← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

فيقبض منها، إذ يغشى السدرة ما يغشى، قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات. وخرجه الترمذي بمعناه، وعنده: ((فأعطاه ثلاثا لم يعطهن نبيا كان قبله)) . وقد يعارض هذا ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((أمني جبريل عند البيت مرتين)) ، فذكر أنه صلى به الصلوات الخمس أول يوم في أول وقت، وفي اليوم الثاني في أخر وقت إلا المغرب، قال: ((ثم التفت إلي جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين)) . وإن صح هذا فيحمل على أن الأنبياء كانت تصلي هذه الصلوات دون أممهم.

стр. 842

ويدل عليه: ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ، أن النبي ﷺ قال: ((اعتموا بهذه الصلاة - يعني: صلاة العشاء -، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها امة قبلكم)) . وقول ابن مسعود: ((أن سدرة المنتهى في السماء السادسة)) يعارضه حديث أنس المرفوع من طرقه كلها؛ فإنه يدل على أنها في السماء السابعة أو فوق السماء السابعة، والمرفوع أولى من الموقوف. وفي حديث الزهري، عن أنس، في سدرة المنتهى: ((غشيها ألوان، لا ادري ما هِيَ)) . وفي حديث قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة، عن النبي ﷺ ، قال: ((ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال: هذه سدرة المنتهى)) . في حديث ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: ((ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما احد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها)) . خرجه مسلم. وروى مسدد: ثنا يحيى، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: ((انتهيت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل الجرار، وإذا ورقها مثل آذان

стр. 843

الفيلة، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتة أو نحو ذلك)) . وخرجه الإمام أحمد، وعنده: ((تحولت ياقوتا وزمردا)) . وخرج الترمذي من حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: سمعت رسول الله ﷺ وذكر سدرة المنتهى، قال: ((يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة، أو يستظل بظلها مائة راكب، فيها فراش الذهب، كأن ثمرها القلال)) . وخرجه الجوزجاني وغيره بزيادة في آخرة، وهي: ((فقلنا يا رسول الله، فماذا رأيت عندها؟ قَالَ: ((فماء مفضض)) . وفي حَدِيْث أبي جَعْفَر الرَّازِي، عَن الربيع بْن أنس، عَن أبي العالية أو غيره، عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيّ ﷺ فذكر حَدِيْث الإسراء بطوله، وفيه: ((ثُمَّ انتهى النَّبِيّ ﷺ إلى السدرة، فَقِيلَ لَهُ: هذه السدرة ينتهي إليها كل احد خلا من أمتك عَلَى سنتك، فإذا هِيَ شجرة يخرج من أصلها انهار من ماء غير آسن وانهار من لبن لَمْ يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين، وانهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب فِي ظلها سبعين عاما لا يقطعها، والورقة مِنْهَا مغطية للأمة كلها. قَالَ: فغشيها نور الخلاق ، وغشيها الملائكة أمثال الغربان حِينَ تقع عَلَى الشجر من

стр. 844

حب الله )) - وذكر بقية الحديث. خرجه البزار في ((مسنده)) وابن جرير في ((تفسيره)) والبيهقي في ((البعث والنشور)) وغيرهم، وفي إسناده بعض اختلاف، وروي موقوفا غير مرفوع. وفي هذا تفسير لما تقدم من أنه غشيها فراش من ذهب، فإن الفراش مثل الجراد ونحوه، مما يطير ويقع على الشجر. وقوله: ((ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ)) ، اختلفت النسخ في هذه اللفظة: ففي بعضها: ((جنابذ)) ، والمراد بها: القباب، وكأنها شبهت - والله أعلم - بجنابذ الورد قبل تفتحها. وقد ثبت في حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: ((أن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلا)) . وفي بعض النسخ: ((حبائل)) بالحاء المهملة واللام، وفي بعضها: ((جبايل)) بالجيم واللام. وقد قال الأكثرون: أن ذلك كله تصحيف وغلط.

