديث عمار هذا، وقال: اذهب إليه. قيل له: ينفخ فيهما؟ قَالَ: ينفخ فيهما ويمسحهما.
قال الخلال: العمل من مذهبه: على أنه يجوز فعل ذلك كله: النفخ والنفض، ويجوز تركه.
وقال غيره من أصحابنا: أن كان التراب خفيفا كره النفخ؛ لأنه ينقص به كمال التعميم بالطهور، وإن كان كثيرا ففي كراهته روايتان، والصحيح: لا يكره؛ لأنه تخفيف لا يكره ابتداء، فكذلك دواما.
وللشافعي في تخفيف التراب بالنفخ ونحوه قولان: أحدهما: يستحب. والثاني: لا. وقيل: أن القديم استحبابه والجديد عدم استحبابه.
واختلف أصحابه في ذلك على طريقين: فمنهم من قال: له قولان مطلقا. ومنهم من قال: هما منزلان على حالين، فإن كان التراب كثيرا نفخ، وألا لم ينفخ.
ونقل حرب، عن إسحاق، قال: أن لزق بالكفين تراب كثير نفخهما، وان لم يلزق بهما تراب كثير أجزاه أن لا ينفخ.
قال حرب: ووصف لنا إسحاق التيمم، فضرب بيديه، ثم نفخهما فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه الثانية ولم ينفخهما، ثم مسح ظهور الكفين: اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى.
وروى بإسناده، عن عمار، أنه غمس باطن كفيه بالتراب ثم نفخ يده، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل. وقال عمار: هذا التيمم.
وبإسناده: عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أنه وصف التيمم فمسح ظهر يديه وذراعيه من لدن أصابعه إلى مرفقيه، ثم
стр. 748
من بطن اليدين من لدن مرفقه إلى أصابعه مرتين ينفضهما.
ورواية الزهري، عن سالم، عن ابن عمر المتقدمة أصح من هذه.
وذكر بعض المالكية: أن جواز نفض اليدين من التراب في التيمم قول مالك والشافعي دون استقصاء لما فيهما، لكن لخشية ما يضر به من ذلك من تلويث وجهه، أو شيء يؤذيه.
وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ لما ضرب بيديه الأرض للتيمم نفخ فيهما. واختلفوا في ذلك، فكان الشعبي يقول: ينفضهما. وقال مالك: نفضا خفيفا. وقال الشافعي: لا باس أن ينفض إذا بقي في يده غبار. وقال إسحاق نحوا من قول الشافعي. وقال أحمد: لا يضره فعل أو لم يفعل. وقال أصحاب الرأي: ينفضهما. وكان ابن عمر لا ينفض يديه.
قال ابن المنذر: قول أحمد حسن.
стр. 749
٥ - باب
التيمم للوجه والكفين
стр. 750
٣٣٩ - حدثنا حجاج: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن سعيد بن
عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه: قال عمار - بهذا.
وضرب شعبة بيديه الأرض، ثم أدناهما من فيه، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
قال النضر: أبنا شعبة، عن الحكم: سمعت ذرا، عن ابن عبد الرحمان بن أبزى - قال الحكم: وقد سمعته من ابن عبد الرحمان -، عن أبيه: قال عمار.
стр. 751
٣٤٠ - حدثنا سليمان بن حرب: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه، أنه شهد عمر، وقال له عمار: كنا في سرية فأجنبنا. وقال: تفل فيهما.
стр. 752
٣٤١ - حدثنا محمد بن كثير: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن
عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه، قال: قال عمار لعمر: تمعكت فأتيت النبي، فقال: ((يكفيك الوجه والكفين)) .
стр. 753
٣٤٢ - حدثنا مسلم: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن
стр. 754
عبد الرحمن بن أبزى، عن عبد الرحمان: شهدت عمر، فقال له عمار - وساق الحديث.
стр. 755
٣٤٣ - حدثنا محمد بن بشار: ثنا غندر: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه: قال عمار: فضرب النبي ﷺ بيده الأرض، فمسح وجهه وكفيه.
حديث عمار في التيمم، خرجه البخاري في ((كتابه)) من طريقين:
أحدهما: من طريق أبي وائل، عن أبي موسى، عن عمار، وسيأتي.