стр. 845

وزعم بعضهم: أن حبائل - بالحاء المهملة واللام - جمع حبال، وان حبالا جمع حبل، والحبل: ما استطال من الرمل المرتفع كهيئة الجبال، فيكون المراد بذلك: أن في الجنة تلالا من لؤلؤ. والصحيح: ((جنابذ)) . والله أعلم. وقوله: ((وإذا ترابها المسك)) ، والمراد - والله أعلم -: أن رائحة ترابها رائحة المسك، وأما لونه فمشرق مبهج كالزعفران، يدل عليه: ما في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((الجنة ملاطها المسك، وتربتها الزعفران)) . خرجه الإمام أحمد والترمذي، وابن حبان في صحيحه. والملاط: التراب الذي يختلط بالماء، فيصير كالطين، فلونه لون الزعفران في بهجته وإشراقه. وريحه كريح المسك، وطعمه كطعم الخبز، يؤكل. يدل على ذلك: ما في ((صحيح مسلم)) عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ لابن صائد: ((ما تربة الجنة؟)) قال: در مكة بيضاء مسك يا أبا القاسم، قال: ((صدقت)) . وفي ((المسند)) عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ لليهود: ((إني سائلهم عن تربة الجنة، وهي در مكة بيضاء)) ، فسألهم، فقالوا: هي خبزة يا أبا القاسم، فقال رسول الله ﷺ : ((الخبز من الدرمك)) .

стр. 846

وهذا يدل على أن لونها بيضاء، وقد يكون منها ما هو ابيض ومنها ماهو اصفر كالزعفران. والله أعلم. الحديث الثاني:

стр. 847

٣٥٠ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أنا مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة ابن الزبير، عن عائشة، قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. تريد عائشة ﵂: أن الله تعالى لما فرض على رسوله الصلوات الخمس ليلة الإسراء، ثم نزل إلى الأرض وصلى به جبريل ﵇ عند البيت، لم تكن صلاته حينئذ إلا ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، ثم أقرت صلاة السفر على تلك الحال، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ركعتين، ومرادها: الصلاة الرباعية خاصة. ويدل عليه: ما خرجه البخاري في ((الهجرة)) من حديث معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعاً، وتركت صلاة السفر على الأول. كذا خرجه من رواية يزيد بن زريع، عن معمر، وقال: تابعه عبد الرزاق، عن معمر. وخرجه البيهقي من رواية

стр. 848

عبد الرزاق عن معمر، ولفظه: ((فرضت الصلاة على النبي ﷺ بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعاً، وأقرت صلاة السفر ركعتين)) . وقال: هذا التقييد تفرد به معمر عن الزهري، وسائر الثقات أطلقوه - يعني: لم يذكروا الأربع. انتهى. وفي تقييدها الزيادة بالأربع دليل على أنه إنما زيد في الحضر الرباعية خاصة. وقد ورد ذلك صريحا عنها في رواية أخرى خرجها الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان أول ما افترض على رسول الله ﷺ من الصلاة ركعتان ركعتان، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا، ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعاً في الحضر، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر. وخرج الإمام أحمد - أيضا - عن عبد الوهاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، إلا المغرب فرضت ثلاثا؛ لأنها وتر. قَالَتْ: وكان رَسُول الله ﷺ إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا المغرب، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب؛ فإنها وتر، والصبح؛ لأنه يطول فيها القراءة. وفي رواية أخرى له بهذا الإسناد:

стр. 849

كان أول ما افترض على رسول الله ﷺ ركعتان ركعتان، إلا المغرب؛ فإنها كانت ثلاثا، ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا في الحضر، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر. وخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) من طريق محبوب بن الحسن، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ولفظه: فرض صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما أقام رسول الله ﷺ بالمدينة زيد في صلاة الحضر، وتركت صلاة الفجر، لطول القراءة، وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار. وخرجه البيهقي من وجه أخر عن داود كذلك. وهذه الرواية إسنادها متصل، وهي تدل على أن إتمام الظهر والعصر والعشاء أربعاً تأخرالى ما بعد الهجرة إلى المدينة. وكذلك روى أبو داود الطيالسي: ثنا حبيب بن يزيد الانماطي: ثنا عمرو ابن هرم، عن جابر بن زيد، قال: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي بمكة ركعتين - تعني: الفرائض -، فلما قدم إلى المدينة وفرضت عليه

стр. 850

الصلاة أربعاً وثلاثا صلى وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تماما للسفر. وخرج الطبراني هذا المعنى - أيضا - بإسناد ضعيف عن سلمان الفارسي ﵁. وخرج الإسماعيلي في ((مسند عمر)) من رواية إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم وأرطاة بن المنذر، عن حكيم بن عمير، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد: أما بعد، فإنما كانت الصلاة أول الإسلام ركعتين، فقال الناس: إنا قد امرنا أن نسبح أدبار السجود ونصلي بعد كل صلاة ركعتين، فلما رأى النبي ﷺ تطوعهم صلاها أربعاً، وأمرهُ الله بذلك، فكان يسلم بين كل ركعتين، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتم الصلاة، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ويعلن بالثانية، فافعلوا ذلك. هذا إسناد ضَعِيف منقطع، ومتن منكر. وقد عارض هذا كله: ما روي أن جبريل أم النبي ﷺ عند البيت أول ما فرضت الصلاة، وصلى به أربعاً. فخرج الدارقطني من طريق جرير بن حازم، عن قتادة عن أنس، أن جبريل أتى رسول الله ﷺ -

стр. 851

بمكة حين زالت الشمس، فأمره أن يؤذن للناس بالصلاة حين فرضت عليهم، فقام جبريل أمام النبي ﷺ ، وقام الناس خلف رسول الله ﷺ . قال: فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة، يأتم الناس برسول الله ﷺ ، ويأتم رسول الله ﷺ بجبريل ﵇، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيها بالقراءة، يأتم المسلمون برسول الله ﷺ ويأتم رسول الله ﷺ بجبريل، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات، يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة، ثم أمهله حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات، يجهر في الأوليين ولا يجهر الأُخريين بالقراءة، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة. ثم خرجه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ بنحوه مرسلاً. وهذا المرسل اصح، وروايات جرير بن حازم عن قتادة خاصة فيها منكرات كثيرة، لا يتابع عليها، ذكر ذلك أئمة الحفاظ: منهم أحمد وابن معين وغيروهما. ومراسيل الحسن. فيها ضعف عند الاكثرين، وفيه نكارة في متنه في

стр. 852

ذكر التاذين للصلاة؛ والأذان لَمْ يكن بمكة، إنما شرع بالمدينة. خرجه البيهقي من طريق شيبان، عَن قتادة، قَالَ: حدّث الْحَسَن – فذكره مرسلا، وذكر أنه نودي لهم:: ((الصلاة جامعة)) . وخرجه أبو داود ((في مراسيله)) من رواية سعيد عن قتادة عن الحسن. وروى البيهقي باسنادة من حديث يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد، عن أبي مسعود، قال: أتى جبريل النبي ﷺ ، قال: قم فصل؛ وذلك دلوك الشمس، فقام فصلى الظهر أربعاً - وذكر عدد الصلوات كلها تامة في اليومين. ثم قال: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري، إنما هو بلاغ بلغه. وقد نقل إسحاق بن منصور، عن إسحاق بن راهويه، قال: كل صلاة صلى النبي ﷺ بمكة كانت ركعتين ركعتين، إلا المغرب ثلاثا، ثم هاجر إلى المدينة، ثم ضم إلى كل ركعتين ركعتين، إلا الفجر والمغرب، تركهما على حالهما. قال: وصلى جبريل بالنبي ﷺ بمكة عند المقام مرتين. وممن قال: أن الصلوات الخمس فرضت ركعتين ركعتين: الشعبي، والحسن في رواية، وابن إسحاق.

стр. 853

وقالت طائفة: فرضت الصلاة اول ما فرضت أربعاً، إلا المغرب والصبح، كذلك قال نافع بن جبير بن مطعم، والحسن في رواية، وابن جريج، وهو اختيار إبراهيم الحربي، ورجحه ابن عبد البر، وتمسكوا بما لا حجة لهم فيه، ولا يعارض حديث عائشة. وفي حديث عائشة فوائد كثيرة تتعلق بقصر الصلاة في السفر، تذكر في أبواب قصر المسافر - أن شاء الله تعالى.

стр. 854

٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب وقول الله ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ومن صلى ملتحفا في ثوب واحد ويذكر عن سلمة بن الأكوع، أن النبي ﷺ قال: ((يزره ولو بشوكة)) . وفي إسناده نظر. ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم ير فيه أذى وأمر النبي ﷺ أن لا يطوف بالبيت عريان. أما قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فإنها نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة، وقد صح هذا عن ابن عباس، واجمع عليه المفسرون من السلف بعده. وقد ذكر الله هذه الآية عقب ذكره قصة ادم ﵇، وما جرى له ولزوجه مع الشيطان حتى أخرجهما من الجنة، ونزع عنهما لباسهما حتى بدت عوراتهما، فقال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٧] . ثم قال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨] .

стр. 855

والمراد بالفاحشة هنا: نزع ثيابهم عند الطواف بالبيت، وطوافهم عراة كما كان عادة أهل الجاهلية. ثم قال بعد ذلك: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . والمراد بذلك: أن يستروا عوراتهم عند المساجد، فدخل في ذلك الطواف والصلاة والاعتكاف وغير ذلك. وقال طائفة من العلماء: أن الآية تدل على اخذ الزينة عند المساجد، وذلك قدر زائد على ستر العورة، وإن كان ستر العورة داخلا فيه وهو سبب نزول الآيات، فإن كشف العورة فاحشة من الفواحش، وسترها من الزينة، ولكنه يشمل مع ذلك لبس ما يتجمل به ويتزين به عند مناجاة الله وذكره ودعائه والطواف ببيته؛ ولهذا قَالَ تعالى عقب ذَلِكَ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] . وروى موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين له)) . خرجه الطبراني وغيره. وقد روى جماعة هذا الحديث عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أو عن عمر - بالشك في ذلك. خرجه البزاز وغيره. وخرجه أبو داود. كذلك بالشك، ولم يذكر

стр. 856

فيه ((فإن الله أحق من تزين له)) . وروي ذكر التزين من قول ابن عمر، فروي عن أيوب، عن نافع، قال: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد، قال: الم أكسك ثوبين؟ قلت: نعم، قال: فلو أرسلتك في حاجة كنت تذهب هكذا؟ : قلت: لا. قال: فالله أحق أن تزين له. أخرجه الحاكم وغيره. والمحفوظ في هذا الحديث رواية من رواه بالشك في رفعه -: قاله الدارقطني. وممن أمر بالصلاة في ثوبين: عمر، وابن مسعود، وقال ابن مسعود: إذ وسع الله فهو أزكى. واستدل من قال: أن المأمور به من الزينة أكثر من ستر العورة التي يجب سترها عن الأبصار بأن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء، وبان من صلى عاريا خاليا لا تصح صلاته، وبان المرآة الحرة لا تصح صلاتها بدون خمار، مع أنه يباح لها وضع خمارها عند محارمها، فدل على أن الواجب في الصلاة أمر زائد على ستر العورة التي يجب سترها عن النظر. وأما الصلاة في ثوب واحد ملتحفا به، ففيه عدة أحاديث عن النبي ﷺ ؛ وقد خرج البخاري بعضها، وستأتي في موضعها - أن شاء الله.

стр. 857

وأما حديث سلمة بن الأكوع الذي علقه البخاري، وقال: في إسناده نظر؛ فهو من رواية موسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع، قال: قلت: يا رسول الله؛ إني رجل أصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قَالَ: ((نَعَمْ، زره ولو بشوكة)) . خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان فِي ((صحيحه)) ، والحاكم وصححه. واستدل به طائفة من فقهاء أهل الحديث على كراهة الصلاة في قميص محلول الإزار، منهم: إسحاق بن راهويه، وسليمان بن داود الهاشمي، والجوزجاني وغيرهم. وقال الإمام أحمد فيمن صلى في قميص ليس عليه غيره: يزره ويشده. وقال - أيضا -: ينبغي أن يزره. وقد روى هذا الحديث عن موسى بن إبراهيم: الدراوردي - ومن طريقه خرجه أبو داود - وعطاف بن خالد - ومن طريقه خرجه الإمام أحمد والنسائي. وموسى هذا، زعم ابن القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وذكر ذلك عن البرقاني، وأنه نقله عن أبي داود، فلزم من ذلك أمران يضعفان إسناده: أحدهما ضعف موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي؛ فإنه متفق عليه. والثاني: انقطاعه؛ فإن موسى هذا لم يرو عن سلمة، إنما يروي عن أبيه، عن سلمة. وذكر أن

стр. 858

الطحاوي رواه عن ابن أبي داود، عن ابن أبي قتيلة، عن الدراوردي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة. قال: فحديث أبي داود علي هذا منقطع. هذا مضمون ما ذكره ابن القطان، وزعم أن هذا هو النظر الذي أشار إليه البخاري بقوله: في إسناده نظر. والصحيح: أن موسى هذا هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، نص على ذلك علي بن المديني -: نقله عنه القاضي إسماعيل في كتاب ((أحكام القرآن)) ، وكذا نقله المفضل الغلابي في ((تاريخه)) عن مصعب الزبيري، وكذا ذكره أبو بكر الخلال في كتاب ((العلل)) ، وصرح به - أيضا - من المتأخرين عبد الحق الإشبيلي وغيره، ولذلك خرج هذا الحديث ابن حبان في ((صحيحه)) ؛ فإنه لا يخرج فيه لموسى بن محمد بن إبراهيم التيمي شيئا؛ للاتفاق على ضعفه. وقد فرق بين الرجلين يحيى بن معين - أيضا -، ففي ((تاريخ الغلابي)) عن يحيى بن معين: موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي

стр. 859

يضعف، جاء بأحاديث منكرات. ثم بعد ذلك بقليل، قال: موسى بن إبراهيم المديني، يروي عن سلمة بن الأكوع، عن النبي ﷺ في الصلاة في القميص الواحد: ((زره ولو بشوكة)) - ثبت. وفي ((تاريخ مضر بن محمد)) ، عن ابن معين نحو هذا الكلام - أيضا -، إلا أنه قال في الذي روى حديث الصلاة في القميص: ليس به بأس، ولم يقل: ثبت. وكذلك أبو حاتم الرازي، صرح بالفرق بين الرجلين. قال ابن أبي حاتم في ((كتابه)) : موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، روى عن سلمة بن الأكوع، وعن أبيه عن أنس، روى عنه عطاف بن خالد، وعبد الرحمان بن أبي الموالي، وعبد العزيز ابن محمد، سمعت أبي يقول ذلك، وسمعته يقول: موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي خلاف هذا، ذاك شيخ ضعيف الحديث. انتهى. وتضعيفه التيمي دون هذا يدل على أن هذا ليس بضعيف. وكذا فرق بينهما علي بن ألمديني، فيما نقله عنه أبو جعفر بن أبي

стр. 860

شيبة في ((سؤالاته له)) ، وقال في التيمي: ضعيف، ضعيف، وقال في الذي يروي عن سلمة: كان صالحا وسطا. وكذلك فرق بينهما ابن حبان، وذكر موسى بن إبراهيم هذا في ((ثقاته)) . وكذلك صرح بنسبه أبو حاتم الرازي، فيما نقله عنه ابنه في كلامه على ((أوهام تاريخ البخاري)) . وقد ورد التصريح بنسبة موسى هذا في روايات متعددة: فروى الشافعي: أنا عطاف بن خالد والدراوردي، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الاكوع، قال: قلت يا رسول الله، أنا نكون في الصيد، فيصلي احدنا في القميص الواحد؟ قال: ((نعم، وليزره، ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة)) . وروى الإمام أحمد في ((المسند: ثنا هاشم بن القاسم: ثنا عطاف، عن موسى بن أبي ربيعة، قال: سمعت بن الاكوع - فذكر الحديث. ورواه الاثرم في ((سننه)) : ثنا هشام بن بهرام: ثنا عطاف، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن أبي بيعة المخزومي، أن سلمة بن الاكوع كان إذا قدم المدينة نزل على ابنه إبراهيم في داره، قال: فسمعتة

стр. 861

يقول: قلت: يا رسول الله، أني أكون في الصيد، وليس علي إلاّ قميص واحد، أفأصلي فيه؟ قال ((نعم، وزره وان لم تجد إلا شوكه)) . وكذلك رواه علي بن المديني، عن الدراوردي: أخبرني موسى بن عبد الرحمان، أنه سمع سلمة بن الاكوع - فذكره. ففي هذه الروايات التصريح بنسبته وبسماعه من سلمة. وأما رواية ابن أبي قتيله، عن الدراوردي فلا يلتفت إليها؛ فإن الشافعي وعلي بن المديني وقتيبة بن سعيد وغيرهم رووه عن الدراوردي على صواب، ولم يكن ابن أبي قتيلة من أهل الحديث، بل كان يعيبهم ويطعن عليهم، وقد ذكر عند الإمام أحمد أنه قال: أهل الحديث قوم سوء! فقال أحمد: زنديق! زنديق! زنديق! . وقد روه أبو أويس، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة - أيضا. ذكره البخاري في ((تاريخه)) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه - قال البيهقي: والأول أصح. يعني: رواية من لم يذكر في اسنادة: ((عن أبيه)) . وذكر البخاري في ((تاريخه)) : موسى بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة، سمع سلمة بن الأكوع، روى عنه عطاف بن خالد. وروى عبد الرحمان بن أبي الموالي، عن موسى بن إبراهيم بن أبي