والأخر: من رواية عبد الرحمان بن أبزى، عن عمار.
ولم يخرجه من هذا الطريق إلا من رواية شعبة، عن الحكم، عن ذر الهمداني، عن سعيد بن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه، عن عمار.
وقد ساق لفظه بتمامه في الباب الماضي، وأحال في هذا الباب على ما قبله، بقوله: ((قال عمار بهذا)) - يعني: بما سبق من سياق الحديث في الباب الماضي.
ووصف شعبة التيمم المذكور في الحديث بفعله.
وكرر البخاري في هذا الباب طرقه إلى شعبة، وبعضها تعليق؛ لما في ذلك من زيادة فائدة:
ففي رواية سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم، عن شعبة: تصريح عبد الرحمان بن أبزى بسماع هذا الحديث من عمار، ومخاطبته لعمر، وهذه فائدة جليلة.
стр. 756
وفي رواية سليمان بن حرب، عن شعبة: أن النبي ﷺ تفل في يديه لما ضرب بهما الأرض، والمراد بالتفل هنا: النفخ، كما في سائر الروايات.
وفي رواية النضر بن شميل: أن الحكم سمع الحديث من ذر، عن سعيد ابن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه، وسمعه - أيضا - من ابن عبد الرحمان ابن أبزى، عن أبيه، كما سمعه من ذر، عنه.
وذكر البيهقي وغيره: أن ابن أبزى هو سعيد - أيضا.
وقد ذكر البخاري رواية النضير تعليقا، وأسندها مسلم عن إسحاق بن منصور، عنه.
واتفقت رواياتهم على أن النبي ﷺ مسح وجهه وكفيه. وفي رواية محمد بن كثير، عن شعبة أن النبي ﷺ قال لعمار: ((يكفيك الوجه والكفين)) .
وخرجه مسلم من طريق يحيى القطان، عن شعبة، ولفظه: أن النبي ﷺ قال لعمار: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)) .
قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه بمثل حديث ذر. قال: وحدثني سلمة، عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم. انتهى.
وقد كان عند شعبة لهذا الحديث إسناد آخر، رواه عن سلمه بن كهيل، عن
ذر. كما خرجه مسلم من رواية القطان، عن شعبة، ولكن البخاري لم يخرجه عن شعبة من هذا الوجه لأمرين:
стр. 757
أحدهما: أن سفيان الثوري والأعمش روياه عن سلمة بن كهيل؛ فخالفا شعبة في إسناده، على اختلاف عليهما فيه.
والثاني: أن سلمة شك: هل ذكر في الحديث مسح الكفين، أو الذراعين؟ وكان – أحيانا – يحدث سلمة به، ويقول: ((إلى المرفقين)) ، فأنكر ذلك عليه منصور بن المعتمر، فقال سلمة: لا ادري، أذكر الذراعين، أم لا؟
خرج ذَلِكَ أبو داود والنسائي وغيرهما.
ولهذا المعنى أشار مسلم إلى اتحاد الإسناد من رواية الحكم وسلمة، وسكت عن اللفظ؛ فإنه مختلف.
وقد خرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي في ((أحكام القرآن)) له عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن الحكم - بإسناد -، وقال فيه: ((إنما كان يكفيك هكذا)) ، وضرب بيديه الأرض واحدة، فمسح بهما كفيه ووجهه.
وكذا خرجه أبو بكر الأثرم عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، بهذا الإسناد، وعنده: أن النبي ﷺ ضرب بكفيه الأرض ضربة واحدة، ثم نفخها، ومسح بهما وجهه وكفيه.
وقد خرجه النسائي من رواية خالد، عن شعبة، وعنده: أن النبي ﷺ قال له:
((إنما كان يكفيك)) ، وضرب شعبة بكفيه ضربة نفخ فيهما، ثم دلك أحداهما بالأخرى، ثم مسح بهما وجهه.
стр. 758
وفي هذه الرواية تأخير مسح الوجه، لكنه من تفسير شعبة، والظاهر أن شعبة كان أحيانا يحدث بالحديث بلفظه، وأحيانا يفسره بفعله.