стр. 862

ربيعة عن أبيه، عن أنس، أنه رأى النبي ﷺ صلى في ثوب واحد ملتحفاُ فيه. وهذا الحديث خرجه الإمام أحمد، عن أبي عامر العقدي، عن ابن أبي الموالي. فهذا هو النظر الذي أشار البخاري إلى إسناده في ((صحيحه)) ، وهو الاختلاف فِي إسناد الحَدِيْث على موسى بن إبراهيم. وفي كونه علة مؤثرة نظر؛ فإن لفظ الحديثين مختلف جدا، فهما حديثان مختلفان إسناداً ومتنا. نعم؛ لرواية ابن أبي الموالي، عن موسى، عن أبيه، عن أنس علة مؤثرة، وهي أن عبد الله بن عكرمة رواه عن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة - وهو: والد موسى -، عن جابر، عن النبي ﷺ ، وقد خرج حديثه الإمام أحمد. ولعل هذة الرواية أشبه؛ فإن متن هذا الحديث معروف عن جابر بن عبد الله، لا عن أنس. لكن نقل ابن أبي حاتم، عن أبيه في كلام جاء على ((أوهام تاريخ البخاري)) : أن رواية موسى عن أبيه عن أنس، ورواية إبراهيم والد موسى عن جابر من غير رواية ابنه موسى. وهذا يدل على أن الإسنادين محفوظان. وأما حديث الصلاة في القميص وزره بالشوكة، فلا يعرف إلا بهذا الإسناد عن سلمة، فلا يعلل بحديث غيره. والله أعلم. وأما قوله: ((من صلى في الثوب الذي يجامع فية إذا لم ير فيه أذى)) ، فهذا فيه غير حديث، لكنها ليست على شرطه:

стр. 863

فروى يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حديج، عن معاوية بن أبي سفيان، أنه سال أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ هل كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ قالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى. خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وخرج الإمام أحمد من رواية ضمرة بن حبيب، أن محمد بن أبي سفيان الثقفي حدثه، أنه سمع أم حبيبة تقول: رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وعلي وعليه ثوب واحد، فيه كان ما كان. وروى الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد، عن معاوية بن أبي سفيان، قال: دخلت على أم حبيبة ورسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد، فقلت: إلا أراه يصلي كما أرى؟ قالتا: نعم، وهو الثوب الذي كان فيه ما كان. خرجه أبو يعلى الموصلي. ويعيش ثقة، إلا أني لا أظنه أدرك معاوية. وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سال رجل النبي ﷺ أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ قالَ: ((نعم، إلا أن ترى شيئا فتغسله)) .

стр. 864

وقال أبو حاتم الرازي والدارقطني: الصواب وقفه على جابر بن سمرة. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: هذا الحديث لا يرفع عن جابر بن سمرة. يشير إلى أن من رفعه فقد وهم. وخرج ابن ماجه من رواية الحسن بن يحيى ألخشني: ثنا زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدر داء، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ورأسه يقطر ماء، فصلى بنا في ثوب واحد متوشحا به، قد خالف بين طرفيه، فلما انصرف قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله، تصلي بنا في ثوب واحد؟ قَالَ: ((نعم، اصلي فيه، وفيه)) - أي: قد جامعت فيه. والخشني هذا، قال ابن معين فيه: ليس بشيء. وأما أمر النبي ﷺ أن لا يطوف بالبيت عريان؛ فهو حديث صحيح، وقد خرجه البخاري في موضع أخر من حديث أبي هريرة، وسيأتي

стр. 865

قريبا - أن شاء الله. وهو من أحسن ما يستدل به على النهي عن الصلاة عريانا؛ لأن الطواف يشبه بالصلاة، فالمشبه به أولى. وقد روي عن ابن عباس - مرفوعا، وموقوفا -: ((الطواف بالبيت صلاة)) . خرج البخاري في هذا الباب حديث أم عطية: فقال:

стр. 866

٣٥١ - ثنا موسى بن إسماعيل: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن محمد، عن أم عطية، قالت: امرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور، يشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن المصلى. قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب؟ قَالَ: ((لتلبسها صاحبتها من جلبابها)) . وقال عبد الله بن رجاء: ثنا عمران: ثنا محمد بن سيرين: حدثتنا أم عطية: سمعت النبي ﷺ بهذا. وإنما ذكر رواية عمران عن ابن سيرين وإن لم تكن على شرطه؛