وقد اجمع العلماء على أن مسح الوجه واليدين بالتراب في التيمم فرض لا بد منه في الجملة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦]
ولكن اختلفوا في قدر الفرض من ذلك:
فأما الوجه:
فمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء: أنه يجب استيعاب بشرته بالمسح بالتراب، ومسح ظاهر الشعر الذي عليه، وسواء كان ذلك الشعر يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالشعر الخفيف الذي يصف البشرة، أم لا، هذا هو الصحيح.
وفي مذهبنا ومذهب الشافعي وجه أخر: أنه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها، ولا يجب عند أصحابنا إيصال الماء إلى باطن الفم والأنف، وان وجب عندهم المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
وعن أبي حنيفة روايات، إحداها: كقول الشافعي وأحمد. والثانية: أن ترك قدر درهم يجزئه، وان ترك دونه أجزأه. والثالثة: أن ترك دون ربع الوجه أجزأه، وإلا فلا. والرابعة: أن مسح أكثره وترك الأقل منه أو من الذراع أجزأه، وإلا فلا. وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر.
وحكى ابن المنذر، عن سليمان بن داود الهاشمي: أن مسح التيمم
стр. 759
حكمه حكم مسح الرأس في الوضوء يجزئ فيه البعض.
وكلام الإمام أحمد يدل على حكاية الإجماع على خلاف ذلك.
قال: الجوزجاني: ثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي، قال: سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعض وجهه في التيمم؟ قال: يعيد الصلاة. فقلت له: فما بال الرأس يجزئ في المسح ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم؟ فقال: لم يبلغنا أن أحدا ترك ذَلكَ من تيممه.
قَالَ الشالنجي: وقال أبو أيوب –يعني: سليمان بن داود الهاشمي -: يجزئه في التيمم أن لم يصب بعض وجهه أو بعض كفيه؛ لأنه بمنزلة المسح على الرأس؛ إذا ترك منه بعضا أجزأه.
قال الجوزجاني: فذكرت ذلك ليحيى بن يحيى ـ يعني: النيسابوري ـ، فقال: المسح في التيمم كما يمسح الرأس، لا يتعمد لترك شئ من ذلك، فإن بقي شئ منه لم يعد، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء.
قال الجوزجاني: لم نسمع أحدا يتبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم كما يتبع في الوضوء بالتخليل، فأحسن الأقاويل منها ما ذكره يحيى بن يحيى: أن لا يتعمد ترك شئ من ذلك، فإن بقي شئ لم يعد. انتهى.
وظاهر هذا: يدل على أن مذهب سليمان بن داود ويحيى بن يحيى والجوزجاني: أنه إذا ترك شئ من وجهه ويديه في التيمم لم يعد الصلاة.
стр. 760
ونقل حرب، عن إسحاق، أنه قال تضرب بكفيك على الأرض ثم تمسح بهما وجهك، وتمر بيديك على جميع الوجه واللحية، أصاب ما أصاب وأخطأ ما أخطأ ثم تضرب مرة أخرى بكفيك.
ومراد إسحاق: أنه لا يشترط وصول التراب إلى جميع أجزاء الوجه، كما يقوله من يقوله من الشافعية وغيرهم، حتى نص الشافعي: أنه لو بقي من محل الفرض شئ لا يدركه الطرف لم يصح التيمم.
واستشكل أبو المعالي الجويني تحقق وصول التراب إلى اليدين إلى المرفقين بضربة واحدة، وقال: الذي يجب اعتقاده أن الواجب استيعاب المحل بالمسح باليد المغبرة من غير ربط الفكر بانبساط الغبار على جميع المحل. قال: وهذا شئ اظهر به، ولم أرَ منه بدا.
وحكى ابن عطية في ((تفسيره)) عن محمد بن مسلمة من المالكية: أنه لا يجب أن يتبع الوجه بالتراب كما يتبع بالماء وجعله كالخف ومابين الأصابع في اليدين ـ يعني: في التيمم.
وحكى في وجوب تخليل الأصابع وتحريك الخاتم قولين لأصحابهم: بالوجوب، والاستحباب.
وحكى ابن حزم في وجوب تخليل اللحية بالتراب اختلافا.
وأما اليدان:
فأكثر العلماء على وجوب مسح الكفين: ظاهرهما
стр. 761
وباطنهما بالتراب إلى الكوعين، وقد ذكرنا أن بعض العلماء لم يوجب استيعاب ذلك بالمسح.
وحكى ابن عطية عن الشعبي: أنه يمسح الكفين فقط؛ لحديث عمار، وانه لم يوجب إيصال التراب إلى الكوعين، وهذا لا يصح. والله أعلم.
وإنما المراد بحديث عمار، وبما قاله الشعبي وغيره من مسح الكفين:
مسحهما إلى الكوعين، وقد جاء ذلك مقيدا، رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم: سمع ذر بن عبد الله، عن ابن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، أن النبي ﷺ قال له: ((إنما كان يجزئك)) وضرب رسول الله ﷺ بيده الأرض إلى التراب، ثم قال: ((هكذا)) ، فنفخ فيهما، ومسح وجهه ويديه إلى المفصل وليس فيه الذراعان.
وروى إبراهيم بن طهمان، عن حصين، عن أبي مالك، عن عمار بن ياسر، أن النبي ﷺ قال له: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرصغين)) .
خرجه الدارقطني، وقال: لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان ووقفه شعبته وزائدة وغيرهما.
يعني أنهم رووه عن حصين عن أبي مالك، عن عمار موقوفا، والموقوف اصح ـ: قاله أبو حاتم الرازي.
وأبو مالك، قال الدارقطني: في سماعه من عمار
стр. 762
نظر؛ فإن سلمة بن كهيل رواه عن أبي مالك، عن ابن أبزى، عن عمار.
وقال أبو حاتم: يحتمل أنه سمع منه.
وأبو مالك، هو: الغفاري، سأل أبو زرعة: ما أسمه؟ فقال: لا يسمى.
وقال البيهقي أسمه حبيب بن صهبان.
وفيما قاله نظر؛ فإن حبيب بن صهبان هو: أبو مالك الكاهلي الأسدي، وأم الغفاري فأسمه: غزوان -: قاله ابن معين. وقد فرق بينهما ابن أبي حاتم، ووقع في بعض نسخ البخاري، غير أن البخاري متوقف غير جازم لان حبيب بن صهبان يكنى: أبا حاتم، ولا أن أبا مالك الغفاري اسمه: غزوان.
وروي حديث عمار على وجه أخر: فروى الأعمش، عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمان بن أبزى، عن عمار، أن النبي ﷺ قال له: ((أنما كان يكفيك هكذا)) ، ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب أحداهما على الأخرى، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين ولم يبلغ المرفقين، ضربة واحدة.
خرجه أبو داود.
وخرجه - أيضا - من طريق سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل، عن
стр. 763
أبي مالك، عن عبد الرحمان بن أبزى، قال: كنت عند عمر، فقال عمار: قال النَّبيّ ﷺ : ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا)) ، وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع.
وخرجه النسائي من طريق سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك - وعن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبزى ـ، عن عبد الرحمان بن أبزى، قال: كنا عند عمر ـ فذكر الحديث، وفيه: ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه.
وقد رواه عن سلمة بن كهيل: شعبة، وسفيان، والأعمش، واختلف عنهم في إسناده.
وقد تقدم: أن في رواية شعبة أن سلمة شك: هل ذكر فيه الذراعين، أو الكفين خاصة، وهذا يدل على أن ذكر الذراعين أو بعضهما لم يحفظه سلمه، إنما شك فيه، لكنه حفظ الكفين وتيقنهما، كما حفظه غيره.
وعلى تقدير أن يكون ذكر بعض الذراعين محفوظا فقد يحمل على الاحتياط لدخول الكوعين، أو يكون من باب المبالغة وإطالة التحجيل، كما فعله أبو هريرة في الوضوء، وقد صرح الشافعية باستحبابه في التيمم - أيضا.
وقد روي عن قتادة، قال: حدثني محدث عن الشعبي، عن عبد الرحمان بن أبزى، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ قال: ((إلى المرفقين)) .