стр. 867

لأن فيها التصريح بسماع ابن سيرين له من أم عطية له من النبي ﷺ ؛ فإن من الرواة من رواه عن ابن سيرين، عن أخته، عن أم عطية، والصحيح: رواية ابن سيرين، عن أم عطية -: قاله الدارقطني وغيره؛ فلذلك أشار البخاري إلى رواية عمران المصرحة بذلك. و ((الجلباب)) : قال ابن مسعود ومجاهد وغيروهما: هو الرداء، ومعنى ذلك: أنه للمرآة كالرداء للرجل، يستر أعلاها، إلا أنه يقنعها فوق رأسها، كما يضع الرجل رداءه على منكبيه. وقد فسر عبيدة السلماني قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنّ﴾ [الأحزاب:٥٩] بأنها تدنيه من فوق رأسها، فلا تظهر إلا عينها، وهذا كان بعد نزول الحجاب، وقد كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرآة وجهها وكفاها، وكان ذلك ما ظهر منها من الزينة في قوله : ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] . ثم أمرت بستر وجهها وكفيها، وكان الأمر بذلك مختصا بالحرائر دون الإماء، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩] ، يعني: حتى تعرف الحرة فلا يتعرض

стр. 868

لها الفساق، فصارت المرآة الحرة لا تخرج بين الناس إلا بالجلباب، فلهذا سئل النبي ﷺ لما أمر النساء بالخروج في العيدين، وقيل له: المرآة منا ليس لها جلباب؟ فقال: ((لتلبسها صاحبتها من جلبابها)) - يعني تعيرها جلبابا تخرج فيه. وإذا علم هذا المعنى، ففي إدخال هذا الحديث في ((باب: اللباس في الصلاة)) نظر؟ فإن الجلباب إنما أمر به للخروج بين الناس؛ لا للصلاة، ويدل عليه: أن الأمر بالخروج دخل فيه الحيض وغيرهن، وقد تكون فاقدة الجلباب حائضا، فعلم أن الأمر بإعارة الجلباب إنما هو للخروج بين الرجال، وليس من باب اخذ الزينة للصلاة؛ فإن المرآة تصلي في بيتها بغير جلباب بغير خلاف، وإنما تؤمر بالخمار، كما روي عن عائشة عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار)) . خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه.

стр. 869

وفي إسناده اختلاف، وقد روي موقوفا على عائشة ومرسلا؛ ولذلك لم يخرجه البخاري ومسلم؛ وخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في ((صحيحيهما)) . وفي رواية لها: ((لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار)) . وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم، أن المراة إذا أدركت فصلت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن على المرأة الحرة البالغ أن تخمر رأسها إذا صلت، وأنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها إعادة الصلاة. قال: وأجمعوا أن لها أن تصلي وهي مكشوفة الوجه. واختلفوا فيما عليها أن تغطي في الصلاة: فقالت طائفة: عليها أن تغطي ما سوى وجهها وكفيها، وهو قول الاوزاعي، والشافعي، وأبي ثور. وقال أحمد: إذا صلت تغطي كل شيء منها ولا يرى منها شيء، ولا ظفرها. وقال أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام: كل شيء من المراة عورة، حتى ظفرها.

стр. 870

قلت: قد تقدم أن كشف وجهها في الصلاة جائز بالإجماع، والخلاف في الكفين، وفيه عن أحمد روايتان. وقال الحسن: إذا بلغت المحيض فصلت ولم توار أذنيها فلا صلاة لها. وعند أبي حنيفة: لا يجب عليها ستر اليدين ولا القدمين. وأما الوجه، فقد ذكر ابن المنذر وغيره الإجماع على جواز كشفه في الصلاة، وهذا يدل على أن اخذ المراة الجلباب في صلاة العيدين ليس هو لأجل الصلاة، بل هو للخروج بين الرجال، ولو كانت المراة حائضا لا تصلي فإنها لا تخرج بدون جلباب.

стр. 871

٣ - باب عقد الإزار على القفا في الصلاة وقال أبو حازم، عن سهل: صلوا مع رسول الله ﷺ عاقدي أزرهم على عواتقهم. حديث سهل بن سعد هذا قد خرجه البخاري بإسناده، وسيأتي قريبا - أن شاء الله تعالى. وأسند في هذا الباب حديث جابر من طريقين: أحدهما:

стр. 872

٣٥٢ - من طريق: واقد بن محمد، عن محمد بن المنكدر، قال: صلى جابر في إزار، قد عقده من قبل قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب، فقال له قائل: تصلي في إزار واحد؟ قال: إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك، وأينا كان له ثوبان على عهد رسول الله ﷺ ؟! والثاني:

стр. 873

٣٥٣ - من طريق:

стр. 874

عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، قال: رأيت جابرا يصلي في ثوب واحد، وقال: رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب. ليس في هذا الباب حديث مرفوع صريح في الصلاة في إزار واحد معقود على القفا؛ وإنما في الرواية الأولى ذلك من فعل جابر، وفي حديث سهل من فعل الصحابة خلف النبي ﷺ ، وهو شبيه بالمرفوع. والمرفوع في الباب: هو الصلاة في ثوب واحد، من غير بيان كيفية لبسه. وقد خرج البخاري فيما بعد هذا الباب من رواية ابن أبي الموالى - أيضا - عن ابن المنكدر، قال: دخلت على جابر وهو يصلي في ثوب ملتحفاً به، ورداؤه موضوع، فلما أنصرف قلنا: يا أبا عَبْد الله، تصلي ورداؤك موضوع؟ قال: نعم: أحببتُ أن يراني الجهال مثلكم، رأيت النبي ﷺ يصلي هكذا. وهذا يدل على أنه رأى النبي ﷺ يصلي في إزار بغير رداء، ورواية واقد بن محمد عن ابن المنكدر التي خرجها البخاري في هذا الباب صريحة في أن جابرا عقد إزاره من قبل قفاه، فظهر من كلا الروايتين أن جابرا صلى في إزار عقده من قفاه،

стр. 875

وانه اخبر أنه رأى النبي ﷺ يصلي كذلك. ويؤخذ هذا - أيضا - من نهي النبي ﷺ أن يصلي الرجل في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شيء. وقد خرجه البخاري فيما بعد، وسيأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى. قال الخطابي: يريد أن لا يتزر به في وسطه، ويشد طرفيه على حقويه، ولكن يتزر به ويرفع طرفيه، فيخالف بينهما، ويشد عقده على عاتقيه، فيكون بمنزلة الإزار والرداء. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله - يعني: أحمد - يصلي الفرض وعليه إزار واحد متوشحا به، وقد عقد طرفيه في قفاه. قال القاضي أبو يعلى: هذا محمول على أنه كان صغيرا لم يمكنه أن يخالف بين طرفيه، فعقده من ورائه. يشير إلى أن الارتداء بالثوب أفضل من الاتزار به، وسيأتي بيان ذلك في الباب الآتي - أن شاء الله تعالى. وخرج الطبراني بإسناد ضعيف، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في ثوب متوشحا، فلم ينل طرفاه، فعقده.

стр. 876

٤ - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به وقال الزهري في حديثه: الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه. وقالت أم هانئ: التحف النبي ﷺ بثوب، وخالف بين طرفيه على عاتقيه. حديث أم هانئ قد خرجه البخاري في هذا الباب، وإنما مراده هنا: تفسير الالتحاف المذكور فيه، وقد حكى عن الزهري أنه فسره بالتوشح، وذكر أن التوشح والالتحاف والاشتمال بالثوب المأمور به في الصلاة: هو أن يطرح الثوب على منكبيه، ويرد طرفيه على عاتقيه، فإن لم يردهما فهو السدل المنهي عنه، كما سنذكره - أن شاء الله تعالى. وقد فسر يعقوب بن السكيت التوشح، فقال: هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره. وفرق الأخفش بين التوشح والاشتمال، فقال: التوشح: هو أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى، فيلقيه على منكبه الأيمن، ويلقي طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر. قال: والاشتمال: أن يلتف الرجل بردائه أو بكسائه من رأسه

стр. 877

إلى قدميه، يرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر. خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: حديث عمر بن أبي سلمة، وخرجه من طرق: فخرجه أولا:

стр. 878

٣٥٤ - عن عبيد الله بن موسى: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة، أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه. وبدأ بهذه الطريق لعلوها؛ فإنه رواه عن عبيد الله بن موسى - وهو: العبسي الكوفي -، عن هشام بن عروة سمعه منه. وقد قيل: أنه لم يرو عنه في ((كتابه)) بغير واسطة غير هذا الحديث، وهذا وهم؛ فإنه روى عنه - أيضا - بغير واسطة أول حديث في ((كتاب الإيمان)) ، وهو حديث: ((بني الإسلام على خمس)) . ثم قال:

стр. 879

٣٥٥ - ثنا محمد بن المثنى: ثنا يحيى، عن هشام، قال: حدثني أبي، عن عمر ابن أبي سلمة، أنه رأى النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة، قد ألقى طرفيه على عاتقيه. ويحيى هو: القطان، وفي هذه الرواية: زيادة تصريح هشام بسماعه له من أبيه، ورؤية عمر بن أبي سلمة لذلك من النبي ﷺ .

стр. 880

ثم قال:
следующие страницы →