стр. 764
خرجه أبو داود.
وهذا الإسناد مجهول لا يثبت.
والصحيح: عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن عمار، أن النبي ﷺ أمره بالتيمم للوجه والكفين.
خرجه الترمذي وصححه.
وخرجه أبو داود، ولفظه أن النبي ﷺ أمره بالتيمم: ضربة واحدة للوجه
والكفين.
وقد روي عن عمار، أنهم تيمموا مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط: من رواية الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ابن عمار، قال: نزلت رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع النبي، فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
وقد اختلف في إسناده على الزهري:
فقيل: عنه، كما ذكرنا.
وقيل: عنه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار، كذا رواه عنه: مالك وابن عيينة، وصحح قولهما
стр. 765
أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان.
وقيل: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار ـ مرسلا.
وهذا حديث منكر جدا، لم يزل العلماء ينكرونه، وقد أنكره الزهري راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس ـ: ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما.
وروي عن الزهري، أنه امتنع أن يحدث به، وقال: لم اسمعه إلا من عبيد الله. وروي عنه، أنه قال: لا ادري ماهو؟! .
وروي عن مكحول، أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث. وعن ابن عيينة، أنه امتنع أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه.
وسأل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشئ. وقال ـ أيضا ـ: اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه. وقال: ما أرى العمل عليه.
وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان:
أحدهما: أن النبي ﷺ لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنما فعلوه عند نزول الآية؛ لظنهم أن اليد المطلقة تشمل اليدين والذراعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة، وضن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل، ثم بين النبي ﷺ التيمم بفعله وقوله: ((التيمم للوجه والكفين)) ، فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه ﷺ ، ومنهم عمار راوي الحديث؛ فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين كما رواه حصين، عن أبي مالك، عنه، كما سبق.
وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة.
стр. 766
والثاني: ما قاله الشافعي، وانه أن كان ذلك بأمر رسول الله ﷺ ، فهو منسوخ؛ لان عمارا اخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت أية التيمم، فكل تيمم كان للنبي ﷺ بعده مخالف له، فهو له ناسخ.
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء.
وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهري، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه.
وروي عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، أن الزهري قال: التيمم إلى الآباط. قال سعيد: ولا يعجبنا هذا.
قلت: قد سبق عن الزهري أنه أنكر هذا القول، واخبر أن الناس لا يعتبرون به، فالظاهر أن رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته. والله أعلم.
وذهب كثير من العلماء إلى أنه ينتهي المسح لليدين بالتراب إلى المرفقين:
هذا مروي عن ابن عمر وجابر ﵃ وروي - أيضا - سالم بن عبد الله والشعبي، والحسن، والنخعي، وقتادة، وسفيان، وابن المبارك، والليث، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه.
واستدل بعضهم: بالأحاديث المرفوعة المروية في ذلك، ولا يثبت منها شيء، كما سبق الإشارة إلى ذلك.
стр. 767
واستدلوا - أيضا -: بان الله تعالى أمر بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين، ثم ذكر في التيمم مسح الوجه واليدين، فينصرف إطلاقهما في
стр. 768
التيمم إلى تقييدهما في
الوضوء، لا سيما وذلك في آية واحدة، فهو أولى من حمل المطلق على المقيد في آيتين.
وأجاب من خالفهم: بان المطلق إنما يحمل على المقيد في قضية واحدة، والوضوء والتيمم طهارتان مختلفتان، فلا يصح حمل مطلق أحدهما على مقيد الأخر.
ويدل على ذلك: أن أصحاب النبي ﷺ عند نزول أية التيمم لم يفهموا حمل المطلق على المقيد فيها، بل تيمموا إلى المناكب والآباط، وهم أعلم الناس بلغة العرب، ثم بين النبي ﷺ أن التيمم للوجه والكفين، وهو - أيضا - ينافي حمل المطلق على المقيد فيها.
وذهب آخرون: إلى أن التيمم يمسح فيه الكفان خاصة.
والثاني: بن المنذر لأهل هذه المقالة قولين: أحدهما يمسح الكفين إلى الرسغين، وحكاه عن علي. والثاني: يمسح الكفين مطلقا. قال: هو قول عطاء، ومكحول، والشعبي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
قال: وبهذا نقول للثابت عن نبي الله ﷺ ، أنه قال ((التيمم ضربة للوجه
والكفين)) .
قلت: هذا يوهم أن من قال بسمح الوجه والكفين، أنه لا ينتهي مسحهما إلى الكوعين، وهذا كما حكاه ابن عطية عن الشعبي، كما سبق عنه، وليس هذا قول الأئمة المشهورين.
стр. 769
وقد روى داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه سئل عن التيمم، فقال: أن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] ، وقال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة ٦] ، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨] ، فكانت السنة في القطع الكفين، إنما هو، الوجه والكفين - يعني: التيمم.
خرجه الترمذي، وقال حسن صحيح غريب.
وروى الحكم بن أبان، عن عكرمة هذا المعنى - أيضاً.
وكذلك استدل بهذا الدليل مكحول وأحمد وغيرهما من الأئمة، وقالوا: أن القطع يكون من الرسغ، فكذلك التيمم.
والرسغ: هو مفصل الكف، وله طرفان، هما عظمان، فالذي يلي الإبهام
كوع، والذي يلي الخنصر كرسوع.
ومضمون هذا الاستدلال: أن اليد إذا أطلقت انصرفت إلى الرسغ، وان قيدت بموضع تقيدت به، فلما قيدت بالمرفقين في الوضوء وجب غسل الذراعين إلى المرفقين، ولما أطلقت في التيمم وجب إيصال
стр. 770
التراب الرسغ، كما تقطع يد السارق ويد المحارب منه.
وكذلك قال الأوزاعي: التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوعين.
وكذلك نص إسحاق على أن التيمم يبلغ إلى الرسغ، وخطأ من قال: لا يجزئ ذلك. وقال الصحيح عن النبي ﷺ المعروف المشهور الذي يرويه الثقة عن الثقة بالأخبار الصحيحة: أن النبي ﷺ علم عمار بن ياسر التيمم للوجه والكفين. قال: وعلى ذلك كان علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، والشعبي، معطاء، ومجاهد، ومكحول وغيرهم، فلا يجوز لأحد أن يدعي على هؤلاء أنهم لم يعرفوا التيمم. قال: ولو قالوا الذراعين: أحب إلينا اختيارا لكان أشبه.
وروى حرب بإسناده، عن زائدة، عن حصين بن عبد الرحمان، عن أبي مالك، عن عمار، أنه غمس باطن كفيه بالتراب، ثم نفخ يده، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل.
وبإسناده: عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: التيمم ضربتين: ضربة للوجه، وضربة للكفين.
قَالَ: وثنا أحمد بن حنبل: ثنا سليمان بن حيان: أبنا حجاج،
стр. 771
عن عطاء
والحكم، عن إبراهيم، قَالَ: التيمم ضربتان للكفين والوجه.
قال: وثنا محمود بن خالد: ثنا الوليد بن مسلم، عن حامد وسعيد بن
بشير، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين.
قال الوليد: وأبنا الأوزاعي، عن عطاء أنه كان يقول في التيمم: مسحة واحدة للوجه، ثم ضربة أخرى لكفيه. وبه يأخذ الأوزاعي.
وروى حرب بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: سالت الشعبي عن
التيمم؟ فضرب بيديه الأرض، ثم قرن أحداهما بالأخرى، ثم مسح وجهه وكفيه.
قال حرب: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، يبدأ بوجه ثم يمسح كفيه أحداهما بالأخرى. قيل له: صح حديث عمار، عن النبي ﷺ في ذلك؟ قال: نعم، قد صح.
والقول بان الواجب في التيمم مسح الكفين فقط: رواية عن مالك، وقول قديم للشافعي، قال في القديم - فيما حكاه البيهقي في ((كتاب المعرفة)) -: قد روي عن النبي ﷺ في الوجه والكفين، ولو اعلمه ثابتاً لم أعده. قَالَ: فإنه ثبت عن عمار، عن النبي ﷺ الوجه والكفين، ولم يثبت إلى المرفقين، فما يثبت عن النبي ﷺ أولى، وبهذا الحديث كان يفتي سعد بن سالم. انتهى.
стр. 772
ومن العلماء من قال: الواجب مسح اليدين إلى الكوعين، ويستحب مسحهما إلى المرفقين، ولعله مراد كثير من السلف - أيضا –؛ فإن منهم من روي عنه: إلى الكوعين. وروي عنه: إلى المرفقين، كالشعبي وغيره، فدل على أن الكل عندهم
جائز.
وهو - أيضا - رواية عن مالك، وقول وكيع، وإسحاق، وطائفة من
أصحابنا، وحكوه رواية عن أحمد، المنصوص عنه يدل على أن ذلك جائز، لا أنه
أفضل.
وسيأتي ذكر الضربة الواحدة ووالضربتين فيما بعد - أن شاء الله تعالى -؛ فإن البخاري افرد لذلك باباً.
стр. 773
٦ - باب
الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء
وقال الحسن: يجزئه التيمم ما لم يحدث.
وأم ابن عباس وهو متيمم.
وقال يحيى بن سعيد: لا باس بالصلاة على السبخة والتيمم بها أو عليها.
ما بوب عليه البخاري من أن الصعيد الطيب وضوء المسلم: قد روي عن النبي ﷺ ، ولكن إسناده ليس على شرط البخاري، وقد خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي من حديث أبي قلابة، عن عمر ابن بجدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، قال: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم)) - وفي رواية: ((طهور المسلم - وان لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير)) .
وقال الترمذي: حسن صحيح.
стр. 774
وخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) ، والدارقطني، وصححه، والحاكم.
وتكلم فيه بعضهم؛ لاختلاف وقع في تسمية شيخ أبي قلابة؛ ولأن عمرو ابن بجدان غير معروف -: قاله الإمام أحمد وغيره.
وقد روى هذا - أيضا - من حديث ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
خرجه الطبراني والبزار.
ولكن الصحيح عن ابن سيرين مرسلا -: قاله الدارقطني وغيره.
وأما ما حكاه عن الحسن، أنه يجزئه التيمم ما لم يحدث، فهذا قول كثير من العلماء، وحكاه ابن المنذر عن ابن المسيب، والحسن، والزهري، والثوري، وأصحاب الرأي، ويزيد بن هارون. قال: وروي ذلك عن ابن عباس، وأبي جعفر.
وحكاه غير ابن المنذر - أيضا - عن عطاء، والنخعي والحسن بن صالح، والليث بن سعيد، وهو رواية عن أحمد، وقول أهل الظاهر.
واستدل لهذه المقالة بحديث: ((الصعيد الطيب طهور المسلم)) ، كما أشار إليه البخاري، وأشار إليه الإمام أحمد - أيضا.
والمخالفون يقولون: المراد أنه في حكم الوضوء والطهور في استباحة ما يستباح بالطهور بالماء لا في رفع الحدث، بدليل قوله: ((فإذا وجدت الماء
стр. 775
فأمسه بشرتك)) ، ولو كان الحدث قد ارتفع لم يقيد بوجود الماء.
وقد طرد أبو سلمة بن عبد الرحمان قوله في أنه يرفع الحدث، فقال: يصلي به، وإن وجد الماء قبل الصلاة، ولا ينتقض تيممه إلا بحدث جديد. وكذا قال في الجنب إذا لم تيمم ثم وجد الماء: لا غسل عليه.
وهذا شذوذ عن العلماء، ويرده قوله: ((فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك)) ، ومن العجب أن أبا سلمة ممن يقول: أن من يصلي بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت أنه يعيد الصلاة، وهذا تناقض فاحش.
وذهب أكثر العلماء إلى أنه يتيمم لكل صلاة، روي ذلك عن علي وابن عمر واستدل أحمد بقولهما، وعن عمرو بن العاص، وابن عباس في رواية عنه.
وروي الحسن بن عماره، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة والحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى.
وهذا في حكم المرفوع، إلا أن الحسن بن عمارة ضعيف جداً.
وهو قول الشعبي، وقتادة، والنخعي، ومكحول، وشريك، ويحيى
следующие страницы